محمود سامح همام
باحث في الشئون الأفريقية

في أعقاب سلسلة من الانقلابات العسكرية التي ضربت كل من مالي وبوركينا فاسو والنيجر، وجدت السياسات الأوروبية نفسها أمام تحدٍ غير مسبوق في منطقة الساحل الأوسط، التي لطالما شكلت امتدادًا استراتيجيًا لأمن الاتحاد الأوروبي جنوب المتوسط؛ حيث جاءت هذه الانقلابات كرد فعل على أزمات متراكمة في البنية الأمنية والسياسية لتلك الدول، كان أبرز مظاهرها الفشل في مواجهة الإرهاب، وتآكل سلطة الدولة في المناطق الريفية، وغياب التنمية الاقتصادية والاجتماعية.
وبعد سيطرة النخبة العسكرية الجديدة على الحكم في هذه الدول، برز بصورة واضحة أن هناك تحولًا في بنية الخطاب الرسمي في اتجاه استعادة السيادة الوطنية ومقاومة الهيمنة الغربية، بالإضافة إلى الاتجاه نحو تشكيل سياسية خارجية وتحالفات استراتيجية جديدة، وفي مقدمتها التوجه المتصاعد نحو روسيا باعتبارها أحد الداعمين الرئيسيين في المجال الأمني، وهو التحول الذي تم ترجمته في تشكيل تحالف ثلاثي بين كل من النيجر ومالي وبوركينا فاسو، يرتكز على رؤية مختلفة للعلاقات الخارجية، قوامها الأساسي يتمثل في الانفصال عن الشراكة الأوروبية التقليدية، كما لم تتوقف أبعاد هذا التغيير على اتجاهات السياسة الخارجية بل امتد ليشمل مجموعة من الإجراءات الداخلية مثل تقييد المجتمع المدني، وكبح الحريات السياسية، وتأجيل المسار الديمقراطي إلى أجل غير مسمى؛ إذ قامت السلطات المالية والنيجيرية بحل جميع الأحزاب السياسية، في حين علقت بوركينا فاسو النشاط الحزبي منذ انقلاب سبتمبر 2022، وهو ما يعكس توجّهًا أكثر نحو السيطرة الكاملة على مجريات الأوضاع الداخلية والذي يزداد رسوخًا مع مرور الوقت.
أولًا: انكماش النفوذ الأوروبي وصراع الجغرافيا السياسية
بينما يتجه المشهد الداخلي في دول الساحل إلى مزيد من الانغلاق السياسي، والتدهور الأمني، تبرز أزمة مزدوجة أمام الاتحاد الأوروبي والمتمثلة في أزمة فقدان النفوذ ومتطلبات إعادة تحديد الأولويات الجيوسياسية في منطقة تُعدّ بوابةً رئيسية للهجرة غير النظامية، والتهريب العابر للحدود وعصابات الجريمة المنظمة، بالإضافة إلى اعتبارها مجالًا حيويًا لتنافس قوى دولية وإقليمية فاعلة مثل روسيا، تركيا، الصين.
وقد أدى انقطاع التعاون الأمني والدبلوماسي مع الأنظمة العسكرية الجديدة إلى تقويض ما يقارب عقدًا من الاستثمار الأوروبي في تعزيز النفوذ في داخل هذه الدول والمنطقة. وردًا على هذا الانكماش، كلفت رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين، في سبتمبر 2024، مسئولة السياسة الخارجية كايا كالاس بإعادة صياغة نهج أوروبي جديد تجاه الساحل الأوسط، محذرةً من تنامي المخاطر المؤثرة على الاستقرار الإقليمي. إلا أن زخم التحرك الأوروبي ظل محدودًا بفعل أولويات داخلية أوروبية متزاحمة، وغياب رؤية واقعية تتماشى مع المتغيرات المحلية في بلدان الساحل.
وفي ضوء هذا الواقع، بات من الضروري على الاتحاد الأوروبي تبني مقاربة جديدة أكثر اتزانًا، تراعي التحولات المحلية دون التخلي عن المبادئ التأسيسية للسياسة الخارجية الأوروبية، وعلى رأسها تعزيز السلام، والديمقراطية، وحماية المدنيين. ويتمثل جوهر هذه المقاربة في إعادة صياغة السردية الأوروبية تجاه الساحل، بحيث تقوم على الاعتراف بالمصالح المشتركة، وتجاوز الخطاب المناهض لروسيا، وقبول فكرة السيادة الإقليمية التي يتبناها القادة الجدد، مع عدم السماح بتآكل القيم الحقوقية الأساسية.
وتتطلب هذه الاستراتيجية أيضًا تعزيز البُعد المؤسساتي الأوروبي في المنطقة، عبر تمكين الممثل الخاص للاتحاد الأوروبي في الساحل، جواو كرافينيو، من قيادة جهود الانخراط السياسي، وتوسيع صلاحيات وفود الاتحاد الأوروبي لتعزيز التواصل مع الفاعلين المحليين، سواء الرسميين أو المجتمعيين. كما ينبغي أن يركز الدعم الأوروبي المستقبلي، لا سيما الأمني منه، على حماية المدنيين وتشجيع السلطات على البحث في حلول غير عسكرية للأزمات، عبر تفعيل آليات الحوار مع الفئات المهمشة والمجتمعات المتأثرة بالعنف.
على الصعيد الإقليمي، يُفترض أن يُسهم الاتحاد الأوروبي في منع تمدد الفوضى الأمنية إلى دول الجوار، من خلال تفعيل الحوار الإقليمي وإحياء أطر التعاون الأمني الشامل، التي جُمّدت بفعل القطيعة الدبلوماسية الأخيرة. ويتعين على أوروبا كذلك العمل مع شركائها الأفارقة والدوليين لتخفيف حدة التوترات بين دول المنطقة، خاصة في ظل التنافس الجيوسياسي المتسارع على النفوذ في الساحل.
وفي الأمد المتوسط والبعيد، يتوجب على الاتحاد الأوروبي الاستثمار في معالجة الجذور العميقة للعنف، عبر دعم برامج تعزز فرص العمل، وتوسيع المشاركة السياسية، لاسيما للنساء والفئات المهمشة، وهو ما يسهم في تحصين المجتمعات المحلية ضد الاختراقات المسلحة والخطابات الراديكالية.
ثانيًا: شراكة أوروبية منهارة وواقع جيوسياسي جديد
على امتداد ما يقارب عقدًا من الزمن، كان للاتحاد الأوروبي حضور مركزي في منطقة الساحل الأوسط، من خلال شراكات أمنية وتنموية مع الحكومات المنتخبة ديمقراطيًا في مالي وبوركينا فاسو والنيجر. وضمن هذا الإطار، أسهمت أوروبا في تقديم التدريب والمساعدة الفنية للقوات المسلحة، إلى جانب دعم مبادرات التنمية الاقتصادية والمجتمعية، عبر نهج متعدد الأبعاد يضع الأمن، والحكم الرشيد، والتنمية في حزمة متكاملة. وقد قادت فرنسا هذا الجهد إلى حد بعيد، مدعومةً من شركاء دوليين كالأمم المتحدة والولايات المتحدة.
غير أن هذه المقاربة سرعان ما اصطدمت بواقع محلي أكثر تعقيدًا، فالتصورات الشعبية حول الديمقراطية شُوّهت بسبب تفشي الفساد، وتآكل الثقة في مؤسسات الدولة، وهو ما مهّد الطريق لسلسلة من الانقلابات المتتالية كما حدث في مالي عام 2020 وفي عام 2021 وبوركينا فاسو في عام 2022، والنيجر في عام 2023؛ حيث شكّلت هذه الانقلابات لحظة فاصلة أنهت بصورة فعلية حقبة الشراكة الأوروبية التقليدية في المنطقة، وأسهمت في انهيار أغلب البعثات الأمنية والعسكرية الأوروبية، لا سيما بعد طرد بعثات الاتحاد من النيجر ومالي، مع بقاء هامشي لبعض البعثات المدنية والاستشارية.
من ناحية أخرى، وعلى الرغم من أن الأنظمة العسكرية الجديدة في الدول الثلاث بررت استيلاءها على السلطة بوعد استعادة الأمن وبسط السيادة، إلا أن الواقع الأمني كشف سريعًا عن فشل استراتيجيتها التي ارتكزت على الرد العسكري الأحادي ورفض أي مسار سياسي تفاوضي. ففي ظل توسع الاعتماد على الطائرات المسيّرة والمرتزقة الروس، تراجعت محاولات الحوار مع الجماعات المسلحة والمجتمعات المهمشة، وهو ما أدى إلى استفحال العنف، خصوصًا في المناطق الريفية التي باتت تحت سيطرة المتمردين.
وقد شهد عام 2024 تصاعدًا في الهجمات التي استهدفت مراكز حضرية كانت سابقًا محصنة نسبيًا، أبرزها باماكو في مالي، وجيبو في شمال بوركينا فاسو، بالإضافة إلى تمدد غير مسبوق للعنف جنوبًا ليطال شمالي بنين وتوجو. وهذا التدهور الميداني، المتناقض مع الخطاب الرسمي المُطمئن للأنظمة العسكرية، كشف حدود الفاعلية العسكرية المجردة، وأعاد طرح جدوى التعاون مع تلك الأنظمة التي تبدو عاجزة عن إعادة الاستقرار رغم قبضة الحكم على مجريات الأوضاع الداخلية.
ثالثًا: ضغوط دبلوماسية وتوتر علاقات أوروبا بدول منطقة الساحل
أدت الانقلابات العسكرية في مالي وبوركينا فاسو والنيجر إلى تعقيد البيئة الدبلوماسية في منطقة الساحل؛ حيث تجمدت المساعدات الإنمائية الأوروبية، وأُغلقت مشاريع التعاون المرتبطة بالحكومات المركزية وانتقل تركيز الاتحاد الأوروبي إلى دعم المجتمع المدني، والمساعدات الإنسانية، ومشاريع الإعلام، كوسيلة لتجاوز قنوات الدولة الرسمية. لكن التخفيضات المالية كانت كبيرة، ففي النيجر وحدها، تم تعليق نحو 80% من برامج الاتحاد الأوروبي عقب الانقلاب. وفي ظل هذا المناخ، أصبحت علاقات العمل مشروطة من طرف سلطات الساحل؛ حيث فرضت شروطها الخاصة ووجهت انتقادات علنية للاتحاد الأوروبي، مطالبة في بعض الحالات بتغيير السفراء. وعلى الصعيد الإقليمي، اتخذت الدول الثلاث خطوة تصعيدية بتأسيس تحالف دول الساحل(AES) في أواخر عام 2023، في مواجهة الجماعة الاقتصادية لدول غرب إفريقيا (ECOWAS)، وهو ما أدى إلى تفكك مجموعة دول الساحل الخمس، التي كانت أحد أعمدة الاستراتيجية الأوروبية في المنطقة.
كما ترافقت هذه القطيعة مع توتر إقليمي إضافي؛ إذ شهدت مالي صدامًا دبلوماسيًا مع الجزائر، بينما اتهمت بوركينا فاسو جيرانها في كوت ديفوار بمحاولات تقويض استقرارها، ووجهت النيجر اتهامات مماثلة لبنين. بهذا، تراجعت أي آفاق لتعاون إقليمي بناء، وهذه التطورات صعدت من صعوبات العودة الأوروبية إلى المسرح السياسي في الساحل.
رابعًا: الموقف الأوروبي بين الانخراط المشروط والانكفاء التكتيكي
تواجه بروكسل حالة من الانقسام الداخلي بشأن كيفية التعامل مع الأنظمة العسكرية في الساحل. فبينما تميل فرنسا إلى الحذر وترفض إعادة تطبيع العلاقات دون شروط واضحة، تتخذ إيطاليا موقفًا أكثر براجماتية، وتواصل تعاونها الأمني المحدود في النيجر. أما دول مثل السويد والدنمارك فقد أغلقت بعثاتها الدبلوماسية، في حين تحاول دول أخرى كبلجيكا وإسبانيا والبرتغال لعب دور الوسيط لبناء توافق أوروبي جديد.
وفي خضم هذه المواقف المتباينة، يسعى جواو كرافينيو، الممثل الخاص الجديد للاتحاد الأوروبي، إلى بلورة نهج موحد يعيد التوازن بين المبادئ الأوروبية والقابلية السياسية للانخراط. وفيما يتزايد الإدراك بأن استمرار العزلة الكاملة ليس خيارًا واقعيًا، يظل التحدي الأكبر في كيفية الحفاظ على المصداقية الأخلاقية للاتحاد الأوروبي، دون استعداء حكومات الساحل التي تستند إلى سرديات سيادية ومناهضة للغرب تجد صدى داخل مجتمعاتها، خصوصًا بين فئة الشباب.
وبين مساري الاعتراف بالتحولات وتثبيت القيم تُدرك بروكسل اليوم أن العودة إلى النموذج السابق من الشراكة لم يعد ممكنًا، وأن بناء استراتيجية جديدة يتطلب الاعتراف بأخطاء الماضي، وتجاوز خطاب المساعدة أو الردع الروسي، نحو سردية تُركّز على المصالح المشتركة وتعترف بشرعية تطلع مجتمعات الساحل إلى السيادة والمساءلة المحلية، حتى وإن جاءت تحت أنظمة غير ديمقراطية.
وفي هذا السياق، ينبغي أن يُعاد توجيه الدعم الأوروبي للديمقراطية ليصبح أقرب إلى تعزيز التمثيل المحلي والفضاء المدني، عوضًا عن فرض نماذج ليبرالية لا تحظى بثقة الشارع. فالديمقراطية، كما أظهرت التجربة، لا تُبنى عبر القنوات الرسمية وحدها، بل من القاعدة إلى القمة، وبالتوازي مع التنمية الاقتصادية والعدالة الاجتماعية.
كما يمكن النظر إلى الأمن كمدخل للحوكمة من خلال العمل على مقاربة شاملة، رغم أن الأمن يظل أولوية أوروبية في المنطقة، فإن تجربة السنوات الماضية أثبتت أن المقاربة الأحادية العسكرية غير كافية. ومع فشل التحالفات العسكرية الجديدة في كبح الجهاديين، قد تنضج الشروط الموضوعية قريبًا لعودة طرح العقيدة الأمنية الأوروبية، القائمة على الدمج بين الحماية المدنية، والتنمية، وإصلاح الحوكمة. وعلى الاتحاد الأوروبي أن يكون مستعدًا لهذه اللحظة، عبر الحفاظ على وجوده السياسي والدبلوماسي في المنطقة، ودعم الفاعلين المحليين، وتعزيز شراكات إقليمية بديلة، بما في ذلك التعاون الاقتصادي والتنسيق في مواجهة التغير المناخي والنزوح الداخلية والهجرة غير الشرعية.
في الختام: إن استعادة الحضور الأوروبي في منطقة الساحل لا يعني بالضرورة العودة إلى النمط القديم، بل إعادة صياغة الحضور بما يتناسب مع التحولات الجارية. ويكمن التحدي في الموازنة بين المبادئ والبراغماتية، وبين الضغط القيمي والانخراط الذكي. وفي هذا الإطار، يمكن للممثل الخاص للاتحاد، بالتعاون مع وفود الاتحاد الأوروبي، أن يؤدي دورًا حاسمًا في إدارة الحوار، ورصد الديناميكيات الداخلية، واقتراح تدخلات مرنة وقابلة للتنفيذ. وعلى المدى البعيد، تبقى التنمية الاقتصادية، وتعزيز قدرات المجتمعات المحلية، ودعم مشاركة المرأة والفئات المهمشة، أهم ركائز الاستقرار المستدام، وأكثر تعبيرًا عن القيم الجوهرية التي يسعى الاتحاد الأوروبي لتكريسها، دون أن يُكرر أخطاء الماضي أو يُغذّي مظلوميات تُستخدم لاحقًا لتبرير الاستبداد أو التبعية الجديدة.

