رنا محمد عياد
باحثة في الشأن الأفريقي
شهد النظام الإقليمي في منطقة القرن الأفريقي خلال السنوات الأخيرة تحولات جذرية فرضتها مجموعة من المتغيرات الدولية والإقليمية، أبرزها تصاعد الصراعات المسلحة، تنامي حدة التنافس على الممرات البحرية، وتراجع أدوار الدول الكبرى في إدارة الأزمات الإقليمية بصورة أحادية، وفي هذا السياق، برز التقارب التركي – المصري باعتباره أحد أهم التحولات الجيوسياسية في المنطقة، ليس لأنه أنهى عقدًا من القطيعة السياسية، بل كمؤشر على إعادة تقييم شاملة لأولويات السياسة الخارجية لكل من القاهرة وأنقرة في بيئة دولية تتسم بالتعقيد والتداخل في الدوافع والمصالح.
وفي ضوء ذلك، تمثل منطقة القرن الأفريقي إحدى أكثر المناطق تأثيرًا في معادلات الأمن الإقليمي والدولي بسبب موقعها الجغرافي الذي يربط بين البحر الأحمر، خليج عدن، والمحيط الهندي، ومضيق باب المندب الذي يمر عبره ما يقرب من 12–15% من التجارة العالمية، إضافة إلى نحو 30% من تجارة الحاويات العالمية. وهذه الأهمية جعلت هذه المنطقة ساحة للتنافس بين القوى الإقليمية والدولية، مثل الولايات المتحدة، الصين، روسيا، وبعض دول الخليج، وتركيا، إلى جانب القوى الأفريقية، وهو ما يضفي على أي تقارب بين هذه الدول مثل التقارب المصري – التركي أهمية استراتيجية في التأثير على مجريات الأوضاع هناك.
ومن هنا، تكتسب دراسة انعكاسات التقارب التركي – المصري على القرن الأفريقي أهمية خاصة؛ إذ لا يقتصر هذا التقارب على إعادة تطبيع العلاقات الثنائية، بل يمتد ليؤثر في تحديد أنماط التحالفات، وآليات إدارة الصراعات، ومسارات التنمية، وأمن الملاحة البحرية في واحدة من أكثر مناطق العالم اضطرابًا.
ويسعى هذا التحليل إلى توضيح أبعاد هذا التقارب ودوافعه، واستكشاف تأثيراته المباشرة وغير المباشرة على منطقة القرن الأفريقي، مع الوقوف على الفرص والتحديات المحيطة بهذا التقارب.
أولًا: خلفية التقارب التركي – المصري والتحولات في العلاقات
مثلت الزيارة الأخيرة للرئيس التركي رجب طيب أردوغان إلى القاهرة محطة مهمة في مسار تطور العلاقات الثنائية؛ إذ عكست انتقال العلاقات من مرحلة إعادة جسور الثقة إلى مستوى الشراكة على أسس جديدة، وقد تزامنت الزيارة مع انعقاد مجلس التعاون الاستراتيجي رفيع المستوى بين البلدين، وهو إطار مؤسسي يعكس رغبة البلدين في إضفاء طابع طويل الأمد على مسار التقارب؛ حيث تم توقيع عدد من الاتفاقيات ومذكرات التفاهم في مجالات الاستثمار، الطاقة، الصناعات الدفاعية، النقل البحري، والتعاون اللوجستي، إضافة إلى التوافق على رفع حجم التبادل التجاري إلى مستويات أعلى خلال السنوات المقبلة. كما أكد الجانبان على أهمية التنسيق بشأن القضايا الإقليمية، وعلى رأسها تطورات الأوضاع في غزة، والأزمة الليبية، والملف السوداني، وأمن البحر الأحمر وشرق المتوسط.
كما لم تكن الزيارة مجرد خطوة رمزية، بل حملت دلالات استراتيجية واضحة، أبرزها تثبيت التحول في مسار تطور العلاقات نحو تعزيز الشراكة؛ فقد حرص الطرفان على التأكيد على احترام السيادة وعدم التدخل في الشئون الداخلية، وإدارة الخلافات عبر آليات فنية، بما يعكس الرغبة في تحصين العلاقة ضد أي انتكاسات مستقبلية، منذ عام 2013، دخلت العلاقات بين البلدين بعد مرحلة من التوتر اتسمت بحدة الخطاب السياسي، وخفض مستوى التمثيل الدبلوماسي، وتباعد الرؤى تجاه عدد من القضايا الإقليمية، وعلى رأسها الملف الليبي، وأزمة شرق المتوسط، وتطورات الأوضاع في سوريا، فضلًا عن الخلافات المرتبطة بتصورات كل طرف لطبيعة النظام الإقليمي في الشرق الأوسط، وقد عكست هذه المرحلة من القطيعة حالة الاستقطاب الإقليمي الحاد التي سادت المنطقة عقب ما يعرف بثورات الربيع العربي؛ حيث تبنت تركيا سياسة خارجية ذات طابع أيديولوجي توسعي، سعت من خلالها إلى دعم قوى سياسية بعينها في عدد من الدول العربية، بينما ركزت مصر في المقابل على أولوية الاستقرار الداخلي وحماية الدولة الوطنية، ورفض أي تدخلات خارجية تمس سيادتها أو تهدد تماسك مؤسساتها.
كما ساهم الاختلاف في الرؤى في تعميق فجوة الثقة بين البلدين، وألقى بظلاله على مختلف مسارات التعاون المحتملة بينهما، إلا أن استمرار هذا الوضع لفترة طويلة كشف عن تكلفة استراتيجية مرتفعة لكلا الطرفين. فعلى الصعيد التركي، أدت القطيعة مع مصر إلى تقييد هامش الحركة التركية في عدد من الملفات الإقليمية، لا سيما في شرق المتوسط وأفريقيا. كما أن توسع النفوذ التركي في القارة الأفريقية، والذي شمل افتتاح أكثر من 40 سفارة وزيادة حجم التبادل التجاري مع أفريقيا إلى ما يقارب 40 مليار دولار في عام 2023، فرض على أنقرة ضرورة تحسين علاقاتها مع القوى الإقليمية الكبرى لضمان استدامة هذا التوسع وتجنب الدخول في صراعات.
في المقابل، أدركت مصر أن البيئة الإقليمية أصبحت أكثر تعقيدًا وتشابكًا، وأن إدارة الأزمات الإقليمية مثل الأزمة الليبية، الحرب في غزة، الصراع في السودان، والتطورات المتسارعة في القرن الأفريقي تتطلب شبكة علاقات إقليمية مرنة تقوم على خفض التوتر وبناء التفاهمات، بدلًا من الاعتماد على سياسات الصدام أو الاستقطاب. كما أن تصاعد التنافس الدولي في مناطق حيوية كالبحر الأحمر وباب المندب دفع القاهرة إلى إعادة ترتيب أولوياتها الإقليمية بما يضمن حماية مصالحها الاستراتيجية طويلة الأمد.
في هذا السياق، بدأت ملامح التحول في العلاقات المصرية – التركية بالتطور التدريجي منذ عام 2021، لكنها اتخذت طابعًا أكثر وضوحًا بدءًا من عام 2022، حين استؤنفت المحادثات الاستكشافية بين الجانبين، والتي ركزت على اختبار إمكانيات التفاهم وتحديد نقاط الخلاف وإدارتها، بدلًا من تجاهلها أو تصعيدها. وقد شكلت هذه المحادثات خطوة تمهيدية مهمة لإعادة بناء الثقة السياسية، وفتحت المجال أمام انطلاق مسار دبلوماسي أكثر انتظامًا، وتعزز هذا المسار في عام 2023 من خلال تبادل السفراء بعد سنوات من القطيعة، في إشارة واضحة إلى الانتقال من الخلاف إلى تعزيز المصالح المشتركة. كما شهدت الفترة نفسها زيارات متبادلة على مستويات رفيعة، وتوقيع عدد من مذكرات التفاهم في مجالات الاقتصاد، الاستثمار، النقل، والصناعات التحويلية، وهو ما عكس إدراك الطرفين لأهمية البعد الاقتصادي كأحد الركائز في تثبيت التقارب السياسي.
أما على الصعيد العسكري والأمني، فقد مثل إجراء أول مناورات بحرية مشتركة بين مصر وتركيا عام 2025 بعد انقطاع دام نحو 13 عامًا، نقطة تحول مفصلية في مسار العلاقات الثنائية، فهذه المناورات لم تكن مجرد نشاط تدريبي تقليدي، بل حملت دلالات استراتيجية عميقة، أبرزها عودة قنوات الاتصال العسكرية، وبعث رسالة إقليمية مفادها أن البلدين يسعيان إلى تحويل التقارب السياسي إلى شراكة عملية في قضايا الأمن البحري وحماية الممرات الاستراتيجية، خاصة في ظل التوترات المتزايدة في البحر الأحمر وشرق المتوسط، وبذلك، يمكن القول إن التقارب التركي – المصري يمثل تحولًا نوعيًا في تطورات السياسة الخارجية لكلا البلدين، يقوم على البراجماتية، وتغليب منطق المصالح، والاعتراف المتبادل بثقل كل طرف ودوره الإقليمي. وهو تحول لا ينفصل عن السياق الأوسع لإعادة تشكل النظام الإقليمي في الشرق الأوسط وأفريقيا؛ حيث باتت التفاهمات الثنائية والمتعددة الأطراف ضرورة استراتيجية، وليست خيارًا تكتيكيًا مؤقتًا.
ثانيًا: دوافع التقارب التركي – المصري في السياقين الإقليمي والدولي
ثمة مجموعة من الاتجاهات التي يمكن أن تحدد دوافع التقارب المصري التركي والتي لا تقتصر على محددات العلاقات الثنائية والمتعلقة بأولويات كل دولة ورؤيتها للعديد من الأزمات الإقليمية والدولية والتي تتقاطع مع مصالحهما، وذلك على النحو الآتي:
1. الدوافع الأمنية: يُعد البعد الأمني أحد أكثر العوامل تأثيرًا في دفع مسار التقارب التركي – المصري؛ حيث تواجه كل من القاهرة وأنقرة بيئة أمنية إقليمية تتسم بتداخل التهديدات وتجاوزها للحدود الوطنية؛ فالإرهاب العابر للحدود، وانتشار الجماعات المسلحة، وتصاعد موجات الهجرة غير النظامية، فضلًا عن تهديدات الملاحة البحرية في البحر الأحمر وشرق المتوسط، تمثل تحديات مشتركة تتطلب تنسيقًا إقليميًا فعّالًا بدلًا من المعالجة الأحادية.
وقد أثبتت التجربة أن غياب التنسيق بين الدول الإقليمية الكبيرة ساهم في تفكيك منظومات الأمن الإقليمي بدلًا من تعزيزها؛ حيث تحولت بعض مناطق الصراعات مثل ليبيا والسودان والصومال إلى بؤر مفتوحة لتدفقات السلاح والمقاتلين، مما انعكس سلبًا على أمن دول الجوار. وفي هذا السياق، أدركت مصر وتركيا أن استمرار القطيعة بينهما يحد من قدرتهما على التأثير في مسارات هذه الأزمات، ويمنح أطرافًا أخرى مساحة أكبر لفرض أجنداتها.
وضمن هذا السياق، يبرز القرن الأفريقي بوصفه أحد أكثر الساحات التي تتقاطع فيها المصالح الأمنية للبلدين. فمصر تنظر إلى استقرار هذه المنطقة باعتبارها امتدادًا مباشرًا لأمنها القومي خصوصًا أمن البحر الأحمر وباب المندب، فضلًا عن تداعياته غير المباشرة على ملف مياه النيل. في المقابل، تمتلك تركيا حضورًا أمنيًا وعسكريًا متناميًا في الصومال؛ حيث تمتلك قاعدة عسكرية، وتقوم بتدريب القوات الصومالية، وهو ما يجعلها فاعلًا أساسيًا في معادلات الأمن في شرق أفريقيا.
من هنا، يوفر التقارب التركي – المصري فرصة لتبادل الرؤى الأمنية وتنسيق السياسات تجاه الأزمات الإقليمية، خاصة في السودان والصومال؛ حيث يمكن للتفاهم بين البلدين أن يسهم في دعم الحلول السياسية، والحد من عسكرة الصراعات، وتقليل فرص الانزلاق إلى مواجهات إقليمية أوسع. كما ينظر إلى هذا التنسيق باعتباره عنصرًا داعمًا لأمن الملاحة الدولية، في ظل تزايد التهديدات التي تطال السفن التجارية وناقلات الطاقة، وهو ما ينعكس مباشرة على الاقتصاد العالمي.
2. الدوافع الاقتصادية: إلى جانب البعد الأمني، يشكل العامل الاقتصادي ركيزة أساسية في تفسير التقارب التركي – المصري؛ حيث أدرك الطرفان أن تشابك المصالح الاقتصادية يمكن أن يكون مدخلًا عمليًا لتعزيز التقارب السياسي والعمل على استمراره. فقد شهدت العلاقات الاقتصادية بين البلدين نموًا ملحوظًا خلال السنوات الأخيرة؛ إذ بلغت الاستثمارات التركية في مصر ما بين 2.5 و3 مليارات دولار بحلول عام 2024، موزعة على قطاعات استراتيجية مثل الصناعات التحويلية، الغزل والنسيج، مواد البناء، والصناعات الغذائية.
كما تجاوز حجم التبادل التجاري بين البلدين 9 مليارات دولار سنويًا، مع وجود خطط رسمية لرفعه إلى نحو 15 مليار دولار. ويعكس التعاون الاقتصادي إدراكًا مشتركًا لأهمية مواجهة التحديات الاقتصادية العالمية، وعلى رأسها ارتفاع معدلات التضخم، اضطراب سلاسل الإمداد، وتباطؤ معدلات النمو في العديد من الاقتصادات الناشئة.
ويمتد هذا البعد الاقتصادي إلى القارة الأفريقية؛ حيث تسعى كل من مصر وتركيا إلى تعزيز حضورهما الاقتصادي والاستثماري في أفريقيا، وإن كان من زوايا مختلفة نسبيًا. فمصر تركز على مشروعات البنية التحتية، الطاقة، والربط الإقليمي، بينما تعتمد تركيا على نموذج اقتصادي مرن يقوم على الشركات المتوسطة والصغيرة، والتوسع في قطاعات المقاولات والصناعات الخفيفة.
وفي هذا الإطار، يفتح التقارب بين البلدين المجال أمام تكامل المصالح الاقتصادية في أفريقيا بدلًا من التنافس، سواء من خلال تنفيذ مشروعات مشتركة، أو تنسيق الجهود الاستثمارية، بما يسهم في تعزيز الاستقرار الاقتصادي في دول القرن الأفريقي.
3. الدوافع الجيوسياسية: جاء التقارب التركي – المصري في سياق تحولات أوسع يشهدها النظام الدولي، أبرزها تراجع نمط الهيمنة الأحادية، وصعود أدوار القوى الإقليمية التي تسعى إلى توسيع هامش حركتها الاستراتيجية. وقد أدركت كل من القاهرة وأنقرة أن استمرار الخلافات الثنائية يضعف قدرتهما على التكيف مع هذا النظام الدولي المتغير، ويقلل من وزنهما النسبي في معادلات التفاوض الإقليمي والدولي.
وفي هذا الإطار، يُنظر إلى تحسين العلاقات المتبادلة بوصفها أداة لتعزيز قدراتهما في إدارة الملفات ذات الاهتمام المشترك، كما يمنح التقارب البلدين مساحة أوسع للتنسيق في القضايا الكبرى، مثل أمن شرق المتوسط، مستقبل البحر الأحمر، والتطورات في القرن الأفريقي، بما يعزز من حضورهما كفاعلين مؤثرين لا يمكن تجاهلهم. علاوة على ذلك، يسهم التقارب التركي – المصري في إعادة تشكيل توازنات القوة الإقليمية، عبر الحد من الاستقطاب الحاد الذي ساد المنطقة لسنوات، وفتح المجال أمام ترتيبات أكثر مرونة تقوم على المصالح المشتركة.
ثالثًا: انعكاسات التقارب التركي – المصري على التوازن الاستراتيجي في القرن الأفريقي
من المحتمل أن يؤدي التقارب بين مصر وتركيا إلى الوصول إلى مجموعة من التفاهمات تجاه القضايا الإقليمية ومن بينها منطقة القرن الأفريقي، وذلك على النحو الآتي:
1. أمن البحر الأحمر والملاحة الدولية
يمثل البحر الأحمر أحد أكثر الممرات البحرية حساسية في النظام الدولي المعاصر، نظرًا لارتباطه المباشر بـقناة السويس ومضيق باب المندب، ومرور ما يقرب من 12% من حجم التجارة العالمية ونحو 30% من تجارة الحاويات عبره. وبالنسبة إلى مصر، فإن هذا الممر له أهمية حيوية ليس فقط لارتباطه بالتجارة الدولية، بل أيضًا يشكل ركيزة أساسية للأمن الاقتصادي؛ حيث تجاوزت إيرادات قناة السويس 8 مليارات دولار سنويًا قبل اضطرابات الملاحة المرتبطة بالتوترات الإقليمية، ومن ثم، فإن أي تهديد لأمن هذا الممر سواء نتيجة القرصنة أو النزاعات المسلحة فإنه ينعكس بصورة مباشرة على الاستقرار الاقتصادي والاستراتيجي المصري.
وعلى الجانب الآخر، شهدت السياسة البحرية التركية تحولًا نوعيًا منذ منتصف العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين، في إطار ما يُعرف بعقيدة “الوطن الأزرق”، التي تستهدف توسيع نطاق النفوذ البحري التركي وتأمين خطوط التجارة والطاقة. وقد تجسد هذا التحول عمليًا في إنشاء قاعدة “توركسوم” العسكرية في مقديشو عام 2017، والتي تُعد أكبر منشأة تدريب عسكري تركية خارج الأراضي التركية، بتكلفة تقارب 50 مليون دولار وعلى مساحة نحو 4 كيلومترات مربعة. وتهدف هذه القاعدة إلى تدريب ما يصل إلى 10 آلاف جندي صومالي، بما يعادل نحو ثلث قوات الجيش الصومالي، مع إعادة تنظيمهم وفق عقيدة عسكرية حديثة، وتزويدهم بالتدريب والتأهيل العملياتي.
كما عززت تركيا وجودها البحري في خليج عدن من خلال المشاركة في عمليات مكافحة القرصنة ضمن قوات المهام المشتركة، ونشر قطع بحرية لتأمين السفن التجارية، وهو ما يعكس انتقال الدور التركي من مجرد حضور اقتصادي إلى فاعل أمني مباشر في أحد أهم الأقاليم البحرية العالمية. ويرتبط هذا التوسع أيضا بتنامي المصالح الاقتصادية التركية في أفريقيا، حيث ارتفع حجم التجارة التركية مع أفريقيا جنوب الصحراء من أقل من 5 مليارات دولار عام 2003 إلى أكثر من 40 مليار دولار عام2025.
غير أن التقارب التركي – المصري منذ عام 2021 أسهم في إعادة تعريف هذا الحضور العسكري من التنافس إلى التوازن؛ حيث أصبح الوجود التركي في البحر الأحمر أقل ارتباطًا باعتبارات المنافسة الجيوسياسية مع مصر، وأكثر ارتباطًا بحسابات الاستقرار الإقليمي. وقد قلل ذلك من احتمالات تحول التوسع البحري التركي إلى مصدر تهديد للمصالح المصرية، وفتح المجال أمام أنماط محتملة من التنسيق غير المباشر في قضايا أمن الملاحة، خاصة في ظل إدراك أنقرة للمكانة المركزية لمصر في معادلة الأمن البحري للبحر الأحمر.
2. إدارة النزاعات في القرن الأفريقي: قضية الصومال
يمثل الصومال محور الارتكاز الرئيسي للنفوذ التركي في القرن الأفريقي؛ حيث تبنت تركيا منذ عام 2011 استراتيجية شاملة لإعادة بناء مؤسسات الدولة الصومالية، جمعت بين الأدوات العسكرية والاقتصادية والمؤسسية. ففي المجال العسكري، لعبت قاعدة “توركسوم” دورًا رئيسيًا في إعادة تشكيل الجيش الصومالي، من خلال تدريب آلاف الجنود وإنشاء وحدات عسكرية نظامية، والذي بدوره عزز قدرة الحكومة الفيدرالية على مواجهة الجماعات المسلحة -حركة الشباب المتطرفة- واستعادة السيطرة على أجزاء من أراضيها.
اقتصاديًا، حصلت الشركات التركية على عقود استراتيجية لإدارة البنية التحتية الحيوية؛ حيث تولت شركة “ألبيراك” إدارة ميناء مقديشو منذ عام 2014، مما أدى إلى زيادة إيراداته بنسبة تجاوزت 150%، كما أدارت شركات تركية مطار مقديشو الدولي، ونفذت مشروعات طرق ومرافق عامة، وهو ما أسهم في تعزيز الموارد المالية للدولة الصومالية ودعم قدرتها المؤسسية.
وقد اكتسب هذا الدور أهمية استراتيجية مضاعفة عقب توقيع إثيوبيا مذكرة تفاهم مع إقليم أرض الصومال في يناير 2024، والتي تضمنت منح إثيوبيا حق استخدام شريط ساحلي بطول 20 كيلومترًا لمدة تصل إلى 50 عامًا، مع إمكانية إنشاء قاعدة بحرية وميناء تجاري، وتأتي هذه الخطوة في سياق سعي إثيوبيا إلى تجاوز وضعها كدولة حبيسة منذ عام 1993، حيث تعتمد على موانئ جيبوتي في أكثر من 90% من تجارتها الخارجية.
وقد أثارت هذه المذكرة ردود فعل إقليمية واسعة؛ حيث رفضتها الحكومة الصومالية باعتبارها انتهاكًا لسيادتها، بينما صرحت مصر بدعمها لوحدة الأراضي الصومالية ورفض أي إجراءات أحادية تهدد سلامة الدولة. وفي هذا السياق، وجد التقارب التركي – المصري انعكاسًا مهمًا؛ إذ أصبح على تركيا بوصفها الشريك الأمني الرئيسي للصومال مراعاة التوازن بين علاقاتها مع إثيوبيا وشراكتها الاستراتيجية مع الصومال، وذلك في إطار بيئة إقليمية أصبحت أقل استقطابًا نتيجة تحسن علاقات المصرية التركية.
3. سد النهضة الإثيوبي: التوازن التركي بين المصالح المصرية والإثيوبية
تمثل أزمة سد النهضة أحد أبرز محددات التفاعلات الاستراتيجية في القرن الأفريقي، حيث ترتبط مباشرة بالأمن القومي المصري. وفي هذا السياق، تتمتع تركيا بعلاقات اقتصادية وعسكرية وثيقة مع إثيوبيا، حيث تجاوزت الاستثمارات التركية 2.5 مليار دولار، كما زودتها بطائرات مسيرة من طراز “بيرقدار TB2″، التي لعبت دورًا مهمًا خلال النزاع في إقليم تيغراي.
ورغم ذلك، تجنبت تركيا تبني موقف داعم صريح لإثيوبيا في قضية السد، خاصة بعد تحسن علاقاتها مع مصر؛ حيث تبنت سياسة تقوم على الحياد النسبي ودعم الحلول التفاوضية، ويعكس هذا الموقف إدراك أنقرة أن الانحياز الكامل لإثيوبيا قد يؤدي إلى تقويض التقارب الاستراتيجي مع مصر، التي تمثل شريكًا محوريًا في البحر الأحمر ومنطقة شرق المتوسط.
وقد تزامن ذلك مع استمرار إثيوبيا في استكمال عمليات ملء وتشغيل السد، خاصة خلال الفترة بين 2020 و2023، دون التوصل إلى اتفاق قانوني ملزم. إلا أن التقارب التركي – المصري أسهم في تقليص قدرة إثيوبيا على استغلال التناقضات بين القوى الإقليمية، مثلما كان في فترات سابقة، وهو ما أعاد تشكيل البيئة الاستراتيجية المحيطة بالأزمة دون تغيير جوهرها.
4. إعادة تشكيل توازن القوى الإقليمية
عمل التقارب التركي – المصري على إعادة تشكيل نمط التوازن الإقليمي في القرن الأفريقي، خاصة في ظل سعي إثيوبيا إلى تعزيز موقعها كقوة إقليمية، مستفيدة من حجمها السكاني الذي يتجاوز 120 مليون نسمة، ومن قدراتها العسكرية، ومن محاولاتها الحصول على منفذ بحري يعزز استقلالها الاستراتيجي.
في المقابل، عززت مصر من حضورها العسكري في البحر الأحمر، خاصة من خلال إنشاء قاعدة برنيس البحرية عام 2020، والتي حسنت من قدرتها على تأمين نطاقها الاستراتيجي الجنوبي. ومع تحسن العلاقات مع تركيا، أصبح النفوذ التركي في الصومال أقل ارتباطًا بالسياقات التنافسية مع مصر، وأكثر ارتباطًا باعتبارات الاستقرار.
وقد أدى ذلك إلى خلق نمط جديد من التوازن، لم يعد قائمًا على الاستقطاب الحاد، بل على إدارة المصالح وتقليل فرص الصدام غير المباشر. كما حد هذا التقارب من القدرة على استغلال الانقسامات بين القوى المتوسطة، وهو ما انعكس في زيادة القيود الاستراتيجية المفروضة على حركة إثيوبيا، خاصة فيما يتعلق بطموحاتها البحرية. وبذلك، لم يقتصر التقارب التركي–المصري على تحسين العلاقات الثنائية، بل امتد أثره إلى إعادة تشكيل البيئة الاستراتيجية الأوسع في القرن الأفريقي، عبر تقليل حدة التنافس، وتعزيز التوازنوالاستقرار في التفاعلات الإقليمية.
رابعًا: التحديات والقيود التي تواجه التقارب التركي – المصري
على الرغم من الزخم السياسي والإعلامي الذي صاحب التقارب التركي – المصري خلال الأعوام الأخيرة، فإن هذا المسار لا يزال يواجه مجموعة من التحديات والقيود التي قد تحد من قدرته على التحول إلى شراكة استراتيجية مكتملة الأركان، لا سيما في بيئة إقليمية معقدة مثل منطقة القرن الأفريقي، وذلك على النحو الآتي:
1. تباين الرؤى السياسية ومقاربات إدارة الأزمات
يُعد اختلاف الاستراتيجيات بين كل من مصر وتركيا أحد أبرز القيود أمام تعزيز التقارب. فمصر وتركيا، رغم تقاربهما، تنطلقان من مرجعيات مختلفة في تقييم أدوار الفاعلين الداخليين داخل الأزمات الإقليمية. ففي حين تميل القاهرة إلى دعم المؤسسات الرسمية القائمة، والتأكيد على مركزية الدولة الوطنية، أبدت أنقرة انفتاحًا أكبر على التعامل مع طيف واسع من القوى السياسية والاجتماعية، خاصة في البيئات الهشة.
ويظهر هذا التباين بوضوح في بعض ملفات القرن الأفريقي؛ حيث قد تختلف أولويات الطرفين بشأن طبيعة الشركاء المحليين، وحدود التدخل الخارجي، وآليات بناء السلام. ورغم أن هذه الاختلافات لا تعني بالضرورة تعارضًا مباشرًا، فإنها قد تخلق توترات بينهما.
2. الإرث التاريخي وحالة عدم الثقة المتراكمة
لا يمكن إغفال أثر الإرث التاريخي للتوتر الذي ساد العلاقات بين البلدين منذ عام 2013. فرغم خطوات المصالحة، لا تزال بعض دوائر صنع القرار والنخب السياسية والإعلامية في الجانبين تنظر بحذر إلى الطرف الآخر، وهو ما يحد من سرعة بناء الثقة الكاملة.
وتنعكس هذه الحالة في تراجع الانتقال من التصريحات السياسية إلى آليات تنفيذية مؤسسية، خاصة في الملفات الأمنية والعسكرية، فالتجارب السابقة أثبتت أن التقارب السياسي غير المدعوم ببنية مؤسسية قوية يظل عرضة للانتكاس عند أول أزمة إقليمية أو تغير في الحسابات الداخلية.
3. ضغوط التنافس الدولي في القرن الأفريقي
تمثل منطقة القرن الأفريقي ساحة مفتوحة للتنافس الدولي والإقليمي، تشارك فيه قوى كبرى مثل الولايات المتحدة، الصين، روسيا، إلى جانب قوى إقليمية أخرى. وفي هذا السياق، قد يواجه التقارب التركي -المصري ضغوطًا غير مباشرة، سواء عبر إعادة ترتيب التحالفات، أو من خلال محاولات استقطاب أحد الطرفين بعيدًا عن مسارات التنسيق المشترك.
كما أن تشابك المصالح الدولية في قضايا مثل القواعد العسكرية، الموانئ، وتأمين طرق التجارة، قد يفرض قيودًا عملية على قدرة القاهرة وأنقرة على التحرك بحرية كاملة أو تبني مواقف موحدة في بعض الملفات الحساسة في ظل المخاوف من تحقيق الضرر لبعض الأطراف الدولية الأخرى.
4. هشاشة الأوضاع الداخلية في دول القرن الأفريقي
تُعد هشاشة البنى السياسية والاقتصادية في منطقة القرن الأفريقي عاملًا إضافيًا يحد من فاعلية أي تنسيق خارجي. فحتى مع وجود إرادة سياسية مصرية – تركية، تبقى قدرة هذا التقارب على إحداث تأثير ملموس مرهونة باستعداد الأطراف المحلية للتجاوب، وبوجود مؤسسات قادرة على استيعاب الدعم الخارجي وتحويله إلى استقرار داخلي. وفي ظل استمرار النزاعات المسلحة، والانقسامات الداخلية، والانقلابات العسكرية، تصبح نتائج أي تنسيق إقليمي عرضة للتآكل السريع، ما قد يخلق فجوة بين التوقعات السياسية والنتائج الواقعية.
5. تحدي الانتقال إلى شراكة مؤسسية مستمرة
يظل التحدي الأكبر أمام التقارب التركي – المصري هو قدرته على الانتقال من مرحلة التفاهم السياسي المرن إلى مرحلة الشراكة المؤسسية المستدامة. فنجاح هذا المسار يتطلب إنشاء آليات دائمة للتشاور، وتنسيق السياسات، وإدارة الخلافات، بما يضمن استمراريته بغض النظر عن تغير الحكومات أو الأوضاع الدولية. ومن دون هذا الانتقال، قد يظل التقارب محصورًا في إطار مرحلي تحكمه اعتبارات تكتيكية قصيرة المدى، بدل أن يتحول إلى ركيزة استراتيجية قادرة على التأثير العميق في توازنات القرن الأفريقي على المدى الطويل.
في الختام: يعكس التقارب التركي – المصري تحولًا مهمًا في أنماط التفاعل الإقليمي خلال العقد الأخير؛ حيث انتقل الطرفان من منطق الصدام إلى انتهاج استراتيجية تقوم على إعادة ترتيب المصالح وتخفيف حدة الاستقطاب. وتبرز أهمية هذا التقارب بشكل خاص في منطقة القرن الأفريقي، التي تعاني من هشاشة أمنية وتنافس دولي متصاعد، وهو ما يجعل أي تنسيق بين قوى إقليمية مؤثرة عاملًا داعمًا للاستقرار النسبي.
ورغم ما يتيحه هذا المسار من فرص لتعزيز التعاون في مجالات الأمن البحري، إدارة النزاعات، والتكامل الاقتصادي، فإنه يظل مرهونًا بقدرته على تجاوز التحديات السياسية والضغوط الدولية، والانتقال من التفاهمات المرحلية إلى شراكة مستمرة. وفي حال نجاح ذلك، قد يسهم التقارب التركي – المصري في إعادة تشكيل التوازنات الاستراتيجية في القرن الأفريقي، بما يدعم الاستقرار الإقليمي ويحد من الصراعات في واحدة من أكثر مناطق العالم حساسية.

