هشام قدري أحمد
باحث في العلوم السياسيَّة
يُعد قرار الاتحاد من أجل السلم أو ما يُعرف اختصارًا بالقرار 377، الذي أصدرته الجمعية العامة للأمم المُتحدة في عام 1950، أحد أهم القرارات الأمميَّة خلال الحرب الباردة، وتكمن أهميته القانونيَّة فيما منحه للجمعية العامة من اختصاصات موسَّعة في المسائل المُتعلقة بحفظ السلم والأمن الدوليين في حال أخفق مجلس الأمن في معالجة المواقف أو القضايا التي تشكل تهديدًا أو خرقًا للسلم الدولي نتيجة اعتراض إحدى الدول الخمس دائمة العضوية واستخدامها حق النقض (الفيتو)؛ حيث تتعدى الاختصاصات المُخوَّلة للجمعية العامة بِموجب هذا القرار إلى النظر في النزاعات التي تُهدد السلم والأمن الدوليين وصولًا إلى سُلطة اتخاذ تدابير جماعية عاجلة بشأنها، بما في ذلك استخدام القوة المُسلَّحة في حال اقتضت الضرورة، وبالتالي تمكين الجمعية العامة من تجاوز حق النقض والاضطلاع بدور استباقي في مواجهة الأزمات الدوليَّة الطارئة، وتأكيدًا على أهمية هذا القرار كأداةٍ قانونيَّة ودبلوماسيَّة في المُمارسة الدوليَّة، استخدمت الأمم المُتحدة هذه الصلاحية عدة مرات لمواجهة بعض الأزمات والقضايا الدوليَّة، سواء في مرحلة الحرب الباردة أو بعدها.
في هذا السياق، يسعى هذا التحليل إلى تتبُّع الظروف التاريخيَّة التي أدَّت إلى صدور قرار الاتحاد من أجل السلم واعتماده من قبل الجمعية العامة، واستكشاف أهم مضامين وأحكام هذا القرار باعتباره آليةً للتغلب على عجز مجلس الأمن وفشله في الاضطلاع بوظيفته في الحفاظ على السلم والأمن الدوليين نتيجة التعسف والإفراط في استعمال حق الفيتو، ومدى اتساق الطبيعة القانونيَّة لهذه الأحكام مع سُلطات الجمعية العامة وأبرز النماذج لأهم الأزمات والقضايا الدوليَّة التي استدعت تفعيل هذا القرار.
أولًا: السياق التاريخي لصدور قرار الاتحاد من أجل السلم
جاء تمرير قرار الاتحاد من أجل السلم من قبل الجمعية العامة ردًا على إخفاق مجلس الأمن في التعامل مع مسألة الحرب الكوريَّة، عندما أقدمت قوات كوريا الشماليَّة الموالية للاتحاد السوفيتي السابق في يونيو 1950 على التدخل العسكري في جارتها الجنوبيَّة بهدف إعادة توحيد شطري شبه الجزيرة الكوريَّة تحت راية الحكومة الشيوعيَّة في الشمال. وفي هذه الأثناء كان الاتحاد السوفيتي متغيبًا عن حضور جلسات مجلس الأمن ومقاطعًا لها احتجاجًا منه على عدم استدعاء حكومة الصين الشعبيَّة لشغل مقعدها في الأمم المُتحدة ومجلس الأمن؛ حيث كانت الحكومة السوفيتية تعتقد أنها تستطيع بهذه الخطوة عرقلة المجلس ومنعه من الاضطلاع بمهامه؛ إذ إن ميثاق الأمم المُتحدة يقتضي عند اتخاذ قرار بشأن إحدى المسائل الموضوعية موافقة أغلبية أعضاء المجلس ومن بينها أصوات الدول الخمس الدائمة كافة، إلا أن ذلك لم يُشكل عائقًا أمام مجلس الأمن الذي أستمر في القيام بمهامه تجاه الحرب الكوريَّة.

وضمن السياق ذاته، أدت مقاطعة الاتحاد السوفيتي لمجلس الأمن إلى حرمانه من قدرته على استخدام حق الاعتراض، إلى تمكين الولايات المُتحدة من انتزاع تفويض رسمي من مجلس الأمن للتدخل في الأزمة الكوريَّة عبر قوات دوليَّة، وبذلك تمكَّنت واشنطن من إدارة الحرب الكوريَّة تحت رعاية الأمم المُتحدة[1]، من هنا أدرك الاتحاد السوفيتي مخاطر مقاطعته، فعاد للمُشاركة من جديد في اجتماعات مجلس الأمن وشرع في استخدام حق الفيتو لعرقلة كافة القرارات المُتعلقة بإدارة الأزمة الكوريَّة؛ حيث لم يتمكن المجلس من إيجاد حل لها، سيَّما بعد التدخل العسكري من جانب الصين في أطوار النزاع.[2]
وهذا الموقف السوفيتي دفع الولايات المُتحدة إلى التفكير في مسار بديل لتجاوز حالة الانسداد التي وصل إليها مجلس الأمن، عندئذ تقدَّم وزير خارجيتها دين أتشيسون Dean Acheson، وست دول أخرى (فرنسا، كندا، الفلبين، المملكة المُتحدة، أورغواي، وتركيا) بمشروع قرار “الاتحاد من أجل السلم” ليُدرج على جدول أعمال الجمعية العامة في دورتها الخامسة، وتحت هذا المُسمَّى تلقت اللجنة الأولى التابعة للجمعية العامة المعنية بنزع السلاح والأمن الدولي ثلاثة مشروعات أخرى، مشروع قرار قدمته سوريا والعراق، بالإضافة إلى مشروعي قرار قدمهما الاتحاد السوفيتي. وفي أكتوبر 1950 أجرت اللجنة تصويتًا على مشروعات القرارات المُقدمة؛ حيث اعتمدت بأغلبية أصواتها مشروع القرار السباعي، ومشروع القرار السوري العراقي، وأحد مشروعي القرارين التابعين للاتحاد السوفيتي السابق فيما رفضت اللجنة المشروع الآخر.
وفي جلستها العامة، بتاريخ الثالث من نوفمبر 1950، عرضت الجمعية العامة مشاريع القرارات الثلاثة، التي أحالتها إليها اللجنة الأولى، للتصويت بعد إجراء بعض التعديلات والموافقة عليها بأغلبية الأعضاء، تلى ذلك التصويت على مشروع قرار عام يضم مشروعات القرارات الثلاثة تحت بند “الاتحاد من أجل السلم”، والذي اعتمدته الجمعية العامة باسم القرار 377 بأغلبية 52 صوتًا ضد 5 أصوات، وامتناع عضوين عن التصويت.[3]
ثانيًا: مضامين وأحكام قرار الاتحاد من أجل السلم
نصَّ قرار الاتحاد من أجل السلم على أنه في حال أخفق مجلس الأمن، بسبب عدم إجماع الأعضاء الدائمين في ممارسة مسئولياته الأساسية المتمثلة في صون السلم والأمن الدوليين من خلال تقديم التوصيات المُناسبة أو اتخاذ تدابير جماعيَّة، بما في ذلك استخدام القوة المُسلَّحة عند الضرورة لصون أو استعادة السلم والأمن الدوليين، وإذا لم تكن الجمعية العامة منعقدةً في ذلك الوقت، يجوز لها أن تجتمع في جلسةٍ استثنائيةٍ طارئةٍ خلال أربع وعشرين ساعةً من طلب ذلك، ويتم عقد هذه الجلسة الاستثنائية الطارئة إذا طلب مجلس الأمن ذلك بناءً على تصويت أي من سبعة أعضاء، أو أغلبية أعضاء الأمم المُتحدة.[4]
كما تضمَّن القرار أيضًا إجراءً مهمًّا تمثل في إنشاء لجنة لمراقبة السلام، تتألف من 14 دولةً، وهي: الصين، كولومبيا، تشيكوسلوفاكيا، فرنسا، الهند، العراق، إسرائيل، نيوزيلندا، باكستان، السويد، الاتحاد السوفيتي السابق، المملكة المتحدة، الولايات المتحدة الأمريكية، وأوروجواي. وتتولى هذه اللجنة مراقبة الوضع في أي منطقة والإبلاغ عن أي توتر دولي من شأن استمراره أن يعرض السلم والأمن الدولي للخطر، وبناءً على دعوة أو موافقة الدولة التي ستذهب اللجنة إلى أراضيها، يجوز للجمعية العامة أن تستخدم لجنة مراقبة السلام إذا كان مجلس الأمن لا يُمارس المهام الموكلة إليه فيما يتعلق بالمسألة المعنية.
وضمن السياق ذاته، تتخذ اللجنة قراراتها بناءً على التصويت الإيجابي لثلثي الدول الحاضرة والمشتركة في التصويت، ويجوز لمجلس الأمن أيضًا أن يستخدم اللجنة وفقًا لسلطته بموجب الميثاق. وإلى جانب لجنة مراقبة السلام، دعا القرار إلى تشكيل لجنة ثانية، تضم بدورها 14 دولةً، على أن تضطلع بمسئولية تحديد التدابير والإجراءات الجماعية المُناسبة التي يمكن من خلالها دعم السلم والأمن الدوليين.
علاوةً على ذلك، أوصى القرار 377 الدول الأطراف في الأمم المُتحدة بأنَّ يحتفظ كل طرف منها ضمن قواته المُسلَّحة الوطنيَّة بعناصر مدربة ومنظمة ومجهزة بحيث يُمكن إتاحتها على الفور، وفقًا لعملياتها الدستوريَّة، للخدمة كوحدة تابعة للأمم المُتحدة، بناءً على توصية مجلس الأمن أو الجمعية العامة، دون المساس باستخدام هذه العناصر في ممارسة حق الدفاع عن النفس الفردي أو الجماعي المعترف به في المادة 51 من الميثاق.
وفي حين عارض الاتحاد السوفيتي السابق، بادئ الأمر، هذا القرار ودفع ببطلانه واعتبره تعديًا على سلطات مجلس الأمن، إلا أنه ما لبث أن غيَّرَ موقفه وبات ينظر للجمعية العامة بوصفها حصنًا ضد الولايات المُتحدة، وفي المقابل أخذ الدعم الأمريكي للجمعية العامة يتقلص تدريجيًا بعد اتساع عضويتها؛ حيث اعتبرتها الولايات المُتحدة جهازًا لديكتاتورية العالم الثالث، وفي الفترة من 1975 وحتى نهاية الحرب الباردة، تحوَّل مركز الثقل في الأمم المُتحدة، مرةً أخرى، من الجمعية العامة إلى مجلس الأمن، باعتباره مصدرًا للشرعية الدوليَّة، ومُنحت قرارته مرتبةً أسمى من المعاهدات الدوليَّة سيَّما أثناء الغزو العراقي للكويت في مستهل تسعينيَّات القرن الماضي.[5]
ثالثًا: مدى اتساق الطبيعة القانونيَّة للقرار 377 مع سلطات الجمعية العامة
عند استقراء نص المادتين 11، و12 من ميثاق الأمم المُتحدة، نجد أنَّ المادة 11 تخول للجمعية العامة النظر في المبادئ العامة للتعاون في حفظ السلم والأمن الدولي ويدخل في ذلك المبادئ المتعلقة بنزع السلاح وتنظيم التسليح، كما يحق لها تقديم توصياتها بصدد هذه المبادئ إلى الأعضاء أو إلى مجلس الأمن أو كليهما، وتستطرد الفقرة الثانية من نفس المادة أنَّ للجمعية العامة أن تناقش أيَّة مسألة يكون لها صلة بحفظ السلم والأمن الدولي يرفعها إليها أي من أطراف الأمم المُتحدة أو مجلس الأمن. أما المادة 12 فتشير في فقرتها الأولى إلى أنه عندما يباشر مجلس الأمن اختصاصاته بصدد نزاع أو موقف ما، فليس للجمعية العامة أن تقدم أيَّة توصية في شأن هذا النزاع أو الموقف إلاّ إذا طلب مجلس الأمن.
ويُستنتج من نص هاتين المادتين، أنَّ مجلس الأمن لا يختص وحده بسلطة النظر في القضايا التي تُهدد السلم والأمن الدوليين، بل إنَّ الميثاق منح أيضًا الجمعية العامة الحق في مناقشة أيَّة مسألة يكون لها صلة بحفظ السلم والأمن الدولي وأن تقدم توصياتها بشأنها، على أنَّ هذا الحق ليس مطلقًا بل هناك بعض القيود منها ألا تكون هذه المسألة مطروحة للنقاش أو النظر من قبل مجلس الأمن، وأيضًا فيما يتصل بمسئولياتها تجاه حالات الإخلال بالسلم الدولي أو وقوع عمل من أعمال العدوان، ويتمثل هذا القيد في عجز مجلس الأمن عن القيام بمهامه نظرًا لغياب الاجماع بين الدول الكبرى.[6]
وعلى الرغم مما قد يبدو من تداخل بين سُلطات المجلس والجمعية طبقًا لنص القرار 377، إلا أنَّ ثمة اختلاف جوهري يتعلق بالقيمة المعياريَّة لكل منهما فيما يتعلق باستخدام القوة، ففي حين أنَّ قرار الاتحاد من أجل السلم يسمح للجمعية العامة بتقديم التوصيات المُناسبة لاستخدام القوات المسلَّحة، فإنَّ الفصل السابع من الميثاق يخوِّل مجلس الأمن سلطة اتخاذ إجراءات قسرية مباشرة مع الإشارة إلى وسائل وطرق تطبيقها[7] ومن ناحيةٍ أخرى، فإنَّ التوصيات أو التدابير التي تتخذها الجمعية وفقًا للقرار 377 لا تعادل في قوتها القانونيَّة أو الإلزاميَّة القرارات الصادرة عن مجلس الأمن، فهذا الأخير قرارته ملزمة لكافة الدول طبقًا لمنطوق الميثاق، في حين أنَّ التدابير المنبثقة عن قرار الاتحاد من أجل السلم يظل الالتزام بها رهنًا بتوافر الإرادة السياسيَّة الجماعيَّة للدول الأعضاء في الأمم المُتحدة.
وثمة من يدفع بوجود تعارض بين اضطلاع الجمعية العامة، بموجب القرار 377، باتخاذ تدابير تنطوي على استخدام القوة المسلَّحة عند الضرورة، للحفاظ على السلم والأمن الدوليين، وبين مبدأ حظر التهديد باستخدام القوة أو استخدامها في العلاقات الدوليَّة، وهو المبدأ الوارد في المادة الثانية من الميثاق ويُعترف به عالميًّا كمبدأ من القواعد الآمرة التي لا يجوز الانتقاص منها[8]، ومن هذا المنطلق فإن تفويض مجلس باستخدام القوة بِموجب الفصل السابع يوجد بصورة منفصلة، وهذا الأمر بدوره ينطبق على الجمعية العامة التي لها الحق في إصدار قرار موضوعي يوصي باستخدام القوة، والتوصية في هذه الحالة تخرج عن نطاق المادة المذكورة.[9]
رابعًا: الحالات التطبيقية لقرار الاتحاد من أجل السلم في المُمارسات الدوليَّة
منذ اعتماد القرار 377 في الثالث من نوفمبر 1950 حتى اليوم، تم تفعيله من قبل الأمم المُتحدة لمواجهة عدد من الأزمات الدوليَّة التي بدا مجلس الأمن خلالها عاجزًا عن اتخاذ التدابير اللازمة لمواجهتها نتيجة تعارض المصالح الجيوسياسية وغياب الإجماع بين أقطابه دائمة العضوية، وفيما يلي أبرز الحالات التي استدعت تفعيل قرار الاتحاد من أجل السلم:
1. العدوان الثلاثي على مصر 1956: على إثر الهجوم العسكري الذي شنته المملكة المُتحدة وفرنسا وإسرائيل على مصر في أكتوبر 1956 ردًا على القرار الذي اتخذته الحكومة المصريَّة بتأميم قناة السويس جراء سحب القوى الغربيَّة عرض تمويل مشروع السد العالي، تقدمت مصر بشكوى إلى مجلس الأمن الدولي من أجل اتخاذ التدابير اللازمة لمواجهة هذا الهجوم باعتباره عملًا من أعمال العدوان من شأنه أن يعرض السلم والأمن الدوليين للخطر. إلا أنَّ لجوء فرنسا والمملكة المُتحدة، باعتبارهما عضوين دائمين في مجلس الأمن، إلى استخدام حق الاعتراض حال دون قُدرة المجلس على التحرك أو إصدار أي قرارات تُدين هذا الاعتداء.
ونتيجة لذلك، دعت يوغسلافيا الجمعية العامة للأمم المُتحدة إلى الانعقاد واتخاذ ما يلزم من إجراءات المنع لردع الدول المُعتدية واجبارها على وقف القتال وذلك استنادًا إلى قرار الاتحاد من أجل السلم. وتبعًا لذلك، اتخذت الجمعية العامة مجموعةً من الإجراءات والتدابير كان من أهمها إدانة دول العدوان، ودعوة حكومات الدول الثلاث إلى تجميد الأعمال الحربيَّة ووقف إيفاد قواتها المُسلحة إلى مسرح العمليات، كما تضمَّن القرار أيضًا إرسال قوات لحفظ السلام تحت مظلة الأمم المُتحدة للفصل بين القوات المُتحاربة. ومما يتعين الإشارة إليه هنا، أنَّ نجاح الجمعية العامة في التعاطي مع أزمة السويس، كان مرده بالأساس التوافق بين القطبين -الولايات المُتحدة والاتحاد السوفيتي السابق- وموقفهما المُعارض لاستخدام القوة العسكريَّة من قبل الدول المُعتدية، وما خلَّفه هذا الاعتداء من إدانات واسعة من قبل المُجتمع الدولي.
2. أزمة الغزو السوفيتي للمجر 1956: تزامنًا مع أحداث أزمة السويس، وقعت أزمة أخرى في شرق أوروبا عندما أقدم الاتحاد السوفيتي السابق على التدخل عسكريًّا في المجر لسحق الثورة التي اندلعت فيها والتي ناصبت العداء للشيوعية في ظل مخاوف من أن يؤدي خروج بودابست من فلك تبعيتها إلى تصدع الكتلة الاشتراكيَّة برمتها. ولما كان الاتحاد السوفيتي السابق عضوًا دائمًا في مجلس الأمن، فإنَّ هذا الأخير لم يستطع التحرك، ولذلك تم دعوة الجمعية العامة إلى الانعقاد استنادًا إلى قرار الاتحاد من أجل السلم لإدانة الاتحاد السوفيتي السابق ومطالبته بسحب قواته من المجر، لكن الحكومة السوفيتية لم تُعر قرارات الجمعية العامة اهتمامًا ولم تذعن لها، كما لم يستطع الغرب أن يفعل شيئًا، فالمجر في نهاية المطاف تقع ضمن دائرة النفوذ السوفيتي، وأي محاولة للتدخل كانت ستفضي إلى اندلاع حرب نوويَّة بين الكتلتين الشرقيَّة والغربيَّة.

3. أزمة الكونغو الديمقراطيَّة 1960: بعد أربع سنوات من أزمتي السويس والمجر، أي في عام 1960 تحديدًا، اندلعت أزمة الكونغو؛ حيث قرَّر مجلس الأمن إرسال قوات طوارئ دوليَّة للكونغو الديمقراطية، ودعا بلجيكا إلى سحب المرتزقة والقوات الموالية لها من إقليم كاتنغا الذي أعلن انفصاله عن حكومة كينشاسا المركزيَّة، إلا أنَّ الاتحاد السوفيتي السابق لجأ إلى استخدام حق الفيتو لتعطيل قرارات مجلس الأمن، وهو ما دفع هذا الأخير إلى دعوة الجمعية العامة إلى الانعقاد استنادًا إلى القرار 377، التي أصدرت في سبتمبر 1960 عددًا من القرارات تتسق في مضمونها مع القرارات التي كان قد أصدرها مجلس الأمن.[10] وفي الأخير تمكَّنت الأمم المُتحدة من إعادة الاستقرار إلى الدولة الكونغولية من خلال دعم الحكومة المركزيَّة وإخماد الحركة الانفصاليَّة في إقليم كاتنغا بعدما وافقت قياداتها على تسليم سلاحها وإعادة دمج قواتها مع الجيش الكونغولي، وبدأت الأمم المُتحدة في إجلاء قواتها الدوليَّة تدريجيًا إيذانًا بانتهاء الأزمة.[11]
4. قضية الجدار الفلسطيني العازل: شرعت إسرائيل في تشييد الجدار العازل داخل الأراضي المُحتلة. فبعدما فشل مجلس الأمن في محاولتين بسبب الفيتو الأمريكي لاستصدار قرار يدين بناء الجدار الإسرائيلي في الضفة الغربيَّة، عقدت الجمعية العامة جلسةً طارئةً عملًا بالقرار 377 في مايو 1997، ثم أعيد عقد هذه الجلسة الطارئة مرارًا طوال السنوات التالية إلى أن اعتمدت الجمعية العامة قرارها ES-10/14 في ديسمبر 2003.[12] وبِموجب القرار المذكور، دعت الجمعية العامة محكمة العدل الدوليَّة، عملًا بالمادة 65 من النظام الأساسي للمحكمة، أن تصدر، على وجه السرعة، فتوى بشأن الآثار القانونيَّة الناشئة عن تشييد الجدار الذي تقوم إسرائيل، السلطة القائمة بالاحتلال، بإقامته في الأراضي الفلسطينية المُحتلة، بما في ذلك في القدس الشرقيَّة وحولها، على النحو المبين في تقرير الأمين العام، وذلك من حيث قواعد ومبادئ القانون الدولي، بما في ذلك اتفاقية جنيف الرابعة لعام 1949، وقرارات مجلس الأمن والجمعية العامة ذات الصلة.
وقد عالجت الفتوى الصادرة عن المحكمة، في إطار استجابتها للقرار المذكور، كافة الجوانب المتعلقة بمسألة الجدار العازل على ضوء ميثاق الأمم المُتحدة والقانون الدولي الإنساني وكذلك القوانين المتعلقة بحقوق الإنسان، وأهم ما جاء في حكمها أنه أكد على الدور الأساسي للجمعية العامة في حفظ السلم والأمن الدوليين بصورة مُستقلة عن مجلس الأمن.[13]
5. التدخل الروسي في أوكرانيا 2022: في أعقاب فشل مجلس الأمن في اتخاذ قرار ملزم لدفع روسيا إلى إنهاء عمليتها العسكرية وسحب قواتها من الأراضي الأوكرانيَّة بعد تدخلها العسكري لها في 24 فبراير 2022، تمت دعوة الجمعية العامة في مارس من العام نفسه للانعقاد في جلسة استثنائية استنادًا إلى 377 بناءً على قرار مجلس الأمن رقم 2623 الذي أتخذه المجلس في جلسته المنعقدة في 27 فبراير 2022، والذي جاء فيه إنَّ مجلس الأمن، وقد نظر في البنـــد المـــدرج في جدول أعمال جلسته 8979 وإذ يضع في اعتباره أنَّ انعدام الإجماع بين أعضائه الدائمين قد منعه عن ممارسة مسئولياته الرئيسية في صون السلم والأمن الدوليين، يقرر الدعوة إلى عقد دورة استثنائية طارئة للجمعية العامة لبحث هذه المسألة.
وعلى الرغم من التصويت السلبي لروسيا على مضمون القرار2623، إلا أنَّ مجلس الأمن تمكَّن من توفير الأغلبية المطلوبة لاعتماده؛ حيث اعتبر التصويت على هذه المسألة إجرائيًّا، ومن ثم لم يكُن مُمكنًا من الناحية العملية استخدام حق النقض من قبل موسكو، لتتمكن الجمعية العامة في جلستها الطارئة، المنعقدة بناءً على قرار الاتحاد من أجل السلم، من إدانة الغزو الورسي لأوكرانيا ودعوة الحكومة الروسيَّة إلى وقف عدوانها، والسماح بوصول المُساعدات الإنسانيَّة إلى المدن الأوكرانيَّة المُتضررة جراء العمليات العسكريَّة. ومع ذلك، رفضت موسكو الإذعان لهذا القرار وغيره من القرارات الأخرى الصادرة عن مجلس الأمن أو الجمعية العامة، وما زالت تواصل عملياتها العسكريَّة في أوكرانيا حتى الآن.
في الختام: على الرغم من تراجع الاهتمام بقرار الاتحاد من أجل السلم خلال الآونة الأخيرة، سيَّما بعد تحوُّل النظام الدولي إلى الأحادية القطبيَّة واستعادة مجلس الأمن لدوره بعدما تجاوز بعض قيود الحرب الباردة، إلا أنَّ هذا القرار يظل آلية فاعلة لها آثارها العملية الملموسة في التصدي للأزمات الدوليَّة التي يتعذر على المجلس القيام بمهامه ومسئولياته نحوها على النحو الأمثل، مثلما حدث مؤخرًا عندما أقدمت روسيا على التدخل العسكري في أوكرانيا ولم يستطع مجلس الأمن أن يُحرك ساكنًا بسبب الفيتو الروسي، فلم تجد الولايات المُتحدة من وسيلة للضغط على روسيا إلا بتفعيل قرار الاتحاد من أجل السلم، ومع أنَّ اللجوء إلى هذا القرار لم يكن ذا تأثير ملموس على مجرى الصراع إلا أنه أظهر توافق المُجتمع الدولي وأكَّد موقفه الرافض للحرب.
المراجع:
[1] ثيودور لووي، وبنيامين جينسبرج، الحكومة الأمريكيَّة الحرية والسلطة، الكتاب الثاني، ترجمة: عبد السميع عمر زين الدين، ورباب عبد السميع زين العابدين (القاهرة، مكتبة الشروق الدوليَّة، 2006)، ص745- 746.
[2] عائشة حماديدي، الدور المركزي للجمعية العامة للأمم المتحدة: قرار الاتحاد من أجل السلام وتطبيقاته على النزاع السوري، مجلة الاجتهاد القضائي، جامعة محمد خيضر- بسكرة، المجلد (14)، العدد (1)، مارس 2022، ص311.
[3] هشام قدري أحمد، الدائمون الخمسة: مجلس الأمن بين هيمنة القوى الكبرى وفرص الإصلاح (القاهرة: دار الفجر للنشر والتوزيع، 2025)، ص378.
[4] General Assembly, Resolution 377 (V) Uniting for Peace, November 3, 1950.
[5] عبدالله الأشعل، العالم العربي والشرعية الدوليَّة الجديدة، مجلة السياسة الدوليَّة، المجلد (41)، العدد (164)، أبريل 2006، ص22.
[6] هشام قدري، مرجع سابق، ص382.
[7] Mohamed Eltawila, “The Uniting for Peace Resolution: Is it Relevant Today?”, International Journal of Doctrine, Judiciary, and Legislation, Vol.2, Issue 2, 2021, P. 542.
[8] Ved P. Nanda, “The Security Council Veto in the Context of Atrocity Crimes, Uniting for Peace and the Responsibility to Protect”, Journal of International Law, Vol. 52, Iss.1, 2020, PP. 138- 139.
[9] Ib. id, P. 139.
[10] هادي نعيم المالكي، المنظمات الدوليَّة (بغداد، مكتبة السيسبان، 2013)، ص234-235.
[11] مشتاق عيدان اعبيد، دور الولايات المتحدة الأمريكيَّة والأمم المُتحدة في أزمة الكونغو 1960- 1963 (بغداد، دار ومكتبة عدنان للطباعة والنشر والتوزيع، 2015)، ص250- 251.
[12] Chelsea Koester, “Looking Beyond R2P for an Answer to inaction in the Security Council“, Journal of International Law, University of Florida, College of Law, Vol. 27, Iss. 3, 2015, P.17.
[13] عصام نعمة، وعلي مقلد، الفتوى الصادرة عن محكمة العدل الدوليَّة في قضية الجدار العازل، المجلة العربيَّة للعلوم السياسيَّة، لبنان، العدد (11)، يوليو 2006، ص91.

