عبدالرحمن ممدوح الجمل
باحث في الاقتصاد
في ظل التوترات الجيوسياسية المتصاعدة في منطقة الشرق الأوسط لم تعد سلاسل الامداد مجرد عمليات لوجستية من أجل نقل البضائع بل أصبحت سلاح استراتيجي وورقة ضغط سياسية واقتصادية كبرى؛ حيث تعد سلاسل الامداد العالمية الشريان الحيوي للاقتصاد الدولي إلا أنها أصبحت تواجه اختبارًا يعد هو الأصعب منذ عقود في ظل التصعيد العسكري والسياسي المستمر بين المحور الأمريكي الاسرائيلي من جهة وإيران وأذرعها الإقليمية من جهة أخرى كما أن هذه المواجهة لا تقتصر علي الميادين العسكرية المباشرة وإنما تمتد لتشمل الممرات المائية وطرق التجارة الحيوية والتي تكتسب أهمية كبيرة نظرًا لمجموعة عوامل محورية تتضمن ما يلي:
1. اختناق الممرات المائية: تمثل منطقة الشرق الأوسط معبرًا لنحو 30% من تجارة الحاويات عالميًا، كما ساهم التصعيد حول مضيق هرمز وباب المندب تحت تهديد الإغلاق في حدوث تباطؤ كبير في تدفقات الطاقة والسلع.
2. عسكرة اللوجستيات: تحولت الموانئ ومنصات الشحن إلى أهداف استراتيجية من خلال ما يعرف بحرب الناقلات من أجل زيادة تكلفة النقل البحري والتأثير على سلاسل التوريد.
3. إعادة تشكيل الخارطة التجارية: تدفع الحرب الأمريكية الاسرائيلية ضد إيران الدول الأخرى المتأثرة بهذه التداعيات من أجل البحث عن بدائل أخرى أكثر استقرارًا وإن كانت بتكلفة أعلى الأمر الذي قد يؤدي إلى حدوث موجات تضخمية تضرب الأسواق العالمية وتؤثر على سلاسل الامداد العالمية.
اتجاهات متباينة حول التداعيات المحتملة
أوضح مجموعة من الخبراء أسباب إطالة أمد القضاء على النتائج السلبية لإنتاج النفط والغاز وحركة ناقلات النفط وسلاسل امداد الطاقة العالمية وذلك على النحو الآتي:
1. لورين هولتماير
استهدفت الهجمات الإيرانية البنية التحتية الأساسية للطاقة في المنطقة منذ اندلاع الحرب ولعل الحجم الكامل للأضرار لا يزال غير واضح بعدما تعرضت منشآت النفط في المملكة العربية السعودية لا سيما مجمع رأس تنورة بالإضافة إلى منشآت نفطية في كل من قطر والعراق والبحرين لأضرار كبيرة كما ستنعكس الأضرار التي لحقت بمرافق التخزين في سلطنة عُمان وميناء الفجيرة في الإمارات وأهداف مشابهة ستؤثر على إنتاج النفط بجانب الضربات الإسرائيلية على مستودعات النفط الإيرانية كما أعلنت قطر حالة القوة القاهرة على صادرات الغاز الطبيعي المسال في حين أعلنت البحرين الأمر نفسه بالنسبة لمصفاة بابكو كما أغلقت حقول النفط في شمال العراق، قد أثرت هذه الاضطرابات بشكل كبير في الشحنات من موانئ منطقة الخليج العربي والتي ساهمت في انخفاض الإنتاج من 19 مليون برميل يوميًا إلى نحو 3 ملايين برميل يوميًا فقط وفق بيانات شركة إس آند بي جلوبال(S&P Global).
وعلى الرغم من أن ارتفاع أسعار النفط قد يقدم بعض المميزات للمنتجين على المدى القصير إلا إن الإغلاق طويل الأمد قد يؤدي إلى تصاعد تكاليف التأمين والنقل، كما إن إلحاق الضرر بالحقول والمنشآت وتوقف الحقول عن الإنتاج سيزيد من الوقت اللازم لإعادة تشغيله مثل إعلان قطر أنها لا تتوقع استئناف العمليات قبل مرور ثلاثة أسابيع على الأقل على توقف القتال لتقييم الأضرار والعمل على معالجتها.
من ناحية أخرى توجد بعض الخيارات لتجاوز مضيق هرمز الذي يُعد شريانًا رئيسيًا للطاقة وإن كانت محدودة ويظل ميناء ينبع السعودي على البحر الأحمر وميناء الفجيرة في الإمارات البديلين الرئيسيين؛ حيث كان ميناء ينبع يشحن بالفعل ما يصل نحو 2 مليون برميل يوميًا خلال الحرب مقارنة بنحو 800 ألف برميل يوميًا في الشهر الماضي.
2. مات سميث
أوضح سميث إن الولايات المتحدة تفتقر إلى النفوذ الكافي للتحكم في أسعار النفط العالمية، لذلك فإن عملية إعادة فتح مضيق هرمز تبقى السبيل الأكثر فاعلية لخفض الأسعار، وفي هذا الإطار قدم وزير الطاقة الأمريكي كريس رايت توقعات متفائلة بانقطاع مؤقت يستمر لعدة أسابيع ومن المرجح أن يظل المضيق مغلقًا لفترة أطول بكثير مما قد يؤدي إلى دفع أسعار النفط إلى تحقيق مستويات غير مسبوقة تصل إلى نحو 150 دولارًا للبرميل.
وعلى الرغم من أن الولايات المتحدة تنتج ما يكفي من النفط لتلبية احتياجاتها المحلية من الطاقة فإن الأسعار تُحدد في الأسواق العالمية بعيدًا عن نفوذ واشنطن؛ حيث أدى إغلاق مضيق هرمز إلى قطع التدفقات المتجهة إلى آسيا وأوروبا وهو ما تسبب في ارتفاع أسعار النفط عالميًا.
بالإضافة إلي ذلك هناك بعض الاختلافات الفنية المتعلقة بنوعية النفط المستخرج؛ حيث إن جودة النفط الخام لدى الموردين البديلين غالبًا ما تختلف عن النفط القادم من منطقة الشرق الأوسط بجانب إن المصافي المتعلقة بالتكرير تتماشى مع هذا النوع من النفط بالإضافة إلى ذلك لا تستطيع الولايات المتحدة تعويض سوى نحو 2 مليون برميل يوميًا من أصل 15 مليون برميل يوميًا توقفت بسبب إغلاق المضيق كما أن الخام الأمريكي لا يتوافق دائمًا مع المصافي المصممة لتكرير النفط الشرق أوسطي كما قد يؤدي السحب من الاحتياطي الاستراتيجي الأمريكي للنفط إلى تهدئة الأسواق جزئيًا لكنه لن يعالج مشكلة نقص الإمدادات الأساسية، على الرغم من أن واشنطن ستحقق مجموعة من المكاسب من ارتفاع الأسعار إلا إن روسيا قد تكون المستفيد الأكبر لأن نفطها الخام يمثل بديلًا مباشرًا للنفط الشرق أوسطي.
3. ريتشارد نيفو
وفق نيفو هناك محدودية في خيارات السياسة الأمريكية من أجل التخفيف من اضطرابات سوق النفط فالضغوط على الأسعار لا ترتبط بتصورات المخاطر في الأسواق بقدر ما ترتبط بالنقص الفوري في الإمدادات؛ حيث لا يزال هناك قدرًا كبيرًا من النفط المتوفر في المخزونات أو في طريقه بالفعل إلى الأسواق.
4. تومر رعنان
وفق رأي تومر رعنان هناك تباطؤ في حركة الملاحة البحرية داخل وخارج مضيق هرمز بشكل كبير منذ بدء الحرب وأن نحو نصف الناقلات التي لا تزال تعبر الممر المائي تنتمي إلى أسطول الظل المرتبط بروسيا وإيران كما دخلت بعض السفن المملوكة لليونان المضيق وخرجت واحدة على الأقل محملة بالبضائع، وفي الوقت نفسه تواصل إيران تحميل النفط والغاز النفطي المسال للتصدير على الأرجح إلى الصين.
بالإضافة إلى أن مخاطر الحرب وارتفاع تكاليف التأمين تجعل الناقلات تتردد في عبور المضيق باعتبار أن هذه النسبة مرتفعة كما أنه في حال تمكنت بعض الشركات من تعويض هذه التكاليف إلا إنها قد تقرر عدم العبور نظرًا للمخاطر التي تتعرض لها سفنها وطاقمها كما تَعْتبر شركات التأمين أن السفن المرتبطة بالولايات المتحدة وإسرائيل أكثر عرضة للهجوم مما قد يكون أحد أسباب إعلان واشنطن مؤخرًا عن خطة إعادة تأمين بقيمة 20 مليار دولار.
إغلاق مضيق هرمز وتأثيرات سلاسل الإمداد
يمثل الإغلاق شبه الكامل لمضيق هرمز صدمة غير مسبوقة لسلاسل التوريد العالمية للطاقة؛ حيث تشير التقديرات إلى احتمالية التهديد بخسارة نحو 120 مليار متر مكعب من إمدادات الغاز أي ما يعادل نحو 15% من إجمالي الإمدادات العالمية المتوقعة لعام 2026، وهو ما يعكس حجم المخاطر الحالية، كما تأثرت صادرات الغاز الطبيعي المسال من الخليج بشكل ملحوظ بعدما توقفت بعض منشآت الغاز عن الإنتاج مؤقتًا، على سبيل المثال أعلنت قطر التي تعد إحدى أكبر الدول المصدرة للغاز المسال في العالم حالة القوة القاهرة وتعليق جزء من صادراتها بعد توقف عمليات التسييل في بعض المنشآت التي تعرضت للاستهداف، وهو ما أدى ذلك إلى ارتفاع كبير في أسعار الغاز العالمية خاصة في أوروبا، كما ارتفعت الأسعار بنحو 40% خلال أيام قليلة نتيجة المخاوف من نقص الإمدادات في سوق يعتمد بشكل متزايد على الغاز المسال القادم من منطقة الخليج. وعلى صعيد النفط، فهناك تراجعات كبيرة في معدلات الإنتاج والتصدير؛ حيث تعرضت غالبية مصافي النفط في دول الخليج للاستهداف الإيراني.
وفي ضوء ذلك، أشار تحليل لبنك جيه بي مورجان إلى أن إمدادات النفط من العراق والكويت قد تتوقف بالكامل في غضون أيام إذا استمر إغلاق المضيق مع خسائر محتملة تصل إلى أكثر من 4 ملايين برميل يوميًا مع استمرار النزاع، وهو ما يعكس مدى الاعتماد بشكل كبير على هذا الممر خاصة أن نحو 80% من شحنات النفط والغاز التي تمر عبره تتجه إلى الاقتصاديات الآسيوية الكبرى مثل الصين والهند واليابان وكوريا الجنوبية في حين تصل الكمية المتبقية إلى أوروبا التي أصبحت أكثر اعتمادًا على الغاز الطبيعي المسال القادم من الشرق الأوسط بعد تراجع إمدادات الغاز الروسي.
لقد ساهمت الحرب الأمريكية الإسرائيلية مع إيران في حدوث اضطرابات في مجريات الاقتصاد العالمي؛ فالحرب تسببت باضطراب إمدادات الطاقة وتعطل سلاسل التوريد وارتفاع تكاليف الشحن والتأمين كما تكبدت الأسواق المالية خسائر متتالية وسط مخاوف من موجة تضخم عالمية في ظل محدودية الإجراءات الحمائية للعديد من المؤسسات الدولية والحكومات التي تواجه موجة ارتفاع في أسعار الوقود.
وبالنظر إلى التهديدات على حركة الملاحة عبر مضيق هرمز الذي يمر به نحو خُمس تجارة النفط العالمية لامست أسعار النفط في 9 مارس 120 دولارًا للمرة الأولى منذ يوليو 2022 مدفوعة بالضغط على إمدادات الطاقة تحت وطأة الحرب، كما تأتي هذه التطورات في ظل التقلبات الكبيرة لسوق النفط؛ حيث أعلنت وكالة الطاقة الدولية بأن الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران تسببت في أكبر اضطراب بإمدادات النفط في تاريخ السوق العالمي، كما لا تزال أسعار النفط في ارتفاع رغم قرار وكالة الطاقة الدولية بسحب 400 مليون برميل من احتياطي النفط الاستراتيجي وهي أكبر كمية يتم سحبها في تاريخ المنظمة.
1. تدفقات النفط عبر مضيق هرمز بحسب الدولة المُصَدّرة من أصل 14.2 مليون برميل يوميًا في الربع الأول من عام 2025

ويمكن الإشارة هنا إلى إن دول الخليج استفادت خلال السنوات الماضية لا سيما تلك التي تتركز صادراتها في النفط والغاز من الاضطرابات اللوجستية التي شهدها العالم والتي أسهمت في تشكيل ما يشبه حاجز الحماية لأسعار النفط العالمية ودفعها نحو الارتفاع، وهو ما عزز ذلك العوائد المالية المتأتية من التصدير، فقد جاءت تلك الاضطرابات في الغالب من دون أن تترافق مع قيود تُذكر على الطاقات الإنتاجية أو القدرات التصديرية لهذه الدول باستثناء الترتيبات التي اعتمدتها منظمة الدول المُصدّرة للنفط أوبك لضبط مستويات الإنتاج بما ينسجم مع نطاقات الأسعار المستهدفة غير أن الأزمة الحالية تبدو مختلفة إلى حد بعيد؛ حيث باتت التطورات العسكرية والجيوسياسية تُقَوّض قدرة هذه الدول على الاستفادة من الارتفاعات المُسَجّلة في أسعار النفط العالمية بعدما فرضت الظروف الميدانية قيودًا ومحددات تعمل علي التقليل من قدرتها على الحفاظ على مستويات إنتاجها وصادراتها من النفط والغاز على حد سواء.
من ناحية أخرى، واجهت المنتجات الهيدروكربونية التي يعتمد تصديرها بدرجة كبيرة على مضيق هرمز قيودًا في تدفقها، كما تعرضت سلاسل إمدادها لاضطرابات ملحوظة منذ مراحلها الأولى، في هذا السياق تبدو السعودية والعراق والإمارات من بين أكثر الدول المُصَدّرة تأثرًا بالاضطرابات التي تعصف بحركة الملاحة في مضيق هرمز. وارتباطًا بالخلل في سلاسل التوريد يمكن الإشارة هنا إلى حصص الواردات للدول والمناطق المتأثرة بإغلاق المضيق، وذلك على النحو الآتي:

يتضح إن الدول الآسيوية تسيطر بشكل واضح على واردات النفط عبر مضيق هرمز، في حين إن اعتماد أوروبا والولايات المتحدة الأمريكية على هذا المسار أقل بكثير مقارنة بآسيا. ويمكن الإشارة هنا إلى إن الصدمة النفطية في المرحلة الراهنة لم تعد تقتصر على مسألة الأسعار فقط وإنما تمتد لتشمل سلامة سلاسل الإمداد والقدرة على تلبية احتياجات الدول التي تعتمد في وارداتها النفطية على دول الخليج التي تمر صادراتها عبر مضيق هرمز؛ حيث تتركز هذه الإشكالية لدى الصين والهند وكوريا الجنوبية التي تستحوذ مجتمعة على ما يقارب من ثُلثَي كميات النفط العابرة عبر المضيق، ولهذا السبب تسعى الصين في إطار مباحثاتها الجارية مع إيران لتشجيعها على السماح بمرور شحنات النفط والغاز الطبيعي المسال القطري عبر مضيق هرمز نظرًا إلى أنها من أكثر الدول تضررًا من أي قيود محتملة على حركة العبور بل إنها قد تكون أكثر تأثرًا من بعض الدول المصدرة نفسها التي تمتلك هامشًا نسبيًا أكبر للتعامل مع التداعيات الاقتصادية والمالية لأي قيود قد تفرضها إيران على حركة الملاحة في المضيق بما في ذلك إيران ذاتها التي تُصدّر من خلاله يوميًا نحو 1.5 مليون برميل من النفط.
ولعل هذا الأمر ينطبق على صادرات الغاز الطبيعي وربما على نحو أكثر تأثيرًا؛ باعتبار أن مرونة تغيير مصادره ليست مسألة سهلة، بل تتطلب ترتيبات لوجستية معقدة نسبيًا خاصة أن نحو ربع إمدادات الغاز العالمية تمر عبر مضيق هرمز. وفي هذا السياق تبدو الدول الآسيوية الأكثر تضررًا وانكشافًا للاضطرابات اللوجستية التي يشهدها المضيق نظرًا إلى اعتمادها الكبير على إمدادات الغاز القادمة من منطقة الشرق الأوسط التي يمر جزء كبير منها عبر المضيق؛ حيث أن ما يقارب من 90% من شحنات الغاز الطبيعي المسال العابرة عبر المضيق تتجه إلى الأسواق الآسيوية، وهو ما يجعلها الأكثر تأثرًا بأي اضطرابات في حركة الإمدادات كما تستحوذ الصين على الحصة الأكبر من هذه الكميات؛ حيث تُشَكّل وارداتها من الغاز الطبيعي المسال من قطر والإمارات نحو 30% من إجمالي وارداتها، غير أن الصين تمتلك مخزونات استراتيجية كبيرة يمكن أن تسهم في امتصاص جزء من أي نقص محتمل في الإمدادات.
في المقابل، تبدو دول أخرى أكثر عرضة للمخاطر مثل باكستان التي تستورد نحو 99% من وارداتها من الغاز الطبيعي المسال من قطر والإمارات بالإضافة إلى بنغلاديش والهند اللتين تُشَكّل وارداتهما من هذين البلدين نحو 72% و53% من إجمالي وارداتهما من الغاز الطبيعي المسال على التوالي كما تفتقر هذه الدول إلى وجود مخزونات استراتيجية كافية وليس لديها المرونة اللازمة لتنويع مصادر التوريد بشكل أسرع.
بجانب ذلك، تُعد اليابان وكوريا الجنوبية وتايوان من بين الدول الأكثر عرضة لاضطرابات إمدادات الطاقة لاعتمادها الكبير على الواردات لا سيما من منطقة الشرق الأوسط، فاليابان التي تُعَد من أكبر مستوردي الغاز الطبيعي المسال في العالم تستورد نحو 95% من احتياجاتها النفطية من الخارج، كما تعتمد كوريا الجنوبية أيضًا بدرجة كبيرة على واردات الطاقة؛ حيث يأتي نحو 70% من وارداتها من النفط الخام ونحو 20% من وارداتها من الغاز الطبيعي المسال من منطقة الشرق الأوسط.
في الختام: يمكن القول إن الحرب الأمريكية الإسرائيلية مع إيران لم تقتصر آثارها على الحدود الجغرافية للمنطقة وإنما امتدت التأثيرات لسلاسل إمداد الطاقة العالمية، كما إن الاعتماد الكبير على مضيق هرمز كشريان حيوي للطاقة يجعل من هذا الصراع تهديدًا مباشرًا للأمن الغذائي والصناعي العالمي، وهو ما يمكن إرجاع أسبابه إلى هشاشة نظام الإمداد وتأثره؛ حيث أثبتت الأزمات أن سلاسل الإمداد العالمية حساسة بدرجة كبيرة تجاه التوترات الجيوسياسية، وهو ما يتطلب العمل علي إعادة النظر في استراتيجيات التخزين والإنتاج المحلي. كما قد تدفع هذه الأزمة إلى حدوث تحولات في مسارات الطاقة، فالاضطراب في منطقة الخليج ستدفع في اتجاه تسريع البحث عن بدائل للطاقة المستدامة أو مسارات نقل أخرى.
إن تداعيات الحرب الأمريكية الإسرائيلية ضد إيران تتجاوز حدود السياسة والعسكرة لتلامس بنية الاقتصاد العالمي؛ حيث تتشابك أسواق الطاقة وسلاسل الإمداد وحسابات النمو في شبكة معقدة من التأثيرات بينما يتصاعد التوتر في الخليج وتتجه الأنظار إلى مضيق هرمز باعتباره نقطة الاختناق الأخطر في التجارة العالمية في وقت تعيد فيه صدمات النفط القديمة طرح نفسها كسيناريو محتمل. ومن ثم فإن الاستقرار السياسي في منطقة الشرق الأوسط لم يعد شأنًا إقليميًا فحسب، بل ركيزة رئيسية من أجل استمرار تدفق الحياة في شرايين الاقتصاد العالمي، كما إن غياب حلول دبلوماسية تضمن وتحافظ على أمن الممرات المائية سيؤدي إلى وقوع سلاسل الإمداد رهينة لتقلبات الحرب وتطوراتها.

