د. هبة المُعز
دكتوراه العلوم السياسية، كلية الدراسات الإفريقية العليا، جامعة القاهرة
في عالم تتسارع فيه التحولات الجيوسياسية، وتتصاعد فيه الصراعات العسكرية مع التنافس الاقتصادي وحروب المعلومات، لم يعد استقرار الدول مرهونًا بامتلاك عناصر القوة التقليدية فحسب، بل أصبح مرتبطًا بقدرتها على بناء رؤية استراتيجية متكاملة، وإدارة الأزمات بكفاءة، وتعزيز الوعي الوطني، والحفاظ على تماسك مؤسسات الدولة في مواجهة التحديات المتصاعدة، من هنا، تبرز أهمية منتدى مصر 2026 باعتباره فرصة لطرح تساؤلات جوهرية حول مستقبل الدولة المصرية، ومقومات صمودها في بيئة إقليمية ودولية شديدة الاضطراب، وحدود قدرتها على تحويل التحديات إلى فرص تعزز مكانتها ودورها الإقليمي. فالقوة الحقيقية للدولة لا تُقاس فقط بما تمتلكه من قدرات مادية، وإنما كذلك بمدى تماسك جبهتها الداخلية، وتقدم وعي مجتمعها، وكفاءة عمل مؤسساتها، وقدرتها على استشراف المخاطر ومواجهتها قبل تحولها إلى أزمات.
إن الرهان أمام مصر اليوم يتمثل في تحقيق معادلة تجمع بين حماية الأمن القومي، واستدامة التنمية، وتعزيز الاستقرار، والاستعداد للتعامل مع متغيرات المستقبل، وهو ما يتطلب وعيًا بطبيعة التحولات الدولية، وإدراكًا لارتباط الأمن بالاقتصاد، والتنمية بالاستقرار، والوعي المجتمعي بقدرة الدولة على مواجهة محاولات التأثير في إرادتها الوطنية، وفي هذا السياق، لا ينبغي النظر إلى المنتديات الفكرية والوطنية باعتبارها مجرد منصات لتبادل الآراء، بل باعتبارها مساحات لإنتاج الأفكار وتعزيز النقاش حولها، وربط المعرفة بالسياسات العامة، وتعزيز دمج الشباب في فهم التحديات التي تواجه الدولة المصرية، بما يعزز قدرتهم على المشاركة الواعية في تحديد مستقبلها.
وتأتي أهمية انعقاد منتدى مصر 2026 في لحظة دولية فارقة، تتشابك فيها الصراعات الجيوسياسية مع الأزمات الاقتصادية، وتتزايد فيها التحديات المرتبطة بالأمن الغذائي والمائي، وتتراجع فيها قدرة كثير من الدول على احتواء تداعيات الاضطرابات الإقليمية والدولية؛ حيث يمثل المنتدى منصة للحوار حول أولويات الدولة المصرية، وتحديات الحاضر، ورهانات المستقبل، فالعالم الذي نعيشه اليوم لم يعد يسمح للدول بالاكتفاء بردود الفعل، أو التعامل مع الأزمات باعتبارها أحداثًا منفصلة؛ إذ أصبحت التحديات مترابطة، وأضحى الأمن بمفهومه الشامل يتجاوز الحدود التقليدية التي يقوم عليها، ليشمل بعض المجالات مثل الاقتصاد والمجتمع والغذاء والمياه ومصادر الطاقة والوعي، ومن ثم، فإن قوة الدولة الحديثة تُقاس بقدرتها على إدارة هذه الملفات في إطار رؤية متكاملة، تحافظ على الاستقرار، وتدعم التنمية، وتحافظ على مصالحها الوطنية.
ومن هذا المنطلق، يكتسب منتدى مصر 2026، المنعقد تحت شعار «نظرة لليوم.. رؤية للغد»، أهمية تتجاوز انعقاد جلساته وورش عمله؛ فالقيمة الحقيقية لأي حوار وطني تكمن في قدرته على تحويل الأفكار إلى سياسات، والتحديات إلى فرص، والمشاركة المجتمعية إلى قوة داعمة لمسار الدولة، وهو ما يجعل المنتدى منصة مهمة لقراءة أعمق في طبيعة القوة المصرية، ومقومات استقرارها، والآفاق التي ينبغي أن تتجه إليها خلال المرحلة المقبلة.
أولًا: قوة الدولة المصرية.. من إدارة الأزمات إلى صناعة المستقبل
كما تم الحديث فإن قوة الدول لا تُقاس في أوقات الاضطراب بامتلاك أدوات القوة التقليدية وحدها، وإنما بقدرتها على الحفاظ على تماسك مؤسساتها، واستمرار عمل مرافقها الحيوية، والاستجابة لاحتياجات مواطنيها، واتخاذ القرارات التي تحقق التوازن بين متطلبات الأمن وأولويات التنمية، وتكتسب هذه المعادلة أهمية خاصة بالنسبة لمصر، بالنظر إلى موقعها الجغرافي الاستراتيجي، وارتباط أمنها القومي بالتطورات المحيطة بها في مناطق الشرق الأوسط والقرن الإفريقي والبحر الأحمر وشرق المتوسط. فهذه الدوائر ليست مجرد امتدادات جغرافية، بل دوائر تتشابك فيها المصالح الدولية والإقليمية، وتنعكس تحولاتُها على أمن المنطقة واقتصاداتها وحركة التجارة والطاقة.
ومن هنا، فإن تعزيز قوة الدولة المصرية يتطلب رؤية شاملة لا تفصل بين الاستقرار السياسي، وكفاءة المؤسسات، والتنمية الاقتصادية، والعدالة الاجتماعية، وبين قدرة المجتمع على التعامل الواعي مع التحديات، فالدولة القوية ليست فقط تلك التي تستطيع احتواء الأزمة بعد وقوعها، بل التي تمتلك أدوات الاستعداد لها، وتقليص آثارها، وحماية الفئات الأكثر تأثرًا بتداعياتها، وفي هذا السياق، تبرز أهمية الحوار الوطني والمجتمعي باعتباره إحدى الوسائل التي تتيح الاستماع إلى احتياجات المواطنين، والاستفادة من خبرات المتخصصين، واكتشاف أوجه القصور، وتطوير السياسات العامة بما يتناسب مع احتياجات الواقع، فالقوة المؤسسية تزداد فاعلية عندما تقترن بالقدرة على الاستماع والتقييم والتصحيح.
ثانيًا: الأمن القومي في عالم مضطرب.. معركة تتجاوز الحدود التقليدية
إن أحد أهم التحولات التي يشهدها العالم تتمثل في إن مفهوم الأمن القومي لم يعد مقتصرًا على حماية الحدود ومواجهة التهديدات العسكرية، بل أصبح مفهومًا متعدد الأبعاد، تتداخل فيه الاعتبارات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والتكنولوجية،فالأزمات الدولية الراهنة تكشف عن أن اضطراب سلاسل الإمداد، وتقلبات الأسواق، وتهديد طرق الملاحة، وتزايد الضغوط على الموارد المائية والغذائية، يمكن أن تفرض على الدول تحديات لا تقل تأثيرًا عن التهديدات الأمنية المباشرة، كما أن التطور التكنولوجي واتساع نطاق تداول المعلومات جعلا الوعي المجتمعي جزءًا مهمًا من منظومة حماية الأمن القومي للدول.
وبالنسبة لمصر، فإن حماية الأمن القومي تتطلب التعامل مع هذه الملفات باعتبارها منظومة مترابطة؛ فالأمن المائي يرتبط بالتنمية الزراعية والأمن الغذائي، والأمن الاقتصادي يرتبط بقدرة الدولة على توفير فرص العمل وتحسين مستويات معيشة المواطنين، بينما يرتبط الأمن المجتمعي بقدرة المؤسسات على تقديم الخدمات وتعزيز الثقة العامة، وتتضاعف أهمية هذا الترابط في ظل موقع مصر ضمن بيئة إقليمية تتسم بتعدد بؤر التوتر، وما يفرضه ذلك من ضرورة الاستعداد لمختلف السيناريوهات، وتنويع أدوات التعامل مع الأزمات، وتعزيز الشراكات الإقليمية والدولية التي تحمي المصالح الوطنية.
ولا يقل عن ذلك أهمية الوعي بالمخاطر المرتبطة بالمعلومات المضللة، والتوظيف السياسي للشائعات، ومحاولات استغلال الأزمات الاقتصادية والاجتماعية لإضعاف الثقة بين المجتمع ومؤسساته. فمواجهة هذه التحديات لا تتحقق بمجرد تداول رسائل تحذيرية، بل تحتاج إلى معلومات دقيقة، واتصال مؤسسي فعال، وشفافية في عرض التحديات، وقدرة على تصحيح المعلومات المغلوطة، وهنا تبرز مسئولية الإعلام والمؤسسات التعليمية ومراكز الفكر والبحث العلمي في بناء وعي يستند إلى المعرفة والتحليل، بعيدًا عن التهويل أو التبسيط. فالمجتمع الواعي لا ينكر التحديات، لكنه يمتلك القدرة على فهم أسبابها وأبعادها، والتمييز بين المعلومات الموثوقة والشائعات.
ثالثًا: التنمية وبناء الإنسان.. الاختبار الحقيقي لقوة الدولة
إذا كان الأمن يمثل أحد الشروط الأساسية لاستقرار الدولة، فإن التنمية تمثل المجال الذي يشعر فيه المواطن بنتائج هذا الاستقرار في حياته اليومية، ولذلك، فإن التحدي الحقيقي لا يكمن في تحقيق مؤشرات اقتصادية مجردة، بل في تحويلها إلى فرص عمل، وخدمات أفضل، وتعليم أكثر جودة، ورعاية صحية متميزة، وتحسين مستدام لمستوى المعيشة.
وفي ضوء ذلك، تكتسب القضايا التي يناقشها منتدى مصر 2026، ومن بينها الأمن الغذائي والمائي، والحماية الاجتماعية، والصحة، والتعليم، وضبط الأسواق، والتحول الاقتصادي، أهمية خاصة لأنها تمس العلاقة المباشرة بين الدولة والمواطن. فهذه الملفات لا يمكن التعامل معها باعتبارها قطاعات منفصلة، بل من خلال التعامل معها ضمن رؤية تنموية متكاملة توازن بين الإمكانات المتاحة والاحتياجات المتزايدة.
وفي هذا الإطار، يصبح الاستثمار في الإنسان ضرورة استراتيجية، وليس مجرد بند ضمن أولويات التنمية، فالتعليم الذي يواكب التحولات التكنولوجية، والتدريب الذي يربط المهارات باحتياجات سوق العمل، ودعم ريادة الأعمال والابتكار، تمثل عناصر تسهم في بناء اقتصاد أكثر قدرة على المنافسة، وتمنح الشباب فرصًا أوسع للمشاركة في الإنتاج وصناعة المستقبل، كما أن تحسين بيئة الاستثمار وتعزيز الشراكة بين القطاعين العام والخاص يمثلان مسارين مهمين لتوسيع القاعدة الإنتاجية، وتوفير فرص العمل، ودعم قدرة الاقتصاد على مواجهة الصدمات الخارجية، غير أن نجاح هذه المسارات يظل مرتبطًا بوجود بيئة تنظيمية مستقرة، وإجراءات واضحة، ومنافسة عادلة، وربط الاستثمارات باحتياجات المجتمع وأولويات التنمية.
ومن الضروري كذلك أن تحتل قضايا المصريين بالخارج موقعًا واضحًا في الرؤية الوطنية، ليس فقط من زاوية التواصل معهم، وإنما باعتبارهم شركاء محتملين في نقل المعرفة والخبرات، وتعزيز الروابط الاقتصادية والثقافية، وتوسيع فرص التعاون مع الأسواق الدولية، وهنا تظهر قيمة المنتدى بوصفه مساحة لطرح الأسئلة الصعبة، والاستماع إلى وجهات النظر المختلفة، والبحث عن حلول قابلة للتطبيق، فنجاح الحوار لا يُقاس بعدد الجلسات أو تنوع المشاركين فقط، وإنما بمدى قدرة مخرجاته على الانتقال من دائرة النقاش إلى وضع برامج محددة، لها أولويات واضحة، وآليات تنفيذ، ومؤشرات قابلة للقياس والتقييم.
رابعًا: من الحوار إلى النتائج.. رهانات المرحلة المقبلة
إن التحدي الأساسي أمام أي منتدى وطني لا ينتهي بانتهاء فعالياته، بل يبدأ مع القدرة على تحويل ما يُطرح داخله إلى مسار عمل مستمر. فالأفكار مهما بلغت أهميتها تظل محدودة الأثر إذا لم ترتبط بآليات تنفيذ واضحة، ومتابعة جادة، ومشاركة حقيقية من المؤسسات والخبراء والمجتمع، ومن هنا، فإن القيمة الاستراتيجية لمنتدى مصر 2026 يمكن أن تتعزز من خلال البناء على ما يطرحه من رؤى ومقترحات، وتحديد الأولويات التي تتطلب تدخلًا عاجلًا، والاستفادة من الخبرات الوطنية في تطوير السياسات العامة، وفتح مسارات أكثر فاعلية أمام الشباب والباحثين وأصحاب المبادرات.
كما أن المرحلة المقبلة تحتاج إلى تعزيز ثقافة تقييم السياسات والبرامج، بحيث لا يقتصر الاهتمام على الإعلان عن المبادرات، بل يمتد إلى قياس نتائجها الفعلية على حياة المواطنين، وتحديد ما تحقق منها، وما يحتاج إلى مراجعة أو تطوير، فالمؤسسات القادرة على التعلم من التجربة وتصحيح المسار هي الأكثر استعدادًا لمواجهة التحولات المتسارعة، وتظل المشاركة المجتمعية عنصرًا محوريًا في هذه المعادلة؛ لأن المواطن ليس مجرد متلقٍ لنتائج السياسات العامة، بل طرف أساسي في نجاحها من خلال الوعي والمشاركة والعمل والإسهام في تقديم الحلول، وكلما اتسعت المساحة المتاحة للنقاش المسؤول وتبادل الخبرات، كلما زادت فرص الوصول إلى سياسات أكثر استجابة للاحتياجات الفعلية.
في الختام: في عالم تتنازعه الأزمات وتتغير فيه موازين القوة بصورة متسارعة، تصبح قدرة الدول على الاستعداد للمستقبل عاملًا مهمًا في حماية مصالحها وصون استقرارها. وبالنسبة لمصر بما تمتلكه من موقع استراتيجي وثقل إقليمي ومؤسسات وطنية وطاقات بشرية، تواجه مسئولية مواصلة العمل على بناء نموذج تنموي قادر على التعامل مع هذه التحديات، والاستفادة من الفرص، وتعزيز قدرة المجتمع على التكيف مع المتغيرات، ومن ثم، يمكن اعتبار منتدى مصر 2026 فرصة لتعزيز الحوار حول مستقبل الدولة، وربط قضايا الأمن والتنمية ببناء الإنسان، وتحويل النقاشات إلى مسارات عملية قابلة للتنفيذ والتقييم، فالرهان الحقيقي ليس في القدرة على تجاوز أزمة عابرة فحسب، بل في بناء دولة أكثر استعدادًا لما قد تحمله السنوات المقبلة من تحولات، وأكثر قدرة على حماية مصالحها الوطنية، وتحقيق تطلعات مواطنيها.
وبالتالي، تظل قوة مصر الحقيقية في قدرتها على الجمع بين حماية أمنها القومي ومواصلة مسيرتها التنموية، وبين الحفاظ على ثوابتها الوطنية والانفتاح الواعي على متغيرات العصر، فالدول لا تصنع مستقبلها بردود الأفعال، وإنما بالرؤية الاستراتيجية، والعمل المؤسسي، والاستثمار في الوعي والمعرفة والقدرات البشرية، كما “إن الرسالة الأهم التي ينبغي أن تتجاوز حدود المنتدى هي أن بناء الدولة القوية لا يتحقق بامتلاك أدوات القوة وحدها، بل بكفاءة توظيفها، ولا يُقاس فقط بقدرتها على مواجهة أزمات الحاضر، بل بمدى استعدادها لتحديات الغد”، فمصر التي تدرك طبيعة عالمها، وتحمي مصالحها الوطنية، وتمنح أجيالها مساحة للمشاركة والإبداع، هي الأقدر على تحويل اضطرابات الإقليم والعالم إلى فرص لتعزيز السلام والتنمية، وهنا يصبح المستقبل ليس مجرد انتظار لما ستسفر عنه الأحداث، بل مشروعًا وطنيًا يتم تحديد ملامحه بالوعي والعمل والإرادة.

