محسن الزيني
كاتب صحفي وباحث في العلاقات الدولية
عز الدين أبو المجد
باحث بمركز شمس للاستشارات والبحوث الاستراتيجية
في زمن تحكمه قواعد السوق، لم يعد الجسد الإنساني بمنأى عن منطق العرض والطلب، فقد برزت ما يُعرف اصطلاحًا بـ”السوق الحمراء” والتي تشير إلى تجارة الأعضاء البشرية غير المشروعة كواحدة من أخطر أشكال الاتجار بالبشر تطرفًا؛ حيث يتم النظر إلى الإنسان باعتباره مورد بيولوجي قابل للبيع والشراء، تتحكم في مصيره شبكات دولية وعوامل اقتصادية واجتماعية مركّبة، وباتت تمثل تهديدًا مزدوجًا باعتبارها انتهاكًا للجسد وانحرافًا في القيم القانونية والأخلاقية التي من المفترض أن تحكم حركة المجتمعات والدول.
وعلى الرغم من انتشار الظاهرة عالميًا، تظل إفريقيا جنوب الصحراء واحدة من أبرز بؤرها النشطة، ليس فقط كمصدر رئيسي للأعضاء البشرية، وإنما أيضًا كساحة لالتقاء الفقر البنيوي بانهيار الدولة، في ظل مشهد معقّد من النزاعات المسلحة، والهجرة القسرية، وتراجع الأنظمة الصحية، وغياب الرقابة القانونية.
وبين ما يُوصف بالبيع الطوعي والإكراه المباشر أو غير المباشر تضيع الحدود الفاصلة في تحديد سياقات هذه الظاهرة؛ حيث لا يمكن فصل الاختيار عن الإكراه الاقتصادي؛ إذ يتحوّل الفقر ذاته إلى أداة قسرية لإجبار الأفراد على الدخول في صفقات تهدد حياتهم مقابل النجاة أو سداد دين أو عبور حدود.
وضمن السياق ذاته، تتوزع خارطة السوق الحمراء في القارة الإفريقية بين دول المصدر مثل نيجيريا وكينيا وإثيوبيا، ودول العبور مثل السودان وليبيا، ودول الوجهة التي تُجرى فيها عمليات الزرع غير القانونية تحت غطاء السياحة العلاجية.
هناك مجموعة من العوامل التي ساهمت في تفاقم هذه الظاهرة من أهمها غياب التشريعات الرادعة أو ضعف تطبيقها، وتواطؤ بعض العاملين في القطاع الصحي، ونقص الشفافية حول عمليات التبرع والزرع، وأخيرًا، الصمت المجتمعي الذي ينظر أحيانًا إلى الاتجار بالأعضاء كوسيلة شرعية للهروب من الفقر. ومن ثمّ، فإن الظاهرة لا يمكن اختزالها في بعدها الجنائي فقط، بل تُعد انعكاسًا لأزمة هيكلية في التوزيع العادل للثروة، وفي قدرة الدولة على حماية مواطنيها، بل وعلى تنظيم الحياة والحق في الجسد ضمن إطار عقد اجتماعي يتآكل يومًا بعد يوم.
أولًا: العوامل البنيوية لتفشي ظاهرة تجارة الأعضاء في إفريقيا جنوب الصحراء
لا يمكن تحليل انتشار تجارة الأعضاء البشرية في إفريقيا جنوب الصحراء بمعزل عن السياقات البنيوية التي تمثل الدافع في انتشارها، والتي تتجاوز فكرة “الجريمة” بمعناها التقليدي لتلامس حدود تفكك الدولة، وغياب الحماية الاجتماعية، فالظاهرة تنتشر استنادًا على عوامل عديدة التي تتشابك مع بعضها، وتُعيد إنتاج بيئة الاستغلال. وعند تفكيك هذه العوامل، نجد أنها تتصل عبر خيط ناظم يبدأ من الفقر الممنهج، ويمر عبر انهيار الحماية القانونية والمؤسسية، ويستكمل طريقه في ظل تنامي أعمال الجريمة المنظمة، والتدخل الخارجي، وفقدان السيادة.
1. الفقر كبنية منتجة للهشاشة والاستغلال
يمثّل الفقر أحد المرتكزات البنيوية التي تُنتج بيئة خصبة لتفشي ظاهرة الاتجار بالأعضاء البشرية، لا بوصفه ظرفًا اقتصاديًا طارئًا، بل باعتباره نتيجة تراكمية لاختلالات هيكلية في السياسات الاقتصادية والتنموية، وامتدادًا لتهميش مزمن طاول قطاعات واسعة من السكان في إفريقيا جنوب الصحراء. وفي ظل انعدام شبكات الحماية الاجتماعية، وانهيار نظم الرعاية الصحية، وتقلّص فرص العمل، يتحول الجسد البشري إلى “أصل حيوي” يُعاد إنتاجه كأداة للمساومة ضمن معادلة اقتصادية غير متكافئة.
في هذا السياق، لا يُنظر إلى الجسد باعتباره موضعًا للحق والكرامة، بل يتم النظر إليه باعتباره مورد قابل للتفكيك والبيع؛ حيث تُفرض على الأفراد اختيارات ظاهرها الطوعية، بينما تخفي في جوهرها أنماطًا عميقة من الإكراه الناعم. ويُعاد إنتاج هذا الوضع من خلال ما يمكن وصفه بـ “اقتصاد البؤس”، الذي لا يكتفي بإبقاء الفقراء في دوائر الحرمان، بل يعيد توظيف هشاشتهم لصالح منظومة استغلالية أوسع. غير أن الفقر على أهميته، لا يُنتج الظاهرة بمفرده؛ إذ تتطلب هذه السوق غير المشروعة وجود بيئة مؤسسية وقانونية غير قادرة على مواجهة هذا النمط من الاستغلال دون ردع فعلي.
2. تفكك الحماية المؤسسية وصعود الجريمة المنظمة
مع اتساع رقعة الفقر وتراكم الهشاشة الاجتماعية، لا تتوقف الأزمة عند حدود الحاجة الاقتصادية، بل تتعمق بفعل انهيار الحماية القانونية والمؤسساتية، وهو ما يترك الأفراد أكثر عرضة لمنظومة الاستغلال المركبة خاصة في ضوء ضعف التشريعات المتعلقة بتنظيم عمليات التبرع بالأعضاء وزراعتها وغياب قوانين موجهة لهذه القضية، بجانب تراجع الرقابة الفعالة على المؤسسات الطبية.
وتجدر الإشارة هنا إلى أن القضية لا تتعلق فقط بالفراغ التشريعي، بل تنعكس على مستوى أعمق باعتبارها تعبيرًا عن تفكك العلاقة التعاقدية بين المواطن والدولة، فغياب الدولة كفاعل ضامن لسلامة الأجساد، يفتح الباب أمام منطق السوق ليحل محل منطق الحقوق، وفي هذه الحالة يُجبر الفرد على اتخاذ قرارات متصلة بجسده ضمن فضاء قانوني مُعطّل، لا يعترف بكرامته ولا يوفر له بدائل، ليجد نفسه مدفوعًا قسرًا إلى بيع عضوٍ من جسده كوسيلة للنجاة.
وفي ظل هذا الانكشاف المؤسسي، صعدت شبكات الجريمة المنظمة كفاعل بديل، وهذه الشبكات لا تعمل بالضرورة من خارج الدولة، بل تتغلغل داخل مؤسساتها، وتبني مصالحها عبر منظومة من الأفراد تشمل سماسرة وأطباء ومسئولين على صلة بمراكز اتخاذ القرار، بل إنها أصبحت بنية موازية للاقتصاد الرسمي، لها قواعدها ودوائر نفوذها، وتعمل على إعادة إنتاج ذاتها مستفيدة من ضعف الدولة وغياب الإرادة السياسية لمواجهتها.
وفي كثير من الأحيان، تُغطّي هذه الشبكات عملياتها بغطاء مؤسسي قانوني ظاهري، عبر وثائق أو إجراءات صورية، أو تحالفات خفية مع مراكز صحية خاصة، لتتحول تجارة الأعضاء إلى هيكل منظم داخل نظام الدولة نفسها، وبذلك يتفكك مفهوم السيادة القانونية على الجسد، ويُعاد إنتاج السوق الحمراء كامتداد لنظام سياسي واقتصادي متصدع، لا يملك أدوات الضبط والإرادة للإصلاح.
إلا أن هذه المنظومة المحلية رغم اتساع نفوذها، لا تكتمل دون العامل الخارجي والمتمثل في الطلب الدولي على الأعضاء البشرية، فشبكات الجريمة المنظمة في الداخل تعمل بتنسيق ضمني أو مباشر مع شبكات خارجية، لتلبية احتياجات الطلب على هذه الأعضاء ولو على حساب أجساد المهمشين في دول الجنوب العالمي.
3. السياحة العلاجية كآلية استعمار جسدي
تُمثّل ما يُعرف بـ “السياحة العلاجية”، لا سيما تلك المرتبطة بزراعة الأعضاء، أحد أبرز تجليات تدويل استغلال الجسد البشري في إفريقيا جنوب الصحراء. فعلى السطح، يُقدَّم هذا النشاط بوصفه ممارسة إنسانية تهدف إلى إنقاذ حياة مرضى يعانون من فشل عضوي في بلدانهم. غير أن هذا الوجه العلاجي سرعان ما ينقلب إلى قناع يُخفي تحته منظومة خفية لاستخراج الأعضاء بالتواطؤ مع الكثير من المراكز الصحية وشركات الوساطة الطبية، ومسئولون محليون، في مقابل تدفق مستمر للمرضى من دول الشمال العالمي الباحثين دون الاعتبار للمعايير الأخلاقية.
وفي ضوء هذا التصور، تتحوّل الأجساد البشرية إلى سلع بيولوجية قابلة للتصدير والاستبدال، وتُدار عمليات الزرع في بيئات طبية رخوة رقابيًا، وهو ما يجعلها مساحات رمادية خارج نطاق القانون، ولكن داخل منطق الربح المشروع. بل إن بعض الدول الإفريقية تنخرط – ضمنيًا أو علنًا – في هذا الاقتصاد الحيوي، من خلال تشجيع الاستثمار في القطاع الصحي الخاص، باعتباره أداة للتنمية، بينما هو في الحقيقة بنية وسيطة لتدفق الثروة نحو الخارج اعتمادًا على أجساد الفقراء.
وفي هذا الإطار، تبرز الليبرالية الجديدة، بوصفها الإطار الأيديولوجي الأوسع الذي يُعيد صياغة العلاقة بين الدولة والسوق والجسد. فباسم “حرية التعاقد” و”حقوق المستهلك”، تُترك أجساد المهمشين دون حماية حقيقية، ويُمنح الأفراد “الحق” في بيع أعضائهم كما لو أنهم يمارسون اختيارًا حرًا، بينما الواقع يُعبّر عن أفعال قسرية ناتجة عن الفساد الهيكلي وغياب البدائل. إن منطق السوق الحر الذي تروّج له السياسات الليبرالية لا يعترف بالتفاوت بين من يبيع عضوه للبقاء، ومن يشتريه لإطالة عمره، وهو بذلك يُعيد إنتاج علاقات استعمارية، ولكن على مستوى الجسد الفردي؛ حيث يصبح الإنسان الإفريقي حقلًا للاستخراج، لا بوصفه قوة عمل، بل كمصدر أحياء بيولوجية قابلة للتفكيك والنقل.
وبهذا المعنى، يمكن فهم “السياحة العلاجية غير المشروعة” كواحدة من أدوات الاستعمار الجديد، الذي لا يعتمد على الاحتلال العسكري، بل على تدويل السوق، وتسليع الحياة، وتفكيك السيادة الوطنية على الجسد.
4. دور الكوارث الطبيعية في التأثير على معدلات الاتجار بالبشر
لم تُشكل جائحة كوفيد-19 عامل كبح لظاهرة الاتجار بالأعضاء البشرية، بل على العكس، ساهمت في تعميقها وتوسيع نطاقها. فقد أدى الانهيار الجزئي في المنظومة الاقتصادية العالمية، وتعطّل نظم الرعاية الصحية في العديد من الدول، إلى تراجع فرص التبرع القانوني، وهو ما فتح المجال واسعًا أمام السوق السوداء لتزدهر وتعيد تشكيل مساراتها. ووفقًا لتقرير صادر عن الإنتربول، فإن الأزمة الصحية العالمية جعلت الضحايا أكثر هشاشة، وأضعفت قدرتهم على المقاومة أو التبليغ، في ظل تضاؤل البدائل القانونية المتاحة وازدياد الطلب الدولي على الأعضاء.
كما أكدت تقارير ENACT Africa أن الفئات المستضعفة، لاسيما من اللاجئين والمهاجرين في مناطق الساحل الإفريقي، تحوّلت إلى أهداف سهلة لشبكات الاتجار، تحت وعود مضللة بالعلاج أو التعويض المالي، لينتهي بهم الحال في مسارات بيع الأعضاء دون حماية قانونية أو رعاية لاحقة، وتعكس هذه التطورات كيف فاقمت الجائحة التفاوتات القائمة، وحولت الأزمات الصحية إلى نافذة إضافية للاستغلال.
5. فقدان السيادة الحيوية وتراجع وظيفة الدولة
إلى جانب هذه العوامل تبرز أزمة أكثر جوهرية تتجاوز الأبعاد الاقتصادية أو الأمنية والمتمثلة في فقدان الدولة لسيادتها الحيوية على أجساد مواطنيها، ففي أدبيات الفلسفة السياسية، تشير “السيادة الحيوية إلى قدرة الدولة على تنظيم الحياة والموت، وتحديد من يستحق الرعاية والحماية ومن يُترك للتهميش. وعندما تُعجز الدولة عن بسط هذه السلطة على المجال الجسدي، وتفشل في تنظيم ما يُعد من صميم وظيفتها والمتعلق بالحق في السلامة الجسدية تصبح السوق هي الفاعل الوحيد، ويتحول الجسد من كيان محمي إلى سلعة مفككة تُحدّد قيمتها وفقًا لمعادلات العرض والطلب.
إن انحسار السيادة الحيوية لا يعني فقط غياب القانون، بل يعكس تآكل الدور الجوهري للدولة الحديثة كضامنة للحق وراعية للمواطن. وفي هذا السياق، لا يمكن اعتبار تجارة الأعضاء انحراف إجرامي، بل تُقرأ كأحد مؤشرات الانهيار الوظيفي للدولة؛ حيث تفقد القدرة على إدارة المساحات الحيوية للعيش الإنساني، ويتحوّل المواطن إلى موضوع للتبادل لا الحماية.
وهكذا، لا يمكن فهم ظاهرة تجارة الأعضاء في إفريقيا جنوب الصحراء من خلال مقاربة اختزالية تختزلها في الفقر أو الجريمة أو ضعف القانون فحسب؛ بل هي نتاج مركب لمسار متدرج من التفكك البنيوي والمؤسسي والقيمي. تبدأ الأزمة من التهميش الاقتصادي الممنهج الذي يدفع الأفراد إلى حافة النجاة بأي وسيلة، ثم تتعمق في ظل انهيار الحماية القانونية والمؤسساتية؛ حيث يغيب دور الدولة كضامن للحق ومُنظّم للجسد. وفي ضوء هذا الفراغ، يتنامى نشاط شبكات الجريمة المنظمة مستفيدة من ضعف السيادة، والتواطؤ المحلي، والتداخل مع مصالح خارجية، لتُحوّل الجسد الإنساني إلى سلعة في سوق مفتوحة تتجاوز الحدود والسيادة الوطنية. وبذلك، تغدو تجارة الأعضاء أكثر من مجرد انحراف جنائي، بل تجسيد واضح لانهيار العقد الاجتماعي، وتآكل السلطة الأخلاقية للدولة، وصعود أنماط استعمار بيولوجي جديدة يعاد فيها إنتاج الفقر والهشاشة لصالح نظام عالمي غير عادل.
إن مواجهة هذه الظاهرة لا تُختزل في إغلاق منشأة صحية أو ملاحقة وسيط، بل تتطلب مقاربة شاملة تعيد ترميم دور الدولة، وتعزز السيادة القانونية على الجسد، وتقاوم تسليع الحياة البشرية في منظومة السوق العالمية، وفي هذا السياق، تصبح إعادة بناء العلاقة بين الدولة والمواطن، واستعادة المعنى الأخلاقي للسيادة، هي نقطة الانطلاق الحقيقية للمواجهة وصياغة الحلول.
ثانيًا: الآثار الصحية والاجتماعية لتجارة الأعضاء
لا تختزل تجارة الأعضاء البشرية في بعدها الإجرامي أو المالي فحسب، فالضحايا لا يفقدون مجرد عضو من أجسادهم، بل يُنتزع منهم جزء من كرامتهم ومكانتهم ضمن النسيج الاجتماعي، فالعنف الذي تمارسه هذه التجارة لا يتوقف عند حدود الجراحة، بل يمتد إلى طبقات متعددة من التداعيات الصحية والنفسية والاجتماعية.
1. الأضرار الصحية: تُعد الأضرار الجسدية إحدى أبرز تجليات المعاناة لدى ضحايا تجارة الأعضاء في إفريقيا جنوب الصحراء؛ حيث تتم عمليات الاستخلاص في بيئات طبية هشّة، تفتقر إلى الحدّ الأدنى من معايير السلامة والرعاية. فمعظم الضحايا يعانون من مضاعفات صحية مزمنة، تشمل التهابات حادة، نزيف داخلي، اضطرابات مناعية، وفشل كلوي أو كبدي دائم، ناتج عن إجراء العمليات في ظروف غير معقمة، ودون إشراف طبي مؤسسي.
2. الآثار النفسية: لا تقتصر تداعيات تجارة الأعضاء على الأضرار الجسدية، بل تمتد عميقًا إلى الأمراض النفسية للضحايا؛ حيث يعاني العديد منهم من آثار مزمنة منها الشعورٌ بالندم والاكتئاب والقلق والوجودي والذي قد يصل في بعض الحالات إلى التفكير الانتحاري، وهذه المشاعر تتولد من الإدراك المتأخر لحجم الاستغلال الذي تعرّض له الفرد، وافتقاده لأي شبكة دعم بعد العملية، وهو ما يضاعف من شعوره بالهشاشة والعجز.
وتعد الاضطرابات النفسية نمطًا شائعًا بين ضحايا الاتجار بالأعضاء، خاصة في البيئات التي يغيب فيها الدعم الاجتماعي والمساءلة القانونية، وهو ما يُطيل أمد المعاناة ويُعقّد فرص إعادة الاندماج في المجتمع.
3. الآثار المجتمعية: تتمثل هذه الأبعاد في وصمة العار والانكشاف المجتمعي. ففي العديد من الحالات، يُوصم الضحايا بطابع “السقوط الأخلاقي”، وتُفسَّر مشاركتهم في بيع الأعضاء كفعل لا يُغتفر، وهو ما يدفعهم إلى العزلة القسرية ويُفاقم هشاشتهم الاجتماعية. وتشير تقارير ميدانية من كينيا ونيجيريا إلى أن أسر الضحايا كثيرًا ما تتعرض للطرد أو التهميش من قبل مجتمعاتها المحلية، ويُحرَم الضحايا من فرص العمل أو التعليم بسبب نظرة مسبقة ترتبط بضعفهم الصحي أو مظهرهم المُنهك، أو نتيجة المرض المزمن الناتج عن إجراء هذه العملية.
كما يترافق هذا العنف الرمزي مع تهديد أمني دائم؛ إذ لا يشعر الضحايا بالأمان الكافي للإبلاغ عن الجريمة، أو طلب العلاج، أو حتى محاولة إعادة الاندماج. وفي غياب بنية حماية مؤسسية حقيقية، تتحول تجاربهم إلى دوامة من العجز الممتد، يصعب الخروج منها حتى بعد مرور سنوات من حدوث الواقعة.
ثالثًا: اقتصاد الجسد واتجاهات النيوليبرالية لتعزيز الاستعمار الحيوي في إفريقيا جنوب الصحراء
تشير تقارير الإنتربول إلى أنه في عام 2021 فقط تمّ تحديد أكثر من 1,374 ضحية ضمن شبكات تهريب أعضاء بشرية في غرب إفريقيا؛ حيث استُخدمت تقنيات طبية شبيهة بتلك المعتمدة في العمليات الجراحية الرسمية، لكن في سياقات غير شرعية تخترقها الجريمة المنظمة بشكل مباشر. وفي كينيا، كشف تحقيق صحفي أنّ هناك بعض المنشآت الطبية الخاصة في مدينة إلدوريت – تستقبل مرضى من دول أوروبية ويدفعون ما يصل إلى 200,000 دولار مقابل الحصول على كلى واحدة، في حين يتلقى المتبرعون المحليون ما لا يزيد عن 1,000 دولار فقط، فبالإضافة إلى التداعيات الصحية، فإن الفجوة بين البائع والمشتري، تمثل أحد سمات التناقض النيو ليبرالي؛ حيث يُنظر إلى الجسد البشري من هذا التصور باعتباره “سلعة قابلة للتداول”، تُستخرج قيمته النقدية من فقر المانح لا من حاجته الصحية. وهذه الممارسات تُعمّق الاستغلال تحت عباءة “السياحة العلاجية”، وتكشف عن شكل جديد من الاستعمار الحيوي؛ حيث تُستباح أجساد الفقراء لتلبية الطلب العالمي دون حماية قانونية أو رعاية لاحقة. وما يزيد المخاطر يتمثل في إجبار الضحايا –في كثير من الأحيان– على العودة إلى العمل اليدوي الشاق، رغم تدهور حالتهم الصحية بعد العملية، في غياب أي رعاية طبية أو دعم اقتصادي.
من أبرز الأمثلة التي تسلط الضوء على التداخل المعقد بين الإكراه والاستغلال، قضية السيناتور النيجيري إيكويريمادو في المملكة المتحدة عام 2023، والتي شكّلت سابقة قانونية وإعلامية لافتة. فقد تم استقدام شاب نيجيري إلى لندن بهدف زرع كلية لابنة السيناتور، دون أن يكون الضحية على دراية كاملة بطبيعة العملية أو تبعاتها، وهو ما أثار إشكالية جوهرية حول مدى إدراك الأفراد الفقراء للحد الفاصل بين التبرع الطوعي والاتجار القسري. وقد انتهت القضية بإدانة السيناتور وزوجته بتهمة الاتجار بالبشر لأغراض إزالة الأعضاء، وحُكم عليه بالسجن لمدة تسع سنوات، في واحدة من أولى القضايا من نوعها في المملكة المتحدة التي تُطبق فيها القوانين الجديدة الخاصة بالاتجار بالأعضاء.
رابعًا: اتجاهات المعالجة لمواجهة ظاهرة تجارة الأعضاء
على الرغم من ارتفاع الوعي العالمي بخطورة الاتجار بالأعضاء البشرية، لا تزال الاستجابات في إفريقيا تتسم بالتجزئة وعدم الانتظام. فمنذ الثمانينيات، أقرّ المجتمع الدولي سلسلة من المبادئ التوجيهية والأطر القانونية مثل قرارات منظمة الصحة العالمية WHA44.25 (1991) وWHA63.22 (2010) ، اللتين شددتا على ضرورة حظر الاتجار بالأعضاء وتعزيز الشفافية والعدالة في الممارسات الطبية ذات الصلة بزراعة ونقل الأعضاء. وقد جاء “إعلان إسطنبول” في عام 2008 كإطار أخلاقي ومهني مرجعي لمكافحة ما يُعرف بـ “السياحة العلاجية غير القانونية”، وقد صادقت عليه معظم دول شمال إفريقيا، بينما ظل تبنيه محدودًا في إفريقيا جنوب الصحراء.
وفي الواقع، لا تزال العديد من دول شمال وغرب إفريقيا تفتقر إلى تشريعات متكاملة خاصة بزراعة الأعضاء، أو تنظمها فقط من خلال قوانين مكافحة الاتجار بالبشر بشكل عام. وفي بعض الحالات، تُستخدم ثغرات قانونية أو أساليب تزوير، مثل انتحال صفة الأقارب، للالتفاف على الحظر المفروض على زراعة الأعضاء للأجانب، ومن الناحية المؤسسية، توجد بعض النماذج الوطنية التي أحرزت تقدمًا نسبيًا. ففي مصر، تم اعتماد قانون خاص بزراعة الأعضاء في عام 2010، تبعه إنشاء اللجنة العليا لزراعة الأعضاء، وتم تشديد العقوبات في تعديل لاحق عام 2017. أما نيجيريا، فقد أدخلت تعديلات تشريعية لتوسيع تعريف الاتجار بالبشر ليشمل نزع الأعضاء، مع فرض عقوبات رادعة. وفي غرب إفريقيا، أنشأت غانا سجلًا وطنيًا لأمراض الكلى في 2015، بينما بدأت كوت ديفوار عمليات الزراعة رسميًا منذ 2012. ومع ذلك، تظل هذه الممارسات المؤسسية عرضة للضعف بسبب غياب القدرات الرقابية، وتحديات إنفاذ القانون، واستمرار الفساد في بعض القطاعات الطبية.
1. الأدوات الإقليمية: نحو استجابة قانونية جماعية
أدركت القارة الإفريقية أهمية بناء بنية قانونية وإجراءات مشتركة للتصدي لظاهرة الاتجار بالبشر والأعضاء، فتبنّت عددًا من الاتفاقيات والإعلانات التي تشكل الأساس للسياسات الوطنية، ومن أهمها:
أ. الميثاق الإفريقي لحقوق الإنسان والشعوب (1981):
يشكّل هذا الميثاق حجر الأساس للمنظومة الحقوقية الإفريقية؛ حيث يحظر بوضوح كل أشكال العبودية والمعاملة اللاإنسانية، بما يشمل صراحة الاستغلال الجسدي والاتجار بالبشر. ويؤكد على احترام الكرامة الإنسانية كحق لا يُنتقص، وهو ما يجعله مرجعًا قانونيًا ملزمًا لصياغة أو تعديل القوانين الوطنية ذات الصلة.
ب. إعلان الجماعة الاقتصادية لدول غرب إفريقيا (ECOWAS) وخطة العمل
تعتبر هذه الوثيقة أحد أولى المبادرات الإقليمية التي تناولت الاتجار بالبشر والأعضاء بوصفها جريمة منظمة عابرة للحدود. وقد دعت إلى تعزيز التعاون الاستخباري وتبادل البيانات، إضافة إلى تقديم الحماية والدعم القانوني والاجتماعي للضحايا.
ج. الإطار الخاص بالاتحاد الإفريقي بشأن الهجرة(2018–2030):
يقدّم هذا الإطار رؤية شاملة لمعالجة قضايا الهجرة والاتجار، ويركز على دمج سياسات حقوق الإنسان والنوع الاجتماعي ضمن التشريعات الوطنية. كما يربط بين الهجرة غير النظامية والاتجار بالبشر، ويحث على بناء منظومات مؤسسية متكاملة لإدارة الأزمات المرتبطة بالنزوح، واللاجئين، وعديمي الجنسية.
2. اتجاهات المواجهة: جهود مشتتة وشراكات غير مكتملة
على الرغم من تصاعد الاهتمام الإقليمي والدولي، لا تزال جهود مكافحة الاتجار بالأعضاء في إفريقيا جنوب الصحراء تفتقر إلى التكامل، وتغلب عليها المقاربات الفردية المنفصلة. ويمكن تلخيص الاتجاهات الراهنة في أربع مسارات مترابطة:
أ. التطورات التشريعية ومراجعة الأطر القانونية
برزت بعض المبادرات القانونية على مستوى الدول، خاصة في نيجيريا التي وسّعت تعريف الاتجار بالبشر لتشمل نزع الأعضاء، وفي مصر التي تبنّت قانونًا خاصًا بزراعة الأعضاء وتنظيم التبرع. إلا أن تحديات التنفيذ ما زالت قائمة، أبرزها غياب آليات فعالة للرقابة والتقييم.
ب. التعاون الأمني والإقليمي والدولي
أصبح تتبع الشبكات الإجرامية العابرة للحدود محورًا أساسيًا في السياسات الأمنية الحديثة. فقد ساهم الإنتربول، من خلال تقريره الصادر عام 2021، في كشف أبرز أساليب الجريمة المنظمة في تجارة الأعضاء. كما تعززت الشراكة مع الاتحاد الإفريقي ومشروع ENACT، خاصة فيما يتعلق ببناء القدرات الاستخباراتية، وتوحيد مسارات التحقيقات.
ج. الحملات التوعوية وبرامج دعم الضحايا
لا تزال حملات التوعية المجتمعية محدودة من حيث الانتشار والفاعلية، خصوصًا في المناطق الريفية والهشة. وفي المقابل، توجد مبادرات محدودة لدعم الضحايا نفسيًا واجتماعيًا، إلا أنها غالبًا ما تعاني من نقص التمويل، وضعف التنسيق مع المؤسسات الحكومية.
د. دور المجتمع المدني والمؤسسات الصحية
تلعب منظمات المجتمع المدني والجمعيات الطبية دورًا مركزيًا في كشف الانتهاكات لحقوق الضحايا، وقد ظهرت في نيجيريا وكينيا تجارب ناجحة في مراقبة عمليات الزرع بالتعاون مع القطاع الصحي. ومع ذلك، تحتاج هذه الجهود إلى هيكلة مؤسسية وتمويل مستدام لتوسيع أثرها وضمان استمراريتها.
في الختام: إن ظاهرة تجارة الأعضاء في إفريقيا جنوب الصحراء لا تمثّل فقط انحرافًا جنائيًا يُعالج بأدوات الملاحقة والمساءلة، بل تجسيدًا صادمًا لانهيار منظومة أخلاقية وسياسية واقتصادية متشابكة، فهي مرآة كاشفة لتراجع أدوار الدولة، لا بوصفها جهازًا بيروقراطيًا فحسب، بل ككيان سيادي كان من المفترض أن يحمي الأجساد وينظّم الحياة ويصون الكرامة. وحين تُفكّك تلك الوظائف وتُترك فراغاتها للمنطق السوقي النيو ليبرالي، يتحوّل الإنسان إلى مجرد سلعة بيولوجية، تُنتزع وتُقايض وتُدار بمنطق الربح والخسارة.
وقد حاولت الدراسة الكشف عن الكيفية التي تتقاطع بها البُنى الاقتصادية المفككة، مع نظم قانونية رخوة، وشبكات فساد محلي، ومصالح طبية دولية، لتصنع مشهدًا مركّبًا من السيطرة الحيوية. وتتحوّل فيه السياحة العلاجية إلى قناع ناعم للاستغلال، وتُفرغ فيه الحرية الفردية من مضمونها حين تُمارَس تحت وطأة الجوع والحرمان. ففي ظل غياب الحماية الاجتماعية والسيادة القانونية، لا يمكن الحديث عن حرية الاختيار، بل عن أعمال قسرية مقنّعة تعيد إنتاج علاقات استعمارية عبر أدوات غير عسكرية. كما إن عملية إعادة الاعتبار للجسد في إفريقيا ليست قضية طبية، بل معركة سياسية للحق في الحياة الكريمة ضد منطق السوق الذي لا يرى في الإنسان سوى قيمة استهلاكية.
المراجع
- جوزفين مهاشي، كاي نيبي، أفريقيا.. الفقراء ضحية تجارة العصابات بالأعضاء البشرية، DW، ١٩ نوفمبر ٢٠٢٤
- تقديرات المستقبل، جرائم صامتة: لماذا تزايدت تجارة الأعضاء البشرية في الشرق الأوسط؟ ، مركز المستقبل للأبحاث والدراسات المتقدمة، 19ديسمبر 2016
- تقرير: تجارة الأعضاء البشرية تصل إلى أبعاد وبائية في إفريقيا، قراءات أفريقية، 21 نوفمبر 2024
- ورقة سياسات: تجارة الأعضاء البشرية رؤية لتطوير التشريعات والآليات اللازمة لمناهضة الظاهرة، وحدة تحليل السياسة العامة وحقوق الإنسان، مؤسسة ماعت للسلام والتنمية وحقوق الإنسان، 11 فبراير 2017
- تقرير مؤتمر الاتحاد الأفريقي الثالث للوزراء المسؤولين عن مكافحة المخدرات ومنع الجريمة بأديس أبابا، الاتحاد الأفريقي، 3-7 ديسمبر 2007
- Olukayode A. Faleye, Peter E. Egielewa, and Anthony O. Ogette, “Human Organ Trafficking in Sub‑Saharan Africa: A Historical and Media Exploration,” Edo Journal of Arts, Management and Social Sciences 6, no. 1 (June 2024), https://www.researchgate.net/publication/383123146_Human_organ_trafficking_in_sub-Saharan_Africa_A_historical_and_media_exploration.
- Toluwalope Bakare, “Selling Organs to Make Ends Meet: How Poverty Drives the Illegal Organ Trade and the Ethicality of Legalization,” Mudd Undergraduate Journal of Ethics 10 (Spring 2025), Roger Mudd Center for Ethics, Washington and Lee University, accessed August 2025, https://www.wlu.edu/mudd-center/mudd-undergraduate-journal-of-ethics/volume-10-spring-2025/selling-organs-to-make-ends-meet.
- Organized Crime and Human Trafficking, United Nations Office on Drugs and Crime (UNODC), accessed August 2025, https://www.unodc.org/corruption/en/learn/thematic-areas/organized-crime-and-human-trafficking.html.
- “The Dark Side of Transplant Tourism: Inside the Illegal Organ Black Market,” MSN News, https://www.msn.com/en-us/news/world/the-dark-side-of-transplant-tourism-inside-the-illegal-organ-black-market/ar-AA1ovuaw.
- INTERPOL. “North and West Africa: INTERPOL Report Highlights Human Trafficking for Organ Removal.” November 2021. https://www.interpol.int/en/News-and-Events/News/2021/North-and-West-Africa-INTERPOL-report-highlights-human-trafficking-for-organ-removal.
- Transplant Complications, Journal of Organ Transplantation, https://openaccesspub.org/organ-transplantation/transplant-complications.
- Dinah Lilia Mourise, Unseen Trauma – Organ Trafficking Survivors, Research, November 2024, https://doi.org/10.13140/RG.2.2.10247.51367.
- Alyssa Buettner, “Causes and Consequences of Organ Trafficking,” Righting Wrongs: A Journal of Human Rights 6, no. 2 (December 2016): 1–20, https://blogs.webster.edu/humanrights/files/Buettner_Causes-and-Consequences-of-Organ-Trafficking.pdf.
- The Africa Report. “Israeli, German Patients Linked to Kenya’s Underground Kidney Trade.” April 24, 2024. https://www.theafricareport.com/381575/israeli-german-patients-linked-to-kenyas-underground-kidney-trade.
- U.S. Department of State. Trafficking in Persons Report 2023. https://www.state.gov/reports/2023-trafficking-in-persons-report.
- “Ike Ekweremadu: Organ‑trafficking plot politician and wife guilty,” BBC News, March 23, 2023, accessed August 7, 2025, https://www.bbc.com/news/uk-england-london-65013545.
- WHA 44.25 – Guiding Principles on Human Organ Transplantation, World Health Assembly, Adopted 1991, World Health Organization, https://iris.who.int/bitstream/handle/10665/175311/WHA44_R25_eng.pdf?sequence=1.
- WHA 63.22: WHO Guiding Principles on Human Cell, Tissue and Organ Transplantation, World Health Assembly, Adopted 2010, World Health Organization, https://apps.who.int/gb/ebwha/pdf_files/wha63/a63_r22-en.pdf.
- INTERPOL, Trafficking of Human Beings for the Purpose of Organ Removal in North and West Africa, July 2021, EU‑funded ENACT Strategic Analytical Report, accessed August 7, 2025, https://www.interpol.int/en/content/download/16690/file/2021%2009%2027%20THBOR%20ENGLISH%20rfa.20Version%20FINAL.pdf.

