نورا أمين
باحثة في العلوم السياسية
منذ أيامه الأولى في البيت الأبيض، لم يخفِ دونالد ترامب اهتمامه الاستثنائي بجزيرة جرينلاند، ليحول ما بدا في البداية كفكرة غريبة إلى ملف دائم الحضور في سياساته الخارجية. ومنذ بداية عام 2026، عاد هذا الملف إلى واجهة الأحداث بقوة، ليس كمجرد فكرة عابرة، بل كجزء من تصور أوسع يعكس تحولات عميقة في الاستراتيجية الأمريكية تجاه جيرانها وحلفائها التقليديين، ويدخل في صلب النقاش حول الأمن القومي والمصالح الاقتصادية للولايات المتحدة في القطب الشمالي.
ويمكن الإشارة هنا إلى إنه منذ أوائل يناير 2026، شدد ترامب على أن جرينلاند أصبحت ساحة لتصاعد الأنشطة البحرية من جانب روسيا والصين، وأن الدنمارك غير قادرة على الدفاع عنها، مقدمًا بذلك فكرة استحواذ واشنطن على الجزيرة بوصفها ضرورة ترتبط مباشرة بالأمن القومي الأمريكي، وبذلك أصبح ملف جرينلاند أحد الاتجاهات المحورية لاستراتيجية ترامب؛ إذ يعكس صراعًا مستمرًا بين مصالح القوى الكبرى في القطب الشمالي، كما يمثل عامل اختبار لالتزامات الولايات المتحدة تجاه حلفائها، ويثير تساؤلات حول حدود النفوذ الاقتصادي، والاستراتيجية العسكرية، والسيادة الوطنية للدول الصغيرة في مواجهة ضغوط واحدة من أقوى دول العالم.
أولًا: الخلفية التاريخية للمطالب الأمريكية بجرينلاند
ارتبطت فكرة ضم جرينلاند إلى الولايات المتحدة في الأساس بسياسات التوسع الإقليمي الأمريكية التي سادت في القرن التاسع عشر. بعد صفقة شراء لويزيانا في عام 1803؛ حيث وجدت واشنطن أن سياسة الاستحواذ على بعض الأراضي سيعمل على تعزيز نفوذها الجيوسياسي والاقتصادي في أمريكا الشمالية. وفي عام 1867، طرح وزير الخارجية الأمريكي آنذاك ويليام سيوارد فكرة شراء جرينلاند (إلى جانب آيسلندا) بعد صفقة ألاسكا، طالبًا دراسة موارد الجزيرة وتشجيع مساندة الأمريكيين لفكرة الاستحواذ عليها.
1. اقتراح تبادل الأراضي في عام 1910: في عام 1910، اقترح السفير الأمريكي في الدنمارك موريس إيجان خطة تبادل معقدة للأراضي، تتضمن نقل ملكية جرينلاند إلى الولايات المتحدة مقابل أراضٍ في الفلبين وعمليات تبادل مع ألمانيا، من أجل استعادة الدنمارك لمنطقة شليزفيغ-هولشتاين وقد تم وصف هذه الخطة بأنها جريئة لكنها لم تثمر أبدًا.
2. العرض الأمريكي لشراء جرينلاند بعد الحرب العالمية الثانية: كانت أقوى محاولة رسمية للسيطرة على جرينلاند في عام 1946، حين عرضت الإدارة الأمريكية في عهد الرئيس الأمريكي السابق هاري ترومان مبلغ 100 مليون دولار من الذهب لشراء الجزيرة من الدنمارك، وذلك في خضم بداية الحرب الباردة، وقد كان الهدف من وراء هذا العرض هو ضمان السيطرة على الموقع الاستراتيجي لجرينلاند في مواجهة الاتحاد السوفييتي السابق، لا سيما أنها كانت بمثابة حاملة طائرات ثابتة في شمال الأطلسي.
3. الترتيبات العسكرية والاقتصادية بين الولايات المتحدة والدنمارك (من 1951 حتى الحرب الباردة)
بعد رفض الدنمارك بيع الجزيرة، أُبرمت اتفاقية الدفاع لعام 1951، والتي منحت القوات الأمريكية الحق في وجود عسكري واسع في جرينلاند، بما في ذلك بناء وتشغيل قواعد مثل (قاعدة ثول الجوية( التي أصبحت لاحقًا Pituffik Space Base) ) دون المساس بسيادة الدنمارك. وبموجب الاتفاقية، أكدت الولايات المتحدة الاعتراف بسيادة الدنمارك على جرينلاند، رغم امتلاكها حقوقًا تشغيلية مهمة في أراضيها.
4. الصراع الأمريكي على النفوذ في القطب الشمالي في حقبة ما بعد الحرب الباردة: مع نهاية الحرب الباردة، تراجع الاهتمام الأمريكي بجرينلاند مؤقتًا، إلا إن هناك بعض الطموحات الجديدة التي ظهرت في القرن 21 مع تزايد المنافسة الجيوسياسية؛ حيث أصبحت جرينلاند، بسبب ذوبان الجليد وتغير المناخ، أكثر أهمية اقتصاديًا واستراتيجيًا؛ إذ تفتح فرصًا جديدة لطرق ملاحة جديدة، كما تحتوي على كميات كبيرة من المعادن الأرضية النادرة والموارد الاقتصادية، وهذا الاهتمام أضاف مجموعة من التحديات في مسار العلاقات بين الولايات المتحدة والدنمارك في سياق النفوذ في القطب الشمالي.
5. تجدد الاهتمام الأمريكي في السنوات الأخيرة (خلال رئاسة ترامب)
أعاد الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب في عام 2019 ثم مرة أخرى في السنوات اللاحقة الحديث عن إمكانية شراء أو حتى ضم جرينلاند، معتبرًا هذا الهدف جزء من استراتيجية الحفاظ على الأمن القومي الأمريكي، ومنع نفوذ القوى الأخرى مثل روسيا والصين في المنطقة. وقد أثارت هذه التصريحات توترات أمريكية مع الدنمارك وأوروبا لأن الدنمارك أكدت أن الجزيرة ليست للبيع وأن لها حكمًا ذاتيًا يمتد إلى استقلال كامل في المستقبل.
وبعدما عاد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى إحياء هذا الملف بقوة؛ حيث صرح بوضوح أن الولايات المتحدة قد تسعى للحصول على جرينلاند بطريقة أو بأخرى لأسباب تتعلق بالأمن القومي ومواجهة النفوذ الروسي والصيني في القطب الشمالي. وهو ما أكدت عليه إدارة ترامب بأن استخدام القوة العسكرية يُعد خيارًا مطروحًا ضمن عدد من الخيارات في حال تعثر المسار السلمي أو التفاوضي للحصول على جزيرة جرينلاند، وهو ما ساهم في تنامي المخاوف الدولية.
ثانيًا: الوضع القانوني لجزيرة جرينلاند
يمثل تقييم للآثار القانونية المحتملة لضم الولايات المتحدة لجرينلاند يبدأ بدراسة وضع جرينلاند في إطار القانون الدولي، ووضعها في إطار قانون الاتحاد الأوروبي، ووضعها وفقًا للدستور الدنماركي. وفي ضوء ذلك، يحدد هذا الوضع الأطر القانونية الواجبة التطبيق في مثل هذا السيناريو، والجهة التي يُشترط فيها القانون الحصول على موافقتها في حال نقل السيادة الإقليمية، والالتزامات التي قد تنشأ تجاه الدول الثالثة.
1. القانون الدولي
من منظور القانون الدولي، لا تتمتع جرينلاند بصفة الدولة المستقلة ولا بشخصية قانونية دولية منفصلة، وتخضع للسيادة الدنماركية الكاملة باعتبارها جزءً من مملكة الدنمارك، وهو وضع أكدته السوابق القضائية الدولية. ورغم الاعتراف بحق شعب جرينلاند في تقرير المصير بموجب قانون الحكم الذاتي لعام 2009، فإن هذا الحق، وفق الإطار القائم، ينصرف أساسًا إلى خيارَي الاستمرار في الارتباط بالدنمارك أو السعي إلى الاستقلال. كما لا توجد سابقة قانونية دولية مستقرة تجيز نقل السيادة طوعًا إلى دولة ثالثة كبرى لا تربطها بالإقليم علاقة استعمارية أو دستورية سابقة، وهو ما يجعل أي سيناريو من هذا النوع محل جدل قانوني واسع، خاصة خارج سياق إنهاء الاستعمار الذي تشكلت فيه أغلب تطبيقات مبدأ تقرير المصير.
2. قانون الاتحاد الأوروبي
في إطار قانون الاتحاد الأوروبي، تتمتع جرينلاند بوضع قانوني خاص كإقليم من أقاليم ما وراء البحار المرتبطة بالاتحاد عبر الدنمارك، بعد خروجها من الجماعة الأوروبية في عام 1985. ويترتب على هذا الوضع عدم سريان القانون الأساسي للاتحاد الأوروبي عليها، بما في ذلك السياسات الخارجية والأمنية والدفاعية المشتركة، مع استمرار العمل ضمن إطار مجموعة من الترتيبات الخاصة في مجالات محددة مثل الصيد البحري والتعاون الاقتصادي. ويثير هذا الوضع تساؤلات قانونية غير محسومة بشأن مدى انطباق التزامات الدفاع الجماعي الأوروبي على جرينلاند باعتبارها إقليمًا تابعًا لدولة عضو، وهو نقاش لم يُحسم بعد على المستوى القضائي أو من خلال ممارسة دولية مستقرة.
3. القانون الدستوري الدنماركي
فيما يتعلق بمستوى القانون الدستوري الدنماركي، فإن أي تعديل جوهري في الوضع الإقليمي لجرينلاند يخضع لتعقيدات دستورية خاصة، نظرًا لغياب نص صريح ينظم مسألة التنازل عن الإقليم. ويُرجّح أن يستلزم أي تغيير من هذا القبيل إجراءات دستورية مشددة، قد تشمل تعديل الدستور الدنماركي ذاته. وفي الوقت نفسه، يكرّس قانون الحكم الذاتي بنية قائمة على الموافقة المزدوجة، حيث تحتفظ الدنمارك بالسيادة القانونية النهائية، بينما يمتلك شعب جرينلاند الحق في تقرير مصيره عبر مؤسساته المنتخبة والاستفتاءات العامة. ويلاحظ أن الإطار الدستوري القائم تم تصميمه لمعالجة خيارَي الاستقلال أو استمرار الارتباط بالدنمارك فقط، دون أن يتصور قانونًا سيناريو نقل السيادة إلى طرف ثالث، وهو ما يضع أي طرح من هذا النوع خارج الإطار الدستوري القائم ويثير مجموعة من التساؤلات حول مدى مشروعيته.
ثالثًا: اتجاهات ترامب للسيطرة على جرينلاند
لا يبدو أن رغبة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في السيطرة على جزيرة جرينلاند في طريقها إلى الزوال، بل على العكس، يتجدد هذا الملف مع كل مرحلة سياسية حساسة، بما يثير تساؤلات جوهرية حول دوافعه الحقيقية. وفي هذا السياق، من الصعوبة بمكان تفسير هذا الاهتمام المتكرر باعتباره مجرد تصريح سياسي عابر؛ إذ يعكس على الأرجح رؤية أوسع تتقاطع فيها الاعتبارات الجيوسياسية والاقتصادية والأمنية. ومن ثم، يصبح من الضروري التوقف عند المبررات التي يستند إليها ترامب لتبرير السعي نحو تعزيز النفوذ الأمريكي أو فرض سيطرة مباشرة على جرينلاند.
1. الدوافع الاقتصادية: تمتلك جرينلاند احتياطات واعدة من المعادن الاستراتيجية التي تزداد أهميتها في ظل التحول العالمي نحو الطاقة النظيفة والصناعات المتقدمة. ومن المعروف أن ترامب ينظر إلى السياسة الخارجية من زاوية “العائد الاقتصادي المباشر”؛ حيث تُمنح الشركات الأمريكية أفضلية واضحة في الوصول إلى الموارد والأسواق.
على الجانب الآخر، فإن تحقيق هذا الهدف لا يتطلب بالضرورة سيطرة سياسية أو سيادية على الجزيرة. فالتجربة الأمريكية تؤكد أن النفوذ الاقتصادي يمكن بناؤه عبر الاتفاقيات والاستثمارات، لا عبر تغيير الخرائط. ومع ذلك، قد يتجه الضغط الأمريكي نحو فتح قطاعات التعدين بشكل أوسع، أو إعادة ترتيب أولويات الشراكات الدولية بما يمنح الشركات الأمريكية وضعًا مميزًا، حتى لو جاء ذلك على حساب التوازنات المحلية وحقوق السكان الأصليين في تقرير مصير مواردهم.
2. الدوافع الجيسوسياسية: ينطوي هذا الهدف على قراءة غير دقيقة لطبيعة التوازنات في منطقة القطب الشمالي. فالمنطقة القطبية تُعد فضاءً جغرافيًا هائلًا يشكل قرابة 4% من مساحة الكرة الأرضية، ويضم المحيط المتجمد الشمالي الذي يتجاوز البحر المتوسط حجمًا بنحو ستة أضعاف. وضمن هذا الامتداد الواسع، تمثل روسيا الفاعل العسكري الأبرز؛ إذ يشكّل القطب الشمالي عمقًا استراتيجيًا أساسيًا لأمنها القومي، ولا سيما لردعها النووي المتركز أساسًا في شبه جزيرة كولا شمال غربي البلاد، بالقرب من النرويج، وليس في جرينلاند.
وعلى الرغم من إن المسارات المحتملة للصواريخ الباليستية الروسية قد تمر فوق جرينلاند في حال حدوث سيناريو للصراع النووي، إلا أن الولايات المتحدة تأخذ هذا الاحتمال في الحسبان من خلال تعزيز وجودها العسكري في الجزيرة، وتحديدًا عبر قاعدة بيتوفيك، التي تُستخدم لرصد أي تهديدات قادمة من الاتجاه الشرقي. في المقابل، لا يُظهر الانتشار البحري الروسي نمطًا يُبرر اعتبار جرينلاند ساحة مواجهة مباشرة؛ فالسفن الحربية الروسية تنشط أساسًا في بحر بارنتس وعلى مقربة من السواحل النرويجية وأرخبيل سفالبارد، بينما لا يتجاوز وجود الغواصات الروسية قرب جرينلاند مستواه قرب الجزر الكندية أو آيسلندا.
أما الصين، فرغم إعلانها سياسة خاصة بالقطب الشمالي منذ عام 2018، فإنها تظل قوة غير مطلة على المنطقة ولا تمتلك أي أراضٍ فيها. وينحصر اهتمامها في أبعاد اقتصادية واستراتيجية بعيدة المدى، مرتبطة بتداعيات ذوبان الجليد وإمكانية فتح مسارات ملاحية جديدة مستقبلًا. ولا تشهد المياه المحيطة بجرينلاند نشاطًا بحريًا صينيًا يُذكر؛ إذ تتركز تحركات السفن الصينية بين السواحل الروسية وألاسكا، سواء لأغراض بحثية أو تدريبية عسكرية أو متعلقة بالصيد. وعلى الرغم من إن هناك اتجاه للشركات الصينية للاستثمار داخل جرينلاند، إلا أن عددًا كبيرًا من هذه المشاريع تم تجميدها بسبب المخاوف الأمنية من التصعيد.
لذلك يمكننا القول، إذا كان القلق الأمريكي – أو قلق ترامب تحديدًا – يستند على المخاوف من تمدد النفوذ الروسي أو الصيني في القطب الشمالي، فإن بؤرة الاهتمام ذات الأولوية ينبغي أن تكون شمال أوروبا، أو مواجهة الأنشطة الصينية المتنامية قرب ألاسكا، لا جرينلاند بحد ذاتها. ومع ذلك، قد تجد الدنمارك نفسها في مواجهة ضغوط لتقديم تنازلات ذات طابع دفاعي، سواء عبر رفع مستوى إنفاقها العسكري، أو توسيع نطاق الوجود الأمريكي في الجزيرة، أو حتى الدخول في تنفيذ مجموعة من الترتيبات التي تهدف إلى إرضاء النزعة التفاوضية لترامب والسعي إلى ما يمكن وصفه بـ”الصفقة الجيدة”.
3. دافع العقيدة الجديدة: تمثل “عقيدة مونرو” المُحدَّثة وطموح ترامب للهيمنة على المجال القريب أحد أهم التفسيرات الخاصة باتجاهات ترامب للسيطرة على جزيرة جريلاند. ففي يناير 2026، أشار دونالد ترامب بشكل مباشر إلى “عقيدة مونرو”، التي تقوم في جوهرها على رفض أي تدخل لقوى خارجية فيما تعتبره الولايات المتحدة مجالها الحيوي. ويبدو أن ترامب يتبنى نسخة خاصة من هذه العقيدة والتي بدأت تشكل إطارًا ناظمًا لتوجهات إدارته، بحيث يُعاد تعريف بعض الأقاليم والمناطق ومن بينها جرينلاند، إلى جانب بنما وكوبا وفنزويلا باعتبارها جزءًا من نطاق النفوذ الأمريكي المباشر.
يعكس هذا المنطق ارتدادًا واضحًا إلى أنماط التفكير الجيوسياسي السائدة في القرن التاسع عشر، حين كانت القوى الكبرى تفرض هيمنتها على محيطها الجغرافي المباشر، على حساب سيادة الدول الأصغر واستقلال قرارها. وإذا ما كُتب لهذا النهج أن يسود، فلن تقتصر تداعياته السلبية على الدنمارك وحدها، بل سيمتد أثره للتأثير على أسس النظام الدولي القائم بمختلف أركانه.
ورغم ذلك، يدرك ترامب أن اللجوء إلى القوة العسكرية ضد دولة حليفة وعضو في حلف شمال الأطلسي، كالدنمارك، سيحمل تبعات كارثية، من بينها تقويض الناتو ذاته، وانهيار منظومة الضمانات الأمنية العابرة للأطلسي. وهو سيناريو له تداعياته الكبيرة على المؤسسات الأمريكية، فضلًا عن العقبات الدستورية المرتبطة بضرورة الحصول على موافقة الكونجرس. وعليه، يبقى الاحتمال الأرجح هو اعتماد أدوات الضغط السياسي والعسكري والإعلامي، بهدف فرض “صفقة” تمنح واشنطن نفوذًا عمليًا وملموسًا، دون الانزلاق إلى استخدام القوة الصلبة.
في الختام: تكشف أزمة جرينلاند على إن طموح السيطرة الأمريكية يصطدم بمجموعة من التحديات المركبة والتي تشمل القيود القانونية، ومسارات المواجهة الأوروبية. إلا إنه يمكن لواشنطن إن تمتلك ما تسعى إليه عسكريًا عبر مجموعة من الاتفاقيات الدفاعية التي تضمن تعزيز مصالحها وأمنها القومي دون الانتقال من مسار النفوذ إلى حدود السيادة، سواء عبر الاستفتاء تحت الضغط، أو الطرح غير الواقعي لفكرة الشراء، فاتجاه الولايات المتحدة نحو استخدام استراتيجية الضغط ستحول جرينلاند من ورقة استراتيجية إلى عبء سياسي وقانوني يهدد بتفكيك التماسك بين الأعضاء داخل حلف الناتو وإحداث شرخ عميق في العلاقات عبر الأطلسي. وفي ظل رفض شعبي واضح لاستبدال تبعية بأخرى، وتمسك أوروبي بمبدأ سيادة القانون، يصبح سيناريو الحسم القسري أو فرض الأمر الواقع عالي التكلفة وضعيف الجدوى، بل ومرشحًا لأن يعزز نفوذ روسيا والصين في القطب الشمالي بدلًا من تقليصه. وعليه، فإن المسار الأكثر واقعية لا يكمن في إعادة رسم الخرائط، بل في إدارة النفوذ ضمن أطر الشرعية الدولية وحق تقرير المصير، لأن التعامل مع جرينلاند كفرصة جيوسياسية، لا ككيان يتمتع بالحكم الذاتي والهوية السياسية، لن ينتج إلا مجموعة من التداعيات السلبية من خلال تحويل طموح الهيمنة إلى خطأ استراتيجي طويل الأمد.
المراجع:
Ronald, I. (2026, January 22). Why does Trump want Greenland and why is it so important? CNN World.
https://edition.cnn.com/2026/01/06/europe/why-trump-wants-greenland-importance-intl
Alemanno, A. (2026, January 13). Greenland and US annexation threats: Mapping the legal questions. Verfassungsblog. https://verfassungsblog.de/greenland-and-us-annexation-threats/
Mackintosh, T. (2026, January 5). ‘We need Greenland’: Trump repeats threat to annex Danish territory. BBC News. https://www.bbc.com/news/articles/c4g0zg974v1o
Britannica. (2026, January 23). Why Is the U.S. Interested in Greenland? Encyclopædia Britannica. https://www.britannica.com/topic/Why-Is-the-US-Interested-in-Greenland
تغيان، مصطفى، (18 يناير 2026)، تقرير روسي يضع 3 سيناريوهات محتملة لسيطرة ترامب على جرينلاند. بلدنا اليوم.
https://www.baladnaelyoum.com/1123141
عامر، رشا، (16يناير 2026)، تصريحات ترامب أثارت ردود فعل واسعة.. سيناريوهات الولايات المتحدة للاستيلاء على جرينلاند. الأهرام العربي.
https://arabi.ahram.org.eg/News/149376.aspx

