نشوى عبد النبي
رئيس وحدة اللوجستيات والطاقة بمركز شمس للاستشارات والبحوث الاستراتيجية
تشهد المملكة المتحدة تحولات استراتيجية ضمن أهدافها لتعزيز الاستثمار في قطاع الطاقة مع تصاعد التركيز على مصادر الطاقة النظيفة والمستدامة لمواجهة التحديات البيئية والعمل على تحقيق أهدافها المناخية طويلة المدى. وفي هذا السياق، يبرز الهيدروجين كأحد الحلول الواعدة للطاقة المستقبلية، نظرًا لإمكاناته الكبيرة في توليد الطاقة دون انبعاثات كربونية، وهو ما يجعله عنصرًا أساسيًا في خطط التحول نحو اقتصاد منخفض الكربون. ومن ثم، يشكل المشروع العائم الأول لإنتاج الهيدروجين في المملكة المتحدة من خلال ميناء “ميلفورد هافن”، خطوة رائدة في هذا المجال باعتباره نموذجًا مبتكرًا يجمع بين التكنولوجيا البحرية الحديثة واستغلال الموارد الطبيعية لتوليد الهيدروجين بشكل مستدام.
حدود التأثير واتجاهات الاستفادة
من المتوقع أن يساهم أول مشروع عائم لإنتاج الهيدروجين في المملكة المتحدة في تعزيز طموحات البلاد في الريادة المناخية، من خلال تقديم وإرساء نموذج مبتكر لإنتاج طاقة نظيفة ومستدامة. ويتقدم مشروع “ميلفورد هافن هيدروجين” حاليًا نحو مرحلة التشغيل في البحر السلتي؛ حيث يختبر تقنيات إنتاج الهيدروجين من الطاقة البحرية والجوانب التقنية والتنظيمية المتعلقة بعمليات الإنتاج بصورة فعّالة وآمنه.
ويمكن الإشارة هنا إلى أن هذا المشروع يأتي في إطار جهود المملكة المتحدة لتعزيز البنية التحتية للطاقة الهيدروجينية، وتحفيز دور الموانئ الوطنية في التحول نحو الطاقة النظيفة، بما يسهم في تقليل الاعتماد على الوقود الأحفوري وتحقيق التنمية الاقتصادية المستدامة. كما يعكس المشروع الطموح البريطاني الهادف إلى دمج الابتكار التكنولوجي مع الاستراتيجيات البيئية لتحقيق نقلة نوعية في قطاع إنتاج الطاقة كمثال على الإمكانات الكبيرة للطاقة الهيدروجينية في دعم الاقتصاد وتلبية احتياجات الطاقة المستقبلية.
من ناحية أخرى، يشير المشروع كذلك إلى أهمية التعاون بين القطاعين العام والخاص في تنفيذ مبادرات الطاقة المستدامة؛ حيث يتيح دمج الخبرات الفنية والتقنية مع السياسات الحكومية لتحقيق نتائج ملموسة على أرض الواقع. كما يعكس هذا التوجه التزام المملكة المتحدة بدور قيادي عالمي في مجال الطاقة النظيفة، ويشكل نقطة انطلاق مهمة لتطبيق نماذج مماثلة في الموانئ الأخرى والمناطق الساحلية، وهو ما يعزز مكانتها كمركز ابتكار وإنتاج للطاقة الهيدروجينية على المستوى الدولي.
كما يُعد المشروع نموذجًا متقدمًا للتعاون بين مجموعة من الشركات المتخصصة في مجالات الطاقة والهيدروجين؛ حيث يضم التحالف كل من “سلتيك سي باور”و”دولفين هيدروجين” و”أوه آر إي كاتابولت” و”ويلز آند ويست يوتيليتيز”. وتضطلع كل شركة بدور محدد ضمن الخطة التفصيلية للمشروع، بدءً من تصميم المنشأة، مرورًا بالحصول على التراخيص اللازمة، ووصولًا إلى عمليات التشغيل الفعلي. وهذا التكامل بين الخبرات الفنية والتنظيمية يضمن سير المشروع بكفاءة ويسهم في تجاوز التحديات التقنية والإدارية المرتبطة بإنتاج الهيدروجين من مصادر بحرية.
بالإضافة إلى ذلك، يُمثّل المشروع تجربة عملية لتوسيع نطاق أنظمة الطاقة البحرية المتكاملة؛ حيث يجمع بين الابتكار التكنولوجي والقدرة على إنتاج الهيدروجين المستدام، وهو ما يجعله خطوة مهمة نحو تحويل الموانئ البريطانية إلى مراكز للطاقة النظيفة. ومن المتوقع أن يشهد هذا المشروع توسعًا كبيرًا بعد إطلاقه؛ حيث تبدأ المنشأة التجريبية بقدرة تتراوح بين 10 و15 ميجاواط، لكنها ستتوسع لتصبح محطة إنتاج كبيرة بقدرة 135 ميجاواط. ومن خلال هذه الطاقة، ستتمكن المحطة من إنتاج أكثر من 10 آلاف طن من الهيدروجين المتجدد سنويًا، وهو ما يجعلها مصدرًا رئيسًا للطاقة في المنطقة.
وضمن الإطار ذاته، يمكن للهيدروجين أن يدعم جهود إزالة الكربون في القطاعات الصناعية وقطاع النقل في جنوب ويلز، الذي أصبح أحد المراكز البارزة للطاقة النظيفة في المملكة المتحدة. وبذلك، لا يقتصر دور المشروع على إنتاج الطاقة فقط، بل يسهم أيضًا في تحقيق أهداف الحياد الكربوني وتقليل الاعتماد على الوقود الأحفوري، وهو ما يعكس الالتزام بالتحول نحو الطاقة المستدامة وتطوير بنية تحتية قوية للهيدروجين بما يعزز موقع المملكة المتحدة بين الدول الرائدة عالميًا في مجال الطاقة النظيفة.
وعلى الصعيد الوطني، يساهم المشروع في تحقيق أهداف المملكة المتحدة المتعلقة بإنتاج الهيدروجين منخفض الكربون؛ إذ تستهدف الحكومة الوصول إلى قدرة إنتاجية محلية تصل إلى 10 جيجاواط بحلول عام 2030. كما يمكن للمشروع، من خلال عرضه كنموذج توليد بحري، دعم مبادرات نقل الهيدروجين مثل مشروع “يونيونآند هي لاين سيمرو”، والمساهمة في تطوير شبكة وطنية لنقل الهيدروجين. علاوة على ذلك، يعزز المشروع دور تجمع ميلفورد هافن لطاقة المستقبل وميناء سلتيك الحر في جهود إزالة الكربون على المستوى الإقليمي وتنشيط إنتاج الهيدروجين، وهو ما يجعله خطوة استراتيجية نحو مستقبل طاقة نظيفة وأكثر استدامة في المملكة المتحدة.
ويمكن الإشارة هنا إلى إن أحد أبرز إنجازات المشروع تتمثل في استراتيجية الموافقة الاستباقية، التي تعتمد على التعاون المبكر مع الجهات التنظيمية وأصحاب المصلحة. وقد ساعد هذا النهج على تقليل أوجه الغموض والبيروقراطية التي غالبًا ما تعرقل تطوير مشروعات الطاقة البحرية؛ حيث لا تزال الأطر التنظيمية الخاصة بمشروعات الهيدروجين العائمة في مراحلها الأولى مقارنةً بتراخيص طاقة الرياح البحرية. ويُظهر المشروع كيف يمكن للتخطيط المبكر والتنسيق الوثيق مع الجهات المعنية أن يسهم في تسريع الابتكار وتوسيع نطاق الطاقة النظيفة بشكل آمن ومستدام.
مسارات التنمية وحدود التوظيف
يعتمد مشروع “ميلفورد هافن هيدروجين”على تقنية مبتكرة تعرف باسم نموذج دولفين هيدروجين العائم، والتي تحول طاقة الرياح مباشرةً إلى هيدروجين عبر دمج التحليل الكهربائي في منصة عائمة؛ حيث تساهم هذه التقنية في إلغاء الحاجة إلى مد خطوط كهرباء بحرية تصل إلى الشاطئ، وهو ما يقلل من التكاليف ويعزز من كفاءة الإنتاج خاصة في المناطق العميقة مثل مياه البحر السلتي. كما يوفر موقع المشروع في منطقة بيمبروكشاير التجريبية بيئة مناسبة لاختبار هذه المنصة على نطاق واسع، مع إمكانية دراسة التكامل مع أنظمة طاقة الأمواج لتعزيز إنتاج الهيدروجين بشكل مستدام.
وفي ضوء هذه الأهداف يحظى مشروع “ميلفورد هافن هيدروجين” بدعم مالي من برنامج صناعة الحياد الكربوني في جنوب غرب ويلز، الذي تديره مؤسسة Innovate UK، وهو برنامج يهدف إلى تمكين مشروعات الطاقة النظيفة وتشجيع الابتكار في إنتاج الهيدروجين. كما يحصل المشروع على تمويل مشترك من مبادرةبيمبروك دوك مارين ضمن صفقة مدينة خليج سوانزي، التي تهدف أيضًا إلى تسريع تطوير مشروعات الطاقة النظيفة ودعم إنتاج الهيدروجين على المستوى الوطني. ويعكس هذا الدعم المالي توجه المملكة المتحدة نحو انتهاج استراتيجية جديدة للتعاون بين القطاعات؛ حيث تتقاطع التنمية الإقليمية والسياسة الصناعية والابتكار في مجال الطاقة.
ويمكن الإشارة هنا إلى أنه مع اقتراب تنفيذ المشروع، من المتوقع أن يصبح نموذجًا تجريبيًا لاختبار قابلية توسع أنظمة الهيدروجين البحرية من النواحي التقنية والاقتصادية والتنظيمية. وفي حال نجاحه، يمكن أن يُسهم المشروع في وضع خطط لمشروعات مستقبلية في البحر السلتي والمنطقة التي حددتها شركة TheCrown Estate كموقع رئيسي لتطوير مشترك لطاقة الرياح البحرية والهيدروجين في المملكة المتحدة، وهو ما يعزز مكانة البلاد في ريادة الطاقة النظيفة.
في الختام: يمثل مشروع ميناء “ميلفورد هافن” لإنتاج الهيدروجين العائم خطوة استراتيجية رائدة في مسار المملكة المتحدة نحو التحول الكامل للطاقة النظيفة والمستدامة؛ إذ يجمع المشروع بين الابتكار التكنولوجي، والتخطيط والتعاون بين القطاعين العام والخاص، ليشكل نموذجًا متكاملًا يمكن تكراره وتطويره في مناطق بحرية أخرى. من ناحية أخرى، يتيح دمج منصة التحليل الكهربائي العائمة تحويل طاقة الرياح البحرية مباشرةً إلى هيدروجين متجدد، وهو ما يقلل التكاليف ويزيد من كفاءة الإنتاج، خاصة في المياه العميقة، مع الاستفادة من البنية التحتية البحرية القائمة في المملكة المتحدة.
بالإضافة إلى ذلك، يمكن أن يسهم المشروع في تحقيق أهداف المملكة المتحدة المتعلقة بالحياد الكربوني، من خلال دعم إنتاج الهيدروجين منخفض الكربون وتطوير شبكة وطنية لنقله واستخدامه في القطاعات الصناعية وقطاع النقل. ويعكس المشروع أيضًا التزام البلاد بالابتكار في الطاقة النظيفة، وتعزيز دور الموانئ الوطنية كمراكز إنتاج وإمداد للطاقة المستدامة. وفي ضوء الدعم المالي والتقني المقدم من مؤسسات مثل Innovate UK وبرامج التنمية الإقليمية، يمكن لمشروع “ميلفورد هافن” أن يصبح نموذجًا تجريبيًا ومرجعًا لمشروعات الهيدروجين المستقبلية، ليس فقط على المستوى الوطني، بل وعلى الصعيد العالمي، وهو ما يعزز ريادة المملكة المتحدة في قطاع الطاقة النظيفة ويضعها في طليعة الدول الساعية إلى مستقبل مستدام خالٍ من الكربون.

