ليديا أمير عدلي
باحثة في العلوم السياسية
تُعد الجالية اللبنانية في غرب أفريقيا واحدة من أكثر الجاليات تنوعًا من حيث التكوين الطائفي؛ إذ تشمل طوائف متعددة مثل الموارنة، والروم الأرثوذكس، والبروتستانت، إلى جانب الشيعة والسنة والدروز ويلاحظ تركز الشيعة بشكل خاص في دول مثل ساحل العاج والسنغال؛ حيث يقدر عدد اللبنانيين في ساحل العاج بما يتراوح بين 60 إلى 120 ألفا، ويشكل الشيعة الغالبية بينهم بنسبة تتراوح بين 80% و90%. بينما تمثل الطوائف الأخرى نسبًا أقل بكثير.
وفي السنغال، تقدر الجالية بحوالي 25 ألفًا، وعلى الرغم من وجود خليط وتنوع طائفي في نيجيريا وسيراليون، فإن الغالبية الرمزية والاجتماعية تقع في نطاق الطائفة الشيعية القادمة من جنوب لبنان. وقد ساهم هذا الثقل الطائفي الشيعي في جعل بعض قطاعات الجالية أكثر ميلًا للتعاطف مع حزب الله، سواء من منطلق ديني أو قومي، وهو ما انعكس لاحقًا في طبيعة الشبهات الأمنية والتحقيقات الدولية التي طالت بعض الأفراد أو المؤسسات المحسوبة على الجالية في عدد من دول المنطقة.
أولًا: الخلفية التاريخية للهجرة اللبنانية إلى غرب أفريقيا
برزت غرب أفريقيا كوجهة مفضّلة للهجرة اللبنانية بسبب سهولة التنقل داخل الفضاء الاستعماري الفرنسي، الذي شمل لبنان ودولًا مثل السنغال وساحل العاج، وهو ما خفض من تكاليف الانتقال، وقد جاءت الهجرة على خمس موجات متتالية. بدأت الأولى في ثمانينيات القرن التاسع عشر باستقرار لبنانيين في مدن مثل داكار وفريتاون.
وخلال الموجة الثانية من الهجرة بين الحربين العالميتين، حاولت بريطانيا الحد من دخولهم، كما في نيجيريا عام 1923. تلتها موجة ثالثة بعد الحرب العالمية الثانية؛ حيث بلغ عدد اللبنانيين في جنوب نيجيريا نحو 1,800 في عام 1952، وسُجّل في ساحل العاج رسميًا 5,233 في تعداد عام 1975. وفي سيراليون، ارتفع عددهم من 2,246 في الثمانينيات إلى نحو 7,000 من السكان في عام 2014. وفي نيجيريا، قُدرت أعدادهم بحوالي 30,000 بحلول 2008. أما الموجة الرابعة، فجاءت خلال الحرب الأهلية اللبنانية (1975–1990) بدعم من شبكات القرابة والزعامات الشيعية، وهو ما عزز الاستقرار الاجتماعي والاقتصادي للجالية.
بالإضافة إلى ذلك، شهدت لبنان منذ عام 2019 أزمة اقتصادية خانقة، ترافقت مع انهيار العملة المحلية (الليرة)، وارتفاع معدلات البطالة، وانهيار القطاع المصرفي، وهو ما دفع أعدادًا متزايدة من اللبنانيين خاصة الشباب، إلى التفكير بالهجرة.
وبحلول عام 2020، أظهر استطلاع الباروميتر العربي أن نحو 77% من الشباب اللبناني يرغبون في مغادرة البلاد، وهي من أعلى النسب عالميًا. ومع تفشي جائحة كوفيد-19، أغلقت العديد من الدول الغربية أبوابها أمام المهاجرين، وهو ما جعل من منطقة غرب أفريقيا خيارًا واقعيًا وبديلًا متاحًا، بفضل وجود جاليات لبنانية سابقة، بالإضافة إلى سهولة إجراءات الدخول مقارنة بالوجهات الأخرى وخاصة الغربية.
وقد أشار تقرير صادر عن المعهد البولندي للشئون الدولية في عام 2021 إلى ظهور موجة هجرة جديدة من لبنان نحو دول مثل ساحل العاج وغانا وتوغو، مدفوعة بالأزمة الداخلية وصعوبة الهجرة إلى أوروبا وأمريكا. وقد ساهمت الجاليات القائمة هناك بالعمل على تسهيل الاستقبال من خلال شبكات القرابة والمؤسسات المجتمعية، وهو الأمر الذي يعكس اختلال العدالة في فرص التنقل عالميًا خلال فترات الأزمات والحروب.
ثانيًا: الدور الاقتصادي للجالية اللبنانية في غرب أفريقيا
لم تتشكل البنية الاقتصادية للجالية اللبنانية في غرب أفريقيا نتيجة الصدفة أو مجرد نزوح أفراد هاربين من الأزمات؛ بل كانت ثمرة شبكات عائلية ومناطقية ممتدة بين “الوطن الأم” و”الوطن البديل”. فمعظم المهاجرين الأوائل استقدموا أقاربهم والأفراد المرتبطين بشبكة علاقاتهم تدريجيًا من نفس البلدات والقرى في لبنان، خاصة من الجنوب اللبناني، لتأسيس أعمال تجارية صغيرة توسعت لاحقًا عبر شبكات الثقة العائلية. وقد ساهم هذا النمط في خلق بيئة اقتصادية متماسكة، سهلت تبادل الخبرات، والتمويل، وضمنت استمرارية السيطرة اللبنانية على بعض القطاعات.
وفي ضوء ذلك، استطاعت الجالية أن تهيمن تدريجيًا على قطاعات حيوية مثل تجارة السلع المستوردة، التجزئة، وتجارة السيارات والمواد الاستهلاكية، مستفيدة من الفراغ الذي خلفه الأوروبيون بعد الاستقلال، ومن قدرتها على إعادة تدوير رأس المال داخل شبكاتها. ففي ساحل العاج وحدها، تُقدّر مساهمة الجالية اللبنانية في الناتج الضريبي الوطني بحوالي 15%؛ حيث تدير أكثر من 4,000 شركة، وتشغّل قرابة 150,000 عامل محلي، وهو ما يجعلها أحد أبرز الفاعلين الاقتصاديين غير المحليين في البلاد.
ويمكن الإشارة هنا إلى أن نجاح الجالية لم يكن محليًا فقط، بل امتد ليشكل جسرًا اقتصاديًا للبنان ذاته، فالتحويلات المالية من غرب أفريقيا إلى لبنان، خصوصًا في فترات الأزمات الاقتصادية بعد 2005، ثم بعد 2019، مثلت شريانًا حيويًا لدعم آلاف العائلات اللبنانية، وساعدت في التخفيف من حدة الانهيار الاقتصادي المحلي؛ حيث بلغت مساهمة هذه التحويلات أكثر من 6.6% من الناتج المحلي الإجمالي اللبناني عام 2022، وهو ما يضع الجالية في موقع اقتصادي استراتيجي يتجاوز حدود البلد المضيف لكن هذا الحضور الاقتصادي القوي للجالية لم يَسلم من التحديات في السنوات الأخيرة؛ حيث بدأت بعض الحكومات في منطقة غرب أفريقيا بفرض رقابة أشد على حركة رؤوس الأموال والشركات المرتبطة بالجالية، بفعل تصاعد الشكوك حول الشفافية المالية وتضارب المصالح. وقد وضع هذا الواقع الجالية أمام معادلة دقيقة الحفاظ على دورها كأحد أبرز المساهمين في الاقتصاد المحلي
ثالثًا: الجالية الشيعية وجدل الارتباط العضوي بحزب الله
بعد أن أوضحنا تنوع الطوائف في البنية الاجتماعية داخل الجالية اللبنانية، برزت ضرورة تحليل الأثر السياسي لهذا التنوع على العلاقات بين الشتات اللبناني والدول المضيفة. فبالرغم من أن الجالية لا تملك تمثيلًا سياسيًا رسميًا، فإن وجودها الطائفي، وخاصة الشيعي، منحها نفوذًا غير مباشر على المشهدين السياسي والاقتصادي في بعض دول غرب أفريقيا
وامتدادًا لذلك، ذكرت بعض التقارير الأمنية في عام 2013 تنامي الهواجس والمخاوف لدى عدد من الحكومات في منطقة غرب أفريقيا تجاه بعض الأنشطة التي يُشتبه بارتباطها بجهات لبنانية، خاصة في نيجيريا وساحل العاج؛ حيث عُبّر عن هذه المخاوف في سياق التوترات الإقليمية بين قوى دولية وإقليمية، وبحلول 2021 اتجهت بعض الدول إلى تشديد الرقابة على رجال أعمال لبنانيين عقب تكرار مزاعم بشأن تمويل أنشطة غير مشروعة
وقد تصاعدت هذه الهواجس في مايو 2025، عندما بدأت السلطات في كوت ديفوار، بالتعاون مع مكتب التحقيقات الفيدرالي الأميركي (FBI)، تحقيقًا واسع النطاق حول شبكة تحويلات مالية يُشتبه بارتباطها بحزب الله. واستهدفت التحقيقات بعض الوجهات في أبيدجان التي يُعتقد بأنه تم توظيفها لتحويل العملات بشكل غير مشروع، وهو ما أثار قلقًا دوليًا متجددًا بشأن استخدام بعض مكونات الجالية اللبنانية كقنوات تمويل غير معلنة. وقد جاءت هذه الحادثة في أعقاب الحرب بين إسرائيل وحماس في أكتوبر 2023، والتي انعكست على تنامي التوترات الأمنية متزايدة على مستوى الجاليات اللبنانية ذات الصلة الطائفية والسياسية بالخارج، وهو ما يفسّر تزايد انخراط الموساد، وجهاز الاستخبارات الإسرائيلي، في أنشطة مراقبة ومتابعة دقيقة داخل عدد من دول غرب أفريقيا؛ حيث تسود مخاوف من تشكّل شبكات موازية تهدد المصالح الإسرائيلية وتحالفاتها الإقليمية.
وقد نشرت بعض التقارير في يوليو 2025 مثل موقع Four للإعلام تشير إلى تصاعد المواجهة بين حزب الله والموساد في غرب أفريقيا ووصفها بأنها “حرب استخباراتية خفية”،ولا يمكن النظر إليها باعتبارها تقتصر على الجوانب المالية، بل يمكن توصيفها بأنها تشمل أيضًا شبهات أمنية تتعلق بارتباط بعض هذه الشبكات بعمليات تهريب وتجارة غير مشروعة، أبرزها تجارة الكوكايين والكبتاجون التي تمر عبر غرب أفريقيا كنقطة عبور. ورغم أن التحقيقات الرسمية الجارية في أبيدجان لم تُدرج هذه الأنشطة ضمن بنودها بشكل مباشر، إلا أن تداول هذه الفرضيات في تقارير متعددة خلال عامي 2024 و2025 يعكس إدراكًا دوليًا متزايدًا بتعقيد المشهد وتشابك الأبعاد الأمنية، الاقتصادية، والسياسية
في المقابل، حاولت الدولة اللبنانية ملء الفراغ الدبلوماسي المتروك لحزب الله من خلال تعزيز تنسيقها مع عدد من العواصم الأفريقية ضمن إطار جهودها الساعية إلى احتواء الأزمة وتثبيت الحضور الرسمي بعد أن طغى الدور غير الرسمي للجالية لسنوات طويلة. ومع ذلك، لا يمكن إغفال أن الانقسام داخل الشتات اللبناني بين من حافظوا على ارتباطهم السياسي والطائفي بلبنان، ومن اندمجوا في النسيج الاجتماعي والاقتصادي للدول الأفريقية، قد خلق حالة من “الشتات السياسي”، أضعفت قدرة الجالية على التحدث بصوت موحد، وعرّضتها لمزيد من الشكوك والتجاذبات، خاصة حين يرتبط وجودها بمصالح خارجية أو شبكات نفوذ تقع ضمن نطاق المسئولية القانونية الدولية.
رابعًا: التداعيات على الجالية اللبنانية ودول غرب أفريقيا
تجاوزت آثار الوجود اللبناني في غرب أفريقيا البعد الاقتصادي والاجتماعي، لتصطدم مؤخرًا بتعقيدات سياسية وأمنية متصاعدة، فرضت ضغوطًا غير مسبوقة على الحكومات والدول وجعلت الجاليات اللبنانية تحت مجهر دولي دائم.
1. التحديات الأمنية والتدخل الخارجي في السيادة: تصاعدت الشكوك الأمنية في دول منطقة غرب أفريقيا بسبب الاشتباه بوجود شبكات تمويل غير شرعي مرتبطة بحزب الله، وهو ما دفع العديد من الحكومات إلى فرض رقابة صارمة على أنشطة بعض رجال الأعمال من الجالية اللبنانية، خاصة الشيعية. وقد زاد الأمر حساسية حين دخلت أجهزة استخبارات أجنبية مثل الـFBI والموساد الإسرائيلي على خط التحقيقات داخل أراضي هذه الدول، وهو ما أثار تساؤلات حول حدود السيادة الوطنية، ومدى قدرة الأنظمة الأفريقية على التحكم الكامل في الشأن الأمني الداخلي دون تدخل خارجي مباشر.
2. تهديد الاستقرار الداخلي: أثارت هذه التطورات مخاوف من أن تتحول دول غرب أفريقيا إلى ساحات مواجهة غير مباشرة بين قوى دولية وإقليمية، خاصة في ظل ما يوصف بـ”الحرب الخفية” بين حزب الله والموساد. وبما أن بعض هذه الدول تعاني من هشاشة أمنية بالأساس، فإن أي تفاقم للتوترات المرتبطة بالجاليات اللبنانية قد يؤدي إلى زعزعة الاستقرار الداخلي، أو استغلال هذه الملفات في الصراعات السياسية المحلية.
3. تداعيات اقتصادية معقدة: يمثل فرض الرقابة على أنشطة عدد من الشركات اللبنانية وتجميد بعض الأصول المتهمة بتمويل مشبوه تسبب في اضطراب اقتصادي ملحوظ، لا سيما في قطاعات العقارات، السيارات، وتحويل الأموال. كما تراجعت ثقة المستثمرين الأجانب، وازدادت الريبة تجاه الجاليات الاقتصادية الأجنبية بوجه عام، وهو ما أثّر سلبًا على بيئة الاستثمار المحلي، حتى بالنسبة للجهات غير المتورطة فعليًا في أي نشاط غير قانوني.
4. ضغوط سياسية مزدوجة: تواجه حكومات غرب أفريقيا ضغوطًا متزايدة من جهتين متضادتين: من ناحية، تسعى القوى الغربية إلى فرض إجراءات صارمة على كل ما له علاقة بحزب الله وتمويل الإرهاب؛ ومن ناحية أخرى، تسعى الحكومات المحلية للحفاظ على علاقتها التاريخية مع الجاليات اللبنانية التي لعبت أدوارًا اقتصادية وسياسية مهمة على مدار عقود. هذا التوازن الحرج يضع صناع القرار في مأزق دائم بين الامتثال للمطالب الدولية والحفاظ على الاستقرار المحلي.
5. توتر دبلوماسي محتمل: أدت الحرب التي اندلعت بين إسرائيل وحماس في أكتوبر 2023 إلى زيادة التركيز الدولي على الجاليات ذات الخلفية السياسية والطائفية في أفريقيا، وخصوصًا اللبنانية منها. وقد دفع ذلك بعض الحكومات الأفريقية إلى مراجعة سياساتها تجاه هذه الجاليات، أو تشديد الرقابة عليها، تجنبًا لأي ضغوط مستقبلية من الشركاء الدوليين. ومع ذلك، فإن التعامل مع هذا الملف لا يزال هشًا ومحاطًا بالحذر خوفًا من أي انفجار داخلي أو تأثير على المصالح الاقتصادية
في الختام: لم تكن الهجرة اللبنانية إلى غرب أفريقيا مجرد انتقال سعيًا وراء فرص اقتصادية، بل مثلت امتدادًا عميقًا لأزمة وطنية مركبة، تجذرت نتيجة هشاشة الدولة اللبنانية وتعدد الانتماءات الطائفية والسياسية. ومع تصاعد التحقيقات الأمنية في السنوات الأخيرة، خاصة تلك المرتبطة بحزب الله، بدأت هذه الجاليات تتحول إلى ملف سياسي وأمني بامتياز، تتداخل فيه الشبهات الطائفية بالهواجس الدولية، وتُطرح من خلاله أسئلة معقدة حول طبيعة الوجود اللبناني في أفريقيا، وحدود علاقته بالوطن الأم. كما برزت التساؤلات حول حدود تأثير هذه الجالية وما إذا كانت مجرد امتداد لأزمة لبنانية داخلية، أم أصبحت فاعلًا إقليميًا يفرض نفسه على خرائط النفوذ والسياسة في غرب أفريقيا؟.

