سهام همام
باحثة في العلوم السياسية
شهدت الساحة السورية في 13 يوليو 2025 تصعيدًا عسكريًا خطيرًا، أعاد إلى الأذهان مشاهد الحرب الأهلية السورية التي أنهكت البلاد منذ عام 2011، وفي قلب هذا التصعيد، اندلعت مواجهات عنيفة في محافظة السويداء ذات الغالبية الدرزية، وسرعان ما تحولت الأحداث إلى صراع متعدد الأطراف، تدخلت فيه إسرائيل بقوة عبر ضربات جوية استهدفت منشآت عسكرية بالغة الأهمية في دمشق، بما في ذلك وزارة الدفاع السورية.
وفي الوقت الذي برّرت فيه إسرائيل ضرباتها بحماية الأقليات الدرزية، أثار هذا التدخل تساؤلات واسعة حول الأهداف الحقيقية الكامنة وراءه، ومدى مصداقية الذرائع التي تستخدمها إسرائيل لتبرير التوسع العسكري والسياسي في الساحة السورية.
وبينما تواجه سوريا صراعًا داخليًا مستمرًا، تخطط إسرائيل لمواجهة أوسع نطاقًا مع الحكومة الجديدة؛ حيث يتزايد تركيز إسرائيل على التطورات في سوريا منذ سقوط النظام السابق ومتابعة التطورات الميدانية عن كثب في دمشق وجنوب سوريا بالقرب من الحدود الإسرائيلية، وقد أعلن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بأن إسرائيل تطالب بنزع السلاح الكامل من جنوب سوريا في محافظات القنيطرة ودرعا والسويداء من قوات النظام الجديد. وأضاف نتنياهو أن إسرائيل لن تتسامح مع أي تهديد للمجتمع الدرزي في جنوب سوريا. وفي ضوء ذلك يسعى هذا التحليل إلى تفسير الذرائع الإسرائيلية في ضوء السياق الداخلي والإقليمي والدولي، وتفكيك الأبعاد الجيوسياسية الكامنة خلفها.
إن الذرائع الإسرائيلية، وإن غلّفت بخطاب إنساني، تمثل في حقيقتها أدوات سياسية لفرض واقع جديد، تتحرك فيه كفاعل مهيمن في معادلات القوة الإقليمية وبالتالي، فإن التعامل مع هذه الذرائع ينبغي ألا يكون من منطلق التسليم بها، بل عبر تحليل خلفياتها، ومواجهتها بكافة الأدوات الممكنة القادرة على كبح التمدد الإسرائيلي في الأراضي العربية.
السياق العام للتصعيد والاستهداف
اندلعت اشتباكات واسعة في محافظة السويداء بين مجموعات درزية مسلحة وقبائل بدوية سنية، جراء قيام مجموعة مجهولة بسلب وخطف سائق سيارة خضار وما بحوزته على طريق دمشق السويداء لتكون الشرارة التي أعادت إلى الأذهان التراكمات الطائفية المتواترة في سوريا، وقد أدت هذه الأحداث إلى سقوط مئات الضحايا بين قتيل وجريح، إلى جانب تهجير آلاف السكان من المناطق المتنازع عليها.
وقد قوبل التدخل الحكومي بترحيب من قبل بعض الفصائل الدرزية الموالية لدمشق، إلا أن الانقسام الداخلي بين الزعامات الدرزية على رأسهم حكمت الهجري، حال دون استقرار الوضع، كما استمرت الاشتباكات حتى 16 يوليو، حين أعلنت إسرائيل تنفيذ ضربات جوية استهدفت العاصمة دمشق، وبررت العملية بأنها جاءت في سياق حماية الأقليات الدرزية في سوريا، في ظل ما وصفته بـ”الانهيار الأمني وفشل النظام في حماية المدنيين”.
ويمكن الإشارة هنا إلى أنه قبل حدوث الاستهداف الإسرائيلي الأخير اتجهت إسرائيل إلى إدانة النظام السوري عن المجزرة التي وقعت في اللازقية وحذّروا دمشق من تكرارها بحق الأكراد أو الدروز في سوريا. وكتب وزير الشتات الإسرائيلي ومكافحة معاداة السامية، عميخاي تشيكلي، أن “إسرائيل ستتحرك لحماية الأقلية الدرزية في المناطق القريبة من حدودها، ويجب بذل الجهود لحماية جميع الأقليات في سوريا، مع التركيز على الأكراد، من الإبادة الجماعية التي ترتكبها هيئة تحرير الشام على يد الجهاديين”.
وتشير هذه التحركات أن إسرائيل تستهدف الرئيس السوري الشرع الذي تولى السلطة في دمشق بعد هزيمة قوات نظام الأسد، ومن ثم تُمثل إدانة إسرائيل لدمشق وقرارها بفرض نزع السلاح في جنوب سوريا تحديًا محتملًا للشرعية، كما تُظهر استعداد إسرائيل لاتخاذ موقف أكثر عدوانية. وقد نفذت إسرائيل عمليات عسكرية في سوريا على مر السنين على المستويين العلني والسري خلال الحرب الأهلية السورية وبعد سقوط نظام الرئيس السابق بشار الأسد. ومن ناحية أخرى، فقد تلقت بعض المكونات الاجتماعية والسياسية المنتشرة في جنوب سوريا دعمًا ضمنيًا من إسرائيل خلال الحرب الأهلية. لذلك، من المرجح أن يكونوا أكثر مرونة في الوقت الحالي تجاه التعامل مع سياسات إسرائيل الجديدة. وفي ضوء ذلك، أفرزت هذه الاتجاهات تساؤلات عديدة، والتي تتعلق باتجاهات التعامل الإسرائيلي مع الدروز، وما إذا كان الدروز سيطلبون مساعدة إسرائيل أم سيتجهون إلى إيجاد تسوية مع دمشق، وبالنسبة لإسرائيل فقد أعلنت أنها مستعدة للدفاع عن الدروز في سوريا.
الأهداف الإسرائيلية في الجنوب السوري
لم تكن الهجمات الإسرائيلية على سوريا الأولى من نوعها، وإنما تصعيد للحملة العسكرية التي شنتها على البلاد بعد الإطاحة بنظام الأسد في ديسمبر 2024، وقد بررت ذلك حينها إلى ضمان عدم وقوع أسلحة نظام الأسد في أيدي الحكومة الجديدة، ولكنها احتلت فعليا 180 كيلومترًا مربعًا من البلاد منذ ديسمبر 2024.[1] ويمكن النظر إلى تكرار هذه العمليات باعتبارها أحد الأنماط الجديدة لاتجاهات تعامل إسرائيل مع قضايا سوريا بعد سقوط نظام الرئيس السوري السابق بشار الأسد.
1. حماية الأقليات: تبنت إسرائيل خطابًا إنسانيًا يركز على “الدفاع عن حقوق الأقليات”، وخصوصًا الطائفة الدرزية، التي ترتبط بعلاقات وثيقة مع الداخل الإسرائيلي، سواء عبر مواطني إسرائيل من الدروز، أو من خلال المصالح الإقليمية المرتبطة بالجولان، وفي هذا السياق، ادّعت تل أبيب أن الضربات جاءت لمنع ارتكاب “مجازر جماعية” ضد المدنيين الدروز، خاصة بعد الانهيار الأمني في السويداء.
2. الرد على التهديدات الأمنية: اعتبرت إسرائيل أن الحكومة السورية قد تجاوزت ما تعتبره تل أبيب “خطوطًا حمراء” في الجنوب السوري، والذي يجب من وجهة النظر الإسرائيلية أن يبقى خاليًا من التمركز العسكري النظامي، باستثناء التمثيل الأمني والإداري المدني، وقد رأت القيادة الإسرائيلية في التطورات الأخيرة مؤشرًا على تراجع الالتزام بهذا التفاهم الضمني، وهو ما استدعى هذه المرة ردًا مباشرًا وميدانيًا من إسرائيل تجاوز مجرد الرسائل التحذيرية المعتادة سواء على مستوى المناطق المستهدفة وسرعة الاستهداف.وفي سياق متصل، وجدت حكومة نتنياهو في هذه الأزمة فرصة سانحة لإضعاف الحكومة السورية الناشئة، وتقويض حضورها الرمزي والسياسي داخليًا وخارجيًا، وهو ما كانت القيود الأميركية السابقة تحول دون تنفيذه قبل اندلاع أحداث السويداء الأخيرة.
3. استثمار في الانقسام السوري: على الرغم من أن الخطاب الإسرائيلي يدور حول البعد الإنساني والأمني، إلا أن تحليل السياق المتعلق بهذه العمليات يمكن أن يكون في اتجاه الاستثمار في الانقسامات بل والعمل على تعزيزها، فبعد سقوط نظام الأسد وصعود الحكومة الجديدة للسلطة، لا تزال الإدارة السورية الجديدة تواجه تحديات داخلية وخارجية كبيرة، وقد جاءت الضربات الإسرائيلية في وقت يشهد فيه النظام السوري تحديات داخلية، سواء على المستوى الاقتصادي أو الأمني، ومع انقسام المؤسسة العسكرية وانتشار الفوضى في بعض المناطق، وقد بدا أن إسرائيل تسعى لاستثمار حالة الفوضى لتوسيع نطاق عملياتها وتحقيق أهداف استراتيجية طويلة المدى.
4. إعادة تشكيل قواعد الاشتباك: يمكن الإشارة هنا إلى أن التحركات الإسرائيلية الأولى اتسمت بالهدوء في البداية، وتضمنت ضربات على معدات عسكرية تابعة للنظام السوري السابق، مثل المطارات والمروحيات. إلا أن هذه الفترة شهدت تحولًا ملحوظًا في طبيعة الموقف يعتبر الاستهداف المباشر لمقر وزارة الدفاع السورية تحولًا نوعيًا في تحديد قواعد الاشتباك وحدود الاستهداف، كما يعكس هذا التحول رغبة إسرائيل في فرض واقع جديد، يتجاوز استهداف مؤسسات الدولة السورية ذاتها، وهو ما يعني توسيع رقعة التأثير العسكري الإسرائيلي.
5. محاولة كسب شرعية إقليمية: تسعى إسرائيل من خلال الادعاء بحماية الدروز إلى كسب دعم شعبي داخل مجتمعها، وإظهار نفسها كفاعل أخلاقي في منطقة مليئة بالفوضى كما ظهر في تصريح وزير خارجيتها جدعون ساعر وإتهام الحكومة السورية الجديدة باضطهاد الأقليات، وهذا الخطاب يتماشى مع محاولات تحسين صورتها أمام المجتمع الدولي، خصوصًا بعد الانتقادات الواسعة لعدوانها في غزة ولبنان.
6. السيطرة على الجنوب السوري: تعد إسرائيل من أهم الدول الفاعلة في محافظة السويداء؛ حيث توجد علاقة ارتباطية قوية بين أبناء الطائفة الدرزية الموجودة في إسرائيل وتلك الموجودة في سوريا، كما تشكل محافظة السويداء بوابة استراتيجية للسيطرة على الجنوب السوري، لما لها من موقع جغرافي قرب الجولان وحدود الأردن، ويبدو أن إسرائيل تسعى لفرض أمر واقع في تلك المنطقة، إما عبر دعم جماعات محلية، أو من خلال تدخل عسكري مباشر تحت غطاء الذرائع الإنسانية.
7. تحجيم النفوذ الإيراني والروسي: مع انشغال روسيا في حرب أوكرانيا، وضعف الحضور الإيراني في بعض مناطق سوريا بعد الضربات التي واجهتها، ترى إسرائيل فرصة استراتيجية لتقليص نفوذ خصومها الإقليميين، وإعادة رسم الخريطة العسكرية والسياسية في سوريا.
8. إنشاء مناطق نفوذ عازلة: تهدف إسرائيل إلى إنشاء نظام دفاعي من 3 مناطق: منطقة عازلة قريبة من الحدود، ومنطقة أمنية، ومنطقة نفوذ تمتد حتى دمشق؛ حيث تشكل المنطقة العازلة، التي تم تحديدها في اتفاقيات وقف إطلاق النار لعام 1974، الخط الدفاعي الأول لإسرائيل، وتحتفظ فيها إسرائيل بوجود عسكري دائم بما في ذلل الجولان، الذي يسمح بالمراقبة ليس فقط لما يحدث في دمشق، ولكن أيضًا في سهل البقاع اللبناني. في حين تمتد المنطقة العازلة من قمة الجولان السوري حتى مثلث الحدود الأردنية – السورية -الإسرائيلية. أما خارج المنطقة العازلة، فتوجد “منطقة الأمن”؛ حيث تتمركز العديد من القرى السورية. ووالتي ستسمح بدخول الجيش الإسرائيلي إلى هذه المنطقة بشكل محدود عند الضرورة، مثل تدمير مستودعات الأسلحة المتبقية أو التعامل مع وجود مسلحين مزعومين يهددون المستوطنات الحدودية في إسرائيل، كما تسمح هذه المنطقة للجيش الإسرائيلي بالمراقبة وإطلاق النار لمسافات طويلة، وهو ما يوفر طبقة إضافية من الحماية.
وفيما يتعلق بمنطقة النفوذ، التي تحدها من الشرق طريق دمشق-السويداء (عاصمة الدروز في جبل الدروز). ويبلغ عرضها حوالي 65 كيلومترًا، وتشمل تجمعات الدروز في جبل الدروز، وكذلك العرب السنة الذين يرغبون في التواصل مع إسرائيل. ومن ثم ترى إسرائيل في المحافظة الدرزية منطقة شبه مستقلة تسعى للحفاظ على وضعها عندما تستقر سوريا. كما ترى في سكانها طرفًا يجب أن تبقى ملتزمة تجاههم، بما في ذلك من خلال الحماية وتوفير الاحتياجات الأساسية.
في الختام: تعمل إسرائيل على تشكيل واقع جديد في المنطقة القريبة من حدودها مع سوريا من خلال إنشاء منطقة عازلة منزوعة السلاح في الجنوب السوري قرب حدودها والتي ستكون هذه المنطقة بمثابة حاجز يمنع الجماعات المسلحة من التحرك نحو إسرائيل. وفي ضوء ذلك، يمكن النظر إلى الذرائع الإسرائيلية في سياق أوسع في سوريا كجزء من السياسات التي تتبعها في مناطق أخرى مثل قطاع غزة ولبنان، ففي كل مرة، تُطرح ذرائع أمنية أو إنسانية لتبرير ضربات عسكرية تستهدف بنى تحتية ومواقع مدنية، ويبدو أن هذه السياسة تُستخدم لإعادة تعريف حدود القوة الإسرائيلية، وتوسيع نفوذها دون الدخول في مواجهة شاملة.
من ناحية أخرى، كشفت الأحداث الأخيرة في سوريا عن مدى تعقيد المشهد الإقليمي، وتداخل المصالح السياسية والعسكرية على أرض هشّة من الناحية الأمنية، وبينما تواصل إسرائيل تقديم ذرائع متكررة لتبرير تدخلها، فإن واقع هذه الضربات يشي بأهداف تتجاوز الحماية الإنسانية إلى إعادة تشكيل المشهد الاستراتيجي في سوريا والمنطقة.

