مصطفى صلاح
مدير مركز شمس للاستشارات والبحوث الاستراتيجية

تناولت العديد من الأدبيات مفهوم الديمقراطية الرقمية كوسيلة يتم من خلالها دمج الممارسات الديمقراطية مع أدوات التكنولوجيا المتطورة في وقت تواجه الممارسات التقليدية تحديات عدة. وفي إطار ذلك، ناقشت الدراسة العلاقة الارتباطية بين التطورات التكنولوجية والرقمنة والذكاء الاصطناعي من جانب، ومدى مساهمتها في تعزيز أو مصادرة الحريات من جانب آخر وذلك من خلال تفسير العلاقة الجدلية بين مفهومي الليبرالية والاستبدادية الرقمية، بالإضافة إلى دراسة عوامل صعود الممارسات القمعية من جانب الحكومات والشركات التكنولوجية التي تستخدم التطور التكنولوجي في رصد وتتبع اتجاهات المستهدفين والتحكم بهم. كما اهتمت الدراسة بتفسير الاتجاهات المختلفة لمحاور هذه العلاقة وكيفية تأثيراتها على مختلف مجالات الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية من خلال الوقوف حول مفهوم الديموقراطية الرقمية ومحدداتها ومستوياتها.
وفي هذا السياق، تتميز تكنولوجيا المعلومات بقـدرتها علـى إحـداث التغييـر المجتمعـي، فهـي لا تمنح المجتمعـات حريتهـا، وإنمـا هـي أداة لـدعم الممارسـة الديموقراطيـة، وبالتالي لا تقتصر وظيفتها على استخدام الإنترنت في التصويت في الانتخابات، بل تتجــاوز ذلـك بكثيـر إلــى قضــايا عديـدة تتعلــق بالجوانــب المختلفـة لآليــة الانتخابــات والتصــويت، والمســوح الـــتي تــتم علــي الإنترنــت، واســـتطلاعات الــرأي، والاحتجاجــات، والعصــيان المدني ودعم الحقوق والحريات.
وقد شهد العصر الحالي تقدمًا كبيرًا فيما يتعلق بتقنيات الاتصال وتكنولوجيا المعلومات وشبكة الويب ومواقع التواصل الاجتماعي المختلفة، وهو الأمر الذي ساعد في زيادة مستويات التمكين للمواطنين وقدرتهم على الوصول والحصول على المعلومات ومشاركتها مع الآخرين. وعلى الرغم من هذا التقدم الكبير، إلا أنه لم يؤد في النهاية إلى تنامي مستويات الحريات والمعايير الديموقراطية في مختلف دول العالم بصورة تتناسب مع حجم التطورات.
وفي ضوء ذلك، تصاعدت الاتجاهات الفكرية المختلفة التي تباينت بين التأثيرات الإيجابية والسلبية التي يمكن أن يشكلها هذا التطور فيما يتعلق بقدرة الأفراد أو الحكومات أو الشركات الخاصة على التحكم في الآخرين، وهو ما يمكن أن يفرز منافسة حول طبيعة الأنظمة السياسية والاجتماعية السائدة ومدى التحول بين مفهومي الحرية والاستبداد الرقمي، فبعد أن كانت مرحلة الحرب الباردة تتميز بالصراع بين الأنظمة الديموقراطية الليبرالية والشيوعية فإن القرن الواحد والعشرين تميز بالصراع بين الاستبدادية والليبرالية الرقمية.
وامتدادًا لذلك، برز صراع بين الديموقراطية الليبرالية والسيطرة الرقمية في صياغة مبادئ الحقوق والحريات للمواطنين، فالديموقراطية الليبرالية تحاول أن تجد طريقًا للنجاحات في سبيل حصول المواطنين على حقوقهم عبر استحداث آليات غير تقليدية، في حين تضع النظريات الرقمية الهيمنة أو السيطرة على المجتمعات البشرية في قبضة الحكومات والسلطات التي تمتلك قوة المعرفة، فتصبح هيمنتها أكثر إحكامًا.
وقدتركز الجدل حول تأثيرات التقدم التكنولوجي والذكاء الاصطناعي بسبب سيطرة الآلة وتجاوز العامل البشري وما يرتبط به من حقوق، بالإضافة إلى اتجاه الحكومات لرصد وتتبع مواطنيها للسيطرة عليهم وفق ما يعرف بالسلطوية الرقمية التي ستعمل على تعزيز استغلال التقنيات التكنولوجية الجديدة في ممارسة الرقابة، وقد أثارت هذه الممارسات المخاوف حول الحقوق والحريات الخاصة بالمواطنين مثل حماية الخصوصية والحريات الفردية، كما أن الصراع الدائر اليوم بين الشركات التكنولوجية الرقمية في جوهره صراع حول إمكانية الوصول لقواعد البيانات الخاصة بالمستهلكين، وأنه لا يوجد مواجهة أو مساءلة من جانب الهيئات الحكومية والمنظمات الدولية، وبالتالي فإن المستهلكين باعتبارهم مواطنون في دولهم أصبحوا تحت سيطرة سلطة هذه الشركات المعرفية خاصة وأن الدول لا تمتلك آليات وأدوات فعالة في مواجهة عملية الاستحواذ الكبيرة على بيانات مواطنيها، وعلى العكس من العمل على مواجهة هذه الشركات، اتجهت الحكومات إلى امتلاك هذه الأدوات للسيطرة على مواطنيها، ومن ثم فإن هذا التداخل ساهم في التأثير على معايير الحرية الرقمية وتحولها إلى أداة في قبضة الحكومات والشركات التكنولوجية.
كما أن تصاعد الارتباط بين التطـور فـي ظـاهرة الرقمنـة، والتطـور العـالمي فـي حركـة الديموقراطيـة وحقـوق الإنسـان عمل على توفير بيئـة رقميـة وبنيـة أساســية متكاملة للديموقراطية، من خلال منظومة متكاملـة قـادرة علـى تـداول المعلومـات في شأن الممارسة الديموقراطية، وتسليط الضوء على الأوضاع السياسية والاقتصادية والاجتماعية.
ونظرًا لما تمثله التفاعلات بين التقدم التكنولوجي الحديث من جهة وتعزيز قيم الحرية والديموقراطية من جهة أخرى، باعتبارها عنصرًا مهمًا من عناصر الأمن الإنساني، تأتي أهمية الدراسة من خلال دراسة حركة هذه التفاعلات وآثارها على مدى تمتع الأفراد بحرياتهم من خلال تتبع العوامل المؤثرة في هذا التفاعل وانعكاساته على صور علاقاتهما.
أولًا: مفهوم الديموقراطية الرقمية
تعددت مسميات الديمقراطية الالكترونية فهناك من يطلق عليها الديمقراطية السيبرانية، وهناك من يسميها الديمقراطية الرقمية وأيضًا ديمقراطية تكنولوجيا المعلومات والاتصال إلا أن كل هذه المفاهيم تحمل دلالات ومعاني؛ حيث يمكن تعريفها في معناها الواسع بأنها “وسيلة لممارسة الديمقراطية التشاركية من خلال تكنولوجيا الإعلام والاتصال الجديدة”، وبهذا المعنى لا تعبر الديموقراطية الالكترونية عن شكل جديد للديمقراطية بل ترتبط بتطبيق الديمقراطية من خلال ما تمنحه الأدوات التكنولوجية الجديدة.([1])
كما تعرف الديموقراطية الرقمية بأنها توظيف أدوات التكنولوجية الحديثة والرقمنة في توليد وجمع وتصنيف المعلومات والبيانات المتعلقة بممارسة قيم الديموقراطية وتعزيز مبادئها فهي ليست نوعًا جديدًا من الديمقراطيات القديمة بل هي وسائل جديدة لممارسة الديمقراطية من خلال تغيير كثير من الممارسات الديمقراطية، بل وتستحدث أشكالًا لم تكن موجودة، وتتميز الديموقراطية الالكترونية بمجموعة من السمات والخصائص من أهمها:([2])
أ. المساواة بين المواطنين في الخدمات الاتصالية بالإضافة إلى تحقيق الاتصال التفاعلي في الاتجاهين.
ب. القدرة على التوصل إلى اتفاق جماعي من خلال تبادل الآراء دون تدخل أو تأثير من قوى داخلية وخارجية.
ج. غياب الاحتكار لوسائل الإعلام وتقييد الحريات بسبب الإمكانيات الاتصالية التي وفرتها شبكة الانترنت.
د. توفر الديموقراطية الرقمية فرصة التدريب وتكوين اتجاهات فكرية مختلفة بما يدعم حرية التعبير.
1. مستويات الليبرالية الرقمية
هناك مجموعة من المستويات المختلفة لتفسير الليبرالية الرقمية مثل التمتع بالحقوق والحريات الفردية للتعبير عن آرائهم والتصويت والمشاركة السياسية، وذلك من خلال الآتي:
أ. تعتبر الليبرالية الرقمية نتاج لعملية التفاعلات بين أدوات ممارسة المواطنين لحقوقهم الديموقراطية وبين مميزات تكنولوجيا المعلومات، باعتبار أن ظهور هذا المصطلح يمثل إحدى نتائج الثورة الرقمية أو ما يسمى بالعصر الرقمي.
ب. لابد من وجود ديموقراطية تقليدية لكي يتم تحويلها إلى رقمية من خلال قيام الحكومات والمواطنين باستخدام هذه التقنيات لترسيخ حصول الأفراد على حقوقهم وحرياتهم.
ج. لتطبيق الليبرالية الرقمية وتعزيزها لابد من توافر ونشر الثقافة الاليكترونية ووضع التشريعات والقوانين والبنية التحتية الرقمية لتحقيق ذلك، وهو ما يُعد أهم متطلبات تداول المعلومات وتوافرها للمواطنين.([3])
د. إن الديموقراطية الرقمية تتنوع وتختلف من مجتمع لآخر ولا يمكن تطبيقها بنفس الأدوات في كل زمان ومكان؛ حيث أنها تختلف باختلاف الظروف السياسية والاجتماعية والثقافية لكل مجتمع، بالإضافة إلى مدى توافر البنية التحتية التكنولوجية.
2. التقدم التكنولوجي وتعزيز الليبرالية الرقمية
ساهم الاندماج بين التكنولوجيا الحديثة والديموقراطية التقليدية في ظهور ما يمكن أن نطلق عليه الديموقراطية الرقمية أو الاليكترونية التي تمثل صيغة التكامل بينهما كحق أساسي من حقوق الإنسان المعاصر. كما وفرت وسائل مهمة لتعزيز الحريات في مجال التعبير وتبادل الأفكار وفتحت المجال أمام مناقشة واختراق مختلف القضايا والموضوعات التي لا تتناولها المنصات التقليدية، كما سمحت بنشر أفكار عن قيم ومبادئ الحرية والليبرالية.([4])
وعلى الرغم من الصعوبات التي تقف حائلًا أمام تعزيز هذه القيم، إل أن التكنولوجيا الرقمية لعبت دورًا كبيرًا في تغيير أدوات وآليات الممارسة الديموقراطية وهو ما يمكن أن يتطور في المستقبل إلى تحديد الأفكار وطرحها، بالإضافة إلى تدعيم دور التيارات المعارضة، وما أتاحته من وسائل في نشر أفكارها وبرامجها واستقطاب أعضاء جدد في صفوفها. وفيما يلي أبرز هذه الاتجاهات:([5])
أ. ساعدت ثورة المعلومات والاتصالات التكنولوجية الحديثة في إنهاء احتكار النظم الحاكمة للمعلومات وتوفير مصادر متعددة للحصول على المعلومات خارج دوائر وسيطرة النظم الحاكمة، وهو ما يعني إنهاء احتكارها للمعلومات والحد من قدرتها على إخفاء الممارسات الاستبدادية المصادرة للحريات.
ب. تمثل أداة مهمة بالنسبة للمواطنين لجمع المعلومات حول القضايا العامة وإيجاد حلول لها، وخاصة تلك التي تعترض حياة المواطنين اليومية، وتشكيل رأي عام ضاغط للدفاع عن وجهات نظرهم.
ج. أتاحت الفرصة لكافة الثقافات والتيارات والهويات والعرقيات المختلفة للتعبير عن نفسها بما يعزز قيمة الاختلاف في المجتمع، وتعزيز مبادئ وقيم الحوار.
د. ساعد التقدم التكنولوجي في عرض الأفكار والرؤى الخاصة بالمرشحين في الانتخابات، وكشفت حجم الانتهاكات التي تشوب هذه العمليات من تدخلات أمنية وأعمال بلطجة ورشاوى.
ه. إن تكنولوجيا المعلومات تعتبر أداة لدعم الحقوق والحريات والممارسات الديموقراطية ولا تهب الأفراد والمجتمعات حرياتهم.
3. أدوات الليبرالية الرقمية
هناك مجموعة من الأدوات التي يتم من خلالها تعزيز ما يمكن وصفه بالليبرالية الرقمية على النحو الآتي:([6])
أ. المنتديات: موقع على الانترنت يتكون من مجموعة أشخاص يجمعهم اهتمام مشترك لمناقشة وتبادل الأفكار حول الموضوعات، وتعمل المنتديات على تعزيز الوعي الاجتماعي والسياسي خاصة وأنها تتميز بسهولة تكوينها ودخول الأعضاء إليها.
ب. شبكات التواصل الاجتماعي: تعرف بأنها منظومة من الشبكات الإليكترونية التي تسمح للمشتركين بإنشاء موقع عليها، وتمثل هذه المواقع نظام الكتروني جماعي يجمع الأشخاص من اتجاهات فكرية متعددة، وقد تعدت وظيفتها الاجتماعية لتصبح وسيلة للتعبير عن المواقف السياسية وتعزيز الوعي السياسي للمواطنين؛ حيث فتحت هذه المواقع الباب أمام تشكيل عالم افتراضي تستخدمه الأفراد والجماعات بمختلف اتجاهاتهم الفكرية للتعبير عن آرائهم بحرية تجاه مواقفهم من القضايا والموضوعات التي تقع ضمن دائرة اهتمامهم.
ج. المدونات: تعبر عن المدونات الشخصية وصحافة الويب التي يتم من خلالها عرض المواد بعيدًا عن التعقيدات المرتبطة بالنشر على الانترنت وبدون تكلفة باعتبارها ساحة للتعبير والتي يمكن فتحها بأسماء مستعارة بعيدًا عن إظهار الشخصية، وهو ما يجعلها تمتلك من مساحة حرية التعبير ما لا يتوافر في المنصات الأخرى، كما أن الحكومات وشركات التكنولوجية العملاقة لا تستطيع احتكار المدونات مثل وسائل الإعلام التقليدية ومواقع الويب.
ثانيًا: العلاقة الجدلية بين التقدم التكنولوجي والاستبداد
يستخدم المواطنون تكنولوجيا المعلومات والاتصالات وخاصة وسائل التواصل الاجتماعي من أجل التعبير عن قضاياهم ونشرها في سياقات مختلفة، والأكثر من ذلك، فقد لعبت هذه الوسائل دورًا مهمًا في الحشد والتعبئة للمطالب. كما تعتبر وسائل التواصل الاجتماعي والتقدم التكنولوجي مثلها مثل التقنيات الأخرى لا يمكن اعتبارها داعمة أو معوقة للحرية، وقد دفع التطور السريع لشبكة المعلومات والتقنيات التكنولوجية إلى ظهور اتجاهين: ([7])
أولهما: رأى أن انتشار الانترنت وظهور أجيال متقدمة للويب يمثل تقدمًا تقنيًا نحو تعزيز المبادئ الديموقراطية. ووفق هذا التصور، تقدم التكنولوجيا الحديثة مميزات عديدة، ولا سيما في مجال حقوق الإنسان. فقد ساهم التطور الشبكي إلى تعزيز الوصول إلى المعرفة، في حين منحت المنصات الإعلامية الجديدة للمواطنين مساحة كبيرة لتنظيم المجتمعات ومشاركة قضاياهم على نطاق واسع. ومن شأن التقنيات الناشئة، على غرار الذكاء الاصطناعي، أن تزيد إلى حد كبير من توفر البيانات التي تساهم في صنع القرارات المتعلقة بالسياسات العامة داخل المجتمع. ويعتبر مؤيدو هذه التقنيات أنها ستتيح فرصًا جديدة، وستزيد من الكفاءة، وستساعد على تطوير الإمكانات البشرية.([8])
بالإضافة إلى ذلك، فإن التقدم التكنولوجي عمل على توسيع دائرة المشاركة الأفقية بعيدًا على المؤسسات البيروقراطية؛ حيث عمل على تشكيل وعي عام يدعم الحقوق والحريات ويدافع عنها والتعاون مع المؤسسات التي تساندها داخليًا وخارجيًا.
وثانيهما: على العكس من النظرة المتفائلة السابقة؛ حيث يتم وصف الخوارزميات التي تستخدمها وسائل التواصل الاجتماعي ومنصات الانترنت باعتبارها أسلحة الدمار الحسابي أو خوارزميات القمع، في إشارة إلى أنها مكبلة للحريات. بالإضافة إلى ذلك، توفر في الوقت ذاته منصة لعمليات التأثير على المواطنين سواء من خلال وكلاء محليين أو خارجيين لنشر الدعاية والمعلومات المضللة بعد جمع البيانات الخاصة بمستخدمي الانترنت. ومن ثم، ستوفر التقنيات التكنولوجية الحديثة فرص وقيود في ذات الوقت من خلال تعامل الحكومات والشركات التكنولوجية معها باعتبارها أدوات للتنمية أو للقمع والاستبداد.([9])
وضمن سياق متصل، فإن التغيير التكنولوجي يتم دمجه وترسيخه في الممارسات الاجتماعية من خلال أدوات تغيير الهياكل والهويات الاجتماعية القائمة؛ حيث يتم استخدام التكنولوجيا ووسائل التواصل الاجتماعي من جانب الأنظمة الاستبدادية لقمع الشعوب، كما تستخدم أيضًا كأدوات لدعم الاستبداد، وتعد تكنولوجيا المعلومات والاتصالات أدوات قوية لجمع وحشد التابعين فيما يتعلق بإلقاء الاتهامات وإدارة الصراعات مع المعارضين، كما تستخدم الحكومات أدوات المراقبة لشبكة الانترنت لتحديد التهديدات المحتملة ومواجهة أنماط التغيير والسياسات غير المرغوب بها من جانب المواطنين؛ بحيث تتعرض حرية الأفراد خاصة على شبكة الانترنت بشكل متزايد لما يمكن أن نسميه بالاستبداد الرقمي من خلال استخدام أدوات وتكتيكات متنوعة عبر استغلال الأنظمة القمعية المساحات غير المنتظمة لمنصات ووسائل التواصل الاجتماعي وتحويلها إلى أدوات للتشويه السياسي والسيطرة المجتمعية وبتكلفة أقل، من خلال السماح بتدفق معلومات محددة وإخفاء أو منع تدفق معلومات أخرى، وهو ما يمكن وصفه بالرقابة الانتقائية. بجانب ذلك، يمكن أن يسمح التطور التكنولوجي بما يمكن وصفه بالسيطرة التنبؤية على المواطنين وخاصة المعارضين من خلال المراقبة الكلية للنشاط الرقمي للمواطنين الذي يستخدم للتنبؤ بسلوكهم.([10])
ثالثًا: التقدم التكنولوجي وتأثيره على المجال العام
كان لظاهرة التقدم التكنولوجي عظيم الأثر في تحويل العالم الحقيقي إلى عالم افتراضي؛ حيث اتخذت جميع مجالات الحياة طابعًا رقميًا وظهور ما يعرف بمجتمع المعرفة المبني على ثورة المعلومات والمعرفة الذي تغيرت ملامح ثقافته ومعتقداته وأفكاره. كما فرض هذا التقدم أنماط مختلفة لحياة المجتمعات عن تلك التي كانت سائدة من قبل بسبب حرية تدفق المعلومات، خاصة فيما يتعلق بالطرق والوسائل المستخدمة في التعبير عن الآراء والأفكار والدفاع عنها.([11])
واستكمالًا لهذه التطورات، فتح التقدم التكنولوجي الباب أمام إمكانية تغيير الثقافة وانتشارها بصورة رقمية والتي تضمنت بعدان أولهما يحمل طابعًا سياسيًا وثانيهما يجمل طابعًا تكنولوجيًا، كما ساهم التكامل بينهما في فرض هذه الثقافة على الواقع السياسي والاجتماعي والاقتصادي بحيث يتم ممارسة المواطنين لحقوقهم من خلال استخدام أدوات وآليات التقدم التكنولوجي وهو ما بإتاحة الفرصة أمام المواطنين لتعزيز تفاعلهم تجاه القضايا والموضوعات في المجال العام، والانتقال إلى ما يعرف بالنظام السياسي الالكتروني وانتقال مجال عمل الحكومة إلى هذا الفضاء، ومن ثم تغيرت تفاعلات المواطن وحركته تجاه الاستجابة للتفاعلات الحكومية، وهو ما نتج عنه ظهور أساليب جديدة للتعبير عن الرأي عملت على تقليص سيادة الدول وتفاعلات العمليات السياسية فيما يتعلق بعملية صنع القرار.([12])
بالإضافة إلى ذلك، لم يعد التطور التكنولوجي وظهور الرقمية بمثابة أداة فنية للاتصال والتواصل بل أصبحت وسيلة للتعبير عن الرأي وتحقيق المواطنة وتعزيز عمليات التحول الديموقراطي ومواجهة الممارسات الاستبدادية، كما دفعت المواطنين إلى المشاركة السياسية وتحديد مستقبل القضايا والموضوعات في المجال العام. والأكثر من ذلك، ظهرت العديد من المنظمات للدفاع عن حقوق الإنسان الرقمية مثل منظمة الدفاع عن الحقوق الرقمية للمواطن الأمريكي ومبادرة الحقوق الرقمية، كنتيجة طبيعية لما يُعرف بمجتمع المعرفة التي تميز بتعزيزه الضمني للديموقراطية التشاركية والطابع اللامركزي وحرية الاختلاف والتعبير عن الهويات المختلفة التي أصبحت متلازمة لتكنولوجيا الاتصال والمعلومات.([13])
وضمن هذا السياق، جاءت الثورة التكنولوجية لتعزز من الديموقراطية المباشرة التي يستطيع أن يمارسها جميع الأفراد بدون الحاجة إلى وسطاء في تفاعلهم مع القضايا والموضوعات المثارة في المجال العام. بالإضافة إلى تغيير الطرق التقليدية وسعي الأفراد والمؤسسات إلى إيجاد طرق جديدة في التعامل مع مختلف الموضوعات، واستخدام هذه الأنماط في إحداث تغيرات في بيئة عمل المجال العام وجعله مفتوحًا أمام تدفق المعلومات بعيدًا عن سيطرة المؤسسات التقليدية؛ حيث كشفت هذه التطورات عن عملية التزاوج بين الديموقراطية كأسس نظرية وبين تحليل وتداول للمعلومات المتعلقة بممارسة هذه القيم.([14])
بالإضافة إلى ذلك، أسهمت تكنولوجيا الاتصال والمعلومات في التأسيس لمفهوم “المواطنة الافتراضية كقاعدة وركيزة تمثل القواعد والضوابط والمعايير والأفكار المتجسدة في الاستخدام الأمثل لوسائل التكنولوجية الحديثة، وتشكل المواطنة الرقمية مجموعة السلوكيات التي تعتمد على الممارسة الإلكترونية والتي تشمل كل التعاملات بين المواطنين عبر شبكة الإنترنت كالدعوة إلى المشاركة السياسية أو الحث على التكافل المجتمعي أو غيرها.([15])
وبالنسبة للتفاعلات الخاصة بالنظام السياسي، فقد لعب مجتمع المعرفة المرتكز على التكنولوجيا وتطور وسائل الاتصالات دورًا مهمًا في التأثير على مجمل عمليات الإنتاج والتنمية بمختلف جوانبها السياسية والاقتصادية والاجتماعية؛ حيث أعاد تشكيل طبيعة ونمط العلاقة بين الحاكم والمحكوم وبين المواطنين والنخب وبين السلطات التنفيذية والتشريعية والقضائية ومؤسساتها؛ حيث أصبح هناك تأثير لتطور المعلومات وتقنيات الاتصال على هيكل النظم السياسية وهو ما ظهر في التفاعلات البينية بين مكونات النظام باعتباره مكون أساسي من مكونات مجتمع المعلومات.([16])
على الجانب الآخر، وفيما يتعلق بتأثير التقدم التكنولوجي على المؤسسات التي تتوسط العلاقة بين الحاكم والمحكوم مثل الأحزاب السياسية ومنظمات المجتمع المدني وجماعات الضغط والمؤسسات الصحفية والإعلامية، فقد جاء التقدم التكنولوجي ليعمل على تراجع دور هذه المؤسسات في حين تصاعد دور الفضاء الالكتروني ليكون بديلًا عنها ضمن إطار ما يعرف بالديموقراطية الرقمية.([17])
رابعًا: التقدم التكنولوجي وإعادة إنتاج الحريات الليبرالية
انعكست الثورة العلمية والتكنولوجية على مختلف المجالات بشقيها النظري والتطبيقي بالإضافة إلى ما أوجدته من فرص ودعائم في مسار تطور الفكر الإنساني، وخاصة الديموقراطية على مستوى تطور المفهوم والممارسة وارتباطها بالنظم السياسية والثقافة السياسية السائدة ومدخلاتها ومخرجاتها على هذه العملية، بالإضافة إلى ما يسمى بالمؤسسات الوسيطة مثل منظمات المجتمع المدني؛ حيث لم تتبلور الديمقراطية الالكترونية دفعة واحدة وإنما تطورت وتجسدت عبر مراحل متتالية وضمن سياقات اجتماعية وسياسية وتقنية مختلفة. وقد ظهرت ملامح هذا التطور في مختلف النظم السياسية وما أفرزه هذا التقدم من تعزيز المواطنين لحرية التعبير وإبداء آرائهم وأفكارهم مقارنة بوسائل الإعلام التقليدية.([18])
وتتميز هذه التقنيات الحديثة بالطبيعة التفاعلية وصعوبة السيطرة عليها واتساع نطاق القاعدة الاجتماعية المستخدمة لها وعدم خضوعها للمعايير الجغرافية، وهو ما دفع المواطنين والقوى السياسية ومنظمات المجتمع المدني إلى استغلال هذه المميزات في التأثير على السياسات العامة وتشكيل المواقف تجاه القضايا المختلفة. كما إن سهولة استخدام هذا الوسائل التواصلية وقدرتها على الحشد والتعبئة وسرعة انتقال المعلومات خلالها واختراقها الحدود الزمنية والمكانية جعل منها أداة رئيسية لنشر الوعي بالحقوق والحريات وتعزيز تمكينهم.([19])
وعلى العكس من ذلك، لم تحسم النظريات الليبرالية والواقعية والنقدية الجدل بين مفهومي الأمن والحرية، ولعل الاستفادة الحقيقية من ثورة الاتصالات الحديثة والتقدم التكنولوجي تأتي من تحييد ذريعة الأمن التي تتخذها الحكومات والأنظمة الحاكمة كسبب لقمع حرية التعبير. خاصة وأن هناك دول تتجه نحو التجسس على مواطنيها وتسجيل مكالماتهم واتصالاتهم عبر الانترنت، بجانب قيام الشركات التكنولوجية العابرة للحدود بجمع المعلومات والبيانات الشخصية للمواطنين في مختلف أنحاء العالم متخطية بذلك الحدود الجغرافية للدول تحت دعاوى تحسين الخدمات المقدمة للمستهدفين. وبالتالي لم تعد الحكومات الجهة الوحيدة التي تشكل خطرًا على الحريات الفردية، بل تقوم الشركات التكنولوجية الاحتكارية بالضغط على الحكومات لتمرير قوانين وتشريعات تتوافق مع أهدافها.([20])
من ناحية أخرى، يمثل التقدم التكنولوجي والرقمنة أداة قوية لدعم العولمة الرأسمالية في سياق إعادة إنتاج أدوات التطور التكنولوجي في دعم وتعزيز المفاهيم الليبرالية وظهور ما يعرف بالليبرالية السيبرانية وتعزيز مفهوم عدم التدخل. كما أتاح التقدم التكنولوجي للناس العاديين والجماعات المدنية والصحفيين إمكانية الوصول إلى جمهور كبير بتكلفة ضعيفة أو بدون تكلفة. بجانب ذلك فإن رقمنـة السياسـة ظـاهرة متطورة لمجموعة من السمات مثل رقمنـة التمثيـــــل السياســـــي والاجتمـــــاعي والتعبيـــــر عـــــن مصـــــالح الأفـــــراد والجماعـــــات، وستنعكس الرقمنـة علـى أنمـاط الحيـاة الإنسـانية، والثقافـة السياسـية، والفـاعلين السياسيين، وجماعات الضغط التي تحولـت إلـي جماعـات ضـغط رقميـة.([21])
وعلى الرغم من سماح تكنولوجيا المعلومات والاتصالات بالسيطرة على المواطنين من جانب المستبدين سواء كانوا حكومات أو شركات تكنولوجية عابرة للقارات، إلا أنها تقدم أدوات جديدة للنشاط والحركات الاجتماعية على سبيل المثال تمكنت الاحتجاجات العابرة للحدود من التأثير على اتجاهات الرأي العام في الدول المختلفة كحركة me to التي انطلقت في أكتوبر 2017 وانتشرت في 85 دولة. كما تستخدم تكنولوجيا المعلومات لخلق سياسات بديلة ومعاني أخرى للثورة الرقمية؛ حيث يتم النظر إلى شبكة الانترنت باعتبارها وسيلة للتحرر في جميع أنحاء العالم.([22])
ويستند هذا الاتجاه على فرضية أن هناك صعوبة فيما يتعلق بصعود الاستبدادية الرقمية في مواجهة الديموقراطيات الغربية في ظل تصاعد التمكين التدريجي للأفراد على المستوى الداخلي والخارجي بحيث أصبح المواطنين يمتلكون القدرة على الإعلان عن قضاياهم ومشاكلهم ومراقبة الحكومات بما يعني تمكينهم سياسيًا واقتصاديًا واجتماعيًا.([23])
كما أنه من الضروري تفسير الممارسات التكنولوجية السابقة في إطار السياق العام بتحليل العلاقة بين الرقمنة والتكنولوجية الحديثة وإمكانية إعادة إنتاج النظام الليبرالي، خاصة بعد أن كان التوجه التكنولوجي لصيق بصعود النظام الليبرالي الذي يعمل على تعزيز الحريات باعتباره أداة قوية للعولمة الرأسمالية ونشر الأفكار والممارسات الليبرالية.([24])
خامسًا: عوامل صعود الاستبدادية الرقمية
ساهم انتشار التكنولوجيا والاتصالات الحديثة في تجاوز الحدود التقليدية لسيطرة الدول، وهو ما دفع الحكومات الشمولية والاستبدادية إلى محاولة السيطرة على انسياب المعلومات لمحاولة الحفاظ على الثقافة السياسية السائدة التي تتسم بالتراتبية والسيطرة من أعلى.
وضمن هذا الإطار، عملت الحكومات على إعادة إنتاج البناء الاجتماعي والسياسي داخل الدول من خلال توظيف نظام الحوسبة الشبكي بما يعكس نوعية واتجاهات سلوكيات المواطنين، وفي سياق تفسير العلاقة الترابطية بين التقدم التكنولوجي وصعود ما يسمى بالاستبدادية الرقمية، يمكن الحديث عن مجموعة من العوامل من أهمها: ([25])
1. عدم فاعلية الأنظمة الديموقراطية ذاتها التي أصبحت تعاني من مشكلات هيكلية وصعود النماذج الأخرى غير الديموقراطية مثل الصين وكوريا الشمالية وروسيا، وذلك بعدما تراجعت قدرة التقدم التكنولوجي عن تقديم حلول للأنظمة الديموقراطية وعلى رأسها تعزيز مشاركة الأفراد.
2. كامتداد للعامل السابق، فإن التحدي الآخر الذي ساهم في تراجع الليبرالية الرقمية يتمثل في عدم وجود مؤسسات تمثيلية تستحوذ على ثقة المواطنين وقادرة على الاستجابة لاحتياجاتهم.
3. هناك الكثير من فئات المواطنين حول العالم لا يتمتعون بالمميزات التكنولوجية خاصة من يعيشون في مناطق نائية وأقل ثراء، ويقتصر تعاملهم مع المحيط الخارجي على الأدوات التقليدية مثل أجهزة التلفاز والراديو.
4. تنامي التأثير العالمي للقوى الكبرى غير الديموقراطية كالصين وروسيا التي تفرض قيودًا من الرقابة والتقييد أو المنع الكلي لمصادر التكنولوجية التي تكفل مزيدًا من الحرية.
5. تقوم الجماعات الإرهابية بتطوير أنظمة تستخدم الذكاء الاصطناعي لتحقيق أهدافها وهو ما يدفع الحكومات إلى تبني سياسات من شأنها انتهاك المعايير الحقوقية للمواطنين خاصة في هذه البيئة المضطربة التي تتميز بتطبيق حالات الطوارئ وغياب المسألة والمحاسبة.
6. أصبح الفضاء التكنولوجي ساحة جديدة لانتشار الشائعات ومواجهة الأقليات وتغذية مشاعر الكراهية والأيديولوجيات المتطرفة. كما يتم استغلال الذكاء الصناعي والتقدم التكنولوجي والرقمي في السيطرة المجتمعية من جانب الحكومات خاصة في أوقات الحروب الداخلية الاضطرابات السياسية.
وضمن هذا الإطار، هناك حكومات تستخدم وسائل التواصل الاجتماعي للتلاعب بالرأي العام ومراقبة مواطنيها وأصبحت في هذا المجال أداة للاستبداد الرقمي، وقد أصدرت مؤسسة فريدم هاوس في 5 نوفمبر 2019 تقريرها الخاص في هذا الأمر على النحو الآتي:([26])
أ. أصبحت المنصات الرقمية ساحة معركة للحصول على الحريات.
ب. أصبحت الحكومات تسخر ما يعرف بالبيانات الضخمة لمراقبة وسائل التواصل الاجتماعي وسلوك المواطنين عليها، بما يمكن أن يساعد الحكومات في التلاعب بالمعلومات المتاحة ونشر المعلومات المضللة ضمن إطار تشكيل وتوجيه الرأي العام.
ج. اعتماد إغلاق خدمة تشغيل الانترنت كأداة يتم استخدامها في إدارة العمليات السياسية.
د. تقوم الحكومات بتجنيد روبوتات وحسابات مزيفة للتلاعب بوسائل التواصل الاجتماعي.
ه. تستخدم الحكومات تحليل البيانات باستخدام الذكاء الاصطناعي في معالجتها فيما يتعلق بنشاط الأفراد والمؤسسات، على سبيل المثال، تستخدم الدول البيانات الخاصة بالمتقدمين بطلبات تسجيل المنظمات في الحد من حرية تكوين هذه الجمعيات بناء على بعض الانتماءات السياسية أو الدينية بالإضافة إلى حجب مواقعها.
و. أصبح الذكاء الاصطناعي والتقدم التكنولوجي يؤثر في مختلف مجالات الحياة، وأصبحت هذه البيانات تُستخدم لتحديد من يحصل على الخدمات العامة ومن يحصل على الوظائف والحرمان من تعويضات الضمان الاجتماعي أو القبض المواطنين بسبب مشكلات تقنية في التعرف على بيانات الأفراد.
ز. تثير النشاطات التي تقوم بها الحكومات في مجال التقدم التكنولوجي مجموعة من المخاوف بشأن خصوصية الأفراد ومدى تمتعهم بحقوقهم، فتقنيات الذكاء الاصطناعي تعمل على تسليح الحكومات بقدرات عالية لمراقبة المواطنين وتعقبهم على سبيل المثال جمع الاقرارات الضريبية والسجلات الطبية والسجلات الجنائية وكشوف البيانات المصرفية والمسوحات الجينية.
ح. عملت الحكومات على وصف التقدم التكنولوجي باعتباره نمو في الاتجاهات الانفصالية للأقليات وتفتيت المجتمعات القومية والهويات الثقافية وزيادة حجم التعبئة الطائفية وانتشار جرائم الانترنت والإرهاب والقرصنة، باعتبار أن هذا التقدم أحدث تغيرات في بيئة وبنية المجتمعات المحلية وتقديم منتج ثقافي عالمي يتجاوز الخصوصية الثقافية لكل مجتمع.
7. ترى الحكومات أن عملية تدفق المعلومات عبر الحدود غير الخاضعة للقيود تمثل تهديدًا لأمنها القومي خاصة بالنسبة للأنظمة غير الديموقراطية التي تعاني بالأساس من غياب التعددية السياسية والحقوق والحريات الفردية. وهو ما يدفع هذه النظم السياسية إلى انتهاج سياسات من شأنها تشديد الرقابة الإليكترونية على المحتوى المعروض وحجبه ومراقبة التفاعلات حوله.([27])
سادسًا: استراتيجية تعزيز الليبرالية الرقمية في مواجهة الاستبداد الرقمي
أشارت بعض الدراسات إلى أن استخدام تكنولوجيا المعلومات والاتصالات الحديثة ساهم في التأثير بدرجة كبيرة على ممارسة الديموقراطية الرقمية بمختلف صورها من خلال توسيع قاعدة الحصول على المعلومات والمشاركة في الفاعليات السياسية وتفعيل دور النشطاء والمجتمع المدني، كما أتاحت الوصول إلى المسئولين وتقديم تعليقاتهم على القضايا المثارة ورقابة الحكومة والتأثير على الرأي العام وصانعي القرار. وهو ما ساعد في الترويج لأفكار الحريات والعدالة وتعزيز قيم حقوق الإنسان. ولكي تتبنى الدول والحكومات النماذج الديموقراطية فيما يتعلق بضمان تنفيذ الليبرالية الرقمية، فإنه يتعين عليها مواجهة مجموعة من أوجه القصور واتخاذ بعض السياسات على النحو الآتي: ([28])
1. الحد من سياسات الرقابة والاستغلال وضمان وجود بنية إعلامية متنوعة.
2. سن وتفعيل التشريعات والقوانين التي تمنع مؤسسات التكنولوجيا من جمع واستخدام بيانات المستخدمين الشخصية، ووضع قوانين مباشـرة لتقنـين العمـل فـي المجالات الرقمـية وعدم حجب المحتوى أو تحجيمه.
3. منع الحكومات من جمع واستخدام هذه البيانات سوى في حالات قليلة ومحدودة مثل عمليات مكافحة الإرهاب.
4. وضع معايير دولية لتنظيم عمل الحكومات والشراكات التكنولوجية في التعامل مع هذا الأمر. فالشركات التكنولوجية الكبرى تمتلك منصاتها الخاصة ولديها الحق في وضع شروطها الخاصة بتقديم الخدمة ومعايرها الخاصة والتي يتم وضعها بصورة أحادية الجانب التي لا تتبع الإجراءات القانونية المشروعة ولا تفسرها أو إمكانية الوصول لآلياتها.
5. تحسين المجتمع المدني من معرفته بالذكاء الاصطناعي وتعزيز استخدامه من أجل حماية الحقوق والحريات.
6. تحسين الشفافية والإشراف على الإعلانات السياسية على شبكة الانترنت ووسائل التواصل الاجتماعي. والتصدي لاستخدام الروبوتات في التلاعب بوسائل التواصل الاجتماعي.
7. الاستجابة السريعة لمعالجة حوادث الأمن السيبراني.
8. تقييد تصدير أدوات المراقبة المتطورة للحكومات، والحد من قدرة الدول والحكومات على إجراء المراقبة الشاملة لوسائل التواصل الاجتماعي، حظر تطبيقات الذكاء الاصطناعي التي تشكل خطرًا على حقوق الإنسان.
9. تدريب صانعي أدوات المراقبة والبرامج على الآثار المترتبة لهذه التقنيات على الحريات. ومطابقة القوانين الداخلية للدول مع القوانين والمعايير الدولية لحقوق الإنسان.
10. تركيز اللوائح والقوانين الجديدة على السلوك الخاص بالأفراد وليس المحتوى.
11. إجراء تحليل لآلية الإنذار المبكر فيما يتعلق بتصاعد مؤشرات القمع الإليكتروني وحشد الرأي العام لمنع آثارها السلبية.([29])
في الختام: إن التطور التكنولوجي المتلاحق والمتصاعد فرض تغيرات في الطريقة التي يعيش بها الإنسان في مختلف أنحاء العالم، كما ظهرت أنماط جديدة لسلوكيات الأفراد السياسية والاقتصادية والاجتماعية ضمن هذا التغيير بالإضافة إلى اختلاف الطرق والأدوات التي يعبروا بها عن أفكارهم ووجهات نظرهم تجاه القضايا والمشكلات المحيطة بهم، وهو ما ساهم في ظهور ممارسات جديدة في هذا المجال.
كما إن اندماج تكنولوجيا الإعلام والاتصال في العمل السياسي أدى إلى إيجاد آليات وطرق عمل جديدة لممارسة الديمقراطية وبرز مفهوم جديد للديمقراطية يصطلح عليه بالديمقراطية الالكترونية هذه التكنولوجيا وبأدواتها المتعددة ساهمت في إبراز ممارسات جديدة لديمقراطية لم تكن موجودة في الديمقراطيات القديمة أهمها حرية الرأي والتعبير وإرساء مشاركة سياسية ذا طبيعة رقمية تجعل من المواطنين مشاركين في الحياة السياسية إلى جانب تدعيم الوصول إلى المعلومات العامة وجذب الأفراد الذين تم استبعادهم(المهمشين).
وعليه يمكن القول أن اندماج تكنولوجيا الإعلام والاتصال في العمل السياسي أدى إلى إيجاد آليات وطرق عمل جديدة لممارسة الديمقراطية وبرز مفهوم جديد للديمقراطية يصطلح عليه بالديمقراطية الالكترونية هذه التكنولوجيا وبأدواتها المتعددة ساهمت في إبراز ممارسات جديدة لديمقراطية لم تكن موجودة في الديمقراطيات القديمة أهمها حرية الرأي والتعبير وإرساء مشاركة سياسية ذا طبيعة رقمية تجعل من المواطنين مشاركين في الحياة السياسية إلى جانب تدعيم الوصول إلى المعلومات العامة وجذب الأفراد الذين استثنوا من المشاركة وذلك عبر إرساء نظام التصويت الالكتروني، فإرساء هذه الجواهر في العملية الديمقراطية الالكترونية تعد آلية لتحقيق الحكم الراشد.
كما أنه لا يزال حجم هذه الآثار غير معروف فيما يتعلق بحدود الاستفادة من تطورات التكنولوجيا من دون أن يؤدي ذلك إلى تفاقم عدم المساواة بالنسبة إلى الفئات المهمشة. بالإضافة إلى ذلك، فإن مستقبل التمتع بالحقوق والحريات مرتبط كل الارتباط بمستقبل التقدم التكنولوجي والذكاء الاصطناعي. فالحريات الرقمية شأنها شأن كل تطور جديد له إيجابيات وسلبيات وهو ما يستوجب تحقيق التوازن بين السلبيات والإيجابيات من خلال دراسة التجارب والنماذج المختلفة.
[1] – رمضان بن شعبان، الديمقراطية الالكترونية كبديل لتفعيل المشاركة السياسية النموذج الإستوني وإسقاطه على الجزائر” مذكرة لنيل شهادة الماجستير في العلوم السياسية والعلاقات الدولية، (جامعة منتوري قسنطينة: كلية الحقوق ،2009-2010)، ص.49.
[2] – المواطنة الرقمية: عندما تصبح مواقع التواصل الاجتماعي فضاء للنقاش العمومي، مجلة تنمية الموارد البشرية، العدد الحادي عشر، ديسمبر 2015، ص 331.
[3] – يوسف بن يزه ووهيبة سغيري، إسهام البيئة الرقمية في دعم الديموقراطية التشاركية: أدوات المشاركة عن بعد نموذجًا، مجلة العلوم الاجتماعية والإنسانية، جامعة باتنة 1، المجلد 20، العدد 1، يونيو 2019، ص ص 259 – 274.
[4] – جمال محمد غيطاس “الديموقراطية الرقمية “، دار نهضة مصر، الطبعة الاولى، القاهرة: 2006.
[5] – المواطنة الرقمية: عندما تصبح مواقع التواصل الاجتماعي فضاء للنقاش العمومي، مجلة تنمية الموارد البشرية، العدد الحادي عشر، ديسمبر 2015، ص 338.
[6] – صبري محمد خليل، الديمقراطية الرقمية “الالكترونية” كآلية للديمقراطية المباشرة وتفعيل الإرادة الشعبية للامة، موقع الانطولوجيا، بتاريخ 23 نوفمبر 2021، على الرابط: https://alantologia.com/blogs/51578/
[7] – جمال على الدهشان، دور تكنولوجيا المعلومات في دعم التحولات الديموقراطية: الديموقراطية الرقمية نموذجًا، المجلة الدولية للبحوث في العلوم التربوية، المجلد الأول، العدد الثاني، القاهرة، 2018م، ص ص 131 – 140.
[8] – عماد أبوشنب، الحكومة الالكترونية أداة للديموقراطية والتنمية المجتمعية، المنظمة العربية للتنمية الإدارية، القاهرة، 2012م، ص 50.
[9] – صافيناز محمد أحمد، حرية التعبير في ظل ثورة الاتصالات وتكنولوجية المعلومات، الأهرام الرقمي، العدد الأول، أكتوبر 2010، مؤسسة الأهرام، ص ص 17 – 19.
[10] – نوران شريف مرا، تفسيرات سبعة: التكنولوجيا لم تحقق مزيداً من الديمقراطية، مركز المستقبل للأبحاث والدراسات المتقدمة، بتاريخ 14 يوليو 2015، على الرابط: https://futureuae.com/ar/Mainpage/Item/821/%D8%AA%D9%81%D8%B3%D9%8A%D8%B1%D8%A7%D8%AA-%D8%B3%D8%A8%D8%B9%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%AA%D9%83%D9%86%D9%88%D9%84%D9%88%D8%AC%D9%8A%D8%A7-%D9%84%D9%85-%D8%AA%D8%AD%D9%82%D9%82-%D9%85%D8%B2%D9%8A%D8%AF%D8%A7%D9%8B-%D9%85%D9%86-%D8%A7%D9%84%D8%AF%D9%8A%D9%85%D9%82%D8%B1%D8%A7%D8%B7%D9%8A%D8%A9
[11] – محمد الفاتح حمدي، استخدامات تكنولوجيا الاتصال والإعلام الحديثة وانعكاساتها على قيم الشباب الجامعي، مذكرة ماجستير (جامعة الحاج لحضر باتنة: كلية العلوم الاجتماعية والعلوم الإسلامية ،2008/2009)، ص ص 35 – 43.
[12] – علي عبد الفتاح كنعان، الصحافة الالكترونية في ظل الثورة التكنولوجية (عمان: دار اليازوري العلمية للنشر والتوزيع، 2014، ص.116.
[13] – حازم سالم الضمور، الديمقراطية في مواجهة الديمقراطية الرقمية، مركز ستراتيجيكز للفكر، بتاريخ 9 أغسطس 2021، على الرابط: https://strategiecs.com/ar/analyses/%D8%A7%D9%84%D8%AF%D9%8A%D9%85%D9%82%D8%B1%D8%A7%D8%B7%D9%8A%D8%A9-%D9%81%D9%8A-%D9%85%D9%88%D8%A7%D8%AC%D9%87%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%AF%D9%8A%D9%85%D9%82%D8%B1%D8%A7%D8%B7%D9%8A%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%B1%D9%82%D9%85%D9%8A%D8%A9
[14] – تفاعلات التكنولوجيا والديمقراطية، موقع قناة الغد، بتاريخ 25 يوليو 2011، على الرابط: https://alghad.com/%D8%AA%D9%81%D8%A7%D8%B9%D9%84%D8%A7%D8%AA-%D8%A7%D9%84%D8%AA%D9%83%D9%86%D9%88%D9%84%D9%88%D8%AC%D9%8A%D8%A7-%D9%88%D8%A7%D9%84%D8%AF%D9%8A%D9%85%D9%82%D8%B1%D8%A7%D8%B7%D9%8A%D8%A9/
[15] – جيدور حاج بشير، أثر الثورة الرقمية والاستخدام المكثف لشبكات التواصل الاجتماعي في رسم الصورة الجديدة لمفهوم المواطنة: من المواطن العادي إلى المواطن الرقمي”، مجلة دفاتر السياسة والقانون، العدد الخامس 15، يونيو 2016: ص.726.
[16] – رمضان عبد المجيد، “الديمقراطية الرقمية كآلية لتفعيل الديمقراطية التشاركية (حالة الجزائر)”، دفاتر السياسة والقانون، العدد 16 يناير (2017)، ص.80.
[17] – وليد محمد عبد العليم، استراتيجية تربوية مقترحة لتعزيز الديموقراطية الرقمية بجامعة بني سويف في ضوء رؤية مصر 2030، مجلة كلية التربية، عدد أكتوبر، الجزء الثاني، 2021، ص ص 254 – 266.
[18] – Zach Lampell & Lily Liu, How can AI amplify civic freedoms?, December 18, 2018, at: https://www.openglobalrights.org/how-can-AI-amplify-civic-freedoms/?lang=English
[19] – فاضلي سيد علي، آثار التطور التكنولوجي على حماية الحق في الخصوصية في النظام الأوربي لحماية حقوق الإنسان، مجلة الاستاذ الباحث للدراسات القانونية والسياسية، المجلد الرابع، العدد 2، 2020، ص 256.
[20] – فرانسيس فوكو ياما، كيف ننقذ الديمقراطية من مخالب التكنولوجيا الكبرى؟، نون بوست، بتاريخ 27 نوفمبر 2020، على الرابط: https://www.noonpost.com/content/39031
[21] – نوال مغزيلي، دور تكنولوجيا الإعلام والاتصال في إرساء ممارسة جديدة للديمقراطية: الديمقراطية الالكترونية، المركز الديموقراطي العربي، بتاريخ 28. مايو 2017، على الرابط: https://www.democraticac.de/?p=46833
[22] – هل تقضي التكنولوجيا على الديمقراطية، صحيفة العرب اللندنية، بتاريخ 13 نوفمبر، 2018، على الرابط: https://alarab.co.uk/%D9%87%D9%84-%D8%AA%D9%82%D8%B6%D9%8A-%D8%A7%D9%84%D8%AA%D9%83%D9%86%D9%88%D9%84%D9%88%D8%AC%D9%8A%D8%A7-%D8%B9%D9%84%D9%89-%D8%A7%D9%84%D8%AF%D9%8A%D9%85%D9%82%D8%B1%D8%A7%D8%B7%D9%8A%D8%A9?amp
[23] – بن عطية بوعبد الله رمضان عبد المجيد، الديمقراطية الرقمية كآلية لتفعيل الديمقراطية التشاركية – حالة الجزائر، دفاتر السياسة والقانون، المجلد 9، العدد 16، 2017، ص 82.
[24] – عادل عبد الصادق، الديموقراطية الرقمية، سلسلة مفاهيم استراتيجية، المركز العربي لأحاث الفضاء الالكتروني، سبتمبر 2010، ص4.
[25] – إبراهيم كرثيو، الديكتاتوريون الرقميون: كيف تساهم التكنولوجيا في تقوية الاستبداد، مركز المجدد للبحوث والدراسات، بتاريخ 16 يونيو 2021، على الرابط: https://almojaded.com/2021/06/16/digital-dictators/
[26] – عادل رفيق، الذكاء الاصطناعي وإعادة تشكيل النظام العالمي، المركز المصري للدراسات، بتاريخ 25 يوليو، 2018، على الرابط: https://eipss-eg.org/%D8%A7%D9%84%D8%B0%D9%83%D8%A7%D8%A1-%D8%A7%D9%84%D8%A7%D8%B5%D8%B7%D9%86%D8%A7%D8%B9%D9%8A-%D9%88%D8%A5%D8%B9%D8%A7%D8%AF%D8%A9-%D8%AA%D8%B4%D9%83%D9%8A%D9%84-%D8%A7%D9%84%D9%86%D8%B8%D8%A7%D9%85-%D8%A7%D9%84%D8%B9%D8%A7%D9%84%D9%85%D9%8A/
[27] – نصر محمد عارف، هل تقضي التكنولوجيا على الديمقراطية؟، بوابة العين الإخبارية، بتاريخ 230 نوفمبر 2020، على الرابط: https://al-ain.com/article/does-technology-destroy-democracy
[28] – جيدور حاج بشير، أثر الثورة الرقمية والاستخدام المكثف لشبكات التواصل الاجتماعي في رسم الصورة الجديدة لمفهوم المواطنة: من المواطن العادي إلى المواطن الرقمي”، مجلة دفاتر السياسة والقانون، العدد الخامس 15، يونيو 2016: ص.728.
[29] – كيف تهدد تكنولوجيا المعلومات الديمقراطية، موقع الجزيرة، بتاريخ 21 فبراير 2018، على الرابط: https://www.aljazeera.net/opinions/2018/2/21/%D9%83%D9%8A%D9%81-%D8%AA%D9%87%D8%AF%D8%AF-%D8%AA%D9%83%D9%86%D9%88%D9%84%D9%88%D8%AC%D9%8A%D8%A7-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%B9%D9%84%D9%88%D9%85%D8%A7%D8%AA

