د. سامح الجارحي
أكاديمي وخبير في العلاقات الدولية
تنظر الصين وروسيا إلى إيران باعتبارها حليفًا استراتيجًيا مهمًا في منطقة الشرق الأوسط وعلى الرغم من إن هناك علاقات شراكة استراتيجية أخرى مع دول الإقليم من بينها مصر، تركيا، ودول مجلس التعاون الخليجي وغيرها من دول الشرق الأوسط، إلا إن إيران تمتلك أهمية كبيرة بالنسبة لهما، فجانب كونها حليفًا استراتيجيًا لكل من روسيا والصين، فإن إيران تمثل إحدى حلقات الصراع الشرقي (بقيادة روسيا والصين) والغربي (بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية والدول الأوروبية) وبالتحديد بعد الحرب الروسية الأوكرانية والتي تعتبر بمثابة مسرح عمليات عسكرية لهذا الصراع من أجل بسط النفوذ وإعادة التمركز على الساحة العالمية التي تُسيطر عليها الولايات المتحدة الأمريكية سياسيًا وعسكريًا بينما تُسيطر عليها الصين اقتصاديًا.
ولهذا فإن الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران تمثل نقطة اختبار للتحالفات السياسية والعسكرية الدولية بالإضافة إلى أنها تعتبر محورًا مهمًا لإعادة ترتيب النظام العالمي وفقًا لنتائجها النهائية والتي اتضحت ملامحها إلى حدٍ كبير من خلال تحقيق إيران مجموعة من المكاسب وانتصار جزئي بعدما لم تتمكن الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل من تحقيق أهداف الحرب المُعلنة والتي تتمثل في الإطاحة بالنظام الإيراني وتدمير البرنامج النووي الإيراني والبرنامج الصاروخي الإيراني وقدرات إيران العسكرية بالإضافة إلى إنهاك وتدمير محور وكلاء إيران في منطقة الشرق الأوسط عبر استراتيجية فصل الرأس عن الجسد.
كما أن الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران تمثل فرصة تاريخية لكل من روسيا والصين لإعادة إنتاج نظام عالمي جديد متعدد الأقطاب يعتمد عليهما بجانب الولايات المتحدة الأمريكية كأضلاع لمثلث النظام العالمي الجديد – من وجهة النظر الروسية والصينية – حيث أن صمود إيران في وجه الآلة العسكرية الأمريكية والإسرائيلية وتحقيق نتائج من شأنها تعزيز سردية التفوق الشرقي بقيادة الصين وروسيا على المعسكر الغربي بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية على المستوى السياسي والعسكري والاقتصادي، وهو ما سيمثل نقلة نوعية في تطور النظام الدولي والعلاقات الدولية والتفاعلات على مستوى منطقة الشرق الأوسط والعالم.
ولهذا يمكن فَهم الدعم الروسي الصيني لإيران في حربها ضد الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل من أجل تحقيق مصالح مشتركة بالإضافة إلى إعادة تموضع للقوى العالمية وخلق نظام عالمي جديد بعيد بشكلٍ ما عن الهيمنة الأمريكية.
أولًا: الدعم الصيني لإيران: نحو تأسيس نظام عالمي جديد
تعتمد الصين على إيران في توفير نسبة كبيرة من امدادات الطاقة وخصوصًا بعد قيام الولايات المتحدة الأمريكية باختطاف الرئيس الفنزويلي (نيكولاس مادورو) وتمكنها من السيطرة على النفط الفنزويلي، وهو ما ساهم في تصاعد أهمية إيران بالنسبة للصين في هذا الشأن ولهذا ولعدة أسباب أخرى تقوم الصين بدعم إيران خلال الحرب الأمريكية الإسرائيلية عليها عبر مجموعة من السياسات؛ حيث تراقب الصين مُجريات الأمور خلال هذه الحرب بدقة وتدعم فكرة عدم سقوط النظام الإيراني حتى لا تفقد حليفًا استراتيجيًا مهمًا في منطقة الشرق الأوسط التي تمثل أحد المناطق الاستراتيجية بالنسبة للصين بالإضافة إلى كون الحرب على إيران وصمود إيران يعتبر تجربة عملية لمستقبل التحالفات الدولية والأقطاب المتعددة في العالم بعد انتهاء الحرب، كما أنها تجربة دقيقة بالنسبة للصين لاختبار القدرات العسكرية الأمريكية وتحليلها لدعم فكرة التصدي لهذه القدرات في جولات مستقبلية ربما تكون مُباشرة بين الصين والولايات المتحدة الأمريكية سواء في تايوان أو في بحر الصين الجنوبي.
وفي ضوء ذلك، تتعدد أوجه الدعم الذي تُقدمه الصين لإيران قبل الحرب الأمريكية الإسرائيلية عليها وفي أثناء الحرب ومن أهم أوجه هذا الدعم الدبلوماسي؛ حيث نددت الصين منذ اللحظات الأولى بالحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران وأيدت حق طهران الكامل في الدفاع عن وحدة أراضيها ضد العدوان الأمريكي الإسرائيلي، كما قامت إلى جانب روسيا بعرقلة قرار في مجلس الأمن يقضي باستخدام كافة الوسائل المتاحة لفتح مضيق هرمز الذي تُسيطر عليه قوات الحرس الثوري الإيراني أثناء الحرب في ضوء المخاوف الصينية من تشكيل تحالف غربي بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية لفتح مضيق هرمز باستخدام أدوات القوة العسكرية.
وفيما يتعلق بالدعم العسكري المُقَدَم من بكين إلى طهران فيتمثل في تزويد إيران بالمواد الأولية ومكونات خاصة بالوقود الصلب المُستخدم في تصنيع الصواريخ الباليستية، وشحنات لتصنيع حشوات الوقود الصلب للصواريخ الباليستية بالإضافة إلى أدوات لتطوير مجال التقنيات الفضائية لتحسين الاستهداف والرؤية الاستخباراتية وحرية استخدام نظام الملاحة عبر الأقمار الصناعية الصيني (بيدو) وهو النظام الذي يوفر دقة عالية في استهداف والمنشآت العسكرية ومراقبة التحركات ونقاط الارتكاز العسكرية بالإضافة إلى تقديم شحنات من المواد الإلكترونية التي يتم استخدامها في تطوير أنظمة الطائرات المُسيرة، بالإضافة إلى مواد كيميائية تُستخدم لأغراض عسكرية مثل الوقود الصاروخي وقطع الغيار والبنية التحتية وأنظمة القيادة والسيطرة والمراقبة. كما تُقَدِم بكين لطهران استشارات ودعمًا استخباراتي ولوجيستي لتطوير مجال التقنيات الفضائية بهدف تحسين الاستهداف والرؤية الاستخباراتية، وهو ما يرفع مستوى وقدرات أنظمة الصواريخ والطائرات المسيرة في دقة الاستهداف، ولا سيما مع ما يسمى بأنظمة التجسس أو الإنذار المبكر المتطور.
إلى جانب ذلك، تُقدِم بكين امدادات عسكرية وتكنولوجيا متقدمة ومعلومات استخباراتية فائقة لطهران؛ حيث غادرت سفينتين إيرانيتين ميناء بحري صيني قبيل الحرب الأمريكية الإسرائيلية والتي تحمل مواد كيميائية ومعدات عسكرية صينية لتطوير برنامج الصواريخ الباليستية والمُسيرات الإيرانية كما قامت شركة (Silk Road Trading Company Ltd) التي تمتلك مقرات في الصين وإيران بتقديم مواد عسكرية لصالح برنامج تطوير الصواريخ الباليستية والمُسيرات الإيراني كما قدمت إحدى الشركات التابعة للجيش الصيني وهى (China Electronics Technology Group Corporation) قدرات عسكرية تكنولوجية متقدمة وأنظمة دقيقة للصواريخ الإيرانية وأنظمة الحرب والاستخبارات الإلكترونية وتوفير بيانات عبر برنامج الملاحة عبر الأقمار الصناعية الصيني (بيدو) إلى الجانب الإيراني بالإضافة إلى تقديم بكين لطهران تكتيكات التضليل العسكري ونماذج مضللة من المعدات العسكرية التي قامت الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل بقصفها في مناطق إيرانية واتضح في النهاية إنها عبارة عن نماذج هيكلية ومجسمات وليست معدات عسكرية حقيقية في إيران.
كما تقوم الصين بتقديم مساعدات إنسانية للشعب الإيراني خلال الحرب الأمريكية الإسرائيلية على طهران تتمثل في دعم مُباشر من جانب الصليب الأحمر الصيني إلى الهلال الأحمر الإيراني بقيمة تتجاوز 200 مليون دولار بالإضافة إلى مساعدات إنسانية عاجلة لتخفيف آثار الحرب على الشعب الإيراني.
من ناحية أخرى، تمثل سيطرة إيران على مضيق هرمز إحدى أهم خطوات التصعيد بالنسبة للصين؛ حيث تعتبر بكين من أكبر المستفيدين من هذا الأمر ومن الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران بعدما استأنفت طهران تصدير النفط الخام إلى الصين في فترة الحرب بملايين البراميل من النفط الخام والذي تشتريه الصين بعملتها المحلية أو بنظام المقايضة مع طهران.
وتترقب بكين نهاية الحرب دون إعلان منتصر واضح في هذه الحرب –التي تطمح أن ستكون إيران هي المنتصر الأكبر فيها– لعدم تحقيق الأهداف الأمريكية الإسرائيلية للحرب وصمود النظام الإيراني والشعب الإيراني في مواجهة الهجمات الأمريكية والإسرائيلية وذلك لإقرار قواعد جديدة تخص نظام العبور من مضيق هرمز الذي تصر إيران على السيطرة عليه وإدارته؛ حيث تعتبر هذه الخطوة بمثابة ضربة قوية للهيمنة الأمريكية خصوصًا في منطقة الشرق الأوسط، وهو ما يمكن إن يحقق للصين مميزات كبيرة لما لها من علاقات شراكة قوية وتحالف استراتيجي مع إيران، كما ستسمح هذه الخطوة بتقليل العقوبات الغربية والأمريكية المفروضة على النفط الإيراني وعلى النظام الاقتصادي لطهران وهو ما سيسمح بتوطيد العلاقات الصينية الإيرانية على كافة المستويات خصوصًا المستوى الاقتصادي وتحقيق أكبر قدر من المكاسب والأرباح الاقتصادية للصين وإيران ولكن هناك تحديات في هذا الأمر تتمثل في الرفض العالمي ورفض دول الخليج العربي لسيطرة إيران على مضيق هرمز وهو الأمر الذي يُهدِد بعزلة دولية على طهران ولكن في نفس الوقت فإن توطيد العلاقات بين الصين وإيران من الممكن كسر هذه العزلة الدولية على المدى البعيد.
ثانيًا: الدعم الروسي لإيران: الهروب من شبح الحرب الأوكرانية
انحازت إيران إلى روسيا في أثناء الحرب الروسية الأوكرانية في مواجهة الاصطفاف الغربي بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية ضد روسيا في هذه الحرب وقدمت إيران لروسيا دعمًا متنوعًا ما بين الدعم اللوجيستي والدعم العسكري المُباشر في حربها ضد أوكرانيا؛ حيث قدمت إيران لروسيا طائرات شاهد 136 المُسيرة المتقدمة والتي غيرت مسار المعركة في أوكرانيا إلى حدٍ كبير بالإضافة إلى تقديمها تقنيات عسكرية متنوعة وصواريخ باليستية متقدمة وزهيدة الثمن في نفس الوقت الأمر الذي غير مسار المعركة العسكرية في الحرب الروسية الأوكرانية إلى حدٍ كبير في اتجاه تفوق الجانب الروسي.
في المقابل هناك علاقات متنوعة ما بين روسيا وإيران تتمثل في الشراكة والتحالف الاستراتيجي في كافة المجالات وأهمها المجالات العسكرية والعلمية والتكنولوجية والاقتصادية والاستثمارية وغيرها من المجالات الحيوية؛ حيث تقوم روسيا بإمداد إيران بالعديد من المنتجات المتنوعة المفروض عليها عقوبات اقتصادية ضد طهران بالإضافة إلى تقديم مشورات علمية خصوصًا في المجال النووي، كما إن هناك العديد من الخبراء الروس الذين يعملون في المشروع النووي الإيراني خصوصًا في مفاعل بوشهر بالإضافة إلى تقديم روسيا لإيران معدات عسكرية وأنظمة عسكرية متنوعة بعد حرب الــ 12 يوم بين إيران وإسرائيل.
ويمكن الإشارة هنا إلى إنه في أعقاب الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران سارعت روسيا بتقديم دعم دبلوماسي كبير في سياق الحفاظ على وحدة الأراضي الإيرانية ورفض العدوان الأمريكي الإسرائيلي على إيران، وهو ما ظهر من خلال تصريحات المسئولين الروس وعلى رأسهم الرئيس فلاديمير بوتين الذي أدان الهجوم الأمريكي الإسرائيلي على إيران وطالب بضرورة الوقف الفوري لإطلاق النار من كافة الأطراف بالإضافة إلى منع روسيا والصين استصدار مجلس الأمن الدولي لقرار استخدام كافة الإمكانات اللازمة لفتح مضيق هرمز، وهو الأمر الذي منع تمريره كل من روسيا والصين؛ حيث ترى هذه الدول أن استصدار قرار مثل هذا من جانب مجلس الأمن الدولي يعتبر بمثابة تصريح لاستخدام القوة لفتح مضيق هرمز بما يهدد بإمكانية التصعيد العسكري واتساع رقعته.
بالإضافة إلى ذلك، يعتبر الدعم العسكري الروسي أحد أهم أنواع الدعم الذي تقدمه موسكو لطهران خلال الحرب الأمريكية الإسرائيلية؛ حيث قدمت روسيا معدات عسكرية وتكنولوجية متقدمة تتمثل في تقنيات الدفاع الجوي الصاروخي ومنظومات دفاع جوي متعددة المهام وهو الأمر الواضح في تصدي هذه المنظومات للطائرات الأمريكية والإسرائيلية سواء المقاتلات أو الدرونز الأمريكية والإسرائيلية المتقدمة وإسقاطها على الأراضي الإيرانية بالإضافة إلى معدات ومكونات صاروخية متعددة المهام، كما قدمت روسيا مجموعات من الصواريخ الباليستية متوسطة المدى إلى إيران، كما قدمت معلومات استخباراتية متقدمة لتحركات القوات الأمريكية في الشرق الأوسط وبالتحديد في منطقة الخليج كما قدمت صورًا من الأقمار الصناعية الروسية لأهم القواعد العسكرية الأمريكية وأهم المصالح والمرتكزات الأمريكية في المنطقة والتي استهدفتها إيران بالمُسيرات والصواريخ الباليستية بالإضافة إلى تعاون كبير في مجال الأمن السيبراني وأنظمة الحرب الإلكترونية والتي لعبت دورًا كبيرًا في التفوق الإيراني والصمود في وجه الاعتداءات الأمريكية الإسرائيلية كما قدمت موسكو لطهران مجموعة من الطائرات المُسيرة من طراز (جيران 2) وهى نسخة متطورة من المُسيرة الإيرانية (شاهد 136) بالإضافة إلى أسلحة ومعدات عسكرية نوعية ساهمت في صمود إيران والجيش الإيراني والحرس الثوري في هذه الحرب حتى الآن.
وفي ضوء ذلك، تنظر روسيا إلى الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران بحذر وبمنتهى الدقة حيث تمثل الحرب مسرح عمليات لمستقبل العالم بشكلٍ كبير ومستقبل التحالفات العسكرية العالمية وإضعاف الهيمنة العسكرية الأمريكية على العالم وتعمل روسيا إلى جانب الصين من أجل إنهاء الهيمنة الأمريكية على العالم وإنشاء نظام متعدد الأقطاب ما بين الشرق والغرب؛ حيث تعتبر روسيا من بين أهم القوى العالمية المستفيدة من الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران بعدما قامت الولايات المتحدة الأمريكية برفع العقوبات المفروضة على قطاع الطاقة الروسي بشكلٍ جزئي لحل أزمة الطاقة التي نشأت بسبب غلق مضيق هرمز وارتفاع أسعار النفط الخام والغاز الطبيعي ونقص الإمدادات العالمية في مجال الطاقة، وهو ما منح روسيا متنفس وورقة ضغط على الدول الأوروبية والدول الأخرى المستوردة للنفط والوقود في العالم بالإضافة إلى مراقبة الأوضاع العالمية وما ستسفر عنه هذه الحرب لارتباطها بشكلٍ كبير بالحرب الروسية الأوكرانية وموقف الولايات المتحدة الأمريكية من الدول الأوروبية والناتو ومستقبل حلف شمال الأطلسي (الناتو) إذا انسحبت الولايات المتحدة الأمريكية من الحلف وهو ما صرح به الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بسبب رفض دول الحلف المشاركة مع الولايات المتحدة العسكرية في تأسيس تحالف عسكري للقيام بعملية عسكرية لفتح مضيق هرمز بالقوة.

