محمد عبدالحكيم
خبير العلوم الاستراتيجية والأمنية

يشهد قطاع الذكاء الاصطناعي في منطقة الخليج طفرة استثمارية وتحولًا استراتيجيًا مدفوعًا بالطموحات الوطنية للتنويع الاقتصادي والريادة التكنولوجية. ويكشف هذا التقرير عن حجم وضخامة الاستثمارات الأمريكية في البنية التحتية للذكاء الاصطناعي الخليجي، والتي ترافقت مع زيارات رفيعة المستوى، أبرزها زيارة الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب، التي سرعت من وتيرة الشراكات ونقل التكنولوجيا. وأبرزت الرؤية المتعلقة بإنشاء “وادي سيليكون خليجي” كهدف استراتيجي، مدعومة برأس مال ضخم وشراكات تكنولوجية أمريكية، إلا أنها تواجه تحديات جوهرية تتعلق بتنمية المواهب المحلية وتعزيز قدرات البحث والتطوير الأصيلة.
وفي ضوء ذلك، يقدم التقرير تحليلًا مقارنًا للاستراتيجيات الوطنية للذكاء الاصطناعي في دول مجلس التعاون الخليجي، مسلطًا الضوء على نقاط القوة والتحديات لكل دولة. فبينما تقود الإمارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية الطريق باستثمارات ضخمة ومشاريع رائدة مثل مجمع أبوظبي للذكاء الاصطناعي بقدرة 5 جيجاوات وشركة “هيوماين” السعودية، تسعى دول أخرى مثل قطر والبحرين والكويت وعُمان إلى بناء قدراتها في مجالات متخصصة.
من ناحية أخرى، يمكن اعتبار مصر بما لديها من كوادر بشرية واستراتيجية وطنية طموحة للذكاء الاصطناعي، شريكًا استراتيجيًا محتملًا لدول الخليج، خاصة في مجال توفير الكفاءات والتعاون البحثي. ولمواجهة التحديات الإقليمية وتعزيز الابتكار، يقترح التقرير فكرة إنشاء مركز عربي للتميز في الذكاء الاصطناعي يركز على مجالات حيوية مثل الذكاء الاصطناعي للمستقبل المستدام، والذكاء الاصطناعي المتقدم للغة العربية، والأطر الأخلاقية للذكاء الاصطناعي المستمدة من القيم الإقليمية. كما يهدف هذا المركز إلى توحيد الجهود، وتوليد قيمة علمية وعملية وصناعية مضافة، وترسيخ مكانة المنطقة كقائد عالمي في مجال الذكاء الاصطناعي المسئول والمؤثر.
أولًا: صعود الذكاء الاصطناعي في الخليج: أفق جديد للتكنولوجيا العالمية
تشهد منطقة الخليج العربي اهتمامًا متزايدًا واستثمارات ضخمة في مجال الذكاء الاصطناعي، مدفوعة بطموحات وطنية تسعى إلى التنويع الاقتصادي بعيدًا عن الاعتماد التقليدي على النفط والغاز، وتحقيق الريادة التكنولوجية على الساحة العالمية1. وهذا التحول لا يمثل مجرد اتجاه عابر، بل هو محور استراتيجي أساسي في رؤى التنمية المستقبلية لدول المنطقة. ففي سياق السباق العالمي المحتدم حول الذكاء الاصطناعي، وخاصة بين الولايات المتحدة والصين، برزت منطقة الخليج كساحة محورية قد تحدد ملامح التفوق في هذا المجال الحيوي.
وتعتبر دول مجلس التعاون الخليجي، التي اعتمدت تاريخيًا على عائدات النفط والغاز، الذكاء الاصطناعي حجر الزاوية في بناء اقتصادات قائمة على المعرفة وتقليل الاعتماد على الموارد الهيدروكربونية. ويرتبط هذا التوجه ارتباطًا وثيقًا بالرؤى الوطنية الطموحة مثل رؤية الإمارات 2071، ورؤية المملكة العربية السعودية 2030، ورؤية قطر الوطنية 2030. ولا يقتصر الطموح على تحقيق الفوائد الاقتصادية فحسب، بل يمتد ليشمل تعزيز النفوذ العالمي في تكنولوجيا مستقبلية حاسمة.
وضمن السياق ذاته، تعيد الاتفاقيات الضخمة المبرمة بين الولايات المتحدة ودول الخليج في مجال الذكاء الاصطناعي تشكيل المشهد التكنولوجي في المنطقة؛ حيث تتضمن التزامات بمليارات الدولارات ونقل للتكنولوجيا المتقدمة. ففي الإمارات العربية المتحدة، تم إطلاق “شراكة تسريع الذكاء الاصطناعي بين الإمارات والولايات المتحدة”، والتي تشمل إنشاء مجمع ضخم لمراكز بيانات الذكاء الاصطناعي في أبوظبي بقدرة 5 جيجاوات، تقوده شركة “جي42” (G42) بالشراكة مع شركات أمريكية. كما ضمنت شركة “جي42” حصة استيراد سنوية مضمونة تبلغ 500,000 شريحة من شرائح “إنفيديا” (Nvidia) المتطورة. ويُعد استثمار شركة “مايكروسوفت” (Microsoft) بقيمة 1.5 مليار دولار في “جي42” مؤشرًا رئيسيًا على عمق هذه الشراكة.
أما المملكة العربية السعودية، فقد أبرمت حزمة اقتصادية مع الولايات المتحدة بقيمة 600 مليار دولار تتضمن مكونات هامة في مجال الذكاء الاصطناعي. وتخطط شركة الذكاء الاصطناعي السعودية الجديدة “هيوماين” (HUMAIN) لنشر كميات كبيرة من أجهزة “إيه إم دي” (AMD) و”إنفيديا”. كما التزمت شركة “أوراكل” (Oracle) باستثمار 14 مليار دولار، و”جوجل” (Google) بمبلغ 10 مليارات دولار (بالشراكة مع صندوق الاستثمارات العامة لإنشاء مركز للذكاء الاصطناعي)، و”أمازون ويب سيرفيسز” (AWS) بمبلغ 5 مليارات دولار بالشراكة مع “هيوماين” لإنشاء منطقة الذكاء الاصطناعي.
وتشارك شركات تكنولوجيا أمريكية عملاقة أخرى بشكل كبير، مثل “كوالكوم” (Qualcomm) التي أسست مركزًا هندسيًا في أبوظبي، و”سيسكو” (Cisco) التي تلعب دورًا محوريًا في البنية التحتية للشبكات ومبادرة “ستارغيت” Stargate)). وتهدف مبادرة “ستارغيت”، وهي مشروع بقيمة 100 مليار دولار تشارك فيه “أوبن إيه آي” (OpenAI) و”إنفيديا” و”سيسكو” وشركاء من الشرق الأوسط، إلى بناء العمود الفقري لمستقبل الذكاء الاصطناعي، وتتمحور حول مركز بيانات بقدرة 5 جيجاوات في الإمارات.
إن حجم وطبيعة الصفقات المبرمة بين الولايات المتحدة ودول الخليج في مجال الذكاء الاصطناعي تشير إلى وجود توافق استراتيجي أعمق يتجاوز مجرد المعاملات التجارية. فالولايات المتحدة تعمل بنشاط على توسيع نطاق “مكدسها التكنولوجي” tech stack)) ليشمل حلفاءها الرئيسيين في الخليج، وذلك بهدف مواجهة النفوذ التكنولوجي المتزايد للصين وضمان ريادتها في السباق العالمي للذكاء الاصطناعي. وفي المقابل، تحصل دول الخليج على إمكانية الوصول إلى أحدث التقنيات الضرورية لتنويع اقتصاداتها وتعزيز أمنها القومي. هذه العلاقة ذات طبيعة تكافلية، حيث تضمن الولايات المتحدة هيمنتها التكنولوجية، بينما تسرّع دول الخليج وتيرة تحقيق طموحاتها في مجال الذكاء الاصطناعي.
وقد أصبح الوصول إلى شرائح الذكاء الاصطناعي المتقدمة (مثل شرائح إنفيديا وإيه إم دي) والبنية التحتية اللازمة لتشغيلها بمثابة أصل جيوسياسي حاسم. وتستخدم الولايات المتحدة هذا النفوذ لتعزيز علاقات أوثق وضمان أن تكون تقنياتها هي الأساس الذي يقوم عليه مستقبل الذكاء الاصطناعي في الخليج. فمن خلال تخفيف قيود تصدير الشرائح لدول الخليج وإبرام صفقات كبيرة في هذا المجال، والتي غالبًا ما تكون جزءًا من شراكات استراتيجية أوسع، تقوم الولايات المتحدة بتخصيص موردها الأكثر قيمة في مجال الذكاء الاصطناعي (الشرائح) بشكل استراتيجي لربط دول الخليج بشكل أوثق بنظامها البيئي التكنولوجي، وهو ما يجعل الوصول إلى القدرة الحاسوبية أداة للسياسة الخارجية وحاجزًا أمام تغلغل المنافسين.
الجدول 1: اتفاقيات واستثمارات الذكاء الاصطناعي البارزة بين الولايات المتحدة ودول مجلس التعاون الخليجي (2024-2025

ثانيًا: “وادي السيليكون الخليجي”: الرؤية والمسار والتحديات
يتجاوز طموح “وادي السيليكون الخليجي” مجرد إنشاء مجمعات تكنولوجية إلى بناء نظام بيئي متكامل ومستدام للابتكار والمواهب والاستثمار في الذكاء الاصطناعي والتقنيات العميقة ذات الصلة، وتتضمن هذه الرؤية تحويل المنطقة إلى مركز عالمي لتطوير الذكاء الاصطناعي، وجذب شركات التكنولوجيا الدولية، ودعم الشركات الناشئة المحلية.
وتُعتبر الاستثمارات الضخمة في مراكز البيانات حجر الأساس في هذا الطموح. تتصدر الإمارات العربية المتحدة المشهد بامتلاكها 35 مركز بيانات وإنفاقها المرتفع على الحوسبة السحابية. ويُعد مجمع الذكاء الاصطناعي الإماراتي-الأمريكي بقدرة 5 جيجاوات مشروعًا رائدًا في هذا المجال. وفي المملكة العربية السعودية، تخطط شركة “هيوماين” لتوفير قدرة حاسوبية تبلغ 1 جيجاوات (500 ميجاوات من إنفيديا و500 ميجاوات من إيه إم دي). كما تجسد مبادرة “ستارغيت” هذا التركيز على البنية التحتية فائقة السعة. ويُعد مركز “كوالكوم” الهندسي في أبوظبي والبنية التحتية لشبكات “سيسكو” مكونات حيوية في هذا البناء.
إن النهج الذي تتبعه دول الخليج لبناء “وادي السيليكون” الخاص بها يعتمد بشكل كبير على تطوير البنية التحتية أولًا، مستفيدة من مزايا رأس المال والطاقة لإنشاء قدرات مادية وحاسوبية عالمية المستوى. ويهدف هذا إلى جذب اللاعبين العالميين ومن ثم، بشكل مثالي، تعزيز الابتكار المحلي. ويختلف هذا النهج عن بعض المراكز الأخرى التي نمت بشكل عضوي أكثر من أنظمة البحث والتطوير والشركات الناشئة. فدول الخليج تراهن على نموذج “ابنها وسيأتون”، حيث تجذب البنية التحتية الحديثة عمالقة التكنولوجيا والمواهب العالمية، وهو ما يُتوقع بدوره أن يحفز نظامًا بيئيًا للابتكار المحلي. ويكمن الخطر في أنه بدون تطوير موازٍ وقوي للمواهب والبحث والتطوير، قد تظل هذه البنية التحتية مخصصة في المقام الأول لخدمة الاحتياجات الخارجية بدلًا من تعزيز القدرات المحلية العميقة.
ويُعد الدافع الرئيسي لمفهوم “وادي السيليكون الخليجي” هو الرغبة في بناء قدرات “الذكاء الاصطناعي السيادي” أي تطوير نماذج وبنى تحتية للذكاء الاصطناعي مصممة خصيصًا لتلبية الاحتياجات الوطنية/الإقليمية مثل نماذج اللغة العربية وتقليل الاعتماد على أنظمة الذكاء الاصطناعي الخارجية التي قد لا تتماشى مع مصالحها. فالاستراتيجيات الوطنية للذكاء الاصطناعي تؤكد على الريادة والاكتفاء الذاتي، كما أن المبادرات المحددة مثل “هيوماين” في السعودية و”جي42″ في الإمارات مدعومة من الدولة. وهناك تركيز على تطوير مراكز بيانات محلية، وبشكل متزايد، نماذج ذكاء اصطناعي محلية. كما لم تكتف دول الخليج بأن تكون مجرد مستهلك للذكاء الاصطناعي، بل تهدف إلى التحكم في مصيرها في هذا المجال من خلال بناء قدرات تعكس أولوياتها الثقافية واللغوية والاستراتيجية. هذا التوجه نحو “الذكاء الاصطناعي السيادي” يفسر أيضًا الاستثمارات الكبيرة المدعومة من الدولة في شركات مثل “جي42″ و”هيوماين”.
ويمكن النظر إلى إنشاء “وادي سيليكون خليجي” بشراكات دولية متنوعة تهيمن عليها الولايات المتحدة حاليًا، مع احتمال وجود دول أخرى مثل الصين في جوانب معينة كشكل من أشكال التحوط الجيوسياسي، وهو ما يقلل من الاعتماد المفرط على أي قوة عالمية واحدة في مجال التكنولوجيا الحيوية. فمن خلال تعزيز نظام بيئي تكنولوجي متعدد الأقطاب داخل حدودها، يمكن لدول الخليج تعزيز استقلاليتها الاستراتيجية. وفي حين أن الشراكات الأمريكية لها أهمية قصوى حاليًا في مجال الذكاء الاصطناعي، قد تكون الاستراتيجية الأساسية هي إنشاء منطقة متقدمة تكنولوجيًا ومتنوعة لا تعتمد حصريًا على تكتل واحد، وهو ما يعزز من نفوذها وقدرتها على الصمود في عالم متعدد الأقطاب.
من ناحية أخرى، تتمتع دول الخليج بمزايا تنافسية هامة، أبرزها توفر رأس المال الكبير من خلال صناديق الثروة السيادية مثل صندوق الاستثمارات العامة في المملكة العربية السعودية وشركة “إم جي إكس” (MGX) في الإمارات، كما تمتلك مصادر طاقة وفيرة ومنخفضة التكلفة نسبيًا، وهو أمر بالغ الأهمية لمراكز بيانات الذكاء الاصطناعي المستهلكة للطاقة بالإضافة إلى دعم حكومي قوي وعمليات صنع قرار مبسطة للمشاريع الاستراتيجية وموقع جغرافي استراتيجي يربط بين الشرق والغرب. ومع ذلك، تواجه هذه الطموحات تحديات كبيرة: تتمثل في:
أ. نقص المواهب: لا تزال هناك فجوة كبيرة في عدد المتخصصين المحليين في مجال الذكاء الاصطناعي على الرغم من الجهود المبذولة. فعلى سبيل المثال، يبلغ عدد المتخصصين في السعودية حوالي 5,000 وفي الإمارات حوالي 7,000، مقارنة بأكثر من 40,000 في ألمانيا. ورغم وجود برامج تأهيل وطنية (مثل مبادرات قطر وبرنامج “مكين” في عُمان)، إلا أنها تحتاج إلى التوسع بشكل كبير.
ب. ضعف مخرجات البحث والتطوير والابتكار: لا تزال هناك فجوات في الاستثمار في نشاط رأس المال الاستثماري الأوسع ومخرجات البحث والتطوير (براءات الاختراع والأوراق الأكاديمية). فالمنطقة حاليًا مستهلك للتكنولوجيا أكثر من كونها منتجة للذكاء الاصطناعي التأسيسي.
ج. عدم نضج النظام البيئي: على الرغم من التحسن، لا يزال النظام البيئي الأوسع للشركات الناشئة ورأس المال الاستثماري والمؤسسات البحثية ناشئًا مقارنة بالمراكز العالمية القائمة.
ثالثًا: مخططات الذكاء الاصطناعي الوطنية: تحليل مقارن لدول مجلس التعاون الخليجي
يوفر هذا القسم مقارنة أكاديمية مفصلة لاستراتيجية كل دولة من دول مجلس التعاون الخليجي في مجال الذكاء الاصطناعي، ووضعها الحالي، وتوقعاتها المستقبلية. سيتبع كل قسم فرعي هيكلًا مشابهًا: الرؤية الوطنية، الأهداف الاستراتيجية الرئيسية، القطاعات ذات الأولوية، الحوكمة والمؤسسات الرئيسية، المشاريع والاستثمارات الرائدة، نقاط القوة، والتحديات.
ويمكن القول إن جميع دول مجلس التعاون الخليجي تشترك في طموح الاستفادة من الذكاء الاصطناعي لتحقيق التنويع الاقتصادي والمكانة العالمية. ومع ذلك، فإن استراتيجياتها المحددة ومسارات تنفيذها مصممة خصيصًا لكل دولة. تتبع الإمارات نموذج “المركز العالمي” بمشاريع ضخمة ذات شراكات دولية (جي42، إم جي إكس). تركز المملكة العربية السعودية على التحول الوطني واسع النطاق بقيادة كيانات حكومية (سدايا، هيوماين) مع تركيز قوي على توطين التكنولوجيا (الذكاء الاصطناعي للغة العربية). تقتطع قطر لنفسها مجالات متخصصة (نموذج “فنار” اللغوي، شراكات دولية محددة) وتركز على القطاعات عالية التأثير. تستفيد البحرين من مرونتها وقوتها في التكنولوجيا المالية. أما الكويت وعُمان، فهما في مراحل تأسيسية مبكرة ولكن بنية استراتيجية واضحة. هذه التعددية في النهج يمكن أن تكون قوة إقليمية إذا تحقق التعاون، ولكنها قد تؤدي أيضًا إلى ازدواجية الجهود أو المنافسة الداخلية على المواهب والموارد إذا لم يتم تنسيقها.
ويُعد إنشاء هيئات حوكمة مخصصة للذكاء الاصطناعي (وزارة الذكاء الاصطناعي في الإمارات، هيئة “سدايا” في السعودية، لجنة الذكاء الاصطناعي في قطر، اللجنة الوطنية للذكاء الاصطناعي في عُمان) وأطر أخلاقية في وقت مبكر من رحلتها في مجال الذكاء الاصطناعي خطوة استراتيجية. وهذا النهج الاستباقي للتنظيم والأخلاقيات يمكن أن يعزز الثقة، ويجذب الاستثمار المسئول، ومن المحتمل أن يضع دول مجلس التعاون الخليجي في موقع ريادي في تشكيل معايير حوكمة الذكاء الاصطناعي العالمية، خاصة فيما يتعلق بالتطبيقات ذات الصلة الثقافية (مثل الذكاء الاصطناعي في التمويل الإسلامي). فمن خلال معالجة الحوكمة بشكل استباقي، لا تقوم دول مجلس التعاون الخليجي بتخفيف المخاطر فحسب، بل تبني أيضًا ميزة تنافسية. يمكن للأطر الواضحة والأخلاقية أن تجذب المواهب والاستثمارات التي تحذر من عدم اليقين التنظيمي في أماكن أخرى. كما يسمح لها بتشكيل تطوير الذكاء الاصطناعي بما يتماشى مع قيمها المجتمعية، مما قد يقدم نموذجًا لمناطق أخرى.
في جميع أنحاء دول مجلس التعاون الخليجي، هناك موضوع متكرر وهو الاستثمار الضخم في البنية التحتية للذكاء الاصطناعي (مراكز البيانات، الشرائح) يفوق تطوير المواهب المحلية في مجال الذكاء الاصطناعي وقدرات البحث والتطوير العميقة. وفي حين أن جذب المواهب العالمية يعد حلًا قصير المدى، فإن استدامة طموحاتها في مجال الذكاء الاصطناعي على المدى الطويل تتوقف على النجاح في تنمية قوة عاملة محلية كبيرة ونظام بيئي بحثي محلي نابض بالحياة. خاصة أن النموذج الحالي يعتمد بشكل كبير على استيراد كل من التكنولوجيا والخبرة. وبدون دفعة كبيرة ومستدامة وناجحة لتطوير المواهب المحلية وتعزيز البحث والتطوير الحقيقي، قد يصبح “وادي السيليكون الخليجي” أشبه بمجمع صناعي عالي التقنية للشركات العالمية أكثر من كونه محركًا حقيقيًا للابتكار المحلي. وهذا يخلق نقطة ضعف واعتمادية.
الجدول 2: مصفوفة مقارنة للاستراتيجيات الوطنية للذكاء الاصطناعي في دول مجلس التعاون الخليجي (حتى مايو 2025


ثالثًا: زيارة ترامب والتعاون الأمريكي الخليجي في مجال الذكاء الاصطناعي
تزامنت زيارة الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب إلى منطقة الخليج، وتحديدًا إلى الإمارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية وقطر في مايو 2025 مع الإعلان عن صفقات تجارية ضخمة وأطر استثمارية واسعة النطاق. ففي الإمارات، تم الإعلان عن صفقات تجارية جديدة تجاوزت قيمتها 200 مليار دولار، بناءً على إطار استثماري بقيمة 1.4 تريليون دولار يمتد لعشر سنوات. كما تم الكشف عن مجمع الذكاء الاصطناعي الضخم بقدرة 5 جيجاوات في أبوظبي، بقيادة شركة “جي42” وبالشراكة مع شركات أمريكية، بحضور الرئيس ترامب. كما تم إبرام اتفاق يقضي بشراء الإمارات 500,000 شريحة “إنفيديا” متطورة سنويًا اعتبارًا من عام 2025. وفي المملكة العربية السعودية، تم الإعلان عن حزمة اقتصادية بقيمة 600 مليار دولار، تتضمن عناصر هامة في مجال الذكاء الاصطناعي تشمل شركة “هيوماين” وشركات “أوراكل” و”جوجل” و”إيه إم دي” و”أمازون ويب سيرفيسز”. وستقوم “إنفيديا” بشحن 18,000 شريحة “بلاكويل” (Blackwell) متطورة إلى “هيوماين”.
وكان من أبرز التحولات السياسية خلال هذه الفترة تخفيف القيود التي فرضتها إدارة بايدن على تصدير الشرائح الإلكترونية إلى دول الخليج. وهو ما فتح هذا التحول الباب أمام تدفقات كبيرة من رأس المال والتكنولوجيا المتقدمة إلى المنطقة، ويبدو أن نهج إدارة ترامب يفضل الاتفاقيات المباشرة مع الحكومات الصديقة بدلًا من فرض ضوابط تصدير واسعة النطاق، بهدف ربط دول الخليج بشكل أوثق بمكدسات التكنولوجيا الأمريكية. وتم التأكيد على “الهيمنة الأمريكية في مجال الذكاء الاصطناعي” وتوسيع نطاق المكدس التكنولوجي الأمريكي ليشمل الشركاء الاستراتيجيين.
وعلى المدى الطويل، تساهم هذه الصفقات في تعميق اعتماد المنطقة على الأجهزة والبرمجيات الأمريكية، وإنشاء نظام بيئي تكنولوجي أكثر تكاملًا بين الولايات المتحدة ودول الخليج الرئيسية، مما قد يؤدي إلى ترسيخ شراكة تكنولوجية استراتيجية طويلة الأمد. وتتضمن الاتفاقيات ضمانات أمنية لمنع تحويل التكنولوجيا الأمريكية، بهدف معالجة المخاوف المتعلقة بالصين.
ويبدو أن الأسلوب الدبلوماسي المباشر لإدارة ترامب، والذي يركز على إبرام الصفقات عمل على تسريع وتيرة وحجم نقل تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي الأمريكية والاستثمار فيها في منطقة الخليج. وهذا النهج، الذي ركز على الفوائد الاقتصادية الملموسة للولايات المتحدة مثل ازدهار البنية التحتية للذكاء الاصطناعي في الولايات المتحدة والتوافق الاستراتيجي تماشى مع وجود شركاء متجاوبين في قادة الخليج الهادفين إلى التقدم التكنولوجي السريع. كما إن استعداد إدارة ترامب للموافقة السريعة على صفقات تكنولوجية واسعة النطاق ودعمها، ربما مقابل التزامات استراتيجية مثل البروتوكولات الأمنية والاستثمار في البنية التحتية الأمريكية، قد خلق بيئة مواتية للغاية لتسريع مثل هذه الشراكات.
ويبدو أن التحولات السياسية في عهد ترامب، لا سيما فيما يتعلق بصادرات الشرائح وعمليات مراكز البيانات التي تقوم الشركات الأمريكية بتشغيلها في الإمارات، مصممة لخلق “اعتماد استراتيجي” لأنظمة الذكاء الاصطناعي الخليجية على التكنولوجيا والإشراف الأمريكيين. وهو ما يخدم هذا المصالح الأمريكية من خلال ضمان بقاء مكدسها التكنولوجي مهيمنًا وتوفير درجة من السيطرة على هذه المراكز الناشئة والقوية للذكاء الاصطناعي. فدول الخليج تحصل على إمكانية الوصول إلى تكنولوجيا لا مثيل لها، ولكن بشروط تضمن الإشراف الأمريكي والمشاركة المستمرة بما يعزز الأهداف الجيوسياسية الأمريكية في المنطقة.
وضمن هذا السياق، تبرز معادلة جديدة تتمثل في “الطاقة مقابل القدرة الحاسوبية”. فثروة الخليج من الطاقة أصبحت عاملًا مباشرًا لتمكين التوسع التكنولوجي الأمريكي، وتخفيف الاختناقات مثل نقص الطاقة اللازمة للبنية التحتية للذكاء الاصطناعي في الولايات المتحدة. تقوم دول الخليج بشكل أساسي بمقايضة موارد الطاقة ورأس المال مقابل الحصول على أحدث تكنولوجيا وخبرات الذكاء الاصطناعي الأمريكية. فالصفقات تتضمن بناء مراكز بيانات ضخمة للذكاء الاصطناعي تستهلك كميات هائلة من الطاقة في الخليج، وغالبًا ما يتم تشغيلها بمصادر طاقة محلية. كما تستثمر بعض الكيانات الخليجية في مراكز بيانات أمريكية مثل شركة “داتا فولت، والتي سيتم استخدام جزء كبير منها من قبل الشركات الأمريكية الكبرى أو بناؤها لصالحها. وهذا يساعد الولايات المتحدة على التغلب على قيود بنيتها التحتية المحلية، بينما يسمح لدول الخليج ببناء قدراتها في مجال الذكاء الاصطناعي بمستوى أعلى من التقدم.
رابعًا: الريادة العالمية ومسارات خلق القيمة التكنولوجية لدول مجلس التعاون الخليجي
لتحقيق الريادة العالمية في مجال الذكاء الاصطناعي، تحتاج دول مجلس التعاون الخليجي إلى تجاوز مرحلة استيراد التكنولوجيا وتطبيقها، والتركيز على بناء قدرات بحث وتطوير محلية قوية، وتشجيع الابتكار الأصيل. وهذا يعني الاستثمار في الجامعات ومراكز البحوث، وتعزيز ثقافة البحث العلمي. كما يجب تشجيع تطوير نماذج ذكاء اصطناعي وملكية فكرية خاصة، لا سيما في المجالات التي تتمتع فيها المنطقة بقوة أو التي تحتاج إليها بشكل ملح مثل نماذج اللغة العربية الكبيرة، والذكاء الاصطناعي للزراعة الصحراوية، والطاقة المستدامة). إن ظهور نماذج مثل “كوازار ألفا” Quasar Alpha) ) والاهتمام بالنماذج مفتوحة المصدر مثل “ديب سيك” DeepSeek) ) يسلط الضوء على التوجه نحو تطوير وتكييف الذكاء الاصطناعي محليًا بشكل أكثر تطورًا.
وبالتالي، يجب ترجمة قدرات الذكاء الاصطناعي إلى فوائد ملموسة في القطاعات الاقتصادية ذات الأولوية مثل الرعاية الصحية (التشخيص، الطب الشخصي)، والتمويل (التكنولوجيا المالية، التمويل الإسلامي)، والطاقة (التحسين، الطاقة المتجددة)، والخدمات اللوجستية، والمدن الذكية، والتعليم، والخدمات العامة 3. وتُظهر النماذج الهجينة لشركة “أسبن تك” (AspenTech) في شركات التكرير في الشرق الأوسط تطبيقات عملية قائمة ذات عائد استثمار كبير.
ولبناء قاعدة صناعية قوية حول تقنيات الذكاء الاصطناعي، ينبغي دعم الشركات الناشئة والصغيرة والمتوسطة في مجال الذكاء الاصطناعي من خلال التمويل والإرشاد وتسهيل الوصول إلى الأسواق. كما يجب تطوير قدرات تصنيع محلية للأجهزة المتعلقة بالذكاء الاصطناعي حيثما أمكن، أو على الأقل بناء قدرات قوية في مجال التكامل والخدمات. ويُعد استثمار شركة “ألات” السعودية بمبلغ 100 مليار دولار في أجهزة الذكاء الاصطناعي خطوة رئيسية في هذا الاتجاه. ومن الضروري أيضًا خلق عقلية “الذكاء الاصطناعي أولًا” في الصناعات القائمة لدفع عجلة التبني والتحول.
ولمعالجة فجوات المواهب والبحث والتطوير لتحقيق ريادة مستدامة، يجب توسيع نطاق برامج التأهيل الوطنية وتعليم الذكاء الاصطناعي في الجامعات. وينبغي توفير حوافز جذابة للاحتفاظ بالمواهب المحلية واستقطاب الخبراء العالميين. كما يجب تعزيز التعاون بين الأوساط الأكاديمية والصناعية والحكومية لمواءمة البحث والتطوير مع الاحتياجات الوطنية والفرص التجارية، والانتقال من “جزر الذكاء الاصطناعي” المعزولة إلى أنظمة بيئية متكاملة للذكاء الاصطناعي على مستوى المؤسسات.
إن الانتقال من “مستهلك للذكاء الاصطناعي” إلى “مساهم في الذكاء الاصطناعي” أمر بالغ الأهمية. لتحقيق الريادة العالمية الحقيقية، يجب على دول مجلس التعاون الخليجي أن تتطور من مجرد استيراد وتطبيق تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي الأجنبية إلى أن تصبح مساهمًا هامًا في أبحاث وتطوير وابتكار الذكاء الاصطناعي. ويتطلب هذا التزامًا طويل الأمد ببناء قدرات بحث وتطوير تأسيسية وتعزيز بيئة يمكن للمواهب المحلية من خلالها إنشاء حلول ذكاء اصطناعي جديدة. فمجرد امتلاك أحدث الشرائح ومراكز البيانات لن يضمن الريادة. تحتاج دول مجلس التعاون الخليجي إلى الاستثمار بشكل استراتيجي في إنشاء نظام بيئي يرعى المبتكرين المحليين، ويدعم أبحاث “التكنولوجيا العميقة”، ويشجع على تطوير تطبيقات ذكاء اصطناعي فريدة مصممة خصيصًا لتلبية الاحتياجات الإقليمية (مثل نماذج اللغة العربية الكبيرة، والذكاء الاصطناعي للتمويل الإسلامي).
بدلًا من محاولة المنافسة عبر كامل طيف الذكاء الاصطناعي على الفور، يمكن لدول مجلس التعاون الخليجي تحقيق الريادة العالمية من خلال التركيز على مجالات متخصصة في الذكاء الاصطناعي تتمتع فيها بمزايا فريدة أو احتياجات ملحة والسيطرة عليها. وتشمل الأمثلة الذكاء الاصطناعي لإدارة الموارد المستدامة (المياه والطاقة)، والمعالجة المتقدمة للغة العربية، والأطر الأخلاقية للذكاء الاصطناعي المتجذرة في المبادئ الإسلامية، أو الذكاء الاصطناعي في الصناعات المتخصصة مثل البتروكيماويات أو الخدمات اللوجستية. إن التحديات الإقليمية (مثل ندرة المياه وتحول الطاقة) والخصوصيات الثقافية تمثل مجموعات فريدة من المشكلات التي يمكن للذكاء الاصطناعي المساهمة في حلها. ومن خلال ريادة مجالات مثل “الذكاء الاصطناعي للبيئات القاحلة” أو “الذكاء الاصطناعي الأخلاقي في التمويل الإسلامي”، يمكنها بناء خبرة معترف بها عالميًا وحلول قابلة للتصدير، وبالتالي تحقيق الريادة في مجالات محددة وعالية التأثير.
لتعظيم القيمة العلمية والعملية والصناعية، يجب أن تتجاوز مبادرات الذكاء الاصطناعي في دول مجلس التعاون الخليجي المشاريع الرائدة والمعزولة نحو إنشاء أنظمة بيئية متكاملة للذكاء الاصطناعي تتعاون فيها الحكومة والصناعة والأوساط الأكاديمية والشركات الناشئة بفعالية. ويتطلب ذلك كسر العزلة وتعزيز تبادل البيانات والابتكار عبر القطاعات. فالقيمة الحقيقية للذكاء الاصطناعي ستتحقق عندما لا يكون مجرد سلسلة من المبادرات الحكومية البارزة، بل عندما يتم دمجه بشكل واسع في الاقتصاد والمجتمع. ويتطلب ذلك منصات للتعاون، وحوافز للشراكات بين الصناعة والأوساط الأكاديمية، وبيئة داعمة للشركات الناشئة في مجال الذكاء الاصطناعي لترجمة البحوث إلى منتجات وخدمات تجارية.
خامسًا: مصر والشراكة الاستراتيجية في مستقبل الذكاء الاصطناعي الخليجي
أطلقت مصر استراتيجيتها الوطنية للذكاء الاصطناعي برؤية تهدف إلى استغلال تقنيات الذكاء الاصطناعي لدعم أهداف التنمية المستدامة في البلاد، وأن تصبح مركزًا إقليميًا لتعليم الذكاء الاصطناعي وتنمية المواهب. وتشمل الركائز الأساسية لهذه الاستراتيجية تبني الحكومة للذكاء الاصطناعي، وبناء القدرات البشرية، والتعاون الدولي، وتطوير نظام بيئي مزدهر للذكاء الاصطناعي، والتركيز على أخلاقيات الذكاء الاصطناعي. وتتماشى القطاعات ذات الأولوية مثل التخطيط الاقتصادي، والتصنيع، وإدارة البنية التحتية الذكية، والتمويل مع اهتمامات دول مجلس التعاون الخليجي.
كما تتمتع مصر بمجموعة كبيرة من الخريجين الشباب ذوي الخبرة التكنولوجية، وتركز جامعاتها بشكل متزايد على الذكاء الاصطناعي. ويمكن لهذه الكوادر أن تساعد في معالجة النقص في المتخصصين في مجال الذكاء الاصطناعي في دول مجلس التعاون الخليجي. وقد اختارت شركة “ديلويت” (Deloitte) مصر لإنشاء مركزها الإقليمي للابتكار بناءً على عوامل المواهب والموقع وكفاءة التكلفة، وهو ما يشير إلى إمكاناتها كمركز للخدمات. وتتضمن استراتيجية مصر بشكل صريح تسهيل التعاون الإقليمي داخل المنطقة العربية وتهدف إلى اقتراح استراتيجية عربية موحدة للذكاء الاصطناعي.
كما يمكن لمصر أن تستفيد من طفرة الذكاء الاصطناعي في الخليج من خلال خلق فرص عمل للمتخصصين المصريين في مجال الذكاء الاصطناعي في المشاريع التي تقودها دول الخليج أو من خلال العمل عن بعد. كما يمكن للشركات المصرية الناشئة في مجال الذكاء الاصطناعي الوصول إلى أسواق الخليج وتمويلها. بالإضافة إلى ذلك، الاستفادة من نقل المعرفة وتنمية المهارات من خلال المشاركة في مبادرات الذكاء الاصطناعي المتقدمة في الخليج، والمشاركة في مشاريع بحث وتطوير مشتركة تستفيد من القدرات البحثية المصرية والتمويل الخليجي.
ونظرًا للنقص الكبير في الكوادر البشرية الخاصة بالذكاء الاصطناعي في دول مجلس التعاون الخليجي والقوى العاملة الكبيرة والفعالة من حيث التكلفة والمتزايدة المهارة في مجال الذكاء الاصطناعي في مصر، فإن مصر في وضع فريد يمكنها من أن تصبح موردًا رئيسيًا للمواهب وشريكًا في التنمية لمبادرات الذكاء الاصطناعي في الخليج. وهذا يمكن أن يخلق تآزرًا إقليميًا قويًا. إن اقتراح مصر لاستراتيجية عربية موحدة للذكاء الاصطناعي، إلى جانب الاستثمارات الضخمة في الذكاء الاصطناعي في الخليج، يشير إلى إمكانية ظهور تكتل عربي منسق في مجال الذكاء الاصطناعي. يمكن لمثل هذا التكتل أن يتمتع بقدرة تفاوضية جماعية أكبر في دبلوماسية التكنولوجيا العالمية ووضع المعايير وجذب الاستثمار، بدلًا من تنافس الدول الفردية أو تكرار الجهود.
بالإضافة إلى توفير المواهب، يمكن لموقع مصر الاستراتيجي ومزايا التكلفة، ونظامها البيئي المتنامي للذكاء الاصطناعي أن يجعلها مركزًا قريبًا لتطوير الذكاء الاصطناعي وتقديم الخدمات لشركات الخليج. وهذا من شأنه أن يكون مشابهًا لكيفية خدمة الهند للأسواق الغربية. فبدلًا من أن يتم كل تطوير الذكاء الاصطناعي داخل الخليج، يمكن أن يظهر نموذج تقدم فيه الشركات ومراكز التطوير المصرية خدمات ذكاء اصطناعي متخصصة لعملاء الخليج. وهذا من شأنه أن يستفيد من نقاط قوة مصر مع السماح للشركات الخليجية بالتركيز على الاشراف الاستراتيجي والابتكار الأساسي.
في الختام: إن الطريق إلى الأمام يتطلب الانتقال من الطموح إلى التنفيذ المستدام، والموازنة بين التبني التكنولوجي السريع وتطوير قدرات مستدامة طويلة الأجل، ووضع دول مجلس التعاون الخليجي ليس فقط كمستهلك أو منفذ للذكاء الاصطناعي، بل كقائد ومبتكر عالمي حقيقي في مجالات ذكاء اصطناعي محددة وعالية التأثير. في حين يتميز التوجه الحالي نحو الذكاء الاصطناعي في الخليج بالسرعة والإعلانات واسعة النطاق، فإن الريادة المستدامة في هذا المجال تتطلب “صبرًا استراتيجيًا” في مجالات مثل تنمية المواهب والبحث والتطوير التأسيسي، والتي تؤتي ثمارها على مدى آفاق زمنية أطول. وهناك حاجة إلى نهج مزدوج المسار، نشر سريع للبنية التحتية وتبني التكنولوجيا، إلى جانب استثمار مستدام وطويل الأجل في رأس المال البشري وأنظمة الابتكار.
تتكشف رحلة الخليج في مجال الذكاء الاصطناعي ضمن مشهد جيوسياسي معقد وديناميكي، لا سيما التنافس التكنولوجي بين الولايات المتحدة والصين. وسيتطلب اجتياز هذا بنجاح مرونة جيوسياسية مستمرة موازنة الشراكات، والالتزام بالتعهدات الأمنية، والتكيف مع سياسات التكنولوجيا العالمية المتغيرة، مع حماية المصالح الوطنية. فلا يمكن لدول مجلس التعاون الخليجي أن تسمح لنفسها بالوقوع في تبعية تكنولوجية حصرية تحد من خياراتها المستقبلية أو تعرضها لنقاط ضعف إذا تغيرت التحالفات الجيوسياسية. يجب أن تشمل الضرورات الاستراتيجية تطوير سياسة خارجية دقيقة للتكنولوجيا، وتنويع الشراكات بحكمة مع احترام الالتزامات الأمنية الأساسية، وبناء قدرة محلية كافية للحفاظ على درجة من الاستقلالية.
المراجع:
1. The GCC AI Pulse: Mapping the Region’s Readiness for an AI-Driven Future | BCG, accessed May 17, 2025, https://www.bcg.com/publications/2025/the-gcc-ai-pulse-mapping-the-regions-readiness-for-an-ai-driven-future
2. From Vision to Reality: The UAE’s Rise as a Global AI Powerhouse …, accessed May 17, 2025, https://gulfif.org/from-vision-to-reality-the-uaes-rise-as-a-global-ai-powerhouse/
3. SDAIA’s Vision 2030: AI, Cybersecurity & Smart Cities – IT Butler, accessed May 17, 2025, https://itbutler.sa/blog/sdaias-vision-2030-role-in-cybersecurity-smart-cities/
4. AI’s role in advancing In-Country Value in Oman – Oman Observer, accessed May 17, 2025, https://www.omanobserver.om/article/1170310/opinion/business/ais-role-in-advancing-in-country-value-in-oman
5. ISPI – Istituto per gli Studi di Politica[…] (via Public) / Strategic …, accessed May 17, 2025, https://www.publicnow.com/view/18D09A776AFAB626E9ADDEF71201BD0634E90C53
6. Inside UAE and Dubai’s Bold AI Strategy | Digital Bricks, accessed May 17, 2025, https://www.digitalbricks.ai/blog-posts/inside-uae-and-dubais-bold-ai-strategy
7. The UAE National Strategy for Artificial Intelligence 2031 | Digital …, accessed May 17, 2025, https://dig.watch/resource/the-uae-national-strategy-for-artificial-intelligence-2031
8. Saudi Data and Artificial Intelligence Authority (SDAIA) – Security Pact, accessed May 17, 2025, https://securitypact.net/saudi-data-and-artificial-intelligence-authority-sdaia/
9. www.elibrary.imf.org, accessed May 17, 2025, https://www.elibrary.imf.org/downloadpdf/view/journals/018/2025/018/article-A001-en.pdf
10. AI Arrives In The Middle East: US Strikes A Deal with UAE and KSA …, accessed May 17, 2025, https://semianalysis.com/2025/05/16/ai-arrives-in-the-middle-east-us-strikes-a-deal-with-uae-and-ksa/
11. Fact Sheet: President Donald J. Trump Secures $200 Billion in New …, accessed May 17, 2025, https://www.whitehouse.gov/fact-sheets/2025/05/fact-sheet-president-donald-j-trump-secures-200-billion-in-new-u-s-uae-deals-and-accelerates-previously-committed-1-4-trillion-uae-investment/
12. UAE/US Framework on Advanced Technology Cooperation | U.S. …, accessed May 17, 2025, https://www.commerce.gov/news/press-releases/2025/05/uae/us-framework-advanced-technology-cooperation
13. UAE and US Presidents attend the unveiling of Phase 1 of new 5GW …, accessed May 17, 2025, https://www.commerce.gov/news/press-releases/2025/05/uae-and-us-presidents-attend-unveiling-phase-1-new-5gw-ai-campus-abu
14. US and UAE plan to build 5GW AI data center campus, run by G42 …, accessed May 17, 2025, https://www.datacenterdynamics.com/en/news/us-and-uae-plan-to-build-5gw-ai-data-center-campus-run-by-g42-and-american-hyperscalers/
15. US Agrees to Sell UAE Advanced AI Chips Made in America, Trump …, accessed May 17, 2025, https://www.investopedia.com/us-agrees-to-sell-uae-advanced-ai-chips-made-in-america-trump-says-11736352
16. Nvidia to send 18000 AI chips to Saudi Arabia – AP News, accessed May 17, 2025, https://apnews.com/article/nvidia-jensen-huang-ai-saudi-arabia-1c9de67f0bf962782af090b0bc862a3b
17. Saudi Arabia is investing $600B in the US. What’s in it for …, accessed May 17, 2025, https://www.manufacturingdive.com/news/highlights-from-saudi-arabia-600-billion-investment-boeing-google-datavolt-amd-ge-vernova/748188/
18. AWS and HUMAIN announce a more than $5B investment to accelerate AI adoption in Saudi Arabia and globally – About Amazon, accessed May 17, 2025, https://www.aboutamazon.com/news/company-news/amazon-aws-humain-ai-investment-in-saudi-arabia
19. Qualcomm Stakes Bold Claim in Middle East Tech Race with Abu …, accessed May 17, 2025, https://www.ctol.digital/news/qualcomm-stakes-bold-claim-middle-east-tech-race-abu-dhabi-ai-hub/
20. President Trump brokers deal with UAE to build largest AI campus …, accessed May 17, 2025, https://www.tahawultech.com/home-slide/president-trump-brokers-deal-with-uae-to-build-largest-ai-campus-outside-of-the-united-states/
21. The AI Infrastructure Gold Rush: Why NVDA and CSCO Are the Next …, accessed May 17, 2025, https://www.ainvest.com/news/ai-infrastructure-gold-rush-nvda-csco-big-plays-uae-stargate-data-center-era-2505/
22. Saudi Arabia founds AI company “Humain” – US relaxes chip export …, accessed May 17, 2025, https://the-decoder.com/saudi-arabia-founds-ai-company-humain-us-relaxes-chip-export-rules-for-gulf-states/
23. How to Gauge Whether Trump’s AI Chip Deals With Gulf Countries …, accessed May 17, 2025, https://carnegieendowment.org/emissary/2025/05/ai-chip-trump-gulf-uae-saudi-security-risk-good-deal?lang=en
24. Quasar Alpha: The Stealth AI Powerhouse Redefining the Future of …, accessed May 17, 2025, https://en.saudishopper.com.sa/quasar-ultra-the-stealth-ai-powerhouse-redefining-the-future-of-large-language-models/
25. The Chinese DeepSeek Moment: Technical and Geopolitical Consequences for the US and the Gulf – Emirates Policy Center (EPC), accessed May 17, 2025, https://epc.ae/details/brief/the-chinese-deepseek-moment-technical-and-geopolitical-consequences-for-the-us-and-the-gulf
26. Why Qatar Might Be the Next AI Superpower – Telecom Review, accessed May 17, 2025, https://www.telecomreview.com/articles/reports-and-coverage/9027-why-qatar-might-be-the-next-ai-superpower
27. Bahrain’s AI Landscape in March 2025 – Pioneering the Future of …, accessed May 17, 2025, https://www.university-365.com/post/bahrain-s-ai-landscape-in-march-2025-pioneering-the-future-of-innovation-in-the-gulf
28. Artificial Intelligence – Bahrain.bh, accessed May 17, 2025, https://www.bahrain.bh/wps/portal/en/BNP/HomeNationalPortal/ContentDetailsPage/!ut/p/z1/vZJLb4JAFIX_Ci5ckrk8hSXW-kqNFUWFjRlgwFGcQRy1_fcdu2hSGovddHaTnHNzz_kuitAaRQxfaI4F5QwX8h9G9kYbWTB0ngBee6YOs6Xr292JBpOBgVbfBdoiACkYef6039PA1FD0iB_uPA8e838J3IVrg63rnqnPBwZMG_1LFKGoTGiKQmxkhq1ZppolrquaSeqo2AJDjTOcpbGbkljTb-qEiVJsURizckNYG3DMz0IRW6LsKctTfmhDSnMqcKHszidBE6IkvCikrPqstQ0VKbAgqSJ4SZOTnFAJmtGESgdlghQFzQmTNsxSpeIxlzNO9aQ_o0S_F1nzD2eBI5t6GU9tvWtMn2ukfha5umVvYN20Q22CGwR9sJ1B3zRtx-9YHRTKJTt3Q44k7wslVxQwXh3kec7_SG8IaNx0EfLk6e54jDxJmksabwKt_xn1nDBUHoIgODjGO1X3vnNdZNviknut1geZeYBX/
29. The Kuwait National AI Strategy (2025-2028) | Draft | Digital Watch …, accessed May 17, 2025, https://dig.watch/resource/the-kuwait-national-ai-strategy-2025-2028-draft
30. Kuwait’s Bold Step Towards Vision 2035, accessed May 17, 2025, https://www.abramundi.org/post/kuwaits-bold-step-towards-vision-2035
31. Oman forms National AI Committee to drive digital transformation …, accessed May 17, 2025, https://www.samenacouncil.org/samena_daily_news?news=105701
32. AI in Islamic finance: Global trends, ethical implications, and bibliometric insights, accessed May 17, 2025, https://journal.uii.ac.id/RISFE/article/view/36949
33. AI in Islamic finance: Global trends, ethical implications, and bibliometric insights – Journal UII, accessed May 17, 2025, https://journal.uii.ac.id/RISFE/article/download/36949/18089/134160
34. AspenTech is a 3x Winner of the 2021 Hydrocarbon Processing Awards, accessed May 17, 2025, https://www.aspentech.com/en/resources/blog/aspentech-is-a-3x-winner-of-the-2021-hydrocarbon-processing-awards
35. GCC’s role in shaping an ethical AI framework | Arab News, accessed May 17, 2025, https://www.arabnews.com/node/2587574
36. Top 5 GCC Trends in 2025 | Zinnov, accessed May 17, 2025, https://zinnov.com/centers-of-excellence/top-5-gcc-trends-2025-what-leaders-must-prioritize-blog/
37. Strategy – Dr. Mustafa AFYONLUOGLU, accessed May 17, 2025, https://ai.gov.eg/Egypt%20National%20AI%20Strategy-%20English.pdf
38. APS Hosts Webinar on the Future of … – Alternative Policy Solutions, accessed May 17, 2025, https://aps.aucegypt.edu/en/events/144/aps-hosts-webinar-on-the-future-of-digital-technology-in-egypt
39. توظيف تطبيقات الذكاء االصطناعي في التعليم بمصر في ضوء تجربتي اإلمارات العربية, accessed May 17, 2025, https://journals.ekb.eg/article_321271_2caab94ce407ed9c345cfc357dccec7d.pdf
40. (PDF) Audio summary of my articles on Islamic finance, Digital Data, and AI – ResearchGate, accessed May 17, 2025, https://www.researchgate.net/publication/389208565_Audio_summary_of_my_articles_on_Islamic_finance_Digital_Data_and_AI
41. Global Conference on AI, Security and Ethics – UNIDIR, accessed May 17, 2025, https://unidir.org/wp-content/uploads/2025/04/AISE-2025-poster-presentations_compressed.pdf
42. Major AI deal lifts Q1 2025 VC investment | EY – US, accessed May 17, 2025, https://www.ey.com/en_us/insights/growth/venture-capital-investment-trends
43. apnews.com, accessed May 17, 2025, https://apnews.com/9049ef544a81dffb9b2774354efb8aa3
44. HR Tech Trends 2025 — Global Adoption of AI & Predictive Analytics in HR, accessed May 17, 2025, https://blog.darwinbox.com/hr-tech-trends-2025-global-adoption-of-ai-predictive-analytics-in-hr
45. Development of cybersecurity laws in Egypt and its impact on the judicial system (Opportunities and challenges) – ResearchGate, accessed May 17, 2025, https://www.researchgate.net/publication/385211143_Development_of_cybersecurity_laws_in_Egypt_and_its_impact_on_the_judicial_system_Opportunities_and_challenges
46. EKB Journal Management System, accessed May 17, 2025, https://journals.ekb.eg/?_action=article&page=46&max_rows=1000
Islamic Finance and Sustainability: A Research Companion, accessed May 17, 2025, https://publications.hse.ru/pubs/share/direct/1015552471.pdf

