لواء دكتور: طارق جمعة
عضو الهيئة الاستشارية العليا لمركز شمس للاستشارات والبحوث الاستراتيجية وخبير الأمن السيبراني والإرهاب
لم يعد مشهد الإرهاب في أفريقيا فوضويًا تحكمه العشوائية بل بات يعكس ديناميكيات منضبطة ومدروسة تتحرك فيها الجماعات الإرهابية عبر استراتيجيات ناعمة ومعقدة، وهو الأمر الذي تناوله تقرير لجنة خبراء الأمم المتحدة، المقدم إلى مجلس الأمن في يوليو 2025؛ حيث لم يقتصر على وقائع أمنية بل وضع الأطر الفكرية لفهم أعمق لتحوّلات الإرهاب في القارة. وفي ضوء ذلك، يقدم التحليل محاولة لتفكيك مضمون التقرير واستنتاج الاتجاهات الرئيسة التي تناولها عبر خمسة محاور مترابطة تُظهر كيف يُعاد تشكيل الجغرافيا السياسية من داخل المجتمعات لا من خارجها.
أولًا: منطق النفوذ دون سيطرة
يشير التقرير إلى تمدد مجموعات من الجماعات الإرهابية مثل جماعة نصرة الإسلام والمسلمين وولاية الدولة الإسلامية في غرب أفريقيا بشكل يختلف عن المفهوم التقليدي للسيطرة؛ حيث لم تعد الجماعات تسعى إلى السيطرة المكانية بقدر ما تهدف إلى السيطرة النوعية مثل السيطرة على طرق الإمداد والأسواق وغيرها من المرافق الاقتصادية، ومن ثم أصبح النفوذ يُقاس بمدى القدرة على فرض قواعد اللعبة لا برفع الرايات أو إدارة المدن، وبالتالي الانتقال من السيطرة الجغرافية إلى اختراق المجتمع.
ثانيًا: تحول العنف إلى إعادة هندسة اجتماعية
وثّق التقرير نمطًا متصاعدًا من الهجمات المركبة والتي تهدف إلى ما هو أعمق من قتل الجنود أو تدمير المواقع، فقد أشار التقرير إلى بروز ظاهرة تصاعد موجات عنف تهدف إلى إعادة رسم خريطة الولاءات داخل المجتمعات المحلية، وتفكيك البنية الاجتماعية والسياسية في القرى النائية، وهو الأمر الذي يهدف إلى ترسيخ صورة هذه الجماعات كفاعل يصعب ردعه، ويُعيد تعريف علاقة السكان بالدولة، ومن ثم لم تقتصر الهجمات على كونها مجرد عمليات مسلحة بل أدوات ضمن منظومة هندسة اجتماعية تُعيد تعريف مفاهيم السلطة والانتماء وإدارة الخوف، وهو ما يعني تصاعد العنف المركّب كأداة لإعادة توزيع النفوذ المحلي وتفكيك شبكات الولاء التقليدية.
ثالثًا: اقتصاديات الإرهاب من الداخل
أقر التقرير بانتقال التمويل من الخارج إلى الداخل؛ حيث أصبحت الجماعات الإرهابية تعتمد على مجموعة من الأدوات في تمويل أنشطتها مثل السيطرة على مناجم الذهب والموارد الطبيعية، وتنامي عمليات الجباية من الأسواق المحلية والطرق التجارية وفرض الإتاوات على القوافل والمزارعين وغسل الأموال عبر وسطاء غير رسمية. ولعل هذا الاقتصاد القائم على الإكراه المحلي يمنح الجماعة قدرة ذاتية على البقاء والتمدد، كما يجعلها أكثر استقلالًا عن الشبكات الخارجية التقليدية ويصعّب من جهود التجفيف المالي الدولي. وهو ما يؤشر على تحول الجماعات إلى كيانات مالية مكتفية ذاتيًا دونما الاعتماد على تمويل من الخارج، بل أوجدت مصادر تمويل مستقلة قائمة على النهب المنظم والجباية بما يمنحها استدامة مرنة.
رابعًا: الجغرافيا الوظيفية لا السيادية
وفق التقرير، لم تعد الجماعات الإرهابية تُفكّر بالجغرافيا كما تفكر بها الدول، فالحدود بالنسبة لها ليست خطوطًا حمراء بل قنوات حيوية للتنقل والانتشار والتوظيف، وقد أظهر التقرير أن الجماعات تستخدم المثلث الحدودي (مالي–النيجر–بوركينا فاسو) كمسرح تشغيلي مفتوح يُدار بتكتيكات مرنة تسمح بالانسحاب والتوسع دون التزام بمكان محدد، ويعتبر هذا الاستخدام الذكي للجغرافيا أن هناك تحول في نمط الانتشار والتمركز في اتجاه اللامركزية الميدانية التي تتفوق في بعض الأحيان على خطط الجيوش النظامية؛ حيث يُصبح الموقع مجرد أداة لا هدفًا. وبالتالي، أصبحت الحدود أدوات استراتيجية لا عوائق تُستخدم للانسحاب وإعادة الانتشار وتجنب المواجهة المباشرة.
خامسًا: التنظيم الشبكي واللامركزية الهجومية
رغم الضربات الجوية والملاحقات المستمرة للتنظيمات الإرهابية، تشير بيانات التقرير إلى أن الجماعات لا تزال قادرة على التنسيق وإنتاج العنف المنظم دون الحاجة إلى قيادة مركزية ثابتة، بما يؤشر على وجود تحولات في نمط العمليات والتنظيم والمتمثلة في معرفة كل خلية لدورها والعمل باستقلال وهامش حركة تكتيكي، بالإضافة إلى أن هذه التحركات تأتي استنادًا على أن لكل تنظيم حرية التحرك في المناطق وفق ظروفها الميدانية، وفيما يتعلق باتجاهات الاستهداف الميداني والعملياتي فإنها تستند على نموذج القيادة الأفقية الذي أصبح سمة ثابتة توفر للجماعات قدرة على البقاء في بيئات شديدة العداء. وامتدادًا لذلك، لم تعد الضربات الرأسية كافية للقضاء على هذه التنظيمات باعتبار أن الشبكات اللامركزية تُعيد إنتاج نفسها تلقائيًا وتتحرك وفق هذا المنطق، كما ترسخ لنموذج التنظيم الشبكي الذي لا يموت بمقتل قائده.
وفي ضوء ما تقدم، يمكن القول إن تقرير مجلس الأمن الصادر في يوليو 2025 يكشف عن مشهد جهادي معقّد يعيد تشكيل نفسه من الداخل كما يقوم على اعتماد أنماط تمويل محلية والتركيز على استراتيجيات الحدود المرنة، ولعل العامل الأكثر أهمية يتمثل في أن ظاهرة الإرهاب لم تعد مجرد تهديد أمني بل أصبحت التنظيمات الإرهابية منافسًا على الوظيفة السيادية في ظل تراجع دور الدولة، وإذا كانت المقاربة الأمنية وحدها لم تعد كافية، فإن الفهم الأعمق لهذا النمط من التهديد هو الخطوة الأولى نحو استجابة استراتيجية فعّالة تستعيد السيطرة الميدانية والوظيفة والدور.

