محمد أبو العيون
باحث متخصص في قضايا الإرهاب
لم يكن إعلان التحالف الدولي في عام 2018 هزيمة تنظيم داعش في العراق وسوريا، واستعادة كامل الأراضي العراقية والسورية التي كان يسيطر عليها عناصر التنظيم الإرهابي بمثابة الانتهاء الفعلي لخطر هذا التنظيم؛ فقد نجح داعش في التمدد أيديولوجيًّا -قبل أن يتمدد هيكليًّا- من العراق وسوريا إلى كثير من دول قارتَي آسيا وإفريقيا. وخلال الأعوام الخمسة الأخيرة استغل التنظيم الفراغات الأمنية التي تعانيها عدة دول إفريقية، خاصة في المناطق الحدودية، ونجح في بسط نفوذه داخل منطقة إفريقيا جنوب الصحراء الكبرى، واتخاذها قاعدة للانطلاق عليها «ولاية الصحراء الكبرى»، معتبرًا إيّاها مركزًا لإيواء عناصره الفارين من سوريا والعراق وغيرهما من الدول التي لم يعد التنظيم قادرًا على تأمين بقائه فيها، معلنًا مواصلة العمل الجهادي لإقامة ما يُطلق عليه دولة الخلافة من قلب القارة الإفريقية.
وخلال عام 2025 تضاعف خطر تنظيم داعش داخل القارة الإفريقية بعد أن تمكّن من التمدد وبسط النفوذ في منطقة إفريقيا جنوب الصحراء الكبرى، وهو ما جعل وكيل الأمين العام لمكتب الأمم المتحدة لمكافحة الإرهاب، فلاديمير فورونكوف، يؤكد أن «إفريقيا جنوب الصحراء الكبرى تحولت إلى مركز للإرهاب العالمي، وذلك بعد أن واصل تنظيم داعش -والجماعات التابعة له- في تعزيز عملياته وتوسيع سيطرته الإقليمية، وهو التطور الذي جعل الوضع مقلقًا للغاية في غرب إفريقيا ومنطقة الساحل؛ حيث كثفت الجماعات التابعة لداعش، وغيرها من الجماعات الإرهابية هجماتها، بما في ذلك ضد المدارس في بوركينا فاسو ومالي والنيجر.[i]
ومن ثَمَّ هناك إدراك عالمي بخطر إمكانية ظهور تنظيم داعش من جديد، وبالقوة نفسها التي ظهر بها في العراق وسوريا، كما هو الحال بالنسبة لجمهورية مالي التي نجح التنظيم في التمدد داخلها والسيطرة على مساحات شاسعة من أراضيها في منطقة الشرق؛ إذ ترى الولايات المتحدة وشركاؤها أنهم لا يزالون يواجهون معارك كبيرة ضد تنظيم داعش الإرهابي وفروعه وشبكات أخرى لم تتحالف معه رسميًّا في مناطق مثل أفغانستان وإفريقيا والفلبين، وأن التنظيم سيظل قادرًا على تمويل عملياته العالمية.
أولًا: الجذور التاريخية للتنظيمات الإرهابية بمنطقة الساحل الإفريقي:
تمر دول منطقة الساحل الإفريقي الخمس: موريتانيا، والنيجر، وتشاد، وبوركينا فاسو، ومالي، منذ استقلالها عن الاستعمار الغربي في ستينيات القرن المنصرم بأزمات سياسية متتالية -كثير منها بسبب التدخلات الخارجية- كما تعاني هذه الدول من صراعاتٍ إثنية مستمرة تؤججها قوى كبرى في إطار محاولاتها للسيطرة على الثروات الطبيعية داخل منطقة الساحل. وخلال السنوات الأخيرة تضاعفت حدة هذه الأزمات وتشعبت تلك الصراعات وباتت المخاطر التي تواجهها دول منطقة الساحل تهدد أمنها القومي للحد الذي قد يعصف باتجاهات الاستقرار في هذه الدول، وذلك حين نجح عديد من الجماعات المتطرفة والتنظيمات الإرهابية وفي مقدمتها تنظيما داعش والقاعدة في توسيع دائرة تمددهما وانتشارهما من خلال استغلال الفراغ الأمني والتحولات السياسية التي شهدتها دول المنطقة، وبالأخص داخل جمهورية مالي.
ويعكس انتشار التنظيمات المتطرفة في منطقة الساحل الإفريقي مدى قدرة الإرهابيين على استغلال كل أشكال الهشاشة لتعزيز تواجدها وسيطرتها الميدانية، فقد استطاعت هذه التنظيمات الإرهابية أن تستغل الهشاشة الجغرافية للمنطقة، التي تتأرجح بين المناطق الصحراوية الشاسعة، وبين المناطق الاستوائية التي تنتشر فيها الغابات الكثيفة، وهو ما مكنّ عناصر تلك التنظيمات من إيجاد أماكن استراتيجية آمنة، ولاتي تجعل من الصعوبة بمكان مهمة القبض عليهم أو حتى نجاح جهود مكافحتهم عسكريًّا.
وبجانب الهشاشة الجغرافية؛ فقد استغلت الجماعات المتطرفة والتنظيمات الإرهابية الهشاشة الاجتماعية والاقتصادية التي تعانيها دول منطقة الساحل الإفريقي؛ إذ تعد دول المنطقة الخمس من أفقر دول العالم، وهو ما جعلها منطقة تهريب مفتوحة لا يتم الاعتبار فيها شأن للحدود المحلية؛ الأمر الذي يجعل جزءً كبيرًا من التبادلات يتم في إطار غير مهيكل، ومن ثمَّ يوفر مناخًا مناسبًا للفساد المالي، وهو وضع يزيد في تعقيد مهام محاربة الإرهاب؛ إذ إن هذا المناخ يُعد حاضنة مثالية يستطيع خلالها عناصر التنظيمات الإرهابية إيجاد مصادر التمويل المختلفة، إضافة إلى قدرتهم على الهروب من قبضة قوات إنفاذ القانون التي لا تملك صلاحيات صارمة وحاسمة في المنطقة لتحقيق الأمن والاستقرار، وهو ما شجع الإرهابيين على أن يقدموا أنفسهم بديلًا عن الدولة نفسها، ففرضوا سياسات من شأنها جمع الأموال، ويروّجون أنفسهم كضمانات لتوفير الأمن بديلًا عن قوات الشرطة والجيوش النظامية.
ويمكن الإشارة هنا إلى ان عقد التسعينيات شهد من القرن الماضي انتشار أول موجة من الجماعات المتطرفة والتنظيمات الإرهابية وتغلغلها داخل منطقة الساحل الإفريقي. وقد كانت جماعة الجهاد أول التنظيمات الإرهابية التي انتشرت في المنطقة، ولم يمضِ وقت طويل حتى تفرعت من هذه الجماعة الإرهابية جماعات وحركات أخرى بأسماء مختلفة، مع الاحتفاظ بالفكر والأيديولوجية نفسيهما، و«إن اختلاف أسماء الحركات لم ينشأ عن اختلاف توجهها الفكرية أو أهدافها وغاياتها، بل لتبايُنها في التوظيف أو اختلاف البيئات الجيوسياسية التي تعمل فيها، وهذه الاختلافاتُ والتباينات بين الحركات أدَّت إلى صراعاتٍ فيما بينها، ثم تطوَّرت إلى صراعاتٍ بين أجنحة الحركة الواحدة.[ii]
ثانيًا: تحالف قادة التنظيمات الإرهابية وحركات التمرد:
مع مطلع الألفية الثانية كان إيواء قادة الحركات الإرهابية هو السبب الرئيس في تجدد الصراعات الأهلية وتدويلها بمنطقة الساحل الإفريقي، وهي الصراعات القائمة على أسس قومية ومحلية عميقة. وقد استغلت التنظيمات الإرهابية الفوضى الناتجة عن صراع حركات التمرد فيما بينها، ونزاعها مع الدول؛ حيث نجحت هذه التنظيمات في إبرام تحالف مع قادة حركات التمرد، كما قدمت خلاله التنظيمات الدعم والتدريب ونقل الخبرات القتالية لحركات التمرد، وحصلت في المقابل على أماكن إيواء آمنة لعناصرها. وباتت هذه التنظيمات الإرهابية «تتغذى على الصراعات المحلية والإقليمية في المنطقة، التي تزيدها اشتعالًا واستمرارًا. وقد عانت حكومات دول منطقة الساحل، ومنها على سبيل المثال حكومة مالي مرارًا من اختباء بعض أعضاء الجماعات الإرهابية في المناطق التي تسيطر عليها الحركة الوطنية لتحرير أزواد، واستغلَّ الإرهابيون الصراع بين الشمال الرعوي والجنوب الزراعي في مالي.[iii] وبهذا التغلغل والتوظيف أصبحت الجماعات المتطرفة والتنظيمات الإرهابية حاضرة في قلب المفاوضات الوطنية بدول الساحل، وباتت تُملي خياراتها كأنها مكونٌ محلي لا يمكن تجاهله.
ويمكن القول إنه منذ ظهور تنظيم داعش الإرهابي في القارة الإفريقية عام 2014، وانتشاره (المحدود) في البداية؛ أصبحت منطقة جنوب الصحراء الإفريقية، ولا سيَّما منطقة الساحل، من أكثر مناطق العالم التي تنشط فيها التنظيمات الإرهابية وتنجذب إليها، وزادت أعداد ضحايا الإرهاب فيها على نظيرتها في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا بعدما سيطرت حالة من السلم والتعايش المشترك بين التنظيمات الإرهابية المنتشرة في الساحل الإفريقي، ثم تحولت حالة التعايش إلى تنافس بين تنظيمي داعش والقاعدة وذلك مع تولي «إياد آغ غالي» قيادة جماعة نصرة الإسلام والمسلمين، الموالية لتنظيم القاعدة، بغية فرض السيطرة والاستحواذ على مساحات أكبر لمضاعفة مناطق النفوذ؛ إذ شرع “القاعدة” في السيطرة على مناطق مهمّة على طول الحدود الواقعة بين جمهوريتي مالي وبوركينا فاسو، ما أشعل حدة التنافس بينه وبين داعش، وسرعان ما انقلب التنافس إلى صراع مسلح وصل إلى حد نشوب 200 اشتباك بينهما، خلال الفترة من 2019 وحتى بداية عام 2023، وهي الاشتباكات التي أسفرت عن مقتل 1100 مسلح من الجانبين.[iv]
ثالثًا: داعش ومحاولات فرض النفوذ في الساحل الإفريقي
سعى تنظيم داعش الإرهابي منذ عام 2019 إلى بسط سيطرته وفرض نفوذه على منطقة الساحل الإفريقي، في محاولة منه لاخضاع باقي الجماعات المتطرفة والتنظيمات الإرهابية -وعلى رأسها تنظيم القاعدة- واجبارها على الإدانة بالولاء له، والعمل تحت رسهاتحت قيادة عناصره، وهي المحاولات التي أدت لإنهاء حالة السلام بين التنظيمات الإرهابية بمنطقة الساحل وأشعلت فتيل الصدام المسلح.
وخلال السنوات الأخيرة؛ شهدت منطقة الساحل الإفريقي تنافسًا حادًّا بين تنظيمي داعش والقاعدة، لم تتوقف عند محاولات فرض النفوذ فقط، بل تجاوزت ذلك إلى التنافس على الاستحواذ على الموارد الطبيعية الضخمة مثل المعادن النفيسة التي تتمتع بها منطقة الساحل، وكذا استقطاب أكبر عدد من المقاتلين وهو ما يمكن أن نطلق عليه التنافس على الموارد البشرية. كما ساهمت مشكلات الإقليم المتعلقة بالأوضاع الأمنية والسياسية والاقتصادية في تأجيج التنافس بين داعش والقاعدة، وهو ما أدى إلى ارتفاع معدلات الهجمات الإرهابية بالإقليم؛ إذ شهد إقليم الساحل والصحراء أكبر معدلات وفيات ناتجة عن العمليات الإرهابية.[v]
رابعًا: داعش وتحولات المناطق من الشرق الأوسط إلى إفريقيا
نتيجة للهزائم المتتالية والمؤثرة التي تلقّاها تنظيم داعش الإرهابي على يد قوات التحالف الدولي في سوريا والعراق، وانهيار دولة الخلافة التي أعلن التنظيم قيامها هناك؛ اضطُر التنظيم إلى نقل مركز ثقله من منطقة الشرق الأوسط إلى القارة الإفريقية، وهو ما جعل منطقة الساحل الإفريقي تشهد بداية من عام 2019 وحتى الآن تصاعدًا غير مسبوق في عدد العمليات الإرهابية، وذلك مقارنة بعام 2018 وما سبقه من أعوام. وأدى نمو الجماعات المرتبطة بتنظيم داعش في منطقة الساحل من جانب، وكذا نمو نشاط الجماعات المرتبطة بتنظيم القاعدة من جانب آخر، إلى تصاعد الأعمال الإرهابية في بلدان المنطقة، حيث تقع ثلاث دول من دول المنطقة الخمس: بوركينا فاسو، ومالي، والنيجر، بين الدول الإفريقية العشر التي شهدت تصاعدًا في الأعمال الإرهابية خلال الأعوام الأخيرة.
وقد قوبل تزايد النشاط الإرهابي لتنظيم داعش، ومحاولاته فرض النفوذ والسيطرة على منطقة الساحل الإفريقي، بأعمال أشد عنفًا قام بها عناصر تنظيم القاعدة، وقد ساعدهم على هذا أن “القاعدة” له في منطقة الساحل الإفريقي جماعة نصرة الإسلام والمسلمين، وهي ثاني أقوى فروعه بعد جماعة حركة الشباب في الصومال. ومع خفوت نجم التنظيم المركزي للقاعدة، وضعف فروعه بمنطقة الشرق الأوسط وقارة آسيا، تصاعد نفوذ فرعيه في إفريقيا: جماعة حركة الشباب في الصومال، وجماعة نصرة الإسلام والمسلمين في منطقة الساحل.[vi]
ويمكن القول إن الحضور المتصاعد لتنظيمي القاعدة وداعش ومعهما جماعة بوكو حرام في منطقة الساحل الإفريقي ساهم في تعقيد المشهد الأمني والسياسي، وجعل المنطقة واحدة من أكثر المناطق اضطرابًا في القارة الإفريقية خلال السنوات الأخيرة؛ نظرًا لانتشار عددٍ كبير من التنظيمات الإرهابية المختلفة، التي تنقسم وتجتمع وتتخالف وتتحالف وتتحارب وتتآلف، مخلفةً وراءها آلاف الضحايا، ومدمرة الأخضر واليابس في المنطقة التي باتت تعاني مستويات قياسية من نقص الغذاء أودت في عام 2020 بحياة ما يقرب من 6500 شخص في بوركينا فاسو ومالي والنيجر. وبلغ عدد من يحتاجون إلى مساعدات إنسانية عاجلة بسبب انتشار العنف وفقدان الأمن في العام نفسه نحو 13.4 مليون شخص، أي 20 % من سكان المنطقة.[vii]
وخلال السنوات الثلاث الماضية، ومع تزايد حدة التنافس الشرس بين تنظيمي داعش والقاعدة والجماعات الموالية لهما، تحولت منطقة الساحل الإفريقي إلى أكبر مسرح لهجمات التنظيمات الإرهابية على المدنيين؛ فعلى سبيل المثال كان هناك خلال عام 2023 أكثر من 1100 حالة هجوم على المدنيين من قبل التنظيمات الإرهابية في منطقة الساحل، ما أدى إلى مصرع أكثر من 2080 شخصًا، أي 59% من جميع الهجمات على المدنيين من قبل التنظيمات الإرهابية في إفريقيا، و68% من أحداث القتل المتورطين فيها. وارتفعت الوفيات المرتبطة بالإرهاب في منطقة الساحل بنسبة 2000% بين عامي 2007 و2022، وفقًا لمؤشر الإرهاب العالمي لعام 2023.[viii]
خامسًا: داعش وفرض النفوذ شمال شرقي مالي
أظهر تنظيم داعش في يونيو 2022، اهتمامًا خاصًا بتعزيز نفوذه في إفريقيا، وهو ما ظهر في صحيفته الإخبارية «النبأ»، باعتبارها المنطقة التي من المرجح أن ينجح فيها التنظيم في إعادة تأسيس خلافته الإقليمية. ونصح تنظيم داعش -في افتتاحية النشرة الإخبارية الأسبوعية باللغة العربية- أتباعه الذين لم يهاجروا إلى العراق أو سوريا أو أي مكان آخر في الماضي بالسعي إلى إعادة التوطين في أرض إفريقيا، التي تحولت إلى موطن للهجرة والجهاد. وبذلك يكون تنظيم داعش قد أكد أن إفريقيا أصبحت الآن مركزًا للخلافة. وهو ما تلاه نجاح التنظيم خلال العامين الأخيرين في فرض نفوذه على منطقة شمال شرقي مالي واتخاذها قاعدة ومركزًا يرنو من خلالها إلى مزيد من التمدد وفرض سيطرته الكاملة على باقي مناطق الساحل الإفريقي.[i]
وخلال عام 2025، كثّف تنظيم داعش -مع الجماعات التابعة له- من عملياته الإرهابية في إفريقيا جنوب الصحراء الكبرى، من أجل تحقيق هدف التمدد وفرض مزيد من النفوذ وبسط السيطرة، وهو ما فاقم من مأساوية وخطورة الوضع في غرب إفريقيا ومنطقة الساحل، وذلك بعد أن كثّفت الجماعات التابعة لداعش وغيرها من الجماعات الإرهابية هجماتها، بما في ذلك تنفيذ هجمات ضد المدارس في مالي وبوركينا فاسو والنيجر.[ii]
وقد تمكنّ التنظيم داعش، من فرض سيطرته على مساحات شاسعة من الأراضي شمال شرقي مالي، وكذا مضاعفة عملياته الإرهابية بمنطقة الساحل الإفريقي، عقب حدوث فراغ أمني جراء انسحاب القوات الفرنسية والأمريكية التي كانت تعمل على حفظ السلام بالمنطقة، إضافة إلى انسحاب جماعة نصرة الإسلام والمسلمين التابعة لتنظيم القاعدة من جيوب شاسعة من الأراضي بالقرب من الحدود بين مالي والنيجر.
وتزامنت هذه التطورات التي حدثت بشكل متسارع في جمهورية مالي، مع انتهاج تنظيم داعش مسارًا مختلفًا عما سبق، يقوم على مضاعفة عدد العمليات الإرهابية التي ينوي التنظيم تنفيذها داخل القارة الإفريقية، وهو ما سيؤدي -حال وقوعها- إلى موجات عنف أكثر دموية من تلك التي كانت تقع في سوريا والعراق، ولن يعبأ التنظيم بكثرة أعداد الضحايا لأنه بات ينظر إلى قارة إفريقيا أنها الملاذ الأكثر أمنًا لعناصره، والأرض الخصبة التي توفر له -دون عناء- الموردين: المالي، والبشري، والبديل الأنسب لإعلان دولة الخلافة التي سقطت في سوريا والعراق. ولذا فإنه من الأهمية بمكان إدراك أن تصاعد العمليات الإرهابية في منطقة الساحل الإفريقي وباقي دول القارة الإفريقية لا يشير إلى مجرد العودة لمستويات العمليات التي كان ينفذها عناصر التنظيمات الإرهابية -سواء أكانوا المنتمين لداعش أم القاعدة أم غيرهما- في السنوات السابقة؛ بل إن ما يحدث يؤكد بما لا يدع مجالًا للشك أن هناك تطورًا كبيرًا وغير مسبوق في التكتيكات والقدرات العسكرية والعقلية التي تمتلكها التنظيمات الإرهابية وخاصة تنظيم داعش في الداخل الإفريقي.
في الختام: تواجه قارة إفريقيا مجموعة من التحديات التي باتت تهدد أمن القارة واستقرارها، وقد ظهرت هذه التحديات نتيجة طبيعية لعدة عوامل، يأتي على رأسها: تنافس القوى الإقليمية الكبرى على ثروات القارة ومواردها الطبيعية، وتغير المناخ، وتراكم المظالم المحلية، وسوء الإدارة، وتفشي الفساد المالي والإداري، وغياب الديمقراطية، وانعدام الأمن بسبب ضعف قوات الشرطة والجيوش الوطنية، وانتشار الفقر على نطاق واسع. وهذه العوامل التي خلقت بيئة ملائمة لانتشار الجماعات المتطرفة والتنظيمات الإرهابية، وسهلت تمددها وتوسع سيطرتها على مساحات -ليست بالصغيرة- من الأراضي الإفريقية بشكل عام، وعلى منطقة الساحل الإفريقي بشكل خاص.
وعند تتبع الحضور القوي لتنظيم داعش بمنطقة شمال شرقي مالي، وتمدده من خلالها إلى باقي دول منطقة الساحل الإفريقي، وإعلانه قيام “ولاية الصحراء الكبرى” بشكل فعلي وحضور قويّ بات يُمكّنه من إلحاق الهزائم العسكرية بالقوات والجيوش الوطنية هناك، إضافة إلى نجاح التنظيم خلال عام 2025 في بسط سيطرته على حوض بحيرة تشاد -الممتد عبر شمال شرق نيجيريا وجنوب شرق النيجر وشمال الكاميرون وغرب تشاد- وإعلانه قيام “ولاية غرب إفريقيا”، بالإضافة إلى امتلاكه الكثير من المعدات العسكرية المتطورة للرؤية الليلية، والطائرات المسيّرة، وغيرها من الأسلحة الثقيلة والحديثة، نُدرك أن التنظيم بات على مقربة من بسط سيطرته على مساحات شاسعة من الأراضي الإفريقية، ومن ثَمَّ إعلانه قيام دولة الخلافة في مشهد مشابه لما حدث في سوريا والعراق.
ولذا فإن على صانعي القرار في دول القارة الإفريقية العمل على محاربة الإرهاب عسكريًّا حتى النجاح في القضاء عليه، مع ضرورة أن تسير المواجهة العسكرية جنبًا إلى جنب مع المجابهة الفكرية، والعمل على اجتثاث جذور الإرهاب ومعالجة الظواهر والأسباب التي تؤدي إلى انتشاره. وهو أمر لن يتحقق إلا بتحسين مستويات المعيشة، والقضاء على جميع أشكال الفساد، والحد من الديكتاتورية ونشر الديمقراطية، وإعادة تقوية القوات الأمنية والجيوش الوطنية عن طريق التسليح بأحدث أنواع الأسلحة وتدريبها تدريبًا محترفًا يمكنها من مواجهة عناصر الجماعات المتطرفة والتنظيمات الإرهابية وإلحاق الهزائم العسكرية بها، واعتماد برامج تعليمية حديثة ومتطورة تحصّن عقول الشباب وتحميه من خطورة الانضمام إلى جماعات العنف والتطرف.
ومن الأهمية بمكان أيضًا، أن تتكاتف القوى العالمية الكبرى وتمد يد التعاون والتحالف لدول القارة الإفريقية بالحد الذي يمكّنها من القضاء على الإرهاب عسكريًّا، وتجفيف منابعه المالية والبشرية. وهذا التعاون الذي يقوم على نفع دول القارة الإفريقية، وحفظ مواردها وثرواتها الطبيعة، وتقوية بناء الدولة الوطنية، والقضاء على كل أشكال التنازع والاقتتال الداخلي. مع وجوب توقف الدول الكبرى عن الاستمرار في تأجيج الصراعات الإثنية داخل دول القارة الإفريقية من أجل الاستيلاء على الثروات الطبيعية الضخمة التي تمتلكها دول إفريقيا، وإدراك أن خطر الإرهاب لن يتوقف عند تدمير مقدرات الدولة الوطنية في الداخل الإفريقي بل سيمتد لإلحاق خسائر مادية وبشرية في كل أنحاء العالم؛ فلا توجد أي دولة بمعزل ومأمن عن خطر التعرض لهجمات إرهابية.
[i] – د. أميرة محمد عبد الحليم، الصراع بين القاعدة وداعش في الساحل الإفريقي.. إلى أين تتجه التنظيمات الإرهابية؟، مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، ديسمبر 2023: https://acpss.ahram.org.eg/News/21073.aspx
[ii] – التقرير العشرون للأمين العام بشأن التهديد الذي يشكله تنظيم داعش على السلام والأمن الدوليين، مرجع سابق.
[i] – وكيل الأمين العام لمكتب الأمم المتحدة لمكافحة الإرهاب، فلاديمير فورونكوف، التقرير العشرون للأمين العام بشأن التهديد الذي يشكله تنظيم داعش على السلام والأمن الدوليين، عُرض أمام مجلس الأمن الاثنين 10 فبراير (شباط) 2025، يمكن مطالعة التقرير من خلال هذا الرابط: https://2u.pw/FHZmT
[ii] – محمد إفو، صراع الجماعات الإرهابية في دول الساحل: الجذور والأسباب، مركز التحالف الإسلامي العسكري لمحاربة الإرهاب، مايو 2023، يمكن مطالعة الدراسة من خلال هذا الرابط: https://2u.pw/kwtPlgX
[iii] – الإرهاب في منطقة الساحل: حقائق وأرقام، تقارير دولية، الناشر: التحالف الإسلامي العسكري لمحاربة الإرهاب، إبريل 2021، العدد 24، ص: 2، يمكن مطالعته من خلال هذا الرابط: https://n9.cl/t5rvkc
[iv] – د. نهال أحمد السيد، التنافس بين القاعدة وداعش غرب إفريقيا: الدوافع والمآلات، مركز المسبار للدراسات والبحوث، نوفمبر 2023 م، يمكن مطالعته من خلال الرابط: https://2u.pw/LMUopJeS
[v] – Global Terrorism Index 2023,available at: https://cutt.us/uBVFa
[vi] – الإرهاب في منطقة الساحل: حقائق وأرقام، مرجع سابق، ص: 2
[vii] – المرجع السابق، الصفحة نفسها.
[viii] – Analysts Fear Niger Coup Will Embolden Terrorists, Supercharge Sahel Violence

