شيماء حسن علي
باحث دكتوراه كلية الدراسات الأفريقية العليا
أعلنت السلطات النيجرية، في 19 يونيو 2025، قرارها بتأميم شركة “سومير” (Somaïr)، المشروع المشترك القائم بين الحكومة النيجرية وشركة أورانو (Orano) الفرنسية، والتي تُعد من أبرز الفاعلين في قطاع اليورانيوم بالبلاد؛ حيث سعت النيجر في الآونة الأخيرة إلى تأميم مناجم اليورانيوم كخطوة استراتيجية تهدف إلى استعادة سيادتها الكاملة على ثرواتها الطبيعية. وعلى الرغم من أن النيجر تُعد من أكبر منتجي اليورانيوم في العالم، إلا أنها لم تستفد بالشكل الكافي من هذه الثروة، بسبب سيطرة الشركة الفرنسية على قطاع التعدين لعقود طويلة، ضمن اتفاقيات اعتبرتها السلطة الحالية في النيجر مجحفة وظالمة.
وقد جاءت هذه الخطوة في سياق سياسي مضطرب، خاصة بعد الانقلاب العسكري الذي أطاح بالحكومة المنتخبة في 2023، والذي رافقته توترات حادة مع فرنسا والقوى الغربية. ويعتبر السعي لوصف هذه التحركات بالسيادية على الموارد بمثابة أداة ضغط سياسي واقتصادي في وجه الهيمنة الفرنسية وبما يعكس رغبة السلطة الجديدة في بناء اقتصاد مستقل والتحرر من التبعية؛ حيث تهدف النيجر من خلال هذه السياسة إلى تحقيق عوائد اقتصادية أكبر، وتوظيف الثروات المعدنية في تنمية البلاد، بالإضافة إلى تشجيع الصناعات المحلية ونقل التكنولوجيا. لكن في المقابل، تواجه تحديات كبرى، منها نقص الخبرات الفنية، وتهديدات بالعقوبات، واحتمال انسحاب المستثمرين. ومن ثم يظل مستقبل هذه الخطوة مرهونًا بقدرة النيجر على إدارة مواردها بشفافية، وبناء شراكات متوازنة تعزز التنمية دون الوقوع في فخ الهيمنة الجديدة.
أولًا: النيجر في المؤشرات الدولية
تعتبر دولة “النيجر”، أحد أكبر منتجي اليورانيوم في العالم؛ حيث وفرت ما يقرب من 5% من اليورانيوم في العالم، وفي عام 2023، ساهمت بنحو 15% من اليورانيوم المستورد إلى أوروبا، وتحتل النيجر المرتبة السابعة عالميًا في قائمة الدول المنتِجة لليورانيوم؛ وهي دولة مصدرة للذهب والفحم والفوسفات والقصدير والحديد، إلا أن اليورانيوم يساهم بشكل كبير في الناتج الإجمالي للدولة ، وبشكل عام يساهم قطاع التعدين بحوالي 3% من الناتج المحلي الإجمالي؛ اذ يشكل 40% من صادرات البلاد، ويعتبر اليورانيوم كنز استراتيجي لدى النيجر، ووفقًا لبيانات عام 2019 تمتلك النيجر 439400 طن من احتياطيات اليورانيوم المؤكدة وهو ما يضعها في المرتبة السادسة عالميًا، وقد بلغ انتاج اليورانيوم 5% من الإنتاج العالمي في عام 2022، وبفضل هذا أصبحت النيجر المورد الأول لليورانيوم الى الاتحاد الأوروبي بنسبة 25.5% من وارداته، ويتواجد في النيجر 3 مناجم أساسية الأول منجم “سومير”، ومنجم “اكوتا “-تم إيقاف العمل به في عام 2021-، ومنجم “ايمورارين” ولم يتم تشغيله وبشكل عام يعتبر اليورانيوم المستخرج من إقليم غرب أفريقيا من الأنواع التي تحتوي على نسب يورانيوم عالية، فالخام الذي يحتوي على 0.1% من اليورانيوم يجذب الطلب بشكل كبير.
جدول (1) ترتيب النيجر في انتاج اليورانيوم

وبالفعل لم ينعكس غنى الدولة وامتلاكها للعديد من المعادن النفيسة على واقعها التنموي والحضاري؛ اذ تشهد النيجر تراجعًا في كافة المؤشرات الحيوية للدولة وذلك على النحو الآتي:
1. تحتل النيجر الدرجة 34 على مؤشر الدولي للشفافية، بترتيب 107 من أصل 180 دولة، وهو ما يعني أن النيجر تعد من الدول ذات مستوى مرتفع في الفساد في القطاع العام، ووفقًا للمؤشر فان النيجر تبتعد بدرجات كبيرة عن درجة النزاهة الخالصة عند 100 درجة وبمقدار 66 درجة.
2. بالنسبة لمؤشر الإرهاب العالمي، تأتي النيجر في مقدمة الدول الأكثر تأثرًا بالإرهاب بسبب انتشار التنظيمات الإرهابية مثل بوكو حرام وداعش وجماعة نصرة الإسلام والمسلمين، وهو ما يضعها في المرتبة الخامسة عالميًا من ضمن الدول المتأثرة بالإرهاب، أما بالنسبة لمؤشر السلام العالمي، فتقع النيجر في الثلث الأخير من قائمة الدول الأكثر سلمًا وسلامًا اجتماعيًا، وبالمرتبة 140 دوليًا؛ اذ تعاني من نزاعات داخلية وتهديدات إرهابية وضعف في المؤسسات.
3. وفقًا لتقرير التنمية البشرية الصادر من الأمم المتحدة، تقع النيجر في المرتبة 189 من أصل 193 دولة؛ حيث تعد من أدنى الدول في التنمية البشرية وظاهرة الدولة الهشة التي صنفها مؤشر الدولي للهشاشة في المرتبة ال 19، وبما يعني انتشار مظاهر الهشاشة في القطاع الأمني والعسكري والسياسي والاقتصادي والاجتماعي.
ثانيًا: الانقلابات والانقلابات المضادة: كيف ساهم اليورانيوم في تصاعد عدم الاستقرار
تعتمد فرنسا على نفوذها في القارة الأفريقية خاصة النيجر واليورانيوم عبر انشاء مكاتب وزارية، كما عقدت اتفاقيات دفاعية وعسكرية وانشأت مناطق نقدية خاصة للحفاظ على السيطرة والنفوذ الفرنسي مع المستعمرات السابقة، ونتيجة لهذه السياسة، فقد تدخلت فرنسا عسكريًا كلما كان هناك تهديد يقضي بزحزحة الجانب الفرنسي عن السيطرة على المعدن النادر، كما التزمت باريس بتنفيذ سياسة “الفرانك افريك”، وتعني تطوير الموارد البشرية والموارد الاقتصادية لاحتياجات فرنسا، ولتلبية هذه السياسة تم إنشاء وزارة للتعاون خاصة بالدول الأفريقية والمستعمرات السابقة، ولم تكن هذه الوزارة إلا عبارة عن أداه لبسط واستمرار النفوذ الفرنسي عبر إقامة علاقات خاصة بالدول الأفريقية عبر اتفاقيات مجحفة للدول الأفريقية في حين تمنح فرنسا امتيازات كبيرة تلبي حاجاتها.
ولعقود طويلة، سارعت باريس بالتدخل العسكري لإنقاذ الحكومات الموالية لها لضمان السيطرة الكاملة على موارد هذه البلاد، ولم تكن النيجر باستثناء، فمنذ الاستقلال ،دعمت فرنسا الحكومات الموالية لها، وتدخلت لحماية الرؤساء المواليين لها، ويثبت تاريخ دولة النيجر والانقلابات العسكرية، مدى مساهمة فرنسا في تثبيت أو التخلص من حاكم ربما يستطيع إزاحتها عن اليورانيوم، فقد تدخل فرنسا لإنقاذ حكم “ حماني ديوري “ خلال عقد الستينات والسبعينات، ولم تتدخل حينما تم ازاحته بانقلاب عسكري بقيادة بعض الضباط، بل تركته يلازم السجن، كما تكرر الأمر تكرر مرة أخرى بعد وفاة رئيس المجلس العسكري” كون”، وحتى بعد قيام الحكم المدني وازالته مرة أخرى بالانقلابات، لعصر الانتخابات والحكم المدني، فقد كانت الرغبة في حماية الحصول على اليورانيوم الرخيص من النيجر، الهدف الذي يحرك السياسة الخارجية الفرنسية، حتى عندما حدثت انتفاضة الطوارق وسيطرتهم على مناطق “اورليت”، فقد سارعت باريس بأرسال القوات الفرنسية للسيطرة على المواقع الاستراتيجية منهم.
من ناحية أخرى، يمثل هذا التدخل مجالًا واضحًا لسياسة الفرانس افرك، والتي تعني “تطوير الموارد البشرية والاقتصادية لتناسب حاجات فرنسا، ويعني أيضًا قيادة فرنسا للجهود الأوروبية في أفريقيا، وعلى الرغم من ان مؤشرات تراجع الاهتمام الفرنسي بأفريقيا يمكن ملاحظته قبل انتفاضة الطوارق وانتشار التنظيمات الإرهابية في منطقة الساحل وذلك قبل سقوط النظم في ليبيا 2011، لكن سيطرة الجماعات الإرهابية والطوارق، على مناطق استراتيجية ينظر إليه باعتباره نقطة فارقة في إقرار ارسال قوات عسكرية في منطقة الساحل.
وقد شهد هذا الوضع تغييرًا في سياسات فرنسا تجاه مستعمراتها السابقة، بدءً من دمج وزارة التعاون الفرنسية مع وزارة الخارجية، مع تقليص الوجود العسكري والتقني الفرنسي في أفريقيا، وتقليص المزايا الاقتصادية التي تقدمها فرنسا لمستعمراتها السابقة، وهو ما يشير إلى تغير وضع المستعمرات الفرنسية السابقة لتكون في نفس وضع بقية دول العالم فيما يتعلق بالسياسة الخارجية بعد دمج وزارة التعاون مع الخارجية.
وهناك العديد من الأسباب التي تفسر هذه التغييرات، ومن ضمنها أن باريس لم تعد بحاجة للاعتماد على النيجر أو الجابون للحصول على كمية كبيرة من اليورانيوم. وذلك عبر تأمين هذه الاحتياجات من دول أخرى تمتلك فيها الشركة الفرنسية حقوق امتياز كبيرة، مثل استراليا وكندا وكازاخستان، وهو ما يفسر المقولة الخاصة بأن يورانيوم النيجر أصبح معدن ذا أهمية متناقصة لدي فرنسا.
ثالثًا: السلطات الجديدة والسعي لتحقيق الأمن الاقتصادي
وفقًا للنظرية الكلاسيكية للنظام الاقتصادي الرأسمالي والذي صمم بنظرة مثالية تفترض أن التجارة بين الدول تقوم على أساس تنافسي بين جهات خاصة متنافسة لا تحدد الأسعار، ومن شأن ذلك أن يحقق الأمن الاقتصادي لطرفي العملية، وبالتالي تكون التجارة عادلة، أي أن كلا الطرفين يتمتعان باستقلال سياسي واقتصادي، ونتيجة لذلك، فإن التوزيع غير المتكافئ للقوة الاقتصادية يعرض أمنها الاقتصادي للخطر. وغني عن البيان، فإن الاستعمار الجديد والذي يسعى للسيطرة على الموارد الاقتصادية للدولة المستهدفة وضمان تدفق الموارد المطلوبة، هو الذي سيطر على العلاقة بين القوى الدولية والدول الأفريقية، وهذا الوضع يهدد النظام الرأسمالي والنظام الدولي بشكل كبير وعلى المدى الطويل، ذلك أن نهب الموارد من أصحابها لابد وأن يثير غضب هذه الشعوب، وهو ما يضرب استقرار ويقض من نفوذ القوى التقليدية في المنطقة ، وهو ما تحقق فعليًا حينما تم رفع الأعلام الروسية في دول أفريقية كانت تعتبر مناطق تعتبر ضمن النفوذ الفرنسي، كما تكرر أيضًا، عن تغيير ولاءات الأنظمة الحاكمة وسعيها للاستفادة من العقود الصينية في المنطقة.
يمكن القول أن ظهور مصطلح “قومية الموارد” وسعي القادة العسكريين الجدد في تحقيق استقلال حقيقي، قد بدا فعليًا منذ التفكير في الاستغلال الأمثل للموارد الطبيعية الموجودة داخل النيجر سواء كان المعدن الأصفر أو الكعكة الصفراء، وذلك عبر إدارة واستغلال هذه الموارد وبشكل يحقق للدولة أعظم استفادة، ومن هنا يمكن القول إن القيادة الجديدة في النيجر تسعى فعليًا لتحقيق ما يسمى الأمن الاقتصادي للدولة وهو ما يمثل أحد أبعاد الأمن القومي للدولة، وهو الاتجاه الذي يبدو في الفترات الأخيرة متصاعدًا ليس في غرب أفريقيا فحسب، بل في عموم القارة، حيث عانت دول القارة من الاستعمار الجديد بعد عقود من الاستعمار والاحتلال بمعناه التقليدي، وبالتالي فإن الخطوات التي يتم اتخذاها من تحجم نفوذ فرنسا، تفتح الباب على مصراعيه لتنويع الشراكات مع روسيا والصين، ويمكن أن توفر هذه الشراكة، ميزات أفضل للدولة المنتجة أو نقل تكنولوجيا التنقيب والاستخراج، اتاحة فرص عمل للنيجيريين، وإمكانية تحقيق قيمة مضافة على تلك الموارد، ألا أن هذا الأمر مرهون بقدرة المفاوض الوطني مع الشركات الدولية لتعظيم الاستفادة من الثروات المحلية.
وبالفعل، بعد وصول المجلس العسكري للسلطة في يوليو 2023، بدء الأخير حصارًا على صادرات اليورانيوم وعلق المدفوعات على التزاماته كشريك في مشروع مشترك، وهو ما أدى إلى توقف التصدير، بالإضافة إلى إغلاق الحدود مع دولة “بنين” التي تعتمد النيجر وهي الدولة الحبيسة على الوصول للمياه البحر عبر ميناء كوتونو؛ حيث يتم شحن اليورانيوم منه. وفي يونيو 2024، ألغى القادة النيجريون ترخيص التعدين لشركة أورانو الفرنسية المملوكة للدولة لتشغيل منجم إيمورارين، أحد أكبر مناجم اليورانيوم في العالم باحتياطيات تقدر بنحو 200000 طن. وفي ديسمبر، أعلنت المجموعة إغلاق فرعها النيجيري، سوماير، الواقع شمال أغاديز.
واقع الأمر أن هناك مجموعة من الأسباب التي تدفع القادة في النيجر للسعي لتحقيق الجانب الاقتصادي من الأمن القومي والسعي لقومنه الموارد، وبالتالي تطبيق هذا المفهوم على موارد اليورانيوم على النحو الآتي:
1. غياب سيطرة الدولة على مواقع التعدين، والتي غالبًا ما تكون تحت سيطرة الشركات الأجنبية ووكلائها، وهو ما يعني انها أراضي أجنبية، وربما تستفيد من وضع دبلوماسي مميز، أو الاستفادة باعتبارها نقاط مجانية معفية من أي الضرائب أو الرسوم، وفي النيجر ليست الأراضي فقط خارج سيطرة الدولة؛ إذ إن جميع الخرائط الجيولوجية لا تحتفظ بها الحكومة النيجيرية، بل تحتفظ بها هيئة المسح الجيولوجي الفرنسية الحكومية المعروفة باسم “مكتب البحوث الجيولوجية والتعدينية”.
2. السلوك المعادي من الشركة تجاه نظام الحكم الجديد، وغير الموالي للدولة صاحبة الامتياز الأكبر(فرنسا)، بهدف وقف الإنتاج، وفرض ضغوط أكبر على الحكام الجدد، وهو ما أفصح عنه البيان الوزاري؛ اذ أكد على اتخاذ شركة أورانو منذ أحداث 23 يوليو 2023 خطوات في هذا الاتجاه؛ حيث أعادت جميع المواطنين الفرنسيين العاملين في شركة SOMAÏR إلى أوطانهم، كما حاولت الشركة اتخاذ قرار بوقف إنتاج الشركة بعد فقدانها السيطرة على شركة SOMAÏR، ثم تقدمت بشكوى ضد دولة النيجر أمام لجنة البحوث والتطوير في مجال المعلومات (CIRDI)، في 20 يناير 2025، بعدما فصلت شركة أورانو في 4 ديسمبر 2024، النظام الخاص بشركة SOMAÏR عن الشبكة العالمية للمجموعة، وهو ما أدى إلى توقفها عن العمل وإلغاء جميع التراخيص دون إشعار، بالإضافة على محاولات التشهير التي شنتها أورانو بهدف إثارة المشاكل بين الشركة ومورديها وعملائها وموظفيها.
3. دائما ما تتحدد العقود مع الشركات متعددة الجنسيات في أفريقيا بإعفاءات ضريبية، ونسبة أرباح منخفضة لصالح الدول الأفريقية، وهو أحد الأسباب التي أدانها حكام النيجر لما لها من دور في حرمان هذه الدول من مصادر دخل حيوية يُعيق التنمية الاقتصادية، ويَحُدّ من القدرة على توفير وظائف كريمة وتحسين ظروف معيشة السكان.
4. سياسات التسويق والتي تعد أحد أكثر الأسباب التي انتقدها حكام النيجر؛ اذ لم تتسم بمزيد من الشفافية، والتنويع وقد بلغ الإنتاج التراكمي لمنجم اليورانيوم 81,861 وحدة تكرير. ويبلغ الإنتاج المتداول 80,518 وحدة تكرير، في حين استحوذت شركة أورانو على نسبة 86.3% من إجمالي الإنتاج المتداول؛ وتداولت شركة سوبامين 9.2% من إجمالي الإنتاج المتداول. ووفقًا للاتفاقية التي أبرمها المساهمون، يستحوذ المساهمون على اليورانيوم الذي تنتجه شركة سومار بما يزيد من نسبة الأرباح وبالتالي تحقيق الاستفادة للشركات المصدرة، لكن الواقع أن الشركة الام استحوذت على الإنتاج لصالحها.
5. غياب الشفافية فيما يتعلق بحجم المواد الخام المستخرجة، وانخفاض حصة الإيرادات، التي غالبًا ما تكون غير مُتحققة، والمُحولة إلى الدول التي تعتقد أن حصتها المشروعة يجب إعادة التفاوض عليها. لذا، فإن التفاوت في توزيع الأرباح والاستغلال المكثف للموارد الطبيعية دون أي رغبة في إحداث تحول في سلسلة القيمة المحلية يساهمون في تصاعد المشاكل.
6. سياسات التوظيف وعدم مراعاة التركيبة السكانية في الاستفادة ضمن المهن والوظائف للشركات العاملة داخل المجتمعات المحلية بالإضافة إلى التداعيات الصحية والبيئية، ففي حين تفقد هذه الأخيرة أراضيها، وبالتالي مصدر رزقها الوحيد، بينما تسعى الشركات العاملة لاستغلال خيرات هذه الأراضي وربما تسبب اضرارًا بيئية يعاني منها السكان، كما أن ضعف نظم الرعاية الصحية يعتبر بعدًا اخر يزيد من حدة الأزمة.
7. تخلي الشركات المتعددة الجنسيات والعاملة في هذا المجال عن مسئولياتهم الاجتماعية، وهو ما يجعل المجتمعات المحلية ما بين مطرقة الإهمال والتهميش الاقتصادي والسياسي وسندان اهمال واستغلال الشركات المتعددة الجنسيات.
8. إن انتهاء عقود احتكار بيع وإنتاج الموارد والمعادن النادرة، يمثل دافع كبير لدى نظام الحكم الجديد، لكي يتحلل من أي اتفاقيات أو عقود تعتبر مجحفة من جهة ومن جهة أخرى يحتاج هذا المنحى لتسويقه سياسيًا لنفسه وليقنع المواطن الأفريقي أن هناك تغيير سياسي يحدث في دولته، والسعي لمزيد من الشرعية، وقد عبر البيان الوزاري الصادر في 19 يونيو الماضي هذا الاتجاه؛ حيث أكد على انتهاء عقد شركة أورانو الذي استمر لمدة 74 عام وذلك في تاريخ أغسطس 2023.
في الختام: تعتبر الموارد المعدنية ثروة وطنية وأداة لتعزيز السيادة كما يُنظر إلى سياسة التأميم كإجراء يهدف إلى إرساء سياسة وطنية سيادية لتحسين استغلال الثروات المعدنية لصالح الشعب، إلا أن استغلال الدول لمواردها دون عوائد فِعْلية على الاستثمار يثير الاستياء. أما الاستغلال تحت ظروف مجحفة، فهو الذي يُعدّ خرقًا فعليًّا للقانون، وعلى الرغم من امتلاك دول القارة الأفريقية ما يقارب من 30% من نسبة الاحتياطات المقدرة من المعادن الثمينة. إلا أنها لا تزال تعاني تحت وطأة تصدير المواد الخام كما هي من دون أي قيمة حقيقة تحويلية يمكن أن تزيد من قيمة هذه الموارد وتعظيم الاستفادة منها ، وهو واقع دول القارة التي تفتقر في الواقع للخبرات الفنية والتكنولوجيا والبنى التحتية للتنقيب والاستكشاف والاستخراج والصناعات التحويلية، ولكن مؤخرًا ربما شهدنا بعض محاولات الدول الأفريقية لقومنه الموارد، وبداية الشروع في أنشطة مثل ذلك، على سبيل المثال، تحاول زيمبابوي إنشاء مصفاة للذهب على أراضيها، كما تسعى بوركينافاسو من خلال تعديل قوانين التعدين، تأميم مناجم الذهب عبر فرض ضرائب جديدة وتعظيم الاستفادة من أرباح الشركات المصدرة، وهو نفس التوجه في النيجر، فبعد قرارها بتأميم شركة سومير، أعلن مجلس الوزراء أن ملكية جميع أسهم وأصول شركة SOMAIR تنتقل بالكامل إلى دولة النيجر وأن حملة الأسهم المنقولة للدولة سيحصلون على تعويضات، مع مراعاة الالتزامات القانونية الوطنية، بما في ذلك تكاليف إعادة تأهيل مواقع المناجم.

