د. محمد حسن الزيبق
أستاذ الدراسات الإيرانية بكلية اللغات والترجمة – جامعة الأزهر
تمثل العلاقات الإيرانية الليبية نموذجًا مركبًا لتفاعل طهران مع ساحات عربية خارج دائرة نفوذها التقليدية في منطقة المشرق العربي، فعلى الرغم من البعد الجغرافي بينهما والاختلافات المذهبية والثقافية، إلا أن ذلك لم يقف حائلًا أمام الطموحات الإيرانية لتعزيز دورها ونفوذها هناك؛ حيث سعت في مراحل مختلفة إلى إيجاد موطئ قدم لها في الساحة الليبية، مدفوعة بمفهوم “العمق الاستراتيجي” الذي بات ركيزة في سياستها الخارجية. إلا أن الطموحات الإيرانية في ليبيا ظلت دائمًا تصطدم بواقع معقد تحكمه فوضى داخلية، وتدخلات خارجية، بالإضافة إلى العوامل الداخلية الإيرانية التي تجعل من التغلغل الإيراني يواجه مجموعة من التحديات الصعبة.
أولًا: ليبيا في الرؤية الاستراتيجية الإيرانية
منذ انتصار الثورة الإسلامية في عام 1979، واصلت إيران محاولة تصدير مشروعها الثوري وتوسيع نفوذها في المحيطين العربي والإسلامي. وفي هذا الإطار، تبنت طهران مفهوم “العمق الاستراتيجي” الذي يقوم على بناء شبكة من الحلفاء خارج حدودها، في مواجهة ما تعتبره مشروعًا غربيًا عدائيًا. وفي هذا السياق، تصاعدت أهمية ليبيا الاستراتيجية باعتبارها دولة ذات غالبية مسلمة، وتتمتع بموقع جيوسياسي متميز على سواحل البحر الأبيض المتوسط، ولعل استمرار حالة الاصطدام والتوترات الداخلية على مختلف الملفات السياسية والأمنية منذ سقوط نظام معمر القذافي في عام 2011 ساهمت في تنامي أهمية ليبيا الاستراتيجية في الرؤية الإيرانية الهادفة إلى اختراقها.
ومع ذلك، لا تزال ليبيا بعيدة عن دوائر التأثير الإيراني مقارنة بساحات أخرى مثل العراق وسوريا ولبنان واليمن. ويمكن إرجاع ذلك إلى مجموعة من الاعتبارات، أبرزها البعد الجغرافي، والافتقار إلى الحضور التاريخي، وطبيعة التركيبة الدينية والاجتماعية الليبية التي لا تتقاطع بالضرورة مع النموذج الإيراني الذي يمكن أن يعزز من سيطرة ونفوذ إيران هناك. وفيما يلي أبرز محطات تطور العلاقات الإيرانية – الليبية:
1. جذور العلاقة في عهد الشاه والقذافي
بدأت العلاقات الدبلوماسية بين إيران وليبيا رسميًا في عام 1967، واستمرت بعد انقلاب القذافي. ورغم عدم تحقيق تقدم كبير في البداية، إلا أن الرئيس الليبي السابق معمر القذافي سعى بعد وفاة الرئيس المصري الأسبق جمال عبد الناصر لزعامة العالم العربي. وعلى الرغم من عداء القذافي لإيران في بعض القضايا مثل علاقة الشاه بإسرائيل واحتلال إيران للجزر الإماراتية الثلاث، إلا أن العلاقة بينهما اتخذت منحى مختلفًا بعد اندلاع الثورة الإيرانية؛ حيث عبر الرئيس معمر القذافي عن تأييده للثورة الإيرانية، واصفًا إياها بـ”الهبة الإلهية والظاهرة الإيجابية” التي ستحدث تغييرًا في موازين القوى بالمنطقة. وبعد نجاح الثورة، سارعت ليبيا إلى إقامة علاقات دبلوماسية كاملة، وفتحت سفارتها في طهران.
وقد لعبت ليبيا دورًا ملحوظًا في الأيام الأولى للثورة الإيرانية؛ حيث سعت إدارة الرئيس الأمريكي الأسبق جيمي كارتر للاستفادة من هذا التقارب للتفاوض بشأن الرهائن الأمريكيين المحتجزين في السفارة الأمريكية بطهران. والأكثر أهمية من ذلك يتمثل في اتجاه ليبيا إلى دعم إيران بالأسلحة خلال الحرب العراقية الإيرانية، رغم أن فعالية هذه الأسلحة كانت موضع تساؤل. وفي هذا السياق، يشير مسئولون إيرانيون، بمن فيهم علي أكبر ولايتي، إلى أن ليبيا قدمت “دعمًا تسليحيًا قيمًا للغاية”. كما ذكر هاشمي رفسنجاني في مذكراته وجود قوات ليبية مباشرة في المنشآت العسكرية الإيرانية خلال الحرب.
ومن ناحية أخرى، وعلى الرغم من الدعم الليبي، فإن اتجاهات الرئيس الأسبق معمر القذافي وطموحاته المتناقضة أثرت سلبًا على مسار تطور العلاقات الليبية – الإيرانية، فبينما تم الإعلان عن وجود أوجه للتعاون المشترك، إلا أنه على الجانب الآخر استضاف اجتماعات مع فصائل معارضة إيرانية مثل منظمة مجاهدي خلق، كما أثار ملف الإمام موسى الصدر، رجل الدين الشيعي اللبناني الذي اختفى في ليبيا عام 1978 توترات كبيرة بين الجانبين، وهذا التناقض في الموقف الليبي، إلى جانب قضايا أخرى مثل دعم القذافي لانفصال كردستان، أثار شكوكًا حول نواياه.
2. تحالف الضرورة والحرب العراقية – الإيرانية (1980–1988)
بلغت العلاقات بين إيران وليبيا ذروتها خلال الحرب العراقية – الإيرانية، حين لعبت ليبيا دورًا محوريًا في دعم إيران بالأسلحة، لا سيما الصواريخ الباليستية من طراز سكود-بي. وقد جاء هذا الدعم في إطار ما يمكن تسميته بـ”تحالف الضرورة”؛ إذ وجد القذافي فرصة لمناكفة خصومه العرب والغربيين عبر دعم إيران، في حين وجدت طهران في هذا الدعم ضرورة استراتيجية لتعويض نقص التسليح. غير أن هذا التعاون لم يخلُ من التعقيدات؛ إذ شابه شروط سياسية وضغوط أمريكية – عراقية، انتهت إلى تراجع الدعم الليبي، بل وحدوث عمليات تخريب لصواريخ قبل تسليمها، وقد شكلت هذه التجربة حافزًا لإيران للاتجاه نحو الاكتفاء الذاتي في مجال التسلح، وخاصة في تطوير برنامجها الصاروخي.
وامتدادًا لذلك، أثرت فترة التحولات ما بعد الحرب العراقية – الإيرانية على مسار تطور العلاقات الليبية – الإيرانية، فبعد انتهاء الحرب، وإعدام مهدي هاشمي المسئول عن شئون حركات التحرر في الحرس الثوري، الذي كان على علاقة بليبيا، تراجعت مكانة ليبيا في الرؤية الاستراتيجية الإيرانية. واتجهت العلاقة بينهما إلى الدخول في سمة الطابع الدبلوماسي التقليدي، وإن ظلت متأثرة بملف الإمام موسى الصدر، وهو ما أفرز مجموعة من الصعوبات في أن تصبح إيران حليفًا قويًا يعترف بليبيا كدولة قائدة للعالم الإسلامي، وبسبب تناقضات الرئيس الليبي السابق القذافي فقد اتجه إلى تبني مواقف عدائية تجاه إيران في قضايا مثل احتلال إيران للجزر الثلاث الإماراتية والملف النووي.
3. مرحلة ما بعد القذافي: حضور خافت وطموحات مؤجلة
بعد سقوط نظام الرئيس الليبي معمر القذافي، شهدت ليبيا مرحلة من تصاعد الفوضى السياسية والصراع بين الفصائل المختلفة، كما لم تتخذ إيران موقفًا واضحًا في دعم أي طرف من الأطراف المتحاربة، على الرغم من تصريحات وزير الخارجية الإيراني السابق محمد جواد ظريف حول وجود رؤية مشتركة مع تركيا بشأن حل الأزمة في ليبيا (التي تدعم حكومة الغرب). لكنها عمليًا، لم تمانع -وفقًا لبعض التقارير- من استخدام روسيا لأراضيها (مطار همدان) في نقل الدعم العسكري لحفتر، وهو ما جعلها في نظر حكومة طرابلس أقرب لمحور روسيا وبعض الدول العربية. ويمكن القول إن هذا الاصطفاف غير المعلن بصورة مرحلية يتماشى مع سياسة طهران في توسيع تحالفاتها الإقليمية ضد النفوذ الغربي ولكن دون الانخراط المباشر في الأزمة.
من ناحية أخرى، ترى إيران أن ليبيا من الممكن أن تكون أرضًا خصبة لبناء نفوذ جديد، وفي إطار ما أسمته “الصحوة الإسلامية”، أرسلت طهران بعثات إنسانية ومساعدات طبية، وتواصلت مع أطراف ليبية، في محاولة لتقديم نفسها كحليف للشعوب لا الأنظمة. وقد أقر وزير الخارجية الإيراني الأسبق، علي أكبر صالحي بوجود “فيلق القدس” التابع للحرس الثوري الإيراني في ليبيا؛ حيث أرسل فرقًا ميدانية لتقديم خدمات “إنسانية” وتنسيقًا استخباراتيًا مع بعض الفصائل الليبية. وتكشف تصريحات صالحي عن تداخل عميق بين المسارين السياسي والأمني، وهو ما يشير إلى أن السفارات الإيرانية لم تكن مجرد بعثات دبلوماسية تقليدية، بل نقاط ارتكاز لعمليات نفوذ متعددة الأوجه.
إلا أن هذا الحضور سرعان ما واجه عوائق جمّة مثل الوضع الأمني المتدهور، والحذر الإقليمي من الطموحات الإيرانية، وعدم قدرة البعثة الدبلوماسية الإيرانية على العمل بشكل علني، بل ونقل مهامها إلى سفير غير مقيم في تونس، ومع تراجع الزخم الإيراني في شمال أفريقيا مقارنة بتمركزه في منطقة الهلال الخصيب، تبقى ليبيا بالنسبة لإيران ورقة احتياطية، يمكن تفعيلها إذا ما استدعى التوازن الإقليمي ذلك، خصوصًا في سياق تصعيد محتمل مع الغرب؛ حيث تدرك إيران أن زمن تصدير الثورة قد انتهى، وأن ليبيا ما بعد القذافي ليست مجال مناسب لنشر المشروع الإيراني بالمعنى التقليدي. ومن ثم يمكن القول إن الدور الإيراني في ليبيا بعد عام 2011 لم يكن علاقة دولة بدولة، بقدر ما كان علاقة تجريبية بين قوة إقليمية ذات مشروع توسعي وساحة مفتوحة أمنية وسياسية؛ حيث لم تنجح إيران في تحويل ليبيا إلى “قاعدة ارتكاز”، لكنها حققت بعض المكاسب التكتيكية، خاصة في مرحلة ما بعد القذافي.
ثانيًا: أسباب ضعف النفوذ الإيراني في ليبيا
على الرغم من محاولات إيران المتكررة لتعزيز نفوذها في الداخل الليبي، إلا أن حضورها ونفوذها ظل محدودًا وهامشيًا. ويمكن إرجاع ذلك إلى مجموعة من الأسباب من أهمها:
1. المتغيرات الداخلية الإيرانية: ثمة مجموعة من العوامل الداخلية الإيرانية التي ساهمت في إعادة تشكيل التوجهات الإيرانية تجاه ليبيا وقضاياها المرتبطة بها، كما أن غياب فهم دقيق للواقع الليبي؛ تعاملت طهران مع ليبيا عبر عدسة أيديولوجية، متوقعة صعود حركات إسلامية تشبه حزب الله أو الحوثيين، بينما الواقع الليبي أكثر تعقيدًا وتشظيًا.
2. ضعف الأداء الاقتصادي والدبلوماسي: تعاني إيران من مشكلات هيكلية في مؤسساتها الاقتصادية، وهو ما يمنعها من استثمار الفرص في ليبيا. كما يربك تضارب المؤسسات الفاعلة في السياسة الخارجية الإيرانيّة مواقف الدول المستقبِلة.
3. التركيز على المشرق العربي: انشغلت إيران خلال العقد الأخير بساحات صراع أقرب، كالعراق وسوريا واليمن، وهو ما جعل ليبيا أولوية ثانوية في استراتيجيتها الإقليمية.
4. هشاشة المشهد الأمني والسياسي الليبي: لعبت الانقسامات الداخلية، وتعدد مراكز القوى الداخلية، وفوضى الميليشيات، بالإضافة إلى تنامي التدخلات الخارجية دورًا مهمًا في الحد من قدرة أي طرف خارجي على بناء شراكات ثابتة.
5. مخاوف القوى السياسية الليبية: تفضّل القوى السياسية الليبية البقاء ضمن علاقات محسوبة مع إيران، دون مجازفة في إطار أهدافها المتعلقة بالبعد عن توتر العلاقة مع حلفائها الغربيين أو الإقليميين من الدول العربية.
6. الاختلافات العقائدية: لا يشكل النموذج الإيراني قوة جذب للقوى الدينية في ليبيا، التي يغلب عليها الطابع الصوفي أو السلفي والذي يتعارض بصورة أو بأخرى مع القيم الدينية للنظام الشيعي، بالإضافة إلى غياب مكونات شيعية مؤثرة في الداخل الليبي التي يمكن أن تكون وكيل المصالح الإيرانية هناك ويمكن أن تساهم في تعزيز نفوذها.
ثالثًا: أدوات الحضور الإيراني في ليبيا: مقاربات هجينة
رغم محدودية العلاقات الرسمية بين إيران وليبيا، وعدم وجود شراكة استراتيجية مؤسسية أو تحالفات معلنة بين الجانبين، فإن طهران عملت خلال السنوات الماضية على توظيف أدوات مركّبة وهجينة لخلق حضور سياسي وأمني وثقافي ناعم داخل المشهد الليبي. ويأتي هذا التغلغل في إطار منهجية إيرانية واسعة النطاق تقوم على استخدام أدوات غير تقليدية لبناء “مواضع نفوذ مرنة” في البيئات الهشة، بما يسمح لها بتحقيق أهداف استراتيجية دون الدخول في مواجهات مباشرة مع القوى الكبرى أو الإقليمية.
1. المساعدات الإنسانية كأداة اختراق ناعمة
توظف إيران المساعدات الإنسانية بوصفها مدخلًا أوليًا لبناء شبكات تعاطف محلية، وتكريس صورة “الدولة الحاضنة لقضايا الشعوب الإسلامية”. وقد برز هذا التوجه خلال أزمة فيضانات مدينة درنة في سبتمبر 2023؛ حيث بادرت طهران بإرسال مساعدات طبية وإنسانية رمزية إلى شرق ليبيا، رغم أن هذا الإجراء تم دون تنسيق رسمي معلن مع الحكومة الليبية. وهدفت هذه الخطوة إلى أمرين: أولًا، خلق حضور رمزي في مناطق لا تخضع لهيمنة القوى الغربية؛ وثانيًا، فتح قنوات اتصال مع الأطراف المحلية المسيطرة على الأرض تحت غطاء العمل الإنساني.
2. الدبلوماسية الرمزية والتصريحات التضامنية
تستثمر إيران في “الدبلوماسية الخطابية” كأداة منخفضة التكلفة لبناء موضع سياسي في الملفات التي لا تمتلك فيها نفوذًا مباشرًا. وقد دأبت وزارة الخارجية الإيرانية على إصدار بيانات تأييد للحوار الوطني الليبي، والدعوة إلى حل سياسي شامل، ورفض التدخل الأجنبي. وتُعد هذه التصريحات بمثابة رسائل موجهة إلى الداخل الإيراني من جهة، وإلى بعض القوى الليبية من جهة أخرى، لتعزيز الانطباع بأن طهران تدعم خيارات “التحرر الوطني” في مقابل الاصطفافات الغربية – الخليجية.
3. الدعم الإعلامي وترويج الخطاب المناهض للهيمنة
تستغل إيران منصاتها الإعلامية الناطقة بالعربية، مثل قناة “العالم” وشبكة “الكوثر”، في ضخ محتوى إعلامي موجه يُركز على قضايا السيادة والاستقلال، والتحرر من النفوذ الغربي. وتُستخدم هذه القنوات كمنابر غير رسمية لتعزيز الرواية الإيرانية تجاه الأحداث الليبية، وتصوير طهران كفاعل داعم لمقاومة “الهيمنة الغربية”، في مقابل تصوير خصومها الإقليميين كأدوات في مشروع دولي معادٍ.
4. الحضور عبر المنظمات المدنية والطبية والتعليمية
تشير بعض التقارير الأمنية إلى وجود محاولات إيرانية لاختراق المجتمع الليبي من خلال واجهات مدنية، تشمل مؤسسات طبية وتعليمية، أو جمعيات دينية وإنسانية مدعومة من مؤسسات مرتبطة بالحرس الثوري أو وزارة الثقافة والإرشاد الإسلامي. وتتمثل أهداف هذه الكيانات في بناء شبكات محلية من النشطاء والمستفيدين، يمكن توظيفهم لاحقًا كأدوات ضغط أو كوسطاء في بيئات النزاع. وقد لوحظ أيضًا استغلال بعض هذه المنظمات لبرامج تدريبية أو بعثات دراسية تُقدم باسم “التعاون الثقافي الإسلامي”.
5. النشاط الاستخباراتي والدبلوماسية الأمنية
كشفت تصريحات سابقة لوزير الخارجية الإيراني الأسبق علي أكبر صالحي عن وجود عناصر من “فيلق القدس” – الذراع الخارجي للحرس الثوري – في ليبيا، تحت غطاء تقديم خدمات إنسانية واستخباراتية. ورغم الغموض حول طبيعة هذه المهمات، إلا أن المؤشرات تدل على أن طهران تسعى لبناء خرائط نفوذ أمني استخباري في ليبيا، مشابه لما فعلته في العراق ولبنان، لكن دون تكرار نموذج “التموضع العلني” الذي قد يثير حفيظة القوى الإقليمية. ويُرجح أن تكون طبيعة هذا الحضور أقرب إلى الرصد والتنسيق والتأثير لا إلى العمل والنشاط العسكري المباشر.
6. التنسيق غير المعلن مع موسكو
اتجهت إيران في بعض المحطات المفصلية إلى تنسيق ميداني غير مباشر مع موسكو في ليبيا، خاصة في شرق البلاد الذي يُعد ساحة نفوذ روسية وأن إيران سمحت لروسيا باستخدام مطاراتها (مثل قاعدة همدان) لدعم عمليات النقل اللوجستي إلى قوات “الجيش الوطني الليبي”. ويعكس هذا التقاطع رغبة طهران في الاصطفاف ضمن محور إقليمي دولي مضاد للهيمنة الغربية، لكن دون الدخول في التزامات استراتيجية مع أطراف الصراع الليبي.
7. استثمار فوضى الميليشيات
تحاول إيران استكشاف فرص لاختراق بعض الفصائل المسلحة والميليشيات الدينية في الغرب والجنوب الليبي، خاصة تلك التي تعاني من التهميش أو الصراع مع القوى السلفية المدعومة من بعض الدول الأخرى. وقد تكون هذه الاتصالات على مستوى أفراد أو مجموعات صغيرة، ولا يُشترط أن تكون ذات طابع عقائدي شيعي، بل يُحتمل أن تكون أقرب إلى تحالفات نفعية مؤقتة تعتمد على التمويل والدعم الفني المحدود.
وفي ضوء ذلك، يمكن القول إن أدوات إيران في ليبيا تندرج وتصنف ضمن استراتيجية “التوغل منخفض الكلفة” الذي يعتمد على تقنيات متدرجة وطويلة الأمد لاختراق البيئات الهشة. ورغم أن نتائج هذه الأدوات لا تزال محدودة حتى الآن، إلا أن تراكمها يشكّل رصيدًا يمكن لإيران توظيفه إذا ما تغيّرت المعادلات الليبية أو الإقليمية في المستقبل، وبالتالي تبقى ليبيا في رؤية صانع القرار الإيراني، “فرصة مؤجلة” لا تستحق استنزاف الموارد لكنها تستحق المتابعة والاختراق المتدرج.
رابعًا: أهداف إيران في ليبيا
تسعى إيران إلى توظيف الساحة الليبية كجزء من استراتيجيتها الإقليمية طويلة المدى، مدفوعة بطموحها لكسر عزلتها الجيوسياسية، وتوسيع دوائر نفوذها بما يتجاوز بيئتها التقليدية في المشرق. ورغم أن الحضور الإيراني في ليبيا لا يزال محدودًا مقارنة بساحات مثل العراق أو سوريا، فإن طهران تنظر إلى ليبيا كفرصة استراتيجية كامنة يمكن تفعيلها وفقًا لمعادلات التوازنات الإقليمية والدولية.
وتستند هذه الرؤية إلى قناعة مفادها أن التحولات البنيوية التي شهدتها ليبيا بعد عام 2011، والانكشاف الأمني، وتعدد الفاعلين، يمكن أن توفر مجالًا خصبًا لاختبار مقاربات غير مباشرة لتعزيز نفوذها، كما تتقاطع تطلعات إيران في ليبيا مع أهداف أكثر عمقًا ترتبط بإعادة تشكيل البيئة الاستراتيجية لمنطقة شمال أفريقيا والبحر المتوسط، في مواجهة مشاريع منافسة، خاصة التركية والغربية.
1. كسر العزلة الإقليمية والدولية
تحاول إيران من خلال الانخراط الجزئي في الملف الليبي تقديم نفسها كفاعل “عقلاني” يدعم الاستقرار والحلول السياسية، في مسعى لإعادة تدوير صورتها إقليميًا، والتقليل من آثار العزلة المفروضة عليها نتيجة سياساتها في المشرق والخليج. ومن خلال الحضور الإنساني والإعلامي، تسعى طهران لإعادة تقديم خطابها على نحو يوحي بـ “الاعتدال البراغماتي”، خصوصًا في الأوساط الأفريقية والمتوسطية.
2. توسيع النفوذ في شمال أفريقيا
يمثل التوغل الإيراني في ليبيا مدخلًا للنفاذ إلى منطقة شمال أفريقيا، لا سيما في ظل علاقات إيران المحدودة أو المتوترة مع دول الجوار الليبي (مثل الجزائر وتونس). وتُعد ليبيا بوابة محتملة لتوسيع الحضور الإيراني في حوض البحر الأبيض المتوسط، وإيجاد نقاط ارتكاز جنوب أوروبا، بما يخدم طموحات استراتيجية أبعد مدى، خاصة في ظل تصاعد التوترات مع الغرب.
3. خلق توازن مضاد للدور التركي
في ضوء تنامي النفوذ التركي في ليبيا، تسعى إيران إلى بناء موضع توازن مقابل، سواء عبر أدوات مباشرة أو غير مباشرة. وقد اتضح ذلك من خلال تقاطع المواقف بين طهران وموسكو في دعم بعض الأطراف المناوئة لحكومة طرابلس المدعومة تركيًا، وإن كان هذا الدعم غير معلن بشكل صريح.
4. استثمار في الفوضى الأمنية
تنظر إيران إلى هشاشة الوضع الأمني والسياسي في ليبيا كفرصة لترسيخ مقاربات “الحرب غير المتكافئة” التي تمكّنت من تفعيلها في أماكن أخرى، مثل دعم الفصائل شبه المسلحة، أو خلق شبكات مدنية ناعمة، أو تفعيل نشاط الاستخبارات في مناطق رخوة، رغم أن تطبيق هذه الأدوات في ليبيا يظل محدودًا مقارنة ببيئات أخرى.
وامتدادًا لذلك،يكشف تحليل الدور الإيراني في ليبيا عن صورة مركّبة ومزدوجة، تجمع بين طموحات استراتيجية ممتدة من رؤية “العمق الاستراتيجي”، وقيود جيوسياسية ناتجة عن تعقيدات البيئة الليبية ذاتها وتداخلات الفاعلين الإقليميين والدوليين. فإيران، وإن كانت حاضرة ذهنيًا واستراتيجيًا في حسابات ليبيا ما بعد 2011، فإن قدرتها على التغلغل الفعلي في الداخل الليبي ظلّت دومًا رهينة لمعادلتين متزامنتين: هشاشة البنية الداخلية الليبية من جهة، واشتباك التوازنات الخارجية من جهة أخرى.
فعلى المستوى الداخلي، لم توفر ليبيا البيئة المناسبة لنموذج التوسع الإيراني الذي أثبت فاعليته في بيئات مشرقية مثل العراق وسوريا ولبنان. فالوضع الليبي محكوم بتشظٍّ سياسي حاد، يتجلى في انقسام مؤسسي بين حكومتين، وانهيار مركزي للسلطة، وفسيفساء معقدة من الفصائل المسلحة والميليشيات المتضاربة الولاءات، فضلًا عن غياب أي مكون طائفي أو أيديولوجي قادر على أن يلعب دور “الوكيل المحلي” للمصالح الإيرانية كما حدث في دول أخرى داخل المنطقة العربية. كما أن الثقافة الدينية الليبية – ذات الطابع السني المحافظ أو الصوفي – لم توفر قاعدة عقائدية أو نفسية تُسهّل اختراقًا فكريًا أو سياسيًا، وهو ما جعل طهران تتعامل مع الملف الليبي بمنطق “الفرصة المؤجلة” لا “الساحة النشطة”.
من جهة أخرى، أدت التفاعلات الإقليمية والدولية داخل ليبيا إلى فرض سقف صلب على أي محاولة إيرانية لبناء موضع نفوذ مستقر. فالقوى الإقليمية الكبرى المنخرطة مثل مصر تتبنى مواقف واضحة بين الرفض الصريح والحذر تجاه أي انخراط خارجي في الملف الليبي ومنها إيران، وعلى الصعيد الدولي، فإن الولايات المتحدة والدول الأوروبية لا ترى في أي حضور إيراني – حتى لو كان ناعمًا – عنصرًا مساعدًا على الاستقرار، بل تضعه في خانة التهديدات الأمنية المحتملة، لا سيما في سياق التنافس الجيوسياسي الأوسع على شرق المتوسط والساحل الأفريقي. وهو ما دفع واشنطن إلى تتبع أي تحرك إيراني في ليبيا بمنطق “الاحتواء المبكر”، بينما تتبنى أوروبا موقفًا وقائيًا عبر تعزيز حضورها المدني والدبلوماسي خشية تكرار نموذج الميليشيات كما في المشرق.
ورغم هذه القيود، لم تغب إيران عن الساحة الليبية، بل تبنت أدوات مرنة منخفضة الكلفة، تتراوح بين المساعدات الإنسانية، والتصريحات التضامنية، وتوظيف القنوات الثقافية والإعلامية، وأحيانًا التنسيق غير المباشر مع موسكو، أو استخدام البعثات الدبلوماسية كمراكز اتصال استخباري واستطلاعي. وتمثل هذه الأدوات محاولة لبناء “وجود كامِن” يمكن استدعاؤه لاحقًا في حال تغيّرت البيئة السياسية أو حدث تصعيد استراتيجي في الإقليم.
في الختام: يمكن توصيف الدور الإيراني في ليبيا بأنه يرتكز على اتجاهات “الاختراق المؤجل” الذي يتسم بخصائص التسلل الناعم لا التوسع النشط أو الشروع في انتهاج سياسات التمكين الهيكلي. فإيران تدرك أن ليبيا لا تُدار بمنطق الولاء الأيديولوجي أو المذهبي، بل بمنطق المصلحة السيادية وحسابات القوى المتشابكة، وبالتالي فإن أي انخراط مفرط في الساحة الليبية قد يؤدي إلى نتائج عكسية، سواء عبر التصادم مع الفواعل الإقليمية والدولية، أو بخلق ارتدادات دبلوماسية قد تضر بصورتها في شمال أفريقيا.
ومن ثم، تمثل ليبيا بالنسبة لطهران حتى الآن بمثابة ساحة للمناورة لا للانخراط الميداني وليس منصة للنفوذ، وهي أشبه بنقطة رصد استراتيجية في خارطة مصالح مرنة، قابلة للتفعيل أو الإرجاء وفق ما تفرضه الضرورات الإقليمية والتوازنات الدولية. ومع بقاء الوضع الليبي في حالة عدم يقين، سيظل الدور الإيراني محكومًا بثلاثة محددات: هشاشة الداخل الليبي، صلابة الممانعة الإقليمية، وتوجس المنظومة الدولية. وهذه المحددات الثلاثة، مجتمعة، تصنع سقفًا لطموحات إيران في ليبيا لا يمكن تجاوزه دون أن تدفع طهران أثمانًا سياسية واستراتيجية ليست مستعدة لها في الوقت الراهن.

