عزالدين أبوالمجد
باحث في العلوم السياسية

تكتسب دراسة العلاقات المصرية بدول أمريكا اللاتينية أهمية متزايدة في المرحلة الراهنة، وذلك في ظل التحولات المتسارعة التي يشهدها النظام الدولي وتغير موازين القوى العالمية. فمع تراجع هيمنة القوى التقليدية، وبروز نظام عالمي متعدد الأقطاب، تسعى مصر إلى تنويع علاقاتها الخارجية وتوسيع دائرة تحالفاتها، بما يضمن تعزيز استقلالية قرارها السياسي والاقتصادي. ومن هذا المنطلق، تبرز دول أمريكا اللاتينية كشركاء محتملين وواعدين، لا سيما أن كثيرًا منها يشهد صعودًا اقتصاديًا وسياسيًا لافتًا مثل البرازيل والمكسيك وتشيلي. وفي هذا السياق، تمثل العلاقات المصرية مع دول أمريكا اللاتينية امتدادًا طبيعيًا لمنظور التعاون لدول “الجنوب-الجنوب”، الذي يقوم على أسس من الاحترام المتبادل والمصالح المشتركة. فكلا الطرفين يتشاركان تجارب تاريخية متقاربة من حيث مواجهة التحديات التنموية، والبحث عن بدائل مستقلة للنماذج النيو ليبرالية، والسعي لتعزيز سيادة القرار الوطني. كما أن تعميق هذه العلاقات يسهم في تقوية موقف مصر في المحافل الدولية، لاسيما أن العديد من دول أمريكا اللاتينية تتبنى مواقف متقاربة مع مصر في قضايا مثل دعم القضية الفلسطينية، ورفض التدخلات الخارجية، والدعوة لإصلاح نظام الأمم المتحدة.
وعلى المستوى الاقتصادي، تمثل أمريكا اللاتينية شريكًا استراتيجيًا محتملًا لمصر، بالنظر إلى ما تملكه من ثروات طبيعية هائلة في مجالات الغذاء والطاقة والمعادن، فضلًا عن كونها سوقًا كبيرة ومفتوحة أمام المنتجات المصرية. كما يمكن لمصر أن تؤدي دورًا محوريًا في ربط هذه الدول بالأسواق الإفريقية والعربية، بما يعزز موقعها كبوابة استراتيجية للتجارة العابرة بين الجنوب والجنوب. وعلى الصعيد الثقافي والشعبي، تُعد الروابط العربية-اللاتينية ركيزة مهمة لتعزيز التفاهم بين الشعوب، خاصة مع وجود جاليات عربية كبيرة في الأرجنتين والبرازيل وفنزويلا وساهمت في تشكيل هوية هذه الدول، وهو ما يتيح فرصًا لتعزيز الدبلوماسية الشعبية والتبادل الأكاديمي والفني، بما يُثري العلاقات الثنائية ويعمق من طابعها الإنساني والحضاري.[1]
وأخيرًا، فإن دراسة العلاقات المصرية-اللاتينية تكتسب بُعدًا استراتيجيًا إضافيًا من خلال إمكانية تبادل الخبرات في مجالات التنمية الاجتماعية ومكافحة الفقر وتحسين الخدمات العامة، وهي مجالات أحرزت فيها بعض دول أمريكا اللاتينية تقدمًا ملحوظًا. وبالتالي، فإن هذه العلاقة ليست مجرد خيار دبلوماسي، بل ضرورة استراتيجية في عالم يتجه نحو تكتلات جديدة وتحالفات غير تقليدية.
تنبع أهمية هذه الورقة من طرحها لإشكالية محورية مفادها: إلى أي مدى يمكن اعتبار العلاقات المصرية – اللاتينية امتدادًا لرؤية استراتيجية واضحة للسياسة الخارجية المصرية؟ وهل ترتكز هذه العلاقات على أسس مدروسة وقابلة للبناء عليها، أم أنها مجرد مبادرات ظرفية مرتبطة بظروف دولية مؤقتة؟
وللإجابة عن هذه الإشكالية، تسعى الورقة للإجابة على عدد من الأسئلة الفرعية، من بينها:
- ما هي العلاقات التاريخية التي تجمع مصر بدول أمريكا اللاتينية؟ وهل شهدت هذه السياسة تحولًا نوعيًا في السنوات الأخيرة؟
- ما هي أهمية دول أمريكا اللاتينية في نظر العالم؟ وماهي هي الإمكانات والفرص التي تملكها؟
- ما هي محددات السياسة الخارجية المصرية تجاه دول أمريكا اللاتينية؟ وما هي أهم الأدوات والآليات التي تستخدمها مصر في إدارة هذه العلاقات؟
أولًا: الخلفية التاريخية للعلاقات بين مصر ودول أمريكا اللاتينية
طبقا لاتفاقية فيينا للعلاقات الدبلوماسية عام 1961[2] واتفاقية فيينا للعلاقات القنصلية عام 1963, [3] تتواجد جمهورية مصر العربية بثلاثة عشر بعثة دبلوماسية دائمة في ثلاثة عشر دولة في أمريكا اللاتينية وهم (كولومبيا – كوبا – فنزويلا – جواتيمالا – تشيلي – بيرو – بوليفيا – بنما – المكسيك – البرازيل – الاكوادور – الارجنتين – اوروجواي).[4] أي أن مستوى التمثيل الدبلوماسي المصري يمثل قرابة 40% من دول أمريكا اللاتينية. يعبر ذلك التواجد الدبلوماسي لمصر في أمريكا اللاتينية عن أهمية العلاقات بين جمهورية مصر العربية في منطقة دول أمريكا اللاتينية، وهو ما تعمل مصر على تعزيزه خلال الفترة القادمة.
وقد جاء هذا التواجد نتيجة خبرة تاريخية مشتركة اجتمعت فيها غالبية الدول العربية مع دول أمريكا اللاتينية سواء التجربة الاستعمارية من الدول الغربية أو التجارب السياسية لفترة ما بعد الاستعمار من خلال الحركات التحررية مثل حركة عدم الانحياز أو البحث في سبل إنشاء علاقات اقتصادية مثل مجموعة 77 بهدف الخروج من عباءة الدول الكبرى المهيمنة. ومن ثم تتميز العلاقات بين مصر وأمريكا اللاتينية بتاريخ طويل ومعقد، وشهدت تطورات مهمة على مر العقود، تتراوح بين التعاون الدبلوماسي والاقتصادي إلى التوترات السياسية في بعض الأحيان.
ففي بداية القرن العشرين، كانت العلاقات بين مصر وأمريكا اللاتينية محدودة نسبيًا؛ إذ كانت أمريكا اللاتينية تركز بشكل رئيسي على علاقاتها مع القوى الكبرى مثل الولايات المتحدة وأوروبا. ومع ذلك، كانت هناك بعض الاتصالات الدبلوماسية والتجارية التي بدأت في التأسيس بعد الحرب العالمية الثانية، خاصة في ظل توجهات مصر الوطنية بعد ثورة 1952. وتعتبر فترة حكم الرئيس جمال عبد الناصر (1952-1970) من أبرز الفترات في تاريخ العلاقات بين مصر وأمريكا اللاتينية. وتبنت مصر في هذا التوقيت سياسة عدم الانحياز وسعت إلى بناء علاقات مع دول العالم الثالث في إطار مواجهة الهيمنة الغربية. وظهر هذا التقارب بين مصر ودول أمريكا اللاتينية في دعم حركات التحرر من خلال مؤتمر باندونج 1955، الذي جمع دول آسيا وأفريقيا، ولعبت مصر دورًا محوريًا في تعزيز التعاون بين دول العالم الثالث، بما في ذلك دول أمريكا اللاتينية، كما دعم الرئيس عبدالناصر حركات التحرر في كوبا وشيلي. بالإضافة إلى التعاون مع كوبا بعد الثورة الكوبية (1959)، بدأت مصر وكوبا في تعزيز علاقاتهما السياسية والاقتصادية. وكانت كوبا داعمة لحركة التحرر الوطني في مصر، وظهر ذلك في تبادل الزيارات بين زعماء البلدين، وهو ما أسهم في توثيق الروابط بينهما.
وعلى الرغم من ذلك، شهدت العلاقات المصرية-اللاتينية في السبعينيات والثمانينات من القرن الماضي بعض الفترات من التوتر والبرود بسبب عدة عوامل، كان أبرزها التغيرات في السياسة الخارجية المصرية. بعد وفاة الرئيس جمال عبد الناصر في 1970؛ حيث تبنت مصر في عهد الرئيس محمد أنور السادات سياسة خارجية أكثر واقعية؛ حيث ركزت على تحسين علاقاتها مع الولايات المتحدة والدول الغربية، وهو ما أدى إلى تراجع اهتمام مصر بالعلاقات مع دول أمريكا اللاتينية. بالإضافة إلى ذلك، كان الصراع العربي الإسرائيلي له تأثير كبير على اهتمامات مصر الخارجية في تلك الفترة. مع تصاعد هذا الصراع، انتقلت الأولوية إلى قضية السلام مع إسرائيل، وهو ما تجسد في اتفاقيات كامب ديفيد 1978. وهذا التحول في السياسة جعل العلاقات مع دول أمريكا اللاتينية تأتي في المرتبة الثانية في أجندة السياسة الخارجية المصرية، وهو ما أسهم في تراجع التعاون مع هذه الدول.
ومنذ بداية التسعينات، بدأ دور مصر في العلاقات مع أمريكا اللاتينية يشهد تحسنًا تدريجيًا، خاصة بعد انتهاء الحرب الباردة وتحسن العلاقات العالمية بشكل عام. في هذا السياق، أطلق الرئيس محمد حسني مبارك في أوائل التسعينيات سلسلة من الزيارات الرسمية إلى البرازيل والأرجنتين والمكسيك، وهو ما ساعد على تعزيز التعاون بين مصر ودول أمريكا اللاتينية في مختلف المجالات السياسية والاقتصادية. وعلى الرغم من التحديات الاقتصادية التي واجهتها مصر في تلك الفترة، إلا أنها بدأت في التوسع في التجارة مع دول مثل البرازيل، التي أصبحت من أبرز شركاء مصر التجاريين في أمريكا اللاتينية؛ حيث تركز التعاون بشكل خاص في مجالات المنتجات الزراعية والطاقة المتجددة، وهو ما أسهم في تقوية العلاقات الاقتصادية بين البلدين وتعزيز التعاون بينهما في هذه القطاعات الحيوية.
ويمكن اعتبار عام 2013 نقطة تحول في السياسة الخارجية المصرية، حيث بدأت مصر في إعادة توجيه وتغيير نهجها، الذي أصبح أكثر توازنًا وانفتاحًا. فعلى الرغم من الحفاظ على علاقات جيدة مع الحلفاء التقليديين، بدأت مصر في الاتجاه نحو تنويع شركائها ودوائر سياساتها الخارجية.
من جهة أخرى، استحوذت أمريكا اللاتينية على أهمية كبيرة في أجندة السياسة الخارجية المصرية. ففي أبريل من عام 2014 قام مساعد وزير الخارجية للشؤون الأمريكية ومنظمة الدول الأمريكية، السفير محمد فريد منيب، بجولة شملت كولومبيا وكوبا وغواتيمالا والمكسيك وبنما، بهدف تعزيز العلاقات الثنائية في مجالات التعاون، والتعليم، والثقافة، والسياحة، والتجارة. وخلال هذه الزيارة، تم توقيع عدة اتفاقيات، وهو ما يعكس تعزيز العلاقات بين مصر وأمريكا اللاتينية، ومن بينها اتفاقيتان مع كولومبيا حول الإعفاء من التأشيرات للوثائق الدبلوماسية والرسمية وأخرى حول التعاون في مجال السياحة. كما تم توقيع مذكرة تفاهم مع المكسيك لتعزيز التعاون الدولي في مجال التنمية.[5] وفي غواتيمالا، تم توقيع اتفاقية إعفاء من التأشيرات، بالإضافة إلى وثيقة لحماية واسترجاع الممتلكات الثقافية المسروقة أو التي تم نقلها بشكل غير قانوني.[6]
وفي الوقت الحالي تشهد العلاقات التعاونية بين مصر ودول أمريكا اللاتينية ازدهارًا يفوق المراحل المختلفة التي مرت بها العلاقات بين دول أمريكا اللاتينية ومصر؛ حيث بدأ الطرفان في تكثيف التعاون في مختلف المجالات. رغم المسافة الجغرافية، إلا أن هناك اهتمامًا متزايدًا من دول أمريكا اللاتينية بتعميق علاقاتها مع مصر، نظرًا لموقعها الاستراتيجي في العالم العربي وأفريقيا وتعزيز مجالات التعاون التي تشمل التجارة والاستثمار؛ حيث تسعى مصر إلى تعزيز صادراتها من المنتجات الزراعية والملابس الجاهزة، بالإضافة إلى الطاقة المتجددة، كما شهدت العلاقات تبادل زيارات دبلوماسية مهمة من الجانبين، سواء من قبل الرئيس عبد الفتاح السيسي أو من قِبل مسئولي الدول اللاتينية، كما تم تنظيم فعاليات ثقافية وبرامج تبادل أكاديمي، وهو ما عزز الترابط والتواصل بين الشعوب.
وفي ظل ما تشهده الساحة الدولية من تحولات عميقة ومتسارعة، سواء على الصعيد الاقتصادي أو السياسي، اتجهت مصر إلى إعادة النظر في أولويات سياستها الخارجية وتوسيع من خريطة تحالفاتها الدولية، خاصة في اتجاه الجنوب العالمي. وفي هذا السياق، تبرز دول أمريكا اللاتينية كشركاء محتملين ذوي أهمية متزايدة، كما ان تراجع هيمنة القوى الغربية، لا سيما الولايات المتحدة على القرار الدولي، في مقابل صعود قوى جديدة كالصين وروسيا والهند، وهي قوى بات لها حضور متزايد في أمريكا اللاتينية ساهم في الدفع بالعديد من الدول إلى البحث عن شراكات بديلة خارج الأطر التقليدية. ومن ثم، فإن التعاون مع دول أمريكا اللاتينية يتيح لمصر فرصة استراتيجية لتنويع علاقاتها الاقتصادية والسياسية بعيدًا عن التبعية للغرب. وفيما يلي أبرز هذه المجالات:
1. الناحية الاقتصادية: تمثل دول أمريكا اللاتينية مصدرًا مهمًا للموارد الزراعية والحيوانية، في وقت تسعى فيه مصر إلى تعزيز أمنها الغذائي ومواجهة تداعيات الأزمات العالمية. على سبيل المثال، يمكن لمصر أن تستفيد من علاقات وثيقة مع دول كالبرازيل والأرجنتين في استيراد الحبوب واللحوم بأسعار مناسبة، وفي المقابل، يمكن تعزيز صادرات مصر الصناعية والدوائية إلى أسواق هذه الدول. بالإضافة إلى ذلك، فإن دولًا مثل تشيلي تمتلك خبرات رائدة في مجالات الطاقة المتجددة، وهو ما يتماشى مع تطلعات مصر في التحول إلى مركز إقليمي للطاقة. وبالتالي، فإن التعاون في مجالات التكنولوجيا والطاقة يمكن أن يكون له بعد استراتيجي طويل الأمد. كما أن التبادل الثقافي والتعليمي بين الجانبين يفتح الباب أمام فهم أعمق وتجارب تنموية متبادلة تعزز من التقارب بين الشعوب.
2. الناحية السياسية: هناك تقاطعًا مهمًا في الرؤى بين مصر وعدد من دول أمريكا اللاتينية تجاه العديد من القضايا الدولية، وعلى رأسها القضية الفلسطينية. فقد أظهرت دول مثل كولومبيا وتشيلي وبوليفيا مواقف سياسية متقدمة ورافضة للعدوان الإسرائيلي، وهو ما يتقاطع مع الموقف المصري التاريخي في دعم الشعب الفلسطيني. وهذا التقارب في المواقف يمكن أن يُستثمر في بناء تكتلات داخل المحافل الدولية، مثل الأمم المتحدة ومجموعة الـ 77، للدفاع عن مصالح الدول النامية وتعزيز المطالبة بإصلاح النظام المالي والاقتصادي العالمي.
في ضوء كل ما سبق، يمكن القول إن العلاقات المصرية – اللاتينية لم تعد خيارًا هامشيًا، بل ضرورة حيوية تفرضها طبيعة النظام الدولي المتحول. هي علاقات قائمة على الندية والاحترام المتبادل، ويمكن أن تشكل ركيزة أساسية لتوسيع مجال مصر الحيوي سياسيًا واقتصاديًا وثقافيًا، بما يدعم الأمن القومي المصري ويُعزّز من مكانتها الدولية.
وترتكز سياسة مصر الخارجية على عدد من المبادئ الراسخة التي لا تتغير بتغير الأولويات، وعلى رأسها دعم السلام والاستقرار في المحيط الإقليمي والدولي، والاحترام المتبادل بين الدول والتمسك بمبادئ القانون الدولي واحترام العهود والمواثيق ودعم دور المنظمات الدولية، مع الحرص على الحفاظ على توازن يربط أهداف مصر ومصالحها الاستراتيجية في إطار استقلالية القرار المصري، وتتمحور الرؤية الاستراتيجية لأولويات وزارة الخارجية خلال الفترة المقبلة حول عدد من المحاور، أهمها:
1. الحفاظ على ثوابت الأمن القومي المصري في ظل التحديات الإقليمية والدولية الراهنة
للسياسة الخارجية المصرية دوائر اهتمام مرتبطة بصورة أساسية بهوية مصر العربية والإفريقية والإسلامية، والتي تتقاطع جميعها مع أمن مصر القومي بصورة مباشرة، بالإضافة إلى دوائر الاهتمام الدولية والعلاقات الاستراتيجية التي تجمع مصر بالقوي الكبرى. ومع التسليم بأهمية ومحورية هذه الدوائر في صياغة أولويات السياسة الخارجية المصرية، فإن تطورات المشهدين الإقليمي والدولي، والتطورات في الأولويات الداخلية، فرضت على السياسة الخارجية المصرية استحداث “دوائر جديدة” للسياسة الخارجية المصرية، بالإضافة إلى انتهاج “سياسة التوازن الاستراتيجي” في إدارة علاقاتها بمختلف اللاعبين الدوليين لدعم المصالح المصرية.
2. تعزيز دور الدبلوماسية الاقتصادية لدعم البعد التنموي للدولة المصرية
تعتبر السياسة الخارجية المصرية مرآة للأولويات الوطنية للدولة المصرية، وفي ظل التحديات التي يفرزها الاقتصاد العالمي والتي تلقي بظلالها على مصر، اتجهت سياسة مصر الخارجية بصورة مباشرة لأن تكون داعمة ومكملة لدور المؤسسات الوطنية الأخرى العاملة في هذا المجال. والتواجد الفعلي لبعثات مصر الدبلوماسية والقنصلية يتيح لوزارة الخارجية الترويج للاقتصاد المصري والفرص الكامنة فيه وقطاعاته الواعدة، والصناعات الواعدة التي تستهدف مصر توطينها والتعرف بشكل مباشر على الفرص الاستثمارية والتمويلية المُتاحة وربطها بأولويات الجانب المصري.
ثانيًا: أثر محددات السياسة الخارجية المصرية على العلاقات بدول أمريكا الجنوبية
خلال العقد الأخير، كان هناك حرص متزايد من صانع القرار المصري على تنويع العلاقات مع القوى الإقليمية والدولية، بهدف حماية مصر من الضغوط السياسية التي قد تؤثر على قراراتها. وقد سعى هذا التوجه إلى الاستفادة من العلاقات مع الأطراف الإقليمية والدولية التي يمكن أن تقدم لمصر فرصًا من خلال تعميق الشراكات وتبادل الخبرات في المجالات ذات الاهتمام المشترك. وقد كان المحرك الاقتصادي أحد العوامل الأساسية التي دفعت السياسة الخارجية المصرية، خصوصًا مع الدول التي تتقارب تجربتها مع التجربة المصرية، ومن أبرز هذه الدول دول أمريكا اللاتينية. على الرغم من البعد الجغرافي، تشكل هذه الدول عاملًا مهمًا لتنشيط الاقتصاد على الجانبين. كما ساهم التشابه في المواقف السياسية حول القضايا الإقليمية والدولية في تعزيز التعاون بين مصر ودول أمريكا اللاتينية، وهو ما جعل مصر شريكًا رئيسيًا لهذه الدول في عدة تكتلات مثل مجموعة دول عدم الانحياز ومجموعة “الميركسور” التي تضم (مصر، البرازيل، الأرجنتين، أوروجواي، وباراجواي).[7]
وتهدف الحكومة المصرية من خلال اتفاقية التجارة الحرة التفضيلية مع تجمع دول “الميركسور” إلى تعزيز تجارتها الخارجية وتنويع الأسواق التصديرية للمنتجات المصرية. وفي هذا الإطار، صرّح مايكل جمال، مدير عام الاتفاقيات الثنائية بوزارة التجارة والصناعة، خلال ندوة نظمها المجلس التصديري للحاصلات الزراعية بتاريخ 16 أغسطس 2021، بأن حجم التجارة بين مصر ودول الميركسور الأربعة بلغ نحو 3.3 مليار دولار خلال عام 2020. كما أوضح أن دخول الاتفاقية حيّز التنفيذ في عام 2017 ساهم بشكل كبير في مضاعفة الصادرات المصرية؛ حيث ارتفعت من 113.1 مليون دولار عام 2016 إلى 395.8 مليون دولار في عام 2020. وأعلنت نيفين جامع، وزيرة التجارة والصناعة السابقة، في الأول من سبتمبر 2021، بدء تطبيق التخفيض الجمركي على نحو 6900 سلعة متبادلة بين مصر ودول التجمع، وذلك بموجب اتفاقية التجارة الحرة الموقعة بين الجانبين. وأشارت الوزيرة إلى أن أبرز بنود هذه السلع، المدرجة ضمن القائمتين الثالثة والرابعة من الاتفاق، تشمل المنسوجات، والسلع الهندسية، والزجاج، والكريستال. وأكدت الوزيرة أن العلاقات الاقتصادية والتجارية بين مصر وتجمع الميركسور شهدت تطورًا ملحوظًا خلال السنوات الأربع الماضية منذ دخول الاتفاق حيز النفاذ في الأول من سبتمبر 2017. وتسعى الحكومة المصرية من خلال هذه الاتفاقية إلى توسيع نطاق التعاون مع دول الميركسور ليشمل مجالات متعددة مثل الصناعة، والتكنولوجيا، والسياحة، خاصة وأن هذا التجمع يُعد رابع أكبر قوة اقتصادية على مستوى العالم، ويتميّز بكونه سوقًا ضخمة للاستهلاك والإنتاج على حد سواء.[8]
ثالثًا: نماذج للعلاقات المصرية بدول أمريكا اللاتينية
1. العلاقات المصرية – الأرجنتينية: تمثل العلاقات بين جمهورية مصر العربية وجمهورية الأرجنتين نموذجًا حيًا للتعاون جنوب-جنوب؛ حيث شهدت السنوات الأخيرة تناميًا ملحوظًا في مستوى التنسيق الثنائي على مختلف الأصعدة، خاصة في ضوء التحولات العالمية الراهنة التي تدفع الدول ذات الدخل المتوسط للبحث عن شركاء استراتيجيين يتشاركون التحديات والطموحات ذاتها؛ حيث بلغ حجم التجارة الثنائية التي تبلغ نحو ملياري دولار سنويًا، مع فائض لصالح الأرجنتين. ويتركز التبادل التجاري حاليًا في منتجات زراعية كالحبوب (الذرة، الصويا، القمح)، ما يبرز ضرورة العمل على تنويع التجارة لتشمل قطاعات أخرى مثل التكنولوجيا الحيوية، والصناعات الدوائية، والآلات الزراعية، والطاقة.[9]
وقد أولت كل من مصر والأرجنتين اهتمامًا خاصًا بالدبلوماسية الاقتصادية؛ حيث أطلقت الأرجنتين “دليل الأعمال” الموجّه للشركات الأرجنتينية الراغبة في دخول السوق المصري. ويتضمن الدليل معلومات مفصلة عن الجمارك، واللوائح الصحية، والثقافة التجارية في مصر، وهو ما يعكس الاهتمام بدعم القطاع الخاص وتعزيز الشراكات التجارية.
كما تتقاطع مصالح البلدين أيضًا على المستوى الدولي، خاصة في قضايا الديون الخارجية والتنمية المستدامة، والتنسيق المشترك في مواجهة تحديات صندوق النقد الدولي، وتوحيد الصوت داخل المؤسسات المالية الدولية. كما أن انضمام مصر مؤخرًا إلى مجموعة البريكس وبنك التنمية التابع لها، ورغبة الأرجنتين في السير على نفس النهج، يعكس توافق البلدين في رؤيتهما لنظام دولي أكثر توازنًا وشمولًا.
ويمكن اعتبار العلاقات بين مصر والأرجنتين نموذجًا ناضجًا لشراكة متعددة الأوجه، تمتد من التجارة إلى الصحة، ومن الثقافة إلى السياسة، في ظل إدراك مشترك بأن التقارب الجغرافي ليس شرطًا للروابط القوية، بل التقارب في التطلعات والرؤى هو العامل الحاسم. وفي عالم تتزايد فيه التحديات العالمية، يبقى هذا النوع من الشراكات أداة حيوية لتعزيز الاستقرار والتنمية المتبادلة.
2. العلاقات المصرية – البرازيلية: تحتل البرازيل موقعًا متقدمًا على أجندة السياسة الخارجية المصرية في إطار توجهها نحو تنويع الشركاء الاستراتيجيين وتعزيز التعاون مع القوى الصاعدة عالميًا. فالبرازيل تُعد إحدى أبرز الدول النامية التي تمكنت من تحقيق طفرات تنموية داخلية على المستويين الاقتصادي والاجتماعي، كما أنها تتبنى نهجًا سلميًا في علاقاتها الخارجية يقوم على الحوار كوسيلة لحل النزاعات الدولية، وهو ما يتماشى مع الثوابت المصرية في هذا الصدد.
علاوة على ذلك، فإن للبرازيل تأثيرًا محوريًا في محيطها الإقليمي من خلال عضويتها في التكتلات الاقتصادية والسياسية لأمريكا اللاتينية، فضلًا عن دورها الفاعل ضمن مجموعة العشرين وتجمع “البريكس”. من هذا المنطلق، تنظر مصر إلى البرازيل بوصفها بوابة استراتيجية للولوج إلى الأسواق اللاتينية، بينما ترى البرازيل في مصر شريكًا رئيسيًا للانفتاح على الأسواق الأفريقية، خاصة في ضوء موقعها الجغرافي المتميز وامتلاكها لاتفاقيات تجارية مع معظم دول القارة.
وقد تم الإعلان عن تدشين شراكة استراتيجية بين جمهورية مصر العربية وجمهورية البرازيل الاتحادية، بمناسبة مرور 100 عام على العلاقات الدبلوماسية بين البلدين. وتأتي هذه الشراكة تعزيزًا للعلاقات الثنائية التي تقوم على أواصر الصداقة والتفاهم بين الشعبين، وتأكيدًا على التعاون المشترك في العديد من المجالات الحيوية. يجسد هذا البيان المشترك رغبة كلا البلدين في تعزيز السلام والنمو المستدام على الصعيدين المحلي والدولي، والعمل معًا لإصلاح النظام متعدد الأطراف وتعزيز العدالة الدولية. كما يركز البيان على أولويات مكافحة الجوع والفقر وعدم المساواة، ودعم التكامل الإقليمي، ودفع التعاون بين دول الجنوب العالمي. ويشمل البيان التأكيد على أهمية تعزيز العلاقات الدبلوماسية والتعاون في مختلف المجالات، بما في ذلك السياسة، والاقتصاد، والتجارة، والاستثمار، والعلوم، والبيئة، والزراعة، والثقافة، وغيرها. يتم تنفيذ هذه الشراكة عبر خطة عمل تحدد المبادرات اللازمة لتحقيق أهداف التعاون، مع تحديث مستمر لتعكس تطور العلاقات بين البلدين.[10]
وتحرص مصر في السنوات الأخيرة على استقطاب الاستثمارات الخارجية من الدول ذات الاقتصادات الصاعدة، مثل البرازيل، خاصة في ظل وجود ظروف تنموية وتشريعية متقاربة. إلا أن الميزان التجاري لا يزال يميل لصالح البرازيل، وهو ما يستدعي تفعيل آليات مثل اللجان الوزارية المشتركة لتوسيع قاعدة التبادل التجاري، وتسهيل حركة رجال الأعمال. وفي هذا السياق، ناقش الجانبان إنشاء خط طيران مباشر بين القاهرة وساو باولو، بما يدعم ليس فقط العلاقات الاقتصادية، بل يمتد للتعاون الثقافي والسياحي، ويعزز الروابط الشعبية بين البلدين. كما تمثل اتفاقية التجارة الحرة بين مصر وتكتل “الميركوسور” نقطة انطلاق مهمة؛ إذ تضاعف حجم التبادل التجاري مع دول التكتل بنسبة 115% منذ توقيع الاتفاق، مع وجود إمكانات إضافية لتعزيز الاستثمارات المشتركة في مجالات التكنولوجيا، الصناعات الدوائية، وقطع غيار السيارات.
من ناحية أخرى، شكل انضمام مصر إلى مجموعة “البريكس” نقطة تحول استراتيجية في علاقاتها مع البرازيل، خصوصًا في ضوء الرؤية المشتركة للدولتين حول ضرورة إصلاح النظام الاقتصادي العالمي، وتنويع مصادر التمويل والاستثمار بعيدًا عن الهيمنة الغربية والدولار الأمريكي. وتجاوز حجم التبادل التجاري بين مصر ودول البريكس – سواء الأعضاء المؤسسين أو الجدد – 46.6 مليار دولار في عامي 2022 و2023، وهو ما يعكس أهمية هذه الشراكة في دعم أولويات القاهرة الاقتصادية.
وعلى المستوى الخارجي هناك تطابق في الرؤى الإقليمية والدولية سواء في القضية الفلسطينية أو الموقف من الحرب الروسية الأوكرانية، وإصلاح النظام الدولي ومكافحة عدم المساواة، والعدالة المناخية والأمن الغذائي. ويمكن القول إن العلاقات المصرية البرازيلية تعد نموذجًا واعدًا للتعاون بين القوى الصاعدة، وتُعد مدخلًا استراتيجيًا لفتح الأسواق بين أمريكا اللاتينية وأفريقيا. وتراهن مصر على دورها كمحور اقتصادي حيوي في القارة، بفضل عضويتها في تكتلات مثل الكوميسا، وقدراتها الديموغرافية الكبيرة، وموقعها الجغرافي الفريد، بينما تواصل البرازيل تعزيز موقعها كمصدر رئيسي للغذاء والطاقة والتكنولوجيا في العالم.
3. العلاقات المصرية المكسيكية: تتميز العلاقات بين مصر والمكسيك بتعاون مستمر رغم كونها علاقات هادئة بشكل عام؛ حيث يسعى كلا البلدين إلى تعزيز وتوطيد هذه العلاقات عبر مبادرات متواصلة على مختلف الأصعدة. كما تستند هذه العلاقات إلى أسس قوية من التفاهم المشترك في العديد من القضايا الدولية والإقليمية، مع تقدير متبادل للدور المحوري الذي تلعبه كل من مصر والمكسيك على الساحة الدولية. ورغم الطبيعة الهادئة للعلاقات الثنائية، فقد أظهرت الفترة الأخيرة تحركًا كبيرًا في تعزيز الروابط بين البلدين، وهو ما يفتح الباب أمام فرص واعدة وتحديات قائمة.
وعلى المستوى السياسي، تتسم وجهات النظر بين مصر والمكسيك بالتوافق في العديد من القضايا الدولية، بما في ذلك عملية السلام في الشرق الأوسط، والملف النووي الإيراني، وكذلك دعم المكسيك الكامل لموقف مصر في إنشاء منطقة خالية من الأسلحة النووية في الشرق الأوسط. كما أن التنسيق بين البلدين يظهر جليًا في المحافل الدولية، مثلما حدث عند تبادل دعم الترشيحات المصرية والمكسيكية في المنظمات الدولية؛ حيث قام كل طرف بدعم الآخر في القضايا الهامة. على سبيل المثال، قامت المكسيك بالتصويت لصالح عضوية مصر في منظمة الطيران المدني والمجلس التنفيذي لليونسكو، مقابل دعم مصر لترشيح المكسيك في المجلس الدولي لحقوق الإنسان. هذا النوع من التعاون يبرز روح الشراكة والتكامل بين البلدين على الصعيد الدبلوماسي.
تظهر اللقاءات الثنائية بين المسئولين المصريين والمكسيكيين إصراراً على تعزيز التعاون في مجالات متعددة، حيث التقى سامح شكري، وزير الخارجية المصري السابق، مع مارسيلو إبرارد، وزير خارجية المكسيك، في مارس 2023 خلال اجتماعات مجموعة العشرين، وتم التأكيد على ضرورة تعزيز العلاقات الاقتصادية وزيادة الاستثمارات بين البلدين. كذلك، تم تبادل الآراء حول الأزمات الإقليمية والدولية، من بينها الأزمة الروسية الأوكرانية وأزمة الغذاء العالمية. كما شدد الوزيران على أهمية التعاون في مكافحة الإرهاب، حقوق الإنسان، ونزع السلاح.
بجانب ذلك، تعتبر اللقاءات الدورية مثل المشاورات السياسية بين البلدين منبرًا هامًا لتبادل الرؤى حول القضايا الإقليمية والعالمية، وتساهم في تحديد أولويات التعاون بين مصر والمكسيك في مختلف المجالات. ففي يونيو 2022، تم عقد الجولة العاشرة من آليات التشاور السياسي، التي تناولت التعاون في المحافل متعددة الأطراف وركزت على استعراض الفرص الاقتصادية المشتركة، خاصة في مجالات الصناعة، التجارة، والتعليم.
على الجانب الاقتصادي، استثمرت المكسيك بشكل متزايد في مصر، خصوصًا في مجالات صناعة الأسمنت، الكيماويات، وإدارة المياه. وصل حجم الاستثمارات المكسيكية في مصر إلى مليار دولار، مع وجود مشاريع مهمة في برج العرب وأبو رواش. وقد أشار السفير المكسيكي بالقاهرة، خوسيه أوكتافيو تريب، إلى أن الاستثمارات المكسيكية في مصر في تزايد مستمر؛ حيث يتم افتتاح مصانع جديدة تقدر استثماراتها بملايين الدولارات. إلا أن العلاقات التجارية بين البلدين لا تزال في حاجة إلى مزيد من التنشيط، وهو ما يجرى العمل على تحديث الاتفاقات التجارية ومذكرات التفاهم بين البلدين، والتي تعود إلى الثمانينات. ومن أبرز المجالات التي يمكن أن تشهد تعاونًا أكبر هي إدارة المياه، الصناعة، والطاقة. كما أن فرص التعاون في مجال المنسوجات والطاقة تعد واعدة وتستحق التركيز.
كما تتسم العلاقات الثقافية بين البلدين بالنمو الملحوظ، حيث تم توقيع عدد من الاتفاقيات الهامة لتعزيز التعاون الثقافي والعلمي بين مصر والمكسيك. ففي 14 ديسمبر 2022، تم توقيع اتفاق تعاون ثقافي بين البلدين، مما يعكس التزام الجانبين بتعميق التعاون في مجالات الثقافة والتعليم. كما تم توقيع مذكرة تفاهم بين معهد ماتياس روميرو بالمكسيك والمعهد الدبلوماسي المصري في يونيو 2022 بهدف تعزيز التعاون في مجال إعداد الدبلوماسيين.
ويمكن القول إن العلاقات المصرية المكسيكية تمثل نموذجًا مثاليًا للشراكة الدولية التي تجمع بين دولتين من مناطق جغرافية مختلفة، ولكن مع توافق في العديد من القضايا السياسية والاقتصادية. رغم وجود تحديات معينة، تظل هناك فرص واعدة للتوسع في مجالات التجارة، الاستثمار، الثقافة، والتعليم. إن تعزيز هذه العلاقات يتطلب تعزيز التنسيق في المحافل الدولية، وتحديث الأطر القانونية التي تحكم التعاون التجاري، فضلاً عن تفعيل الاتفاقيات الثنائية التي تساهم في تحقيق مصالح البلدين المشتركة.
في الختام: يمكن القول إن دول أمريكا اللاتينية والكاريبي أصبحت تمثل عنصرًا مهمًا في السياسة الخارجية المصرية في الوقت الراهن. وهذه المنطقة تتسم بتنوعها السياسي والاقتصادي، ويمثل التعاون معها فرصة استراتيجية لتعزيز دور مصر على الساحة الدولية من خلال تحالفات جديدة وتنويع مصادر الدعم السياسي والاقتصادي. علاوة على ذلك، توفر هذه الدول فرصًا لتعميق التعاون في مجالات متعددة مثل التجارة، الطاقة، التعليم، والثقافة، بما يساهم في تعزيز مكانة مصر في المحافل الدولية.
فالسياسة الخارجية المصرية تجاه أمريكا اللاتينية يمكن أن تساهم في تعزيز دائرة النفوذ المصري في إطار التوازن الدولي المتزايد. بالإضافة إلى ذلك، فإن فهم القضايا المشتركة التي تجمع بين مصر ودول أمريكا اللاتينية، مثل قضايا التنمية المستدامة، التغير المناخي، وقضايا حقوق الإنسان، يمكن أن يسهم في بناء علاقات استراتيجية طويلة الأمد قائمة على المصالح المشتركة. وبالتالي، من الواضح أن هناك إمكانيات كبيرة لتوسيع نطاق التعاون بين مصر ودول أمريكا اللاتينية، بما يعود بالنفع على جميع الأطراف في مختلف المجالات. وبالنظر إلى الأهمية المتزايدة لدول أمريكا اللاتينية والكاريبي في السياسة الخارجية المصرية، يمكن تقديم عدد من التوصيات لتعزيز العلاقات مع هذه الدول وتحقيق استفادة أكبر منها في المستقبل:
1. تعميق التعاون الثقافي والعلمي: يجب على مصر زيادة جهودها في تعزيز التبادل الثقافي والعلمي مع دول أمريكا اللاتينية، وذلك من خلال إنشاء برامج تعليمية مشتركة، وتسهيل الدراسة في الجامعات المصرية للطلاب اللاتينيين، بالإضافة إلى تعزيز الفعاليات الثقافية والفنية التي تبرز الحضارة المصرية وتعرف بالثقافات اللاتينية في مصر.
2. تعزيز التعاون السياسي والدبلوماسي: يجب على مصر تكثيف الاتصالات الدبلوماسية مع دول أمريكا اللاتينية لتعزيز التعاون السياسي، والعمل على تحسين العلاقات الثنائية في المحافل الدولية. ينبغي أن يكون هناك تواصل مستمر على أعلى المستويات من خلال الزيارات الرسمية والمشاركة في القمم والمنتديات الدولية.
3. استثمار علاقات مصر مع دول أمريكا اللاتينية في تعزيز التعاون الأمني: يمكن لمصر تعزيز التعاون الأمني مع دول أمريكا اللاتينية في مجالات مكافحة الإرهاب والجريمة المنظمة، خاصة مع التوجهات الحالية لدول المنطقة في مواجهة هذه التحديات. التعاون في هذا المجال سيعزز من مكانة مصر كداعم للاستقرار في المنطقة.
4. التعاون في مجال الطاقة المتجددة والتغير المناخي: بالنظر إلى التحديات البيئية المشتركة، يمكن لمصر أن تعزز التعاون مع دول أمريكا اللاتينية في مجالات الطاقة المتجددة، وخاصة في مجالات الشمس والرياح، حيث يوجد العديد من المشاريع المشتركة التي يمكن العمل عليها لدعم التنمية المستدامة في الجانبين.
5. تعزيز التعاون في مجالات التكنولوجيا والابتكار: حققت دول أمريكا اللاتينية تقدمًا في مجالات التكنولوجيا الحديثة مثل تكنولوجيا المعلومات، الاتصالات، والابتكار في الصناعة. مصر يمكنها أن تستفيد من هذه التجارب من خلال شراكات بحثية وتقنية تساهم في تطوير الصناعات المصرية وتعزيز القدرة التنافسية.
6. تعميق التعاون في الأمن ومكافحة الجريمة المنظمة: يمكن لمصر التعاون مع دول أمريكا اللاتينية في مجال الأمن، خاصة في مكافحة الجريمة المنظمة وتهريب المخدرات، وكذلك تبادل الخبرات في مجالات مكافحة الإرهاب. وهو ما يسهم في تحسين الأمن الداخلي وتعزيز التعاون الإقليمي والدولي في هذا المجال.
[1] “The Arab World and Latin America: Long-standing Migration, an Expanding South-South Partnership.” n.d. https://www.iemed.org/publication/the-arab-world-and-latin-americalong-standing-migration-an-expanding-south-south-partnership/.
[2] United Nations. 1961. “Vienna Convention on Diplomatic Relations.” The American Journal of International Law 55 (4): 1064. https://doi.org/10.2307/2196329.
[3] https://legal.un.org/ilc/texts/instruments/english/conventions/9_2_1963.pdf
[4] “بعثات مصر الدبلوماسية والقنصلية في الخارج – وزارة الخارجية. https://www.mfa.gov.eg/ar/AboutMinistry/EgyptianMissionsAbroad.
[5] Streets, Egyptian, and Egyptian Streets. 2016. “President Sisi Signs Egypt-Colombia Visa Agreement | Egyptian Streets.” Egyptian Streets. May 5, 2016. https://egyptianstreets.com/2016/02/12/egyptians-can-now-travel-to-colombia-without-a-visa/#google_vignette.
[6] “Vista De La Renovación De La Política Exterior En Egipto.” https://revistaorbisasodiplo.org/index.php/orbis/article/view/70/58.
[7] اتفاقية الميركسور. https://www.investinegypt.gov.eg/Agreements/AgreementAttachments/%D8%A7%D8%AA%D9%81%D9%80%D8%A7%D9%82%D9%8A%D8%A9%20%D8%A7%D9%84%D9%85%D9%8A%D8%B1%D9%83%D8%B3%D9%88%D8%B1-9752b41e-21a9-48f7-8a85-369078261fe4.pdf
[8] “مصر والميركسور. الهيئة العامة للاستعلامات. https://www.sis.gov.eg/Story/253313/%D9%85%D8%B5%D8%B1-%D9%88%D8%A7%D9%84%D9%85%D9%8A%D8%B1%D9%83%D8%B3%D9%88%D8%B1?lang=ar.
[9] “El Rol De La República Árabe De Egipto En La Política Exterior Argentina: Entrevista Al Embajador Gonzalo Urriolabeitia Por Cecilia Civallero – Instituto De Relaciones Internacionales.” 2023. August 30, 2023. https://www.iri.edu.ar/index.php/2023/08/30/demo-articulo-2/.
[10]“بيان مشترك بشأن تدشين شراكة استراتيجية بين جمهورية مصر العربية وجمهورية البرازيل الاتحادية.” https://www.presidency.eg/ar/%D9%82%D8%B3%D9%85-%D8%A7%D9%84%D8%A3%D8%AE%D8%A8%D8%A7%D8%B1/%D8%A3%D8%AE%D8%A8%D8%A7%D8%B1-%D8%B1%D8%A6%D8%A7%D8%B3%D9%8A%D8%A9/news18112024-1/.

