د. ثروت إمبابي
أستاذ مساعد بكلية الزراعة – جامعة بنها

لطالما كانت الزراعة ركيزة أساسية للاقتصاد المصري في أعقاب اضطراب سلاسل التوريد العالمية وارتفاع أسعار السلع الزراعية العالمية بسبب الأزمات المتتالية من جائحة كورونا إلى اندلاع التوترات والحروب الإقليمية والدولية، وهو ما ساهم في اكتساب هذا القطاع أهمية كبيرة على المستوى المحلي، لذلك اتجهت الدولة المصرية إلى تبني سياسات من شأنها العمل على تعزيز الإنتاج من خلال إصلاح السياسات ووضع الرامج لتحقيق الأمن الغذائي، كما وضعت رؤية واضحة لمستقبل القطاع الزراعي لمصر تقوم على مواجهة التحديات وإقامة المشاريع الزراعية بهدف تحسين الإنتاج الزراعي ضمن أهدافها المتكاملة والمستدامة.
وفي ضوء ذلك، تعد الزراعة إحدى الركائز الأساسية للاقتصاد المصري باعتبارها المصدر الرئيسي لضمان الأمن الغذائي وتوفير فرص العمل المباشر وغير المباشر، ومن هذا المنطلق، تبذل الدولة المصرية جهودًا حثيثة للنهوض بالقطاع الزراعي ودعم المزارعين عبر مجموعة من السياسات والبرامج المختلفة مثل مشروعات قومية، وتطوير البنية التحتية، وإدخال التكنولوجيا الحديثة في الإنتاج الزراعي ومن أهمها التوسع في الرقعة الزراعية والمشروعات القومية مثل مشروع الدلتا الجديدة الذى يعد واحدًا من أكبر المشروعات الزراعية في تاريخ مصر والذي يهدف إلى استصلاح وزراعة 2.2 مليون فدان، وهو ما يساهم في تحقيق الأمن الغذائي وزيادة الصادرات. كما يعتمد المشروع على الري الحديث واستخدام المياه الجوفية ومعالجة مياه الصرف الزراعي لتحقيق الاستدامة. وأيضا مشروع “مستقبل مصر الذي يستهدف استصلاح مليون فدان، ويعتبر المرحلة الأولى من مشروع الدلتا الجديدة وبالمثل مشروع المليون ونصف فدان الذي تم تنفيذ مرحلته الأولى على أرض الواقع؛ حيث تم تخصيص الأراضي للمزارعين والشركات الاستثمارية.
ويمكن القول إن جهود الدولة المصرية لا تتوقف في سبيل تحقيق تنمية زراعية مستدامة وذلك عبر تبنيها برنامج متكامل ضمن إطار أهدافها لتوفير حلول مستدامة للمشكلات وتعزيز الاهتمام بالدراسات والبحوث العلمية في المجال الزراعي، علاوة على إقرار التشريعات والسياسات التي من شأنها تيسير المعاملات المالية للفلاحين، وهو ما انعكس على تعزيز تنافسية الإنتاج الزراعي المحلي، واستقطاب الاستثمارات اللازمة لإنشاء مشاريع زراعية مستدامة، كما أسهم بشكل كبير في زيادة الإنتاجية والعائد الاقتصادي للفلاح بشكل خاص وللقطاع الزراعي بشكل عام، وهو ما حظى بدعم وإشادة دولية كبيرة للجهود المصرية في هذا القطاع.
كما يمثل دعم أسعار المحاصيل الاستراتيجية خطوة إيجابية في هذا الطريق خاصة بعد تطبيق نظام الزراعة التعاقدية بعدما رفعت الحكومة أسعار توريد المحاصيل الأساسية مثل القمح والذرة والأرز وقصب السكر لتشجيع المزارعين؛ حيث ارتفع سعر توريد القمح من 865 جنيهًا للإردب في 2022 إلى 1600 جنيه للإردب في 2024، بزيادة أكثر من 85% لدعم الفلاحين ومواجهة التضخم.
من ناحية أخرى، تلعب مبادرات التمويل والدعم المالي التي أطلقتها الحكومة دورًا مهمًا في تعزيز القطاع الزراعي مثل مبادرة تمويل المشروعات الزراعية بفائدة 5% فقط، وهو ما يسهل على الفلاحين الحصول على قروض ميسرة عبر البنك الزراعي المصري من خلال منح قروض بقيمة 10 مليارات جنيه لدعم الإنتاج الزراعي خلال 2023. وتمثل خطوة التأمين الصحي والاجتماعي للمزارعين خطوة جادة من الدولة المصرية بعدما تم إدراج أكثر من 3 ملايين فلاح في منظومة التأمين الصحي الشامل، كما أطلقت الحكومة برنامج تكافل وكرامة لدعم صغار المزارعين غير القادرين ماليًا. والجدير بالذكر أن اتجاه الدولة إلى استخدام التكنولوجيا الحديثة والرقمنة في مجال الزراعة له دور مهم من خلال تحويل 4 ملايين فدان إلى نظم الري الحديث حتى عام 2024، بهدف تقليل الفاقد من المياه بنسبة 30% وزيادة الإنتاجية، كما خصصت الدولة 75 مليار جنيه لتحديث منظومة الري خلال 10 سنوات.
وفيما يتعلق بالتوسع في الزراعة الذكية، فقد تم إطلاق تطبيقات زراعية رقمية لمساعدة الفلاحين في تحديد التوقيت الأمثل للزراعة والري والتسميد وأيضًا تركيب 250 محطة أرصاد زراعية لمتابعة الظروف المناخية وتحليل التربة، وهو ما ساعد على تحسين الإنتاجية وتقليل الخسائر بالإضافة إلى تعزيز القدرات التسويقية لصغار المزارعين.
ولعل هذه الإجراءات جاءت بهدف تعزيز الصادرات الزراعية المصرية؛ حيث وصلت الصادرات الزراعية المصرية إلى 6.5 مليون طن في 2023، محققة إيرادات تجاوزت 5 مليارات دولار، كما فتحت أسواق جديدة أمام المنتجات المصرية ووصلت إلى أكثر من 150 دولة. أما بالنسبة إلى الحفاظ على البيئة وتحقيق الاستدامة الزراعية، فقد تبنت الحكومة سياسة التوسع في الزراعة العضوية وتقليل استخدام المبيدات الكيميائية.
وفيما يتعلق بمبادرات التشجير، أطلقت الحكومة المصرية مبادرة زراعة 100 مليون شجرة لزيادة المساحات الخضراء وتحسين جودة الهواء، وتطوير مشروع إنتاج الوقود الحيوي من المخلفات الزراعية، وهو ما يقلل التلوث ويحقق الاستفادة الاقتصادية.
وفي إطار تحسين جودة الخدمات المقدمة في القطاع الزراعي، يمكن للدولة المصرية من خلال التعاون مع القطاع الخاص العمل على إنشاء مدارس نوعية متخصصة في بعض المحاصيل الاستراتيجية لتحقيق الاكتفاء الذاتي منها عن طريق متخصصين وبالتالي سيكون هناك نقلة نوعية سياسات ضمان الأمن الغذائي، بالإضافة إلى تفعيل دور الإرشاد الزراعي، كما بات من الضروري إنشاء بورصة لكل المنتجات الزراعية لسهولة التداول ومنع التلاعب بالأسعار من مصدر الإنتاج إلى الوصول إلى المستهلكين وبالتالي القضاء على ارتفاع الأسعار واحتكار السلع ومواجهة التضارب في أسعار السوق لنفس المنتج.
ونستخلص من ذلك أن الدولة المصرية تبذل جهودًا كبيرة في دعم القطاع الزراعي من خلال التوسع في المشروعات القومية، وتحسين أوضاع المزارعين، والاستثمار في التكنولوجيا الزراعية. وقد ساهمت هذه الجهود في تحقيق طفرة كبيرة في الإنتاج الزراعي والصادرات بما يعزز الأمن الغذائي ويدعم الاقتصاد الوطني.

