نشوى عبد النبي
رئيس وحدة اللوجستيات والطاقة بمركز شمس للاستشارات والبحوث الاستراتيجية
أعلنت حكومة النيجر في يونيو 2025 عن تأميم منجم “سومير” لليورانيوم، الذي كانت تديره شركة أورانو الفرنسية (Orano)، في خطوة تعكس التحول العميق في السياسة الاقتصادية والسيادية للبلاد، خاصة بعد واقعة الانقلاب العسكري في عام 2023. وهذه الخطوة لا تأتي في معزل عن التطورات الإقليمية والدولية؛ حيث تسعى عدة دول في غرب أفريقيا إلى استعادة السيطرة على مواردها الطبيعية، بعد عقود من هيمنة الشركات الأجنبية، لا سيما الفرنسية وخاصة داخل قطاعات التعدين والطاقة.
سياسات التأميم ودوافعها
شهدت النيجر انقلابًا عسكريًا في يوليو 2023 أطاح بالرئيس المنتخب “محمد بازوم”، وهو حليف قوي للغرب خاصة فرنسا، ومنذ ذلك الحين، تدهورت العلاقات بين البلدين بشكل حاد؛ حيث اتهمت النيجر القيادة العسكرية الفرنسية بالتدخل في الشئون الداخلية، وهو ما أدى إلى انسحاب القوات الفرنسية من البلاد. وفي أعقاب هذه التوترات، بدأت الحكومة الجديدة في إعادة النظر في الاتفاقيات الاقتصادية، وعلى رأسها تلك المتعلقة بتعدين اليورانيوم، الذي يمثل موردًا استراتيجيًا بالغ الأهمية.
ويمكن الإشارة هنا إلى أن قرار النيجر بتأميم منجم “سومير” لليورانيوم يندرج ضمن موجة إقليمية متصاعدة في غرب أفريقيا؛ حيث تتجه عدة دول إلى استعادة السيطرة المباشرة على ثرواتها المعدنية والطبيعية، كما يأتي هذا التوجه في سياق سياسي جديد تشهده المنطقة منذ سلسلة الانقلابات التي أطاحت بأنظمة موالية للغرب في كل من النيجر ومالي وبوركينا فاسو، والذي ترافق مع تصاعد الخطاب السيادي والتحرري من الإرث الاستعماري؛ حيث ترى الحكومات الجديدة أن عقود الشراكة السابقة مع الشركات الغربية تفتقر إلى العدالة بعدما منحت هذه الاتفاقيات الشركات الأجنبية اليد العليا في استخراج الموارد مقابل مكاسب محدودة للدول المضيفة، ومن ثم، اتخذت هذه الدول إجراءات لمراجعة العقود، أو إعادة التفاوض، أو حتى التأميم المباشر للمناجم، كما فعلت النيجر، تحت شعار “استعادة الثروات الوطنية”.
غير أن هذه السياسة واجهت مخاوفًا وترقبًا من جانب شركات التعدين العالمية والمستثمرين الأجانب الذين استثمروا مليارات الدولارات في مشروعات طويلة الأجل، وهذه المخاوف تتعلق بشكل خاص بإمكانية فقدان الأصول دون تعويض كافٍ، وبتزايد التوجهات المعادية للاستثمار الأجنبي في بيئة يتسم مستقبلها بالغموض باعتبار أن اتباع سياسة التأميم المفاجئة تهدد بتقويض ثقة الأسواق، وقد تؤدي إلى هروب رؤوس الأموال، أو على الأقل تجميد مشروعات جديدة كان يُخطط لها في المنطقة. كما أن بعض المستثمرين اتجهوا إلى إعادة تقييم مخاطر الاستثمار في غرب أفريقيا، وهو ما قد ينعكس على اقتصادات هذه الدول التي لا تزال تعتمد بشكل كبير على الشركاء الدوليين في مبادرات وبرامج التمويل والتكنولوجيا والتشغيل.
اتجاهات المواجهة مع فرنسا
في مواجهة هذه الخسائر الاستراتيجية، أصدرت الشركة الفرنسية بيانًا رسميًا رافضًا لقرار النيجر غير القانوني لتعارضه مع الاتفاقيات الموقعة، مع التأكيد على لجوئها إلى المسارات القانونية الدولية لحماية مصالحها وتعويض خسائرها ومنها التحكيم الدولي بعد تأميم شركة “سومير” باعتباره عقبة أمام وجودها في البلاد. وفي هذا الإطار، تستند “أورانو” في تحكيمها إلى ما تعتبره انتهاكًا للاتفاقيات الاستثمارية الموقعة ولحماية حقوق المساهمين الأجانب، بما يشمل انتزاع أصول دون تعويض، أو إلغاء عقود بشكل أحادي. لكن في المقابل، تدافع النيجر عن قراراتها باعتبارها إجراءات سيادية تهدف إلى تصحيح عقود مجحفة تعود إلى فترات ما بعد الاستعمار، وسط بيئة سياسية مشحونة تسودها النزعة الاستقلالية المتزايدة لدى عدد من دول الساحل. ويبدو أن هذه المواجهة القانونية قد تكون طويلة ومعقدة، وربما تُحدد مستقبل الاستثمارات الأجنبية في القطاع الاستراتيجي للمعادن في المنطقة.
وعلى الرغم من أن مناجم اليورانيوم تقع جغرافيًا داخل الأراضي النيجرية، إلا أن استغلالها الفعلي ظل لعقود طويلة بيد فرنسا، عبر شركة “أورانو” التي تمتعت بسيطرة شبه حصرية على إنتاج وتصدير هذا المورد الاستراتيجي، وهذا الواقع أثار موجات من الانتقاد الشعبي والسياسي داخل النيجر؛ حيث يُنظر إلى “أورانو” على أنها أداة استعمارية اقتصادية تستنزف ثروات البلاد مقابل عوائد محدودة للدولة والمجتمع المحلي. وقد تراكم هذا الشعور بالظلم عبر أكثر من أربعة عقود، خاصة مع استمرار الفقر وتردي الخدمات في المناطق المحيطة بالمناجم، رغم الأرباح الطائلة التي استحوذت عليها فرنسا لدعم برنامجها النووي.
وقد استمر منجم “سومير” الموقع الوحيد النشط، وتمتلك فيها “أورانو” نسبة 63.4%، مقابل 36.6% لشركة سوبامين الحكومية النيجيرية حتى مارس 2024، وهذا التوزيع غير المتكافئ في الحصص يُترجم إلى هيمنة فرنسية على القرار التشغيلي والعوائد المالية، وهو ما يفسر حجم الاحتقان المحلي والدعوات المتزايدة لإعادة النظر في هذه الشراكة، وقد دفعت هذه العوامل نحو تعطيل اتفاقية التشغيل مع أورانو وسحب منها الترخيص. والإعلان أن الدولة ستتولى إدارة المنجم مباشرة أو عبر شركة وطنية بديلة.
في المقابل، توقف العمل في منجم “إيمورارين”، أحد أكبر مكامن اليورانيوم في العالم من حيث الاحتياطي المُقدّر، وهو ما جعل مسألة “من يملك فعليًا اليورانيوم؟” قضية سيادية بامتياز، تتجاوز الاقتصاد إلى صلب الصراع الجيوسياسي بين النيجر وفرنسا. إلى جانب ذلك، يُعد منجم “أكوتا” مثالًا آخر على العلاقة غير المتوازنة بين النيجر وشركة “أورانو” الفرنسية؛ إذ استُنفدت جميع الاحتياطات وتم إغلاقه رسميًا في مارس 2021، بعد عقود من التشغيل الذي لم ينعكس بشكل ملموس على التنمية المحلية أو تحسين مستوى معيشة السكان. ورغم توقف العمل في المنجم، فقد استمرت حالة السخط الشعبي تتصاعد، خصوصًا بعد انقلاب يوليو 2023؛ حيث شكّل هذا التحوّل لحظة مفصلية لتحريك الرأي العام ضد ما يُنظر إليه كنهب منظم للثروات الوطنية. ومع تزايد الخطاب التصعيدي للنظام العسكري الجديد، ارتفعت الأصوات داخل النيجر للمطالبة بتأميم شامل لقطاع اليورانيوم، الذي يرى كثيرون أنه لم يُحقق للدولة أية نتائج إيجابية على التنمية، بينما كانت فرنسا هي المستفيد الأول والوحيد من هذه الثروة لعقود طويلة.
مسارات ونتائج التحول
يشكل اليورانيوم محورًا جوهريًا في التوترات المتصاعدة بين النيجر وفرنسا؛ حيث تُعد النيجر ثاني أكبر الدول الأفريقية انتاجًا لليورانيوم في عام 2025 بعد ناميبيا، والذي يُستخدم بشكل أساسي في تشغيل محطات الطاقة النووية الفرنسية، وعلى مدى عقود، سيطرت شركة “أورانو” الفرنسية على عمليات استخراج اليورانيوم من خلال شركة “سومير”، التي تُعد المشغل الوحيد لمنجم يورانيوم فعّال في البلاد،
وقد جاء قرار حكومة النيجر بتأميم منجم اليورانيوم “سومير” مترافقًا مع اتهامات مباشرة لشركة “أورانو” الفرنسية، التي كانت تتولى تشغيل المنجم، بـ الاستيلاء على حصة غير عادلة من إنتاج المنجم، وذلك في بيان رسمي أوضح الأسباب القانونية والاقتصادية التي دفعت إلى اتخاذ هذا القرار وأسباب هذا التحول الجذري باعتبار أن قرار النيجر بتأميم شركة “سومير” يمثل منعطفًا استراتيجيًا في العلاقة بين نيامي وباريس، ويمكن تلخيص ركائزه في 3 نقاط رئيسية:
1. تقويض النفوذ الفرنسي في قطاع استراتيجي: يوجهتأميم “سومير” ضربة مباشرة للهيمنة الفرنسية التقليدية على قطاع اليورانيوم في النيجر، والذي لطالما شكّل ركيزة أساسية لعلاقة غير متوازنة بين البلدين؛ حيث استفادت فرنسا لعقود عبر شركة “أورانو” من موارد اليورانيوم النيجري لتشغيل مفاعلاتها النووية، في وقت ظلت فيه النيجر تعاني من الفقر وتراجع مؤشرات التنمية، كما تمثل هذه الخطوة تحولًا رمزيًا وعمليًا في تفكيك آخر مظاهر النفوذ الفرنسي بعد انسحاب القوات العسكرية الفرنسية من البلاد.
2. استعادة السيادة الاقتصادية: يعكس هذا القرار إرادة الحكومة العسكرية بقيادة المجلس الوطني لحماية مقدرات النيجر وفق رؤيتها في إعادة رسم السياسات الاقتصادية للدولة بما يخدم “المصالح الوطنية”. كما يُنظر إلى تأميم المناجم كوسيلة لاستعادة السيطرة على الموارد الطبيعية، وزيادة عائدات الدولة، وكسر النمط التاريخي الذي كانت فيه الشركات الأجنبية تتحكم في الإنتاج وتقرير الأسعار والعوائد، وهو ما يعزز مفهوم “الاستقلال الاقتصادي” الذي تتبناه الحكومة الجديدة.
3. إعادة توجيه بوصلة الشراكات الدولية: مع الانفصال المتسارع عن القوى الغربية، تبحث النيجر عن بدائل استراتيجية في مجال الاستثمار والشراكة، وقد بدأت بالفعل في الانفتاح على دول مثل روسيا وإيران والصين، التي تُظهر استعدادًا لدخول السوق الأفريقية بشروط سياسية أقل تشددًا. وقد يؤدي هذا التحول إلى إعادة رسم خريطة الاستثمارات الأجنبية في البلاد، ويؤسس لتحالفات اقتصادية جديدة، بعيدة عن النموذج الغربي القائم على الامتيازات طويلة الأجل والسيطرة التقنية.
وقد ربطت صحيفة لوفيجارو الفرنسية بشكل مباشر بين قرار تأميم “سومير” والخلاف السياسي العميق بين فرنسا والنظام العسكري الجديد، مشيرة إلى أن النيجر بدأت منذ الانقلاب في إعادة توجيه سياساتها الخارجية والاقتصادية بعيدًا عن النفوذ الفرنسي، كما اتهم المجلس العسكري فرنسا بتدريب إرهابيين في محاولة لزعزعة استقرار البلاد، وهي اتهامات لم تدعمها النيجر بأدلة ملموسة، لكنها عكست حجم العداء السياسي والاستراتيجي المتصاعد. وفي ضوء ذلك يمكن القول إن تأميم شركة “سومير” ليس مجرد خطوة اقتصادية، بل تحرك رمزي حاسم لإغلاق صفحة النفوذ الفرنسي على أحد أهم الموارد الاستراتيجية في البلاد، وإعادة تعريف موقع النيجر في الخارطة الجيوسياسية الجديدة للساحل الأفريقي.
في الختام: مع تصاعد موجة تأميم منجم اليورانيوم “سومير” والسيطرة الكاملة للنيجرس على هذا المورد الاستراتيجي، يمكن القول إن هناك مرحلة جديدة في مسار النيجر الاقتصادي والسيادي بعيدًا عن النفوذ الفرنسي الذي طالما هيمن على ثرواتها الطبيعية.
كما إن قرار النيجر بتحدي شركة “أورانو” الفرنسية لا يمثل مجرد خطوة اقتصادية، بل هو رسالة سياسية قوية تعبر عن إرادة الدول الأفريقية في استعادة زمام قرارها الوطني والتحكم بمقدراتها الطبيعية بعيدًا عن إرث الاستعمار والتبعية، وبما يعكس رغبة متزايدة في إعادة صياغة علاقات النيجر الاقتصادية؛ حيث تسعى النيجر إلى بناء نموذج جديد للتنمية قائم على حقوقها وسيادتها في الاستفادة من مواردها بشكل عادل ومستدام.
وفي الوقت الذي يفتح فيه تأميم اليورانيوم الباب أمام تحولات جذرية في قطاع التعدين النيجري، فإن التحديات أمام النيجر تبقى كبيرة، سواء على الصعيد التقني أو السياسي أو الاقتصادي. إلا أن اللجوء إلى هذا القرار يمثل نقطة تحول محورية تدعم مساعي النيجر في التحرر من أدوار النماذج الاقتصادية الاستعمارية التقليدية، وتأكيد موقعها كشريك فاعل ومستقل على الساحة الدولية. ومن ثم فإن مرحلة ما بعد “أورانو” لا تمثل فقط نهاية لفصل من النفوذ الغربي، بل بداية فصل جديد تتطلع فيه النيجر إلى تعزيز سيادتها وبناء مستقبل اقتصادي يتناسب مع ثرواتها وإرادتها الوطنية.

