محمد حسن النبوي
باحث في الشئون الإيرانية
تبرز العلاقات بين الجزائر وإيران كنموذج ونمط مختلف في مسار تطور اتجاهات العلاقات الدولية باعتبار أنها تجمع بين تاريخ من الاختلافات الدبلوماسية ومحاولات مستمرة للتعاون في القضايا الإقليمية والدولية، فالجزائر على سبيل المثال تتبنى سياسة خارجية قائمة على رفض الانحياز لأي طرف في الصراعات، وتسعى للحفاظ على توازن في علاقاتها مع القوى الإقليمية والدولية، مع الأخذ في الاعتبار موقعها الجغرافي ودورها في إفريقيا والعالم العربي. في المقابل تسعى إيران إلى توسيع نفوذها في مناطق مختلفة بما في ذلك شمال إفريقيا، وتستخدم أدوات متنوعة لتحقيق ذلك مثل الدبلوماسية الاقتصادية، والسياسية، والتأكيد على دورها في قضايا الأمن الإقليمي. ولعل هذه التطورات تضع الدولتين أمام تحدٍ دقيق، فالجزائر تريد حماية استقلالها الدبلوماسي مع الأخذ بسبل حماية مصالحها، بينما تبحث إيران عن مناطق جديدة لغزيز نفوذها.
أولًا: الحياد الجزائري: بين التوازن الإقليمي وواقعية المصالح
يُنظر إلى السياسة الخارجية الجزائرية باعتبارها أحد الأنماط الحيادية في منطقة شمال إفريقيا؛ إذ نجحت في توجيه سياساتها الخارجية بعيدًا عن سياسات الاستقطاب والمحاور الإقليمية، ولم يكن الحياد مجرد موقف، بل يمثل نهجًا راسخًا في عقيدة سياسة الجزائر التي تتعامل مع تطورات الأحداث الإقليمية والدولية وفق هذا النهج منذ اندلاع الحرب السورية، مرورًا بتداعيات الصراع اليمني، وصولًا إلى الحرب الإيرانية الإسرائيلية في يونيو 2025؛ حيث أعلنت الجزائر رفضها القاطع للانخراط في أي تحالفات عسكرية أو سياسية قد ترهن أو تؤثر على قرارها السيادي.
وفي ضوء هذا التوجه، رسخت الحرب الأخيرة بين إيران وإسرائيل قناعة الجزائر بأن الحفاظ على مسافة متساوية من الأطراف المتصارعة هو الضمانة الوحيدة لأمنها واستقرارها، معتبرة أن أي انحياز قد يدفعها إلى التورط في صراعات لا ناقة لها فيها ولا جمل، خاصة وأن تداعيات هذه الحرب لم تقتصر على منطقة الشرق الأوسط بل ألقت بظلالها على الاقتصاد العالمي وأمن الممرات الملاحية.
ومع ذلك، لا يمكن فصل هذا الحياد عن نقاط التقاطع الدبلوماسية مع طهران في المحافل الدولية، لا سيما فيما يتعلق بالقضية الفلسطينية ورفض الهيمنة الغربية؛ حيث تجسد الجزائر هذا التقاطع بمواقف متزنة، كرفضها القاطع للتطبيع مع إسرائيل في مقابل دعمها الثابت لحركات التحرر، وهي محاور يلتقي عندها الخطاب السياسي للبلدين، وإن اختلفت مسارات التنفيذ. فبعد الحرب الأخيرة، زادت الجزائر من وتيرة خطابها المناهض للتطبيع، مؤكدة على ضرورة حل القضية الفلسطينية حلًا عادلًا وشاملًا، وهو ما وجد صدى كبيرًا في الخطاب الإيراني، رغم اختلاف الآليات المتبعة من كل طرف، بالإضافة إلى التوافق في سياساتهما على ضرورة إيجاد نظام عالمي متعدد القطبية، كما يمكن القول إن الحياد الجزائري لا يعني غياب الموقف، بل يمثل تعبيرًا عن توازن مدروس في بيئة إقليمية لا تسمح بهوامش خطأ كثيرة، وتدير فيها الجزائر أولوياتها بناءً على تقدير مصالحها الاستراتيجية من دون اندفاع.
ثانيًا: الطاقة والموانئ والعبور: طموحات اقتصادية مشتركة تحت غطاء التعاون الفني
على الرغم من أن العلاقات الجزائرية الإيرانية لم ترتقِ إلى مستوى الشراكة، إلا أن علاقاتهما الاقتصادية شهدت محاولات مستمرة لنسج شراكات غير تقليدية، تتجسد بوضوح في قطاعي الطاقة والنقل. ففي ظل العقوبات الاقتصادية المفروضة على إيران، اتجهت إلى الجزائر باعتبارها متنفسًا اقتصاديًا حيويًا، وقد تمثلت هذه الفرصة في مشاريع تبادل تكنولوجي متطورة في مجال البتروكيماويات وتكرير النفط، ولم يقتصر الأمر على ذلك، فقد بحث الطرفان بجدية إمكانية استغلال الموانئ الجزائرية الاستراتيجية، كعنابة ووهران، لتكون بوابات تجارية تعبر منها البضائع الإيرانية نحو عمق القارة الإفريقية.
بالإضافة إلى ذلك، تم النقاش حول اتفاقيات “الشحن الجاف” ومشاريع مشتركة لتطوير خطوط الإمداد اللوجستية، وبعد تداعيات الحرب الإيرانية الإسرائيلية، التي أثرت على سلاسل الإمداد العالمية وزادت من حالة عدم اليقين في الممرات الملاحية التقليدية، باتت أهمية الموانئ الجزائرية كـ”شريان بديل” لطهران أكبر من أي وقت مضى، وقد تسارعت وتيرة المباحثات لتفعيل هذه المشاريع في أعقاب الحرب، لضمان استمرارية التجارة الإيرانية بعيدًا عن أي اضطرابات محتملة في منطقة الخليج.
على الجانب الآخر، تتطلع الجزائر إلى تحديث قطاعها الخاص بالطاقة وتوطين الصناعات البتروكيماوية، مستفيدة من العروض الإيرانية لنقل المعرفة التقنية المتخصصة، ويُعد هذا التعاون جذابًا للجزائر نظرًا لما تمتلكه طهران من خبرة واسعة في الالتفاف على العقوبات وتطبيق أنظمة المقايضة البديلة، وقد أظهرت الحرب الأخيرة قدرة إيران على الصمود الاقتصادي النسبي في وجه الحصار، وهو ما عزز قناعة الجزائر بجدوى التعاون معها في هذا المجال، لا سيما في تطوير قدرات داخلية للتحايل على أية ضغوط اقتصادية مستقبلية قد تواجهها الجزائر نفسها.
وفي ضوء ذلك، يمكن القول إن العلاقة الاقتصادية بين البلدين لا تتبع المسارات التقليدية، بل إنها علاقة مبنية على مفهوم “الالتفاف المتبادل على القيود” وتحقيق المنافع ضمن منطقة رمادية لا تخضع للعقوبات الدولية المباشرة، وهو ما يمنحها مرونة استراتيجية في التحرك؛ حيث يمثل التعاون الاقتصادي بين الجزائر وإيران بوصفه خيارًا وظيفيًا أكثر من كونه تقاربًا أيديولوجيًا، تحكمه الضرورات والبدائل الاستراتيجية في لحظة إقليمية تتسم بعدم اليقين.
ثالثًا: العلاقات الثقافية: طريق خلفي للنفوذ
شهدت العلاقات الثقافية بين إيران والجزائر حراكًا ملحوظًا خلال العقد الأخير، تجلى في توقيع اتفاقيات ثقافية وتعليمية بين وزارتي الثقافة والتعليم العالي في البلدين، وقد تسبب افتتاح مكتبة شيعية في الجزائر العاصمة عام 2023 بذريعة التبادل الثقافي في تصاعد الرفض لهذه الاتجاهات من جانب التيارات السلفية وبعض وسائل الإعلام المحلية. إلا أنه بعد الحرب الإيرانية الإسرائيلية، تصاعد الخطاب الإيراني الذي يركز على وحدة الأمة الإسلامية في مواجهة التحديات الخارجية، وهو خطاب قد يجد أرضية خصبة في الجزائر التي تُعرف بتوجهها القومي الإسلامي، وهو ما قد يزيد من زخم الأنشطة الثقافية الإيرانية. كما بدأت بعض الجامعات الجزائرية، على غرار جامعة سيدي بلعباس، في استقبال طلاب بمنح دراسية إيرانية في تخصصات مثل الدراسات الإسلامية والفارسية. وهذه المبادرات أثارت تساؤلات حول أهدافها الحقيقية، في ظل اتهامات لإيران باستخدام “الدين كأداة دبلوماسية” لتوسيع نفوذها.
في المقابل، أبدى بعض المفكرين الجزائريين دعمهم لهذا الانفتاح، معتبرين إياه خطوة ضرورية لفهم أعمق لإيران الحضارية والسياسية، بعيدًا عن حملات “الشيطنة الإعلامية” التي تتبناها بعض الدول. ويرى هؤلاء أن الحرب الأخيرة أكدت على أهمية فهم اللاعبين الإقليميين بعمق، وأن الانفتاح الثقافي قد يكون جسرًا لهذا الفهم، بدلًا من ترك الساحة للمعلومات المغلوطة أو المتحيزة.
ومن ثم، تتجاوز العلاقات الثقافية بين البلدين حدود الدبلوماسية التقليدية، لتتحول إلى ساحة صراع خفي. فمن جهة، يرى البعض أنها مدخل لنفوذ شيعي كامن، بينما يراها آخرون فرصة لإعادة تموضع الجزائر ضمن خريطة “العالم غير الغربي”، في سعيها لتنويع شراكاتها الحضارية. وضمن السياق ذاته، فإن تداعيات الحرب الإيرانية الإسرائيلية قد تسرع من هذا الصراع الخفي؛ حيث تسعى كل قوة لإعادة ترتيب أوراقها الثقافية والفكرية في المنطقة، وهو ما يجعل الجزائر ساحة هامة لهذا التنافس الناعم.
رابعًا: الأمن السيبراني والاستخبارات الناعمة: هل تنقل إيران تكتيكاتها للجزائر؟
مع تنامي أطياف التهديدات الأمنية غير التقليدية في المنطقة، من الإرهاب الرقمي العابر للحدود إلى تسريب المعلومات السيادية، بدأت إيران والجزائر في نسج خيوط تعاون أمني ناعم. يتركز هذا التعاون على ملفات الحرب الإلكترونية والرقابة على الفضاء المعلوماتي، وهو ما عكس قلقًا مشتركًا نتيجة تعاون مغربي اسرائيلي في ذات المجال.
وتشير التقارير الغربية إلى اهتمام الجزائر بالحصول على تقنيات إيران المتقدمة في اختراق الأنظمة الإلكترونية؛ حيث تمتلك طهران سجل حافل في تطوير قدرات سيبرانية متطورة بعد سنوات من المواجهات مع أجهزة الاستخبارات الإسرائيلية والأمريكية. في المقابل، ترى إيران في الجزائر بوابة استراتيجية لتجريب “نموذج سيبراني” آمن في إفريقيا يميل إلى “الرقابة الوقائية” أكثر من التجسس الصريح. وقد كشفت الحرب الإيرانية الإسرائيلية الأخيرة عن حجم وتطور القدرات السيبرانية الإيرانية، خاصة في مجال الدفاع والهجوم الإلكتروني، وهو ما ساهم في الدفع باهتمام الجزائر إلى تعزيز تعاونها في هذا المجال مع طهران، ليس فقط لاكتساب الخبرة، بل أيضًا للتحصن ضد أي تهديدات سيبرانية قد تستهدفها هي الأخرى، خاصة مع تصاعد التوترات الإقليمية.
وقد ظهرت مؤشرات هذا التعاون جليًا من خلال زيارة وفود أمنية إيرانية رفيعة المستوى للجزائر، والتي يمكن النظر إليها باعتبارها محاولة جزائرية لتعزيز قدراتها في مجال الأمن السيبراني، مستفيدة من التجربة الإيرانية في التصدي لهجمات معقدة، وهو ما يعكس استشعارًا جزائريًا متزايدًا لضرورة تحصين الفضاء الرقمي في ظل بيئة إقليمية ودولية متقلبة. ولا يتوقف الأمر هنا على مواجهة الهجمات السيبرانية الخارجية والتي تستهدف القدرات العسكرية بمختلف مستوياتها الهجومية والدفاعية، بل تشمل مواجهة الاختراقات الداخلية للمجتمع الجزائري عبر منصات الإعلام الجديد.
إن الدروس المستفادة من الحرب الإيرانية الإسرائيلية فيما يتعلق بالحرب الهجينة والفضاء السيبراني دفعت الجزائر نحو تعزيز شراكاتها في هذا المجال مع دول غير غربية وذات خبرة لضمان استقلاليتها الرقمية والأمنية؛ حيث يأتي التعاون في الأمن الرقمي مدفوعًا باعتبارات فنية مرتبطة بتحصين البنية السيادية، دون أن يعكس بالضرورة توافقًا أوسع في الرؤية السياسية أو في مفاهيم التهديد.
خامسًا: السيناريوهات المستقبلية للعلاقات الإيرانية الجزائرية: بين التثبيت والانفجار والتحالف الخفي
في ظل التحديات الإقليمية المتسارعة، من توابع الحرب الإيرانية الإسرائيلية في يونيو 2025 إلى جانب توسع النفوذ الإسرائيلي في المنطقة، تبدو العلاقات الإيرانية الجزائرية على مفترق طرق استراتيجي معقد، يتأرجح بين أربعة سيناريوهات رئيسية محتملة، كلٌ منها يحمل في طياته دلالات ومؤشرات وذلك على النحو الآتي:
1. سيناريو التثبيت المحسوب
يفترض هذا السيناريو أن العلاقات بين الجزائر وإيران ستظل في مستواها الحالي قائمة على المنافع المتبادلة والبراجماتية الحذرة دون الانزلاق إلى محاور إقليمية متصارعة أو تصعيد مذهبي؛ حيث ستظل طهران تنظر إلى الجزائر كشريك اقتصادي ودبلوماسي يمكن التعامل معه بمرونة، بينما تستفيد الجزائر من الخبرات والتعاون التقني الإيراني في مجالات الطاقة والأمن السيبراني، دون أن ترهن قرارها بأجندة طهران الإقليمية الأوسع. وهناك مجموعة من المؤشرات الداعمة لهذا السيناريو:
أ. ثبات الخطاب الخارجي: حافظت الجزائر على خطابها المتزن، كما تجلى في تعاملها مع الحرب الإيرانية–الإسرائيلية الأخيرة (يونيو 2025)؛ حيث أدانت رسميًا في بيان وزارة الخارجية بتاريخ 16 يونيو 2025 أعمال العنف من كلا الطرفين، ودعت إلى التهدئة وضبط النفس، وأكدت الجزائر حينها على “رفضها المطلق لسياسة الاصطفاف” ودعت إلى استئناف مسار السلام وفق الشرعية الدولية، وهو نفس النهج الذي تبنته سابقًا إبان الأزمة السورية 2012 والأزمة الخليجية عام 2017 وتمسكت بخطاب يدعو للحوار وعدم التدخل المباشر.
ب. استمرار التعاون الاقتصادي: والمتمثل في انعقاد اللجان الاقتصادية المشتركة بانتظام منذ عام 2022 دون توقف؛ حيث عُقدت أول لجنة اقتصادية جزائرية–إيرانية في الجزائر العاصمة في أبريل 2022، وأُعيد تفعيلها مجددًا في يوليو 2023 بطهران بحضور وزراء التجارة والطاقة من الطرفين، وقد ركّزت هذه الاجتماعات على ملفات الطاقة، خاصة في قطاع البتروكيماويات والغاز المسال، إلى جانب تطوير مشاريع في مجال الشحن البحري والجوي، كما تم الاتفاق على اعتماد آليات المقايضة كبديل للتعاملات التقليدية بالدولار، وهو ما أُعلن عنه رسميًا خلال زيارة الرئيس الإيراني إبراهيم رئيسي إلى الجزائر في مارس 2024 على هامش منتدى الدول المصدّرة للغاز؛ حيث تم توقيع مذكرة تفاهم لتفعيل التبادل بالمقايضة في المنتجات النفطية والسلع الزراعية.
ج. مقاومة الضغوط: لم تستجب الجزائر للضغوط المتكررة من بعض القوى الغربية والعربية منذ عام 2020 لقطع علاقاتها مع إيران على خلفية نشاطها الإقليمي، بل على العكس عززت تعاونها الثقافي معها، فقد شهدت الجزائر العاصمة في أكتوبر 2022 تنظيم “الأسبوع الثقافي الإيراني” الذي تخللته معارض للكتب والسينما والموسيقى بحضور رسمي وتحت رقابة مشددة من وزارة الثقافة الجزائرية لضمان عدم تجاوز أي خطوط حمراء تتعارض مع الهوية الوطنية، كما تم توقيع بروتوكول تعاون ثقافي جديد في فبراير 2023 بين وزارتي الثقافة في البلدين، يتيح تبادل الوفود الأكاديمية والفنية، مع تأكيد الجانب الجزائري على أن أي نشاط ثقافي إيراني يخضع لمراجعة مسبقة من السلطات، هذا يعكس رغبة الجزائر في الموازنة بين الانفتاح على إيران من جهة، والحفاظ على مصالحها الوطنية من جهة أخرى.
د. غياب الصدام: لم تظهر أي حملات إعلامية عدائية متبادلة أو صدام دبلوماسي علني، وهو ما يشير إلى إدارة واعية للخلافات المحتملة خلف الكواليس، فقد امتنعت وسائل الإعلام الرسمية في البلدين عن توجيه انتقادات مباشرة للطرف الآخر، كما لم تُسجّل أي استدعاءات دبلوماسية أو تجميد للعلاقات منذ إعادة تفعيل اللجنة الاقتصادية المشتركة في 2022
ومن تحديات هذا السيناريو:
أ. تزايد الاختراقات المذهبية الناعمة داخل الجزائر وهو ما قد يدفع السلطات لإعادة النظر في استمرار العلاقة المتزنة مع إيران، وذلك لتجنب أي اضطراب ديني داخلي.
ب. تصاعد الضغط الإقليمي والدولي بعد حرب يونيو 2025؛ حيث قد تتعرض الجزائر لضغوط دبلوماسية أكبر إذا أصرت على البقاء على مسافة واحدة من الجميع أو احتمالية التقارب مع إيران.
ج. قد يدفع التحول في مواقف الرأي العام الداخلي، وربط بعض الفئات العلاقة مع إيران بالتشيع إلى إضعاف خيار التقارب مع إيران.
د. تصاعد وتيرة الاستقطاب الإقليمي والذي يصعب من هامش المناورة الدبلوماسية للجزائر، ويجعل خيار “الحياد البراجماتي” أكثر هشاشة.
وينظر إلى هذا السيناريو باعتباره الأكثر واقعية، لأنه يمثل توازنًا دقيقًا بين المصالح الوطنية للجزائر وخطوطها الحمراء، دون المساس بأمنها القومي أو هويتها الدينية.
2. سيناريو الانفجار الصامت
يستند هذا السيناريو على إمكانية تدهور العلاقات تدريجيًا وبشكل غير علني، من خلال تجميد التعاون وتقليص حجم البعثات الثقافية والدبلوماسية، دون إعلان قطيعة رسمية، في حين قد تلجأ الجزائر إلى تصعيد التوترات مع إيران إذا ما شعرت أنها تجاوزت الحدود المسموح بها في أنشطتها المذهبية أو الاستخباراتية على أراضيها. وهناك مجموعة من المؤشرات الداعمة لهذا السيناريو:
أ. تصاعد القلق الداخلي: تزايدت التقارير الداخلية منذ منتصف العقد الماضي حول بروز شعائر وممارسات شيعية في ولايات مثل تيزي وزو والبويرة، وهو ما أثار نقاشًا أمنيًا ودينيًا في الجزائر، ففي أكتوبر 2016 أعلن وزير الشئون الدينية الجزائري محمد عيسى صراحة أن “بعض الدول تحاول زرع التشيع في الجزائر عبر التمويل الثقافي والإعلامي”، مؤكدًا أن وزارته رصدت أنشطة مشبوهة في هذا السياق، كما اتخذت السلطات إجراءات مباشرة، أبرزها اغلاق العديد من المراكز الدينية والثقافية في 2017 ووقف نشاط مكتبات ومراكز يشتبه في توزيعها كتبًا ومطبوعات مرتبطة بالفكر الشيعي، وفق ما ذكرته تقارير صحفية جزائرية (الشروق والنهار).
وقد واجهت هذه التحركات رفضًا واسعًا من التيارات السلفية التي نظمت حملات دعوية في المساجد، مدعومة بخطاب إعلامي محلي يحذر من “الاختراق الإيراني”. في المقابل، شددت الحكومة في أكثر من مناسبة –آخرها في 2022– على أن هذه الممارسات لا تمثل ظاهرة واسعة، وأن الدولة تراقبها أمنيًا وثقافيًا بشكل صارم للحفاظ على المرجعية الوطنية المالكية–الأشعرية.
ب. الضغط الخارجي والإعلامي: استمرّت بعض الصحف ووسائل الإعلام الجزائرية والعربية في اتهام إيران بمحاولات “زرع خلايا تشيّع” داخل الجزائر، وهو ما يخلق ضغطًا خارجيًا يؤثر سلبًا على المناخ الداخلي، فقد نشرت صحيفة الشروق الجزائرية في مايو 2016 تقريرًا موسعًا بعنوان “خطر التشيّع في الجزائر” حذرت فيه من توسع نشاط جمعيات ودوائر ثقافية مرتبطة بإيران، كما أوردت صحيفة النهار في سبتمبر 2017 خبرًا عن قيام السلطات بغلق مكتبات ومراكز اتُّهمت بتوزيع كتب ذات صلة بالفكر الشيعي.
بجانب ذلك تناولت صحف عربية مثل الشرق الأوسط (يناير 2018) والعربية نت (فبراير 2019) ملفات حول “المد الشيعي في شمال إفريقيا” وربطت بينه وبين النفوذ الإيراني في المنطقة. وهذه التغطيات الإعلامية تضع الجزائر تحت ضغط مزدوج: داخليًا عبر إثارة الجدل الشعبي والديني، وخارجيًا عبر تسليط الضوء على علاقتها المستمرة بإيران رغم التحفظات الإقليمية، ومع ذلك التزمت السلطات الجزائرية رسميًا بخطاب متوازن؛ حيث صرّح وزير الشؤون الدينية في 2022 بأن “التشيع لا يمثل تهديدًا ممنهج في الجزائر”، وبأن الممارسات الدينية تخضع لقوانين ورقابة الدولة في محاولة لاحتواء الانعكاسات الإعلامية والسياسية.
ج. التحفظ الدبلوماسي: هناك تحفظ دبلوماسي جزائري ملحوظ في الاجتماعات العلنية مع المسؤولين الإيرانيين، إذ غالبًا ما تكتفي الجزائر بالتأكيد على مبادئ عامة مثل “تعزيز التعاون الثنائي” أو “تبادل الخبرات”، دون الإعلان عن شراكات استراتيجية واسعة، فعلى سبيل المثال، خلال زيارة وزير الخارجية الإيراني الأسبق محمد جواد ظريف إلى الجزائر في يناير 2015 ركّز البيان الختامي فقط على “تعميق الحوار السياسي والتعاون الاقتصادي”، دون التطرق إلى أي ملفات أمنية أو إقليمية حساسة مثل الأزمة السورية أو اليمنية.
وهذا الأمر تكرر مع زيارة الرئيس الإيراني الراحل إبراهيم رئيسي إلى الجزائر في مارس 2024؛ حيث تم الإعلان عن توقيع 6 اتفاقيات تعاون فني وتجاري تتعلق بالطاقة والسياحة والشحن، إلا أن الجزائر امتنعت عن إصدار تصريحات سياسية مشتركة حول قضايا الشرق الأوسط، واكتفت بدعوة عامة إلى “تعزيز التضامن بين الدول المنتجة للغاز”. ويعكس هذا النمط سياسة الجزائر القائمة على إبقاء العلاقات في إطار فني–اقتصادي محدود، مع تجنّب الاصطفاف السياسي العلني مع إيران في ملفات مثيرة للجدل دوليًا، انسجامًا مع عقيدتها الدبلوماسية القائمة على الحياد.
د. المخاوف الأمنية: “هناك مؤشرات تنمّ عن غضب داخل الولايات الأمنية الجزائرية مما يمكن وصفه بمحاولات الاختراق الثقافي الإيراني الناعم. ففي حين أن الجزائر حافظت على حد أدنى من التعاون الفني والاقتصادي –كما جرى خلال زيارة رئيسي في مارس 2024 التي ركّزت على الطاقة والتكنولوجيا– إلا أن المخاوف استمرت تجاه أي توسّع غير معلن عبر المنصات الثقافية أو الرقمية المستوحاة من إيران. هذا لا يعني وجود تعاون أكاديمي علني، بل بالأحرى رصد مستمر للمنصات الدينية والجامعية التي قد تحمل اتجاهات شيعية. فكما رصدت دراسات سابقة (Middle East Quarterly، e-IR) استراتيجية إيران في نشر نفوذها الثقافي عبر مراكز تعليمية ودعوية، فإن السلطات الجزائرية أظهرت انضباطًا واضحًا في ضبط هذا الحقل وتضييق الطريق أمام أي نشاط غير خاضع للإشراف الرسمي.
ومن تحديات هذه السيناريو:
أ. عمق المصالح الاقتصادية والتقنية المشتركة الذي يجعل من الصعب على الجزائر التخلي التدريجي عن هذه المصالح دون تكبد خسائر ملموسة في ملفات حيوية مثل الأمن السيبراني والطاقة.
ب. خوف الجزائر من خلق فراغ دبلوماسي قد تستغله أطراف معادية مثل إسرائيل، وهو ما يدفع لتأجيل أو إبطاء عملية العلاقات.
ج. احتمال توظيف إيران لورقة التشهير الإعلامي أو التسريبات الاستخباراتية في حال شعرت بالتجاهل أو الطرد غير المباشر؛ حيث قد تستخدم هذه الأوراق لردع الجزائر عن اتخاذ خطوات تصعيدية.
د. عدم وجود بدائل إقليمية فعالة خاصة مع افتقار الجزائر لبدائل قوية تحل محل إيران في بعض مجالات التعاون، خاصة في ظل توتر بعض علاقاتها مع الغرب.
ويمكن القول إن هذا السيناريو يمثل نوعًا من أنواع “الاحتواء الهادئ”، وقد يكون بمثابة مقدمة لقطيعة مستقبلية إذا ما تطورت المؤشرات السلبية وتجاوزت الخطوط الحمراء.
3. سيناريو التحالف الخفي
على الرغم من كونه سيناريو منخفض الاحتمالية، إلا أن تحالفًا غير مُعلن بين الجزائر وإيران قد يظهر إلى العلن إذا ما ساءت علاقة الجزائر مع الغرب أكثر، أو إذا ما توسع النفوذ الإسرائيلي في محيطها الجغرافي وبما يهدد الأمن القومي الجزائري؛ حيث سيكون هذا التحالف ذا طابع استخباراتي وسيبراني أكثر منه سياسيًا أو عسكريًا مباشرًا. وهناك مجموعة من المؤشرات الداعمة لهذا السيناريو:
أ. تعميق التعاون السيبراني: وهو ما برز منذ عام 2024 توثيق واضح للتعاون الجزائري –الإيراني في مجال الأمن السيبراني، من خلال تبادل زيارات وفود أمنية رفيعة المستوى، وإطلاق برامج تدريب رقمي مشتركة تستهدف تأهيل كوادر متخصصة في الحماية من الهجمات الإلكترونية، هذا التعاون يعكس اهتمام الجانبين بتعزيز قدراتهما الدفاعية الرقمية في ظل تزايد التهديدات السيبرانية العابرة للحدود، خصوصًا مع محاولات قوى إقليمية وغربية اختراق البنية المعلوماتية في شمال إفريقيا. وتشير تقارير بحثية غربية (مثل تقارير RAND وISPI) إلى أن إيران باتت تستثمر بشكل ملحوظ في تصدير خبراتها السيبرانية لحلفائها وشركائها، وهو ما يجعل الجزائر مستفيدة من الخبرة الإيرانية في هذا المجال، مع حفاظها على هامش رقابي صارم لضمان عدم تحوّل التعاون إلى أداة لاختراق داخلي.
ب. تقاطع الأجندات الإقليمية: يتجلى التقاطع الواضح في الأجندات الإقليمية للجزائر وإيران في موقفهما المشترك الرافض للتطبيع مع إسرائيل، ورفضهما المتكرر للوجود الإسرائيلي المتنامي داخل القارة الإفريقية، فقد عبّرت الجزائر رسميًا في قمة الجامعة العربية بالجزائر (نوفمبر 2022) عن رفضها إدماج إسرائيل في أي ترتيبات إقليمية، وهو الموقف ذاته الذي تبنته إيران في خطاباتها بالمنتديات الإسلامية، كما برز هذا التلاقي بوضوح خلال تصاعد النشاط الإسرائيلي في إفريقيا منذ عام 2021، ولا سيما في تشاد والسودان وإثيوبيا؛ حيث أطلقت الصحف الجزائرية تحذيرات من محاولات إسرائيل تطويق شمال إفريقيا، وهو الخطاب الذي وجد صدى موازيًا في تصريحات الخارجية الإيرانية التي أدانت ما وصفته بمحاولات “تغلغل الكيان الصهيوني في العمق الإفريقي”.
ج. تبادل المعلومات الاستخباراتية: “تشير تقارير بحثية وإعلامية متقاطعة منذ عام 2023 إلى وجود تنسيق غير معلن بين الجزائر وإيران في مجال تبادل المعلومات الأمنية، خاصة فيما يتعلق بالأنشطة المشبوهة لجماعات مسلحة في مالي والنيجر يُعتقد أنها مدعومة من قوى إقليمية منافسة. وقد لفتت دراسة صادرة عن African Security Review إلى أن هناك قنوات اتصال استخباراتية بين الجزائر وطهران، تركز على مراقبة تحركات بعض الفاعلين في منطقة الساحل. كما تداولت بعض الصحف الجزائرية إشارات غير مباشرة إلى “تفاهمات أمنية” بين الطرفين، وهو ما يعكس مستوى معينًا من الثقة والتعاون السري بعيدًا عن الخطاب العلني.
ومن تحديات هذا السيناريو:
أ. الخشية من فقدان التوازن مع الغرب وفرنسا تحديدًا، وتمنع هذه المخاوف الجزائر من التورط في شراكة سرية قد تفسر كتموضع ضمن محور “مناهض للغرب”.
ب. الرفض الشعبي والسياسي لأي تقارب يُفهم كاصطفاف مذهبي، بسبب تعارض هذا الرفض مع هوية الدولة ومواقفها من النزاعات الطائفية في الإقليم.
ج. صعوبة بناء الثقة الكاملة مع إيران ويعود ذلك إلى التاريخ المعقد للعلاقات، واختلاف الرؤية الجزائرية عن النهج الإيراني في ملفات مثل سوريا واليمن ولبنان.
ويمكن القول إن هذا السيناريو مرهون بتحول الجزائر نحو استراتيجية “الردع غير المعلن”، وربما يكون خيارًا دفاعيًا تكتيكيًا إذا تعرضت لهجوم إعلامي أو استخباراتي واسع النطاق يستهدف استقرارها.
في الختام: إن العلاقات بين الجزائر وإيران ليست مجرد تحالف أو تنافر محدود، بل هي نموذج مركّب ومعقد من التعاون غير الصريح، والتوازنات الدقيقة، والمنافع المشتركة التي تتشكل وتتطور في ظل نظام إقليمي وعالمي يتسم بالتحولات المستمرة؛ حيث تنظر الجزائر إلى إيران بعين الشريك القادر على كسر الهيمنة الغربية وأحادية القطب، لكنها في الوقت ذاته لا تغفل عن المخاطر المحتملة للتمدد العقائدي والأمني الذي قد يصاحب هذا التقارب. أما إيران، فتراهن على الجزائر كدولة ذات “رصيد ثوري” لم يُستهلك بعد، كما يمكن من خلالها فتح نوافذ جديدة للنفوذ في إفريقيا دون الحاجة إلى مواجهة عسكرية مباشرة. ومن ثم، فإن العلاقة لا تمثل تحالفًا راسخًا، ولا عداءً صريحًا بل هي مساحة رمادية واسعة، قابلة للتطور والتشكل في كل الاتجاهات، تبعًا للمتغيرات الجيوسياسية وموازين القوى الداخلية والخارجية.

