رنا محمد عياد
باحثة في الشئون الأفريقية
تُعد منطقة غرب إفريقيا من أكثر المناطق عرضة لتحديات الجريمة المنظمة والعابرة للحدود، بسبب هشاشة الأنظمة الأمنية، وتدهور التنمية، واتساع المساحات الجغرافية غير الخاضعة لسيطرة الدولة، إضافة إلى موقعها الاستراتيجي الذي جعلها معبرًا رئيسًا للأنشطة غير المشروعة. وتبرز السنغال بفضل امتدادها البحري الواسع على المحيط الأطلسي، كأحد المداخل البحرية الأساسية لتلك الأنشطة، لا سيما في ظل ضعف الرقابة البحرية ومحدودية الإمكانيات اللوجستية والأمنية.
وفي المقابل، تقع مالي كدولة حبيسة غير ساحلية في موقع استراتيجي يجعلها امتدادًا بريًا طبيعيًا للتهديدات عبر سواحل الدول المجاورة، وعلى رأسها السنغال التي تعد من أكثر الدول استقرارًا في غرب إفريقيا، إلا إن سواحلها أصبحت ممرًا مستهدفًا من قبل شبكات التهريب الدولية، خاصة تلك المتعلقة بالمخدرات والأسلحة والهجرة غير الشرعية، وكلها تهديدات تمثل بيئة خصبة للجريمة المنظمة التي تعبر نحو الداخل المالي.
وفي ضوء ذلك، يهدف التحليل إلى توضيح كيف يؤثر استغلال السواحل السنغالية في امتداد الجريمة المنظمة إلى مالي، من خلال توضيح الإطار الجغرافي والأمني والعوامل المحيطة باتجاهات هذه الظاهرة، وصولًا إلى الانعكاسات الأمنية وسبل مواجهتها.
أولًا: الإطار الجغرافي والأمني للسواحل السنغالية
تمثل السواحل السنغالية واحدة من أكثر المناطق ديناميكية في غرب أفريقيا؛ إذ تمتد على نحو 531 كم على المحيط الأطلسي، وتُعتبر ممرًا رئيسًا للتجارة القانونية وغير القانونية على السواء؛ حيث تتنوع الأنشطة الساحلية ما بين الصيد، والنقل البحري، والتجارة، وهو ما يجعلها بيئة خصبة لاختلاط الأنشطة الرسمية بغير الرسمية، كما تضم السنغال ميناء داكار، أحد أهم موانئ غرب أفريقيا، والذي يشهد كثافة في حركة السفن التجارية، وهذا التمركز الاقتصادي يعزز من أهمية السواحل بوصفها شريانًا اقتصاديًا، ولكنه في الوقت ذاته يخلق ثغرات أمنية يتم استغلالها من قبل شبكات الجريمة؛ حيث تواجه الحكومة السنغالية صعوبات في تأمين سواحلها بالكامل، خصوصًا في ظل الامتداد الطويل والمناطق النائية قليلة التواجد الأمني.
وبحسب تقرير “مكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة” لعام 2023، تُعد السنغال واحدة من نقاط العبور الثلاثة الأساسية للكوكايين المتجه من أمريكا الجنوبية نحو أوروبا مرورًا بغرب أفريقيا، كما أن السواحل تُستخدم في أنشطة الاتجار بالبشر، خاصة عبر قوارب الهجرة غير الشرعية؛ حيث تُشير تقديرات المنظمة الدولية للهجرة إلى أن أكثر من 7,000 مهاجر غير شرعي غادروا السواحل السنغالية خلال عام 2022 متجهين نحو جزر الكناري الإسبانية، ووفقًا لتقرير صادر عن وزارة الداخلية الإسبانية لعام 2023، فقد وصل 12,704 مهاجرًا إلى إسبانيا بشكل غير قانوني في النصف الأول من نفس العام؛ حيث يتم استغلال هذه القنوات أيضًا في نقل المخدرات والأسلحة والبضائع المهربة إلى الداخل الأفريقي، بما في ذلك مالي.
وفي يونيو 2024، ضبطت جمارك السنغال ما يقرب من 306 كجم من الكوكايين بقيمة نحو 40 مليون دولار داخل شاحنة مبردة قرب الحدود مع مالي، بالإضافة إلى كميات كبيرة من الكوكايين بقيمة 14.2 مليون دولار في سيارة قادمة من منطقة الساحل، و18 كجم من المخدرات بقيمة 2.3 مليون دولار في مطار داكار، ويمكن إرجاع هذا الضعف الأمني إلى عدة عوامل من أهمها قلة عدد الزوارق البحرية المتخصصة في المراقبة وضعف امكاناتها، ففي نوفمبر 2024، تمكنت البحرية من اعتراض 918 مهاجرًا خلال شهر واحد عبر خمسة تدخلات شرعية، رغم غياب قدرات بحرية متقدمة، وهو ما يُبرز ضعف التغطية البحرية بالمقارنة مع حجم الاستخدام، بجانب ضعف التنسيق بين الجهات الأمنية البحرية والجمارك، إلا أن هناك جهود رامية لتحديث البنية التحتية الجمركية في داكار، بجانب العمل على تحديث التعاون بين قطاعات البحرية والشرطة والجمارك وإن كان ما يزال في بدايته، بالإضافة إلى وجود مجموعة من الجزر والمداخل البحرية الصغيرة التي يتم استغلالها بعيدًا عن أعين الرقابة الرسمية بما يتيح تهريب الأشخاص والبضائع بحرية نسبية. ولعل هذه العوامل جعلت من الساحل السنغالي بوابة مفتوحة على مصراعيها أمام امتداد الجريمة المنظمة إلى الدول المجاورة، وعلى رأسها مالي، إلا أن هناك مجموعة من الجهود التي نتج عنها اعتراض 958 مهاجرًا خلال عملية بحرية في أكتوبر 2024 وهو ما يؤشر على تنامي الاتجاهات نحو مواجهة المخاطر الناتجة عن تصاعد وانتشار هذه الظاهرة.
ثانيًا: العوامل المؤثرة في امتداد الجريمة من السنغال إلى مالي
إن التداخل الحدودي بين كل من السنغال ومالي وضعف السيطرة على الممرات البرية يفتح الباب أمام الجريمة العابرة للحدود. وفي ضوء ذلك، تتعدد العوامل البنيوية التي تجعل من مالي أكثر عرضة للتهديد والتأثر المباشر بالأنشطة غير المشروعة المنطلقة من السواحل السنغالية.
1. الجغرافيا المشتركة والحدود المفتوحة: تمتد الحدود بين السنغال ومالي لمسافة تزيد على 419 كيلومترًا، معظمها حدود جافة يسهل اختراقها، مما يتيح تدفق السلع والأشخاص دون رقابة أمنية فعالة ،ومن المُتعارف عليه أن العديد من طرق التهريب تنشط عبر النقاط غير الرسمية، ففي نوفمبر 2024، ضبطت السلطات المالية قافلة من الشاحنات المحملة بالسلع المهربة قادمة من الأراضي السنغالية عبر معبر غير رسمي قرب مدينة كاي؛ حيث تمت مصادرة ما يزيد عن 70 طنًا من البضائع المهرّبة (السكر والزيوت والوقود) كانت في طريقها إلى داخل مالي.
2. ضعف التنسيق الأمني: يعاني التعاون الأمني بين السنغال ومالي من فترات ضعف وغياب التنسيق الفعال، سواء من حيث تبادل المعلومات أو العمليات المشتركة، وهذا ما أكده تقرير “مجموعة الأزمات الدولية” عام 2022، الذي أشار إلى أن الجريمة العابرة للحدود تزدهر في الفراغات الأمنية الحدودية بين الدول.
3. البيئة الاجتماعية والاقتصادية الهشة: تعاني المناطق الحدودية، مثل كيدال وكايس، من فقر محتوم، وانعدام فرص العمل، مما يجعل سكانها أكثر عرضة للانخراط في شبكات التهريب، ويُقدر البنك الدولي أن 45% من سكان المناطق الحدودية يعيشون تحت خط الفقر، ما يعزز من قابليتهم للتجنيد من قبل المافيات الإجرامية وينطبق هذا على منطقة كايس، والذي بلغ معدل الفقر بها حوالي 40.6% في عام 2019 -أي ما يقارب 4 من كل 10 أشخاص يعيشون تحت خط الفقر- وهو ما يعزز من قابليتهم للتجنيد من قبل المافيات الإجرامية.
4. التواطؤ المحلي والفساد: يمثل وجود بعض عناصر التواطؤ من أفراد في الأجهزة المحلية أو مسؤولي المعابر الحدودية، الذي بدوره يسهل مرور الشحنات غير المشروعة من السنغال إلى مالي، كمثال بارز على ذلك، كشف ميناء داكار في سبتمبر 2024 عن شبكة فساد أدت إلى خسارة قدرها 8 مليار فرنك أفريقي من الخزينة نتيجة تلاعب في التخليص الجمركي، وقد تم توقيف خادم با المدير في شركة الشحن وعليوني بادارا نداي وكيـل شحن، بعد تأكيد تواطؤ موظفين داخل الجمارك لتسهيل مرور البضائع دون رسوم، وهو ما يشير إلى استغلال المعابر كممرات مؤمنة للعصابات الإجرامية.
5. شبكات الطرق بين داكار وباماكو: يُعد الطريق بين ميناء داكار والعاصمة المالية باماكو من أكثر الطرق استخداما في التجارة (الشرعية وغير الشرعية). حيث تستغل الجماعات الإجرامية شاحنات البضائع لتهريب المخدرات داخل الحاويات، وغالبا ما تُخفى وسط المنتجات الغذائية أو الصناعية، وتشير بعض الاتجاهات إلى أن باماكو تُستخدم كقاعدة لوجستية؛ حيث تُخزن الشحنات أولًا، ثم تُتم إعادة تصديرها بحرًا عبر داكار نحو أوروبا.
6. الترابط العرقي والقبلي: تمثل الروابط القبلية الممتدة بين الدولتين (مثل الفولاني والماندينغ) كغطاء لتمرير أنشطة التهريب، نظرا لقوة علاقاتها العابرة للحدود وثقة أعضائها في بعضهم البعض، وهو ما يقلل من فرص الكشف الأمني، وأوضح تقرير Africa Security Report الصادر في مايو 2025 أن أكثر من 60٪ من الهجمات وعمليات التهريب تقع داخل مدار 30 كم من الحدود، ويُشير ذلك إلى الطبيعة المفتوحة للحدود والروابط العرقية العابرة للحد والعلاقة القوية بين القبائل لطالما سبقت النظام الوطني الحديث، وهو ما جعلها أدوات معتمدة للتهريب دون رصد أمني فعال.
ثالثًا: أنماط الجريمة المنظمة الممتدة من السواحل السنغالية إلى داخل مالي
لا تستند الجريمة المنظمة أو غير المنظمة التي تنطلق من السواحل السنغالية نحو الداخل المالي على نمط واحد، بل تتنوع ما بين تهريب المخدرات، والاتجار بالبشر، وتهريب الأسلحة، والوقود، والسلع المدعومة وغيرها… هذا التعدد يعكس مدى تغلغل هذه الشبكات وقدرتها على التكيف مع البيئة الإقليمية، فيما يلي أبرز هذه الأنماط:
1. تهريب المخدرات: أشارت “هيئة مكافحة المخدرات في غرب أفريقيا” إلى أن نحو 30% من الكوكايين المهرب من أميركا الجنوبية نحو أوروبا يمر عبر غرب أفريقيا، ولا سيما السنغال. وتُستخدم مالي كنقطة تخزين مؤقتة أو معبر بري نحو الجزائر وليبيا، قبل الوصول إلى أوروبا، ففي 6 أغسطس 2025، ضبطت السلطات السنغالية 643 كجم من الكوكايين النقي بالقرب من مدينة روفيسك، على بعد حوالي 50 كيلومترًا من العاصمة داكار؛ حيث كانت المخدرات مخبأة داخل أكياس من الخيش في مركبتين، وتم القبض على أحد المشتبه بهم، بينما فر الآخرون، وتُقدر قيمة الشحنة بحوالي 50 مليون دولار أمريكي، وقد أظهرت التحقيقات أن الشحنة كانت في طريقها إلى مالي عبر طرق غير رسمية، وهو ما يعكس دور السنغال كمعبر رئيسي في تهريب المخدرات إلى دول الساحل.
2. الاتجار بالبشر: تعمل شبكات تهريب البشر على نقل الأفراد من السنغال إلى مالي، لاستخدامهم لاحقا في شبكات الهجرة غير الشرعية، ووفق تقرير لمنظمة الهجرة الدولية لعام 2023، فقد بلغ عدد الضحايا الذين تم تهريبهم عبر هذا المسار نحو 3,500 شخص في 2022، مع استمرار مالي كوجهة رئيسية لاستقبال الضحايا؛ حيث استضافت حوالي 20% من إجمالي الضحايا الذين أعيدوا إلى بلدانهم في المنطقة، وهو ما يؤكد على استمرار نشاط شبكات الاتجار بالبشر عبر هذا الطريق.
3. تهريب الأسلحة: تمر الأسلحة الخفيفة والمتوسطة من الساحل السنغالي إلى مالي، خاصة إلى الجماعات المسلحة في الشمال المالي، حيث تُستخدم لاحقًا في عمليات تمرد أو هجمات إرهابية، وقد وثق “معهد الدراسات الأمنية الأفريقية” أكثر من 700 حالة تهريب سلاح بين عامي 2020 و2023.
4. الوقود والسلع المدعومة: تشهد الحدود بين السنغال ومالي عمليات تهريب واسعة للوقود، تُستخدم في تمويل الجماعات المسلحة، أو تُباع في السوق السوداء بمالي بأسعار مضاعفة. ووفقُا للتقرير الصادر عن مكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة (UNODC) في فبراير 2023، فإن الجماعات المسلحة في منطقة الساحل، بما في ذلك مالي، تحقق أرباحًا سنوية تصل إلى 13.2 مليون دولار أمريكي من أنشطة التهريب غير المشروعة، بما في ذلك تهريب الوقود.
5. تمويل الإرهاب: تشير دراسات أوروبية إلى أن العائدات غير المشروعة من تجارة الكوكايين في السنغال تُستخدم جزئيا في تمويل الجماعات المسلحة في مالي، مما يخلق حلقة خطيرة بين الجريمة والإرهاب. وقد أشار تقرير مكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة (UNODC) في عام 2024، أنه تم ضبط 1,137 كجم من الكوكايين في السنغال، تُقدر قيمتها بحوالي 146 مليون دولار أمريكي، وأن هذه الأموال تُستخدم لتمويل الجماعات المسلحة في منطقة الساحل، بما في ذلك مالي، وهو ما يُسهم في استمرار النزاع وعدم الاستقرار في المنطقة. وتُظهر هذه البيانات العلاقة الوثيقة بين تجارة المخدرات وتمويل الأنشطة الإرهابية في منطقة الساحل.
رابعًا: الانعكاسات الأمنية على مالي وطرق المواجهة
لا تُعد الحدود الجغرافية بين الدول في منطقة غرب إفريقيا مجرد خطوط ترابية، بل هي امتدادات اجتماعية واقتصادية وأمنية تتقاطع فيها شبكات التجارة، والحراك البشري، والأنشطة غير المشروعة. في هذا السياق، يمثل تمدد الجريمة المنظمة من السواحل السنغالية نحو الداخل المالي تحديا مركبا، لا يهدد فقط الأمن الداخلي للدولة، بل يُضعف بنية الدولة ذاتها، ويقوض سيادتها. فمع تصاعد الهجمات المسلحة، واتساع رقعة الاقتصاد غير الرسمي، وتفكك السيطرة الحكومية على بعض المناطق، تصبح مالي مسرحا لانهيار تدريجي للدولة من الداخل، بما يُصنف ضمن أدبيات “فشل الدولة” في الحقل السياسي والأمني.
1. تفاقم التهديد الإرهابي: خلال السنوات الأخيرة، شهدت مالي تصاعدا لافتا في الأنشطة الإرهابية، خاصة من قبل جماعات مثل “نصرة الإسلام والمسلمين” و”المرابطون”، وهي جماعات متفرعة أيديولوجيًا وتنظيميًا عن تنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي. وقد استفادت هذه الجماعات من التواطؤ المتزايد بينها وبين شبكات الجريمة المنظمة العابرة للحدود، ولا سيما في مجالات تهريب المخدرات، والأسلحة، والاتجار بالبشر، وتشير إحصائيات مشروع بيانات مواقع النزاعات المسلحة (ACLED)إلى أن العمليات الإرهابية في مالي ارتفعت من نحو 580 هجومًا عام 2017 إلى أكثر من 1,400 هجوم عام 2023، وهو ما يُظهر التأثير المباشر لتمويل الإرهاب من أنشطة التهريب في توسيع رقعة العمليات وقدرات الجماعات المسلحة، ولعل ما يصعد من هذه المخاوف أن هذه العمليات لم تعد عشوائية، بل باتت أكثر تنظيمًا، تستهدف البنى التحتية، والرموز الحكومية، وحتى بعثات الأمم المتحدة مثل MINUSMAوهو ما يعكس انتقال التهديد من حالة تمرد إلى حرب غير نظامية شاملة ضد الدولة.
2. إضعاف الأجهزة الأمنية والعسكرية: تُعد الجريمة المنظمة مصدرا مباشرا لاستنزاف القدرات الأمنية والعسكرية في مالي، فهي تُلقي بأعباء إضافية على أجهزة تعاني في الأساس من ضعف الموارد المالية، وقصور التدريب، ونقص التجهيزات التقنية. كما أن الطابع العابر للحدود لهذه الجرائم يعقد من مهام السيطرة والملاحقة، ويكشف عن هشاشة التنسيق بين مختلف وحدات الدولة، وبحسب “مؤشر السلام العالمي” لعام 2023، احتلت مالي المرتبة 149 من بين 163 دولة، وهو ما يعكس هشاشة قدرتها الأمنية، ويرجع ذلك جزئيًا إلى تغلغل الفساد في بعض المؤسسات الأمنية وتورط بعض عناصر الأجهزة الحدودية في تسهيل عمليات التهريب مقابل الرشوة، وهو ما يعمق من فقدان الثقة الشعبية في مؤسسات الدولة وهكذا تصبح الأجهزة الأمنية جزءً من المشكلة، لا أداة للحل.
3. اضطراب اقتصادي ومجتمعي متنامي: إن تنامي الأنشطة غير الرسمية، وتوسع الاقتصاد الموازي القائم على التهريب، يخلق طبقات اجتماعية جديدة ترتبط بعلاقات زبائنية مع شبكات الجريمة، ما يُعيد تشكيل البنية الاجتماعية بعيدا عن السلطة المركزية. وقد أشارت تقديرات البنك الدولي (2022) إلى أن ما يقرب من 40% من اقتصاد مالي يدور في إطار الاقتصاد غير الرسمي، وهو ما يحرم الدولة من موارد ضريبية حيوية، ويضعف سيادتها المالية، كما تُظهر بيانات برنامج الأمم المتحدة الإنمائي أن المناطق الشمالية في مالي، الأكثر تضررًا من التهريب والصراعات، تُسجل معدلات فقر تتجاوز 50%، وهو ما يجعلها بيئة خصبة للتجنيد من قبل المجموعات الإجرامية والإرهابية، ولعل هذه التطورات تؤدي إلى إضعاف العدالة التوزيعية، حيث تتحكم فئات محددة بمصادر تمويل غير قانونية ،فقدان الدولة لسيادتها الضريبية، إذ تُحرَم الخزينة من إيرادات حيوية، تآكل مؤسسات الدولة لصالح زعامات محلية أو مسلحة تفرض نفوذها بقوة الأمر الواقع، وهكذا لن تصبح الدولة قادرة على أداء وظائفها الأساسية، كحفظ النظام، وتقديم الخدمات، وضمان سيادة القانون، وهو ما يُدخل البلاد في دوامة من الانشقاقات الداخلية المستمرة.
خامساً: اتجاهات وطرق المواجهة
رغم تشعب أنماط الجريمة المنظمة وتغلغلها من السواحل السنغالية إلى داخل مالي، فإن مواجهتها ليست أمر مستحيل، لكنها تتطلب ترابط متعدد المستويات يتجاوز الحلول التقليدية، فالتحدي لا يقتصر على كونه قضية حدودية بين دولتين فقط، بل يتسع بكونه يرتبط ببنية إقليمية معقدة تُسهم فيها عوامل الفساد وضعف المؤسسات، إضافة إلى تشابك المصالح بين الفاعلين المحليين والدوليين، وبذلك يصبح من الضروري صياغة استراتيجية مواجهة تقوم على جوانب منها التعاون الثنائي، والتأهيل المؤسسي، ومكافحة الفساد، وتعزيز الدور الإقليمي الجماعي، بما يضمن تضييق الخناق على الشبكات الإجرامية وتجفيف مصادر تمويلها. وفيما يلي أبرز هذه الاتجاهات:
1. تعزيز التعاون الحدودي والأمني بين مالي والسنغال
تُمثل الحدود بين مالي والسنغال شريانًا حيويًا لحركة البضائع والأفراد، لكنها أيضًا منفذًا رئيسيًا للجريمة العابرة للحدود. وعليه، يُعد التنسيق الأمني والاستخباراتي بين البلدين خطوة مركزية في الحد من هذه الظاهرة. ويمكن تفعيل ذلك من خلال إبرام اتفاقيات ثنائية لتبادل المعلومات الاستخباراتية في الزمن الفعلي وتنظيم دوريات أمنية مشتركة على النقاط الحدودية الحساسة بالإضافة لتوحيد الإجراءات الجمركية والمراقبة الإلكترونية للمعابر، وقد أثبتت التجارب الدولية أن التعاون الحدودي يُقلص من حركة الجماعات الإجرامية بنسبة تتجاوز 30% إذا ما اقترن برقابة صارمة ومساءلة داخلية، وقد أعلن الإنتربول في يناير 2025 عن تنفيذ عملية أمنية مشتركة على الحدود في غرب إفريقيا، والتي أسفرت عن اعتقال ما يقرب من 45 شخصًا متورطين في شبكات تهريب مخدرات وإرهاب، بالإضافة إلى ضبط شحنات مخدرات وأسلحة.
2. تطوير البنية الأمنية الساحلية في السنغال
تُعد السواحل السنغالية نقطة دخول رئيسية للعديد من شبكات التهريب، خاصة تلك المرتبطة بالكوكايين القادم من أمريكا اللاتينية. لذلك، يمكن استخدام مجموعة من السياسات منها نشر أنظمة رادار متطورة على السواحل، وتوظيف الطائرات دون طيار لمراقبة الممرات البحرية وتدريب وحدات بحرية خاصة على الرصد والتدخل السريع؛ حيث سيساهم التمكين الأمني البحري في السنغال بل ينعكس مباشرة على مالي، عبر تجفيف منابع التهريب والتمويل غير المشروع.
3. مكافحة الفساد المحلي في الأجهزة والمعابر
يُعد الفساد في المعابر الحدودية نقطة ضعف حيوية تُسهل مرور الشحنات غير القانونية؛ لذلك، فإن مكافحة الفساد لا تقل أهمية عن محاربة الجريمة ذاتها. ويمكن تحقيق ذلك من خلال تبني أنظمة رقابة إلكترونية على الحواجز الحدودية، فرض الشفافية المالية والوظيفية داخل الأجهزة المعنية، وتشجيع الإبلاغ الداخلي عن الفساد عبر آليات محمية.
4. تفعيل الدور الإقليمي للمؤسسات متعددة الأطراف
يمكن أن تضطلع “مجموعة دول الساحل والصحراء”، و”المجموعة الاقتصادية لدول غرب إفريقيا(إكواس) توفير دعم لوجستي وتقني للحكومات المتضررة من خلال تنسيق حملات أمنية إقليمية لضبط الحدود، وبناء استراتيجيات جماعية لمحاربة الإرهاب والتهريب، كما أن تفعيل هذا الدور يحقق “أمنا جماعيًا” لا يمكن لأي دولة بمفردها إنجازه في مواجهة تهديدات تتجاوز نطاق السيادة الوطنية، ويمكن القول إنه في أكتوبر ونوفمبر 2024، نفذ الإنتربول بالتنسيق مع السنغال ومالي ودول الجوار عملية “Operation Screen”. والتي نتج عنها ضبط 1.6 طن من الكوكايين بما يفوق 50 مليون دولار في كابو فيردي، و10 طن من الأمفيتامينات في بوركينا فاسو، فضلًا عن حجز 33 نوعًا من الأدوية المزيفة في بنين وتوغو، و40 طنًا من الأدوية غير المطابقة في ساحل العاج، إلى جانب المئات من السيارات الفاخرة المسروقة وكميات كبيرة من الأسلحة.
في الختام: يتضح أن الجريمة المنظمة في السواحل السنغالية لم تعد مجرد ظاهرة محلية، بل توسعت في تأثيراتها على مالي ودول المنطقة، فالتداخل الجغرافي والاجتماعي بين البلدين ساهم في تسهيل انتقال شبكات التهريب والجماعات الإجرامية، وهو ما يستدعي تعزيز التعاون الأمني، وتبني مقاربات شاملة تعالج الأسباب العميقة للفوضى، وبما يضمن حماية المنطقة من التدهور المستمر في أمنها واستقرارها.
المراجع
1. Mamane, D., & Thompson, J. (2024, April 19). The West African Sahel is becoming a drug smuggling corridor, UN warns, as seizures skyrocket. AP News. Retrievedfrom https://apnews.com/article/71b56f03fcb6660a8df43e68e77e8996
2. Hodal, K. (2025, January 30). Forty‑five people arrested in Africa in anti‑terrorism and drugs stings, says Interpol. Reuters. Retrieved from https://www.reuters.com/world/africa/forty-five-people-arrested-africa-anti-terrorism-drugs-stings-says-interpol-2025-01-30/
3. DefenceWeb. (2025, February 4). Interpol carries out successful West Africa border security operation. DefenceWeb. Retrieved from https://www.defenceweb.co.za/african-news/interpol-carries-out-successful-west-africa-border-security-operation/
4. Lacher, W. (2012). Organized crime and conflict in the Sahel-Sahara region. Carnegie Endowment for International Peace.
5. Atlantic Council – New Atlanticist. (2023, August 10). Crisis in the Sahel: Trafficking. Atlantic Council.
Retrieved from https://www.atlanticcouncil.org/blogs/new-atlanticist/crisis-in-the-sahel-trafficking/
6. UN News. (2023, May 20). Trafficking in the Sahel: Guns, gas and gold. UN News.
Retrieved from https://news.un.org/en/story/2023/05/1136847
7. MDPI – Glichero, J. (2023). The Convergence of Trafficking and Migrant Smuggling in West Africa: Migration Pressure Factors and Criminal Actors. Societies, 14(8), Article 447.
Retrieved from https://www.mdpi.com/2076-0760/14/8/447
8. INTERPOL. (2025, January 30). West Africa: INTERPOL border operation nets 45 arrests, seizures worth millions.
9. Senegalese Customs. (2024, June 18). Senegal customs seize cocaine shipments worth over $50 million. VOA News. Retrieved from https://www.voanews.com/a/senegal-customs-seize-cocaine-shipments-worth-over-50m/7661544.html
10. Africa Intelligence. (2024, July 10). Senegal: Dakar steps up overhaul of its customs infrastructure. Africa Intelligence. Retrieved from Senegal: Dakar steps up overhaul of its customs infrastructure (publication requires subscription)
11. SeneNews. (2024, September 27). Scandal at the Port of Dakar: Senegalese Customs uncovers an 8 billion CFA fraud. SeneNews. Retrieved from https://www.senenews.com/en/senegal/scandal-at-the-port-of-dakar-senegalese-customs-uncovers-an-8-billion-cfa-fraud-1777.html
12. United Nations Office on Drugs and Crime (UNODC). (2024, April 19). The West African Sahel is becoming a drug smuggling corridor, UN warns, as seizures skyrocket. Associated Press. Retrieved from https://apnews.com/article/71b56f03fcb6660a8df43e68e77e8996
13. SeneNews. (2025, August 6). Senegal seizes 643 kilograms of cocaine near Rufisque. SeneNews. Retrieved from https://gambiaj.com/senegal-643-kilograms-of-cocaine-seized-in-major-drug-bust-near-rufisque/?utm_source=chatgpt.com
14. Global Initiative Against Transnational Organized Crime. (2025, May). Risk Bulletin #12: Conflict, coups and containers: why the Sahel cocaine routes were disrupted. Retrieved from Global Initiative website
15. The Africa Report. (2024). Dakar cocaine seizure shows West African ports are easy transit hubs. The Africa Report.

