أحمد محمد فاروق
باحث في الشئون الإيرانية
تواجه الجمهورية الإسلامية الإيرانية أزمة وجودية؛ إذ أدى التقاء الضعف الاستراتيجي الخارجي مع التآكل الاقتصادي والاجتماعي الداخلي إلى الوصول لوضع يهدد قدرة النظام على الاستمرارية. فبعد الحرب الأخيرة بين إيران إسرائيل والولايات المتحدة، وتراجع تأثير وكلائها الإقليميين في سوريا ولبنان واليمن، تآكل نفوذ طهران الاستراتيجي بشكل كبير، وهو ما وضع قادة النظام في مواجهة مجموعة من الضغوط الداخلية. ويتزامن هذا الضعف الخارجي مع أزمة اقتصادية خانقة واتساع الهوة بين النظام والمجتمع، خاصة مع الأجيال الجديدة التي ترفض الخضوع. كما إن تقييم الأوضاع وتراجعها لم يعد يقتصر على المراقبين الخارجيين، بل أصبح حقيقة يقر بها الإيرانيون أنفسهم داخل البلاد.
في ظل هذه الأزمات المتزامنة التي تهدد أسس وركائز إيران، يطرح هذا التقرير سؤالًا محوريًا: ما هي السيناريوهات المستقبلية المحتملة للاحتجاجات والنظام السياسي في إيران؟ وكيف يمكن للمحركات الداخلية، والاستراتيجيات التكيفية للنظام، والضغوط الخارجية، وتصاعد المعارضة أن تشكل مسار الأحداث في المرحلة المقبلة؟
أولًا: المحركات الداخلية للاحتجاجات: اقتصاد منهار ومجتمع غاضب
في إطار تفسير مسار الاحتجاجات في إيران، لابد من تحليل المحركات الداخلية التي تغذي حالة السخط الشعبي خاصة إن عمق الأزمة الاقتصادية والتحولات الاجتماعية الجذرية التي يشهدها المجتمع الإيراني يشكلان الوقود الأساسي لحالة الاحتجاجات الحالية والتي تطورت من البعد الاجتماعي والاقتصادي إلى مهاجمة أركان النظام الإيراني. فهذه العوامل لا تحدد فقط توقيت وزخم الاحتجاجات، بل ترسم أيضًا ملامح مطالبها وطبيعتها، وهو ما يجعل توضيحها أحد العوامل لاستشراف المستقبل.
1. الانهيار الاقتصادي: وقود السخط الشعبي
تُظهر المؤشرات الاقتصادية الكلية صورة قاتمة لانهيار شبه كامل لمستوى معيشة المواطن الإيراني، وهو ما حول الأزمة الاقتصادية إلى محرك دائم للاضطرابات. ويمكن تلخيص الأبعاد الأكثر خطورة لهذا الانهيار في النقاط التالية:
- التضخم الجامح: تجاوز معدل التضخم السنوي حاجز 50%، مع ارتفاع أسعار المواد الغذائية بأكثر من 60%. وقد سجل التضخم رقمًا قياسيًا تاريخيًا في سبتمبر 2021، حيث قارب 60%، وهو ما أدى إلى تآكل القوة الشرائية للمواطنين بشكل غير مسبوق. كما بلغ التضخم مستويات حرجة؛ حيث تشير البيانات الرسمية إلى ارتفاع المعدل إلى نسبة 42.2% في ديسمبر 2025، بزيادة قدرها 1.8% عن نوفمبر، في حين ارتفعت أسعار المواد الغذائية بنسبة 72%، وزادت أسعار السلع الصحية والطبية بنسبة 50% على أساس سنوي. إلى جانب أزمة المياه التي لم تُدار بشكل جيد، ومن ثم تُؤدي هذه الضغوط إلى ارتفاع تكلفة ضروريات الحياة الأساسية.
- الفقر المتفشي: ارتفع عدد السكان الذين يعيشون تحت خط الفقر من 9 ملايين شخص في عام 2010 إلى أكثر من 25.5 مليون في عام 2021. وتشير التقديرات الحالية إلى أن ما يقرب من ثلث السكان يعيشون في فقر مدقع، بدخل يقل عن دولارين في اليوم.
- تآكل مستوى المعيشة: اضطرت الأسر الإيرانية إلى زيادة حصة الإنفاق على الغذاء والسكن في ميزانيتها، لكن ذلك جاء على حساب الجودة والكمية. فقد انخفض متوسط استهلاك السعرات الحرارية للفرد، وتدهورت جودة السكن مع انتقال الكثيرين إلى الضواحي ومناطق أقل تكلفة. وفي الوقت نفسه، انخفض الإنفاق على قطاعات حيوية مثل التعليم والصحة بشكل حاد.
- انهيار العملة: هوت قيمة الريال الإيراني إلى مستوى قياسي تاريخي، حيث تجاوز سعر الصرف 1.3 مليون ريال مقابل الدولار الأمريكي، وهو ما أدى إلى تفاقم الأزمة وفقدان المدخرات لقيمتها، كما يؤدي فقدان الثقة في العملة إلى تقويض قدرة الجمهورية الإسلامية على الحكم بشكل مباشر. فعندما لا يعود الريال يعمل كمخزن للقيمة، تفقد الضرائب والميزانية وضوابط الأسعار مصداقيتها.
- تشوهات الميزانية الإيرانية: تنقسم الميزانية الإيرانية بين مخصصات مقومة بالريال الإيراني ومخصصات أخرى مقومة بسعر النفط الخام. ولأن إيران لا تستطيع بيع نفطها عبر القنوات المالية التقليدية، فإنها تستخدم النفط بشكل متزايد كبديل للنقد، لا سيما لتمويل القطاع الأمني. فعلى سبيل المثال، تتلقى وزارة الدفاع شحنات من النفط، والتي يتعين عليها بيعها بشكل منفصل لشراء الأسلحة والعمليات العسكرية ودعم الوكلاء، وبالتالي يدفع هذا النظام النفط الإيراني نحو مجموعة صغيرة من المشترين مثل الصين ويجبر مؤسسات الدولة على التنافس لبيع النفط الخام، وهو ما يؤدي إلى انخفاض الأسعار من خلال الخصومات بصورة تخفض من الإيرادات الوطنية.
وفي ضوء ذلك، يواجه النظام المالي الخفي للجمهورية الإسلامية والقائم على مبيعات النفط والتجارة الأساسية صعوبات في تنفيذ هذه الأعمال، كما إن الاستمرار في الاعتماد على هذا النظام يزيد من المخاطر على الاقتصاد، فمن خلال العمل عبر وسطاء غير معلنين، وبالتالي يُهدر النظام قيمة الموارد ويُسرع من هروب رؤوس الأموال. والأهم من ذلك، أنه يعزل البنك المركزي عن الوصول الموثوق إلى العملات الأجنبية، وهو ما يجعله عاجزًا هيكليًا عن تثبيت الريال أو كبح وإيقاف التضخم. من ناحية أخرى، تُفاقم العقوبات الأمريكية، هذا الوضع وتعمل على حصر إيران في قنوات غير رسمية تُعطي الأولوية لبقاء النظام على حساب استقرار الاقتصاد الكلي، وبما يسمح بإعادة توجيه الموارد نحو قوات الأمن خلال فترات الاضطرابات، بينما تنهار السياسة النقدية لتصبح رمزية، غير قادرة على استيعاب الصدمات أو استعادة الثقة.
2. الشرخ الاجتماعي: جيل جديد يرفض الخضوع
إلى جانب الأزمة الاقتصادية، تشهد إيران تحولًا اجتماعيًا عميقًا يقوده جيل الشباب الذي لم يعد مستعدًا للتفريط في حرياته الاجتماعية التي انتزعها عبر عقود من المقاومة والتحدي. وهذا الجيل، الذي أنهكته الأزمات الاقتصادية والعزلة الدولية، يرفض تلقي الأوامر من أي طرف، سواء كان النظام أو قوى المعارضة. وقد تجلى هذا التحول في مشاهد أصبحت مألوفة في المدن الإيرانية، مثل تحدي الحجاب الإلزامي، وازدهار المشهد الثقافي في المقاهي، وانتشار الموسيقى في الشوارع. كما إن هذه المطالبات بحياة طبيعية تشكل تحديًا استراتيجيًا عميقًا لنظام تستند شرعيته على الاستثنائية الثورية والنقاء الأيديولوجي، وهو ما يخلق صدامًا قِيَميًا غير قابل للتفاوض. وفي ضوء مواجهة هذا الضغط المزدوج يجد النظام نفسه مضطرًا لتكييف استراتيجياته القمعية والأيديولوجية في محاولة لإدارة السخط الشعبي واحتواء التحديات التي تهدد بقاءه.
- اختلاف أولويات الأجيال: امتدادًا لتعقيدات المشهد الاقتصادي والسياسي، تتفاعل المحددات الاجتماعية داخل إيران بطريقة تُعمق هشاشة الاستقرار الداخلي وتُسهم في تسريع وتيرة الاحتجاجات. فعلى مدار السنوات الماضية، أدت الضغوط المعيشية إلى تفكيك أنماط التضامن الاجتماعي التقليدية، وخلقت حالة من الاستقطاب بين الأجيال والطبقات. فالشباب الذين يشكلون ما يزيد على 60% من السكان يجدون أنفسهم محاصرين بين بطالة مرتفعة، وصعوبة في الحصول على السكن، وتراجع في خدمات الرعاية الصحية والتعليم، وهو ما أوجد شعورًا واسعًا بفقدان الأمل في مستقبل داخل البلاد. وفي الوقت نفسه، تتفاقم أزمات الهوية والانقسام الثقافي بين جيل شبابي يتبنى أنماطًا اجتماعية حديثة ومنفتحًا على العالم الرقمي، ونظام سياسي يسعى لفرض رؤيته المحافظة على الفضاء العام.
- الانقسامات العرقية والإثنية: أدت التوترات المتزايدة بين الأقليات الإثنية والدينية والنظام إلى تعميق الانقسام الاجتماعي؛ إذ يشعر الأكراد والبلوش والعرب وغيرهم بأن الدولة تتعامل معهم بمنطق أمني وليس تنموي، وهو ما يجعل مناطقهم فقيرة ومهمشة، كما إنها الأكثر قابلية للاشتعال خلال فترات الاضطراب. وفي المدن الكبرى، تتسع الفجوة بين النخبة الاقتصادية المرتبطة بمراكز القوة من ناحية، وبين الطبقات العاملة والطبقات الوسطى التي تشهد تراجعات من ناحية أخرى، وهو ما خلق بيئة اجتماعية مضطربة تتفكك فيها شبكات الثقة الأفقية داخل المجتمع، والثقة بين المواطنين والدولة.
ثانيًا: استراتيجيات النظام للبقاء: بين القمع المتغير والأيديولوجيا المتآكلة
إن بقاء النظام الإيراني رغم الأزمات المتعددة، لا يعتمد فقط على قوته العسكرية والأمنية، بل على قدرته على تكييف استراتيجيات القمع والهيمنة الأيديولوجية لتتناسب مع مواجهة التحديات الجديدة، وبالتالي فإن توضيح هذه الاستراتيجيات المتغيرة أحد العوامل المهمة لتقييم مدى قدرة النظام على مواجهة الضغوط الداخلية والخارجية المتصاعدة.
1. تطور آلة العنف: تحولات السيطرة الرقمية
بعد الاحتجاجات الواسعة التي شهدتها إيران في عام 2022، أدرك النظام أن أساليب القمع العلنية، مثل عنف شرطة الأخلاق، تحمل مخاطر كبيرة وتؤجج الغضب الشعبي. لذلك، تحول إلى استراتيجية قمع أكثر هدوءً وتطورًا تكنولوجيًا، تهدف إلى تقليل المواجهة المباشرة مع زيادة فعالية العقاب، كما تهدف هذه الاستراتيجية الجديدة إلى خلق شعور دائم بالخوف وعدم اليقين؛ حيث لا يعرف الأفراد متى وكيف ستتم معاقبتهم على أفعالهم، وهو ما يجعل القمع أقل ظهورًا للعيان ولكنه أكثر تغلغلًا في حياة المواطنين اليومية.
| أساليب القمع الجديدة (بعد 2022) | أساليب القمع التقليدية (قبل 2022) |
| • المراقبة الرقمية باستخدام كاميرات التعرف على الوجه. | • الاعتماد على سيارات شرطة الأخلاق في الشوارع. |
| • فرض عقوبات اقتصادية (مثل الحرمان من الخدمات المصرفية). | • الاعتقالات العلنية والفورية للمخالفين. |
| • فرض عقوبات تعليمية (الحرمان من الدراسة الجامعية). | • إغلاق الفعاليات والتجمعات بشكل فوري وعنيف. |
| • استخدام مقاطع الفيديو كدليل لاحق للاعتقال بدلًا من المنع الفوري. | • المواجهة الجسدية المباشرة مع المحتجين. |
على الجانب الآخر، أدى التوسع في أدوات الرقابة الاجتماعية ومحاولة النظام التحكم في الفضاء الرقمي إلى إيجاد حالة من الخلافات بين الدولة والمجتمع. فمحاولات النظام الإيراني تقييد الإنترنت، ومنع استخدام تطبيقات التواصل الاجتماعي، وملاحقة الناشطين، أسهمت في تعزيز الوعي المجتمعي لمواجهة هذا النموذج، وهو ما ساهم في إيجاد نتائج عكسية؛ حيث يتطور الوعي الاجتماعي مع كل موجة احتجاجية كما تزداد قدرة المحتجين على التنظيم والتعبئة؛ بحيث أصبح الشعب أكثر وعيًا بحقوقه، وأكثر تشكيكًا في روايات الدولة وشرعية النظام السياسي.
2. تآكل الأيديولوجيا: اللجوء إلى القومية الفارسية
في مواجهة تآكل شرعية النظام الأيديولوجية القائمة على مبادئ الثورة الإسلامية، ولتعزيز الاستراتيجيات البديلة، لجأ النظام إلى الاعتماد على قوة ناعمة موازية والبعد عن خطابه الأيديولوجي القائم على أسس دينية لصالح السردية الوطنية والقومية الفارسية كملاذ أخير لحشد الدعم الشعبي وتوحيد الصفوف في لحظات الضعف. ويعكس هذا التحول إدراك النظام بأن أيديولوجيته لم تعد تحظى بتأييد معظم الإيرانيين. ومن أبرز الأمثلة على هذا التوجه نصب تمثال الملك الساساني “شابور الأول” في ميدان “انقلاب” (الثورة) بطهران، والذي يصور الإمبراطور الروماني فاليريان راكعًا أمامه. ونشر ملصقات تحمل شعار “ستركع أمام إيران مرة أخرى” في أنحاء المدن، في محاولة لإثارة الفخر الوطني بتاريخ إيران القديم.
ويكشف اللجوء إلى الرموز القومية، التي كانت تعتبر من المحرمات في العقود الأولى للثورة، عن محاولة النظام بناء هوية جديدة قادرة على الصمود في وجه الأزمات، حتى لو كان ذلك على حساب المبادئ الأيديولوجية الأصلية. وبينما تُظهر آليات التكيف الداخلية هذه مرونة النظام التكتيكية، فإن جدواها على المدى الطويل ليست مستقلة بذاتها؛ بل تعتمد بشكل حاسم على شدة الضغوط الخارجية والضعف المستمر لأي بديل سياسي منظم.
ثالثًا: الفاعلون الخارجيون واتجاهات المشهد الإيراني
لا يتشكل مستقبل الاحتجاجات في إيران بفعل العوامل الداخلية وحدها، بل يتأثر بشكل حاسم بالضغوط الخارجية التي تمارسها القوى الدولية والإقليمية، وكذلك بمدى قوة وتماسك قوى المعارضة وقدرتها على تقديم بديل سياسي قابل للإحلال. فهذان العاملان يفرضان قيودًا وفرصًا على كل من النظام والمجتمع.
1. ضغط العقوبات واتجاهات المواجهة العسكرية
على مدى أكثر من أربعة عقود، تعرضت إيران لضغط خارجي متواصل بهدف تغيير سلوكها السياسي. وقد أدت هذه الضغوط إلى خنق الاقتصاد وتقويض القدرات الاستراتيجية للنظام والتي شملت 9 موجات متتابعة منذ عام 1979 شملت عقوبات أمريكية تأسيسية ردًا على أزمة الرهائن وعقوبات تحت عنوان دعم الإرهاب وحظر أمريكي شامل على التجارة والاستثمار وعقوبات أممية متعددة الأطراف بسبب البرنامج النووي والعقوبات الأوروبية(سناب باك).
وعلى الرغم من أن كل موجة من هذه العقوبات كانت لها دوافعها الخاصة، إلا أن أثرها التراكمي كان تفكيكًا ممنهجًا لارتباط الاقتصاد الإيراني بالمنظومة العالمية، وهو ما خلق نقاط الضعف الهيكلية العميقة التي شهدها الاقتصاد الإيراني. بالإضافة إلى الضغط الاقتصادي، كشفت حرب الـ 12 يوم الأخيرة مع إسرائيل والولايات المتحدة عن ضعف استراتيجي عميق؛ حيث فقدت إيران خطوط دفاعها الأمامية في سوريا ولبنان، وهو ما جعلها مكشوفة وأجبر قادتها على مواجهة محاسبة داخلية شديدة.
2. معارضة منقسمة: غياب البديل الموثوق
يمثل الفراغ القيادي في المشهد المعارض أحد أهم عوامل بقاء النظام. فعلى الرغم من السخط الشعبي الواسع، لم تبرز أي قوة معارضة قادرة على تقديم نفسها كبديل موثوق. وقد لخص المحلل سعيد ليلاز هذا الواقع بقوله إن الجمهورية الإسلامية “نظام لا بديل له في الوقت الحالي”، وأن المعارضة الحالية “غير قادرة على الإمساك بزمام الأمور”. ولعل غياب البديل القابل للاستحواذ على السلطة أوجد معضلة لدى الكثير من الإيرانيين، حتى أولئك المعارضين للنظام فيظل تصاعد المخاوف من يؤدي انهيار مفاجئ إلى فوضى عارمة وتفكك للدولة، وهو ما قد يمنح النظام ميزة استراتيجية للبقاء رغم أزماته.
إن هذا التفاعل المعقد بين اقتصاد منهار، ونظام قمعي متكيف، وضغط خارجي متواصل، ومشهد معارض يعاني من فراغ قيادي، يفرض علينا تجاوز التحليل الراهن واستشراف السيناريوهات المستقبلية التي قد تسلكها إيران.
رابعًا: سيناريوهات المستقبل: بين الانهيار، الإصلاح السلطوي، والحرب
إن التنبؤ بمستقبل إيران محفوف بدرجة عالية من عدم اليقين، ولكن بناءً على المعطيات الراهنة التي تم تحليلها، يمكن رسم أربعة سيناريوهات رئيسية تمثل المسارات الأكثر ترجيحًا. تتراوح هذه السيناريوهات بين الانهيار التدريجي للنظام، والتغيير المُدار من الداخل، وصعود شخصية سلطوية قوية، أو الانزلاق نحو مواجهة عسكرية جديدة. هذه السيناريوهات ليست حصرية بالضرورة، وقد تتداخل، لكنها توفر إطارًا لفهم التحولات المحتملة.
1. السيناريو الأول: “الموت الصامت” والانهيار التدريجي
يستند هذا السيناريو إلى تحليلات المفكر الإيراني عباس عبدي، الذي يرى أن النظام يفقد قدرته تدريجيًا على فهم “نقطة انكسار” المجتمع. فبسبب إهماله للعلوم الاجتماعية وعدائه لتنظيم المجتمع المدني، أصبح صناع القرار معزولين عن الواقع وغير قادرين على استيعاب عمق الأزمات. وفي ضوء ذلك يتنبأ عبدي بأن النظام “لن يرى العام الإيراني الجديد بسهولة” وأن أحداثًا خارجة عن سيطرته ستقع حتمًا. كما يصف هذا المسار بأنه “موت صامت” للدولة؛ حيث تتآكل المؤسسات الحيوية وتفقد قدرتها على أداء وظائفها، وهو ما يؤدي إلى انهيار تدريجي وبطيء.
كمايفترض هذا السيناريو مسارًا لا يشهد انهيارًا كاملًا ولا إصلاحًا حقيقيًا، بل حالة من الجمود طويل الأمد والتآكل البطيء. فوفقًا لتحليلات عباس عبدي، يرى النظام أن تكلفة الإصلاح فورية ومباشرة بينما فوائده مؤجلة، وهو ما يدفعه إلى تجنب اتخاذ أي قرارات جوهرية. وفي الوقت نفسه، تمنع قوة أجهزته القمعية من حدوث تغيير جذري من الأسفل، خاصة مع حالة “الإرهاق المزمن” التي يعاني منها المجتمع. والنتيجة هي “حالة تعليق” شاملة؛ حيث تستمر الأزمات الاقتصادية والاجتماعية في التفاقم، وتتآكل قدرة الدولة على تقديم الخدمات، لكن دون أن يؤدي ذلك إلى انهيار وشيك.
السيناريو الثاني: صعود “بونابرت” إيراني
يطرح المحلل الاقتصادي سعيد ليلاز هذا السيناريو؛ حيث يرى أن الشعب الإيراني، الذي أنهكته الأزمات المتلاحقة، أصبح يبحث عن “الكفاءة” أكثر من سعيه لإسقاط النظام. ووفقًا لهذه النظرية، ستظهر شخصية “بونابرتية” قوية من “قلب النظام نفسه” وبموافقة ضمنية من رأس السلطة. ستكون المهمة الأساسية لهذه الشخصية هي استعادة الاستقرار عبر إصلاح الاقتصاد ومحاربة الفساد العميق المستشري (الذي يُقدر بـ 40 إلى 50 مليار دولار سنويًا). كما لن يكون هذا الشخص ديمقراطيًا، بل قائدًا سلطويًا يهدف إلى إنقاذ الدولة من الانهيار الكامل عبر فرض إصلاحات صارمة من الأعلى.
السيناريو الثالث: الانزلاق نحو حرب إقليمية شاملة
يظل خطر نشوب مواجهة عسكرية واسعة النطاق قائمًا، خاصة في ظل النقاش الداخلي المحتدم في إيران حول مستقبل البرنامج النووي. فبينما يدعو المتشددون إلى صنع أسلحة نووية سرًا لتحقيق الردع، يحذر فريق آخر من أن هذا الطريق لن يؤدي إلا لمزيد من الصراع والعزلة. وقد أدى فقدان إيران لخطوط دفاعها الأمامية في لبنان وسوريا إلى جعلها “مكشوفة” استراتيجيًا. ويتمثل التحدي الأكبر الذي يواجه طهران حاليًا في إقناع إدارة أمريكية متشددة بأن الحل الدبلوماسي هو الخيار الأفضل، وهو أمر يظل غير مؤكد وقد يؤدي أي خطأ في الحسابات من أي طرف إلى إشعال حرب جديدة.
في الختام: على الرغم من أن الاحتجاجات المستمرة، المدفوعة بأزمات اقتصادية واجتماعية عميقة، تبدو حتمية، إلا أن نتيجتها النهائية تظل محفوفة بالغموض. إن الفراغ القيادي في صفوف المعارضة، مقترنًا بالقدرة التكيفية للأجهزة القمعية للنظام، يجعل سيناريو الانهيار الكامل أو الثورة الشاملة أقل ترجيحًا على المدى القصير.
في المقابل، تبدو سيناريوهات التغيير الداخلي، مثل صعود شخصية “بونابرتية” تفرض الإصلاح من الأعلى أو الانزلاق نحو “جمود طويل الأمد”، مسارات أكثر واقعية تعكس حالة من التآكل المُدار بدلًا من التحول الجذري. في نهاية المطاف، بينما ستحدد الضغوط الداخلية وتيرة الاحتجاجات، فإن بقاء النظام يتوقف على قدرته على إجراء إعادة تقييم استراتيجي لسياساته الخارجية والنووية. وفي غياب ذلك، فإن المسار السائد لا يشير إلى ثورة، بل إلى تدهور مُدار، تتخلله أزمات حادة قد تؤدي إما إلى تحول في موازين القوى الداخلية أو إلى صراع خارجي مدمر.

