عزالدين ابوالمجد
باحث في العلوم السياسية

تعد أميركا اللاتينية واحدة من المناطق الأكثر تأثرًا بالسياسات الأمريكية، لا سيما في ظل إدارة الرئيس دونالد ترامب، التي اتسمت بتوجهاتها الحادة وغير التقليدية تجاه قضايا الهجرة، التجارة، والعلاقات الإقليمية. وقد تصاعدت التوترات في المنطقة مع تشديد ترامب لإجراءاته ضد بعض دول المنطقة، فقد اتبع الرئيس دونالد ترامب نهجًا أكثر تشددًا من سابقيه خلال ولايته الأولى؛ حيث فرض عقوبات على عدة دول، بما في ذلك كوبا ونيكاراغوا وفنزويلا، وقلص المساعدات لدول أخرى، وكان أبرزها دول مثل “مثلث الشمال” في أمريكا الوسطى. ويقول بعض المحللين إن هذه الإجراءات دفعت بعض دول المنطقة للتقارب من الصين. كما تراجعت العلاقات التجارية، من خلال الانسحاب من الشراكة عبر المحيط الهادئ. وفي هذا السياق، أصبحت المنطقة ساحة صراع بين الولايات المتحدة والصين؛ حيث تواجه هذه الدول ضغوطًا متزايدة من واشنطن، وهو ما يضعها أمام خيار صعب بين الاصطفاف مع أحد الطرفين. بينما تفضل إدارة ترامب سياسة “العصا” على “الجزرة” في استراتيجيتها لمواجهة النفوذ الصيني المتنامي في المنطقة، معتبرةً إياه تهديدًا للأمن القومي والاقتصاد الأمريكي، وبالتالي أصبحت هذه المنطقة ساحة لصراع أكثر تعقيدًا بين واشنطن وبكين.
أولًا: مبادرة بايدن لمواجهة النفوذ الصيني في أمريكا اللاتينية: التحديات والمبادرات الاقتصادية
في عام 2021، أطلق بايدن مبادرة “بناء عالم أفضل” (B3W) بالتعاون مع نظرائه في مجموعة السبع(G7)، لمواجهة مبادرة الحزام والطريق الصينية من خلال تطوير البنية التحتية في البلدان منخفضة ومتوسطة الدخل، بما في ذلك أمريكا اللاتينية. ومع ذلك، التزمت إدارة بايدن فقط بمبلغ 6 ملايين دولار في السنة الأولى لهذه المبادرة، التي تم تغيير اسمها لاحقًا إلى “الشراكة من أجل البنية التحتية العالمية والاستثمار”. وفي قمة الأمريكتين 2022، أعلن بايدن عن مجموعة من المبادرات الاقتصادية الجديدة، بما في ذلك إنشاء “شراكة الأمريكتين للازدهار الاقتصادي”، التي تهدف إلى جعل المنطقة أكثر تنافسية على المستوى الاقتصادي.
بالإضافة إلى ذلك، سعت إدارة بايدن إلى تعزيز دعم تايوان ورفع المخاوف بشأن شركة هواوي. مع ذلك، يرى بعض الخبراء أن بايدن لا يركز بما فيه الكفاية على المنطقة، خاصة في مجال التجارة. وقد أبرز تقرير لجنة مراجعة الاقتصاد والأمن الأمريكي الصيني، وهي وكالة مستقلة من الحكومة الأمريكية، التحديات التي يشكلها النفوذ المتزايد للصين في أمريكا اللاتينية على واشنطن. وفي الوقت نفسه، قدمت تشريعات ذات طابع ثنائي من قبل السيناتورين بوب مينينديز (ديمقراطي-نيوجيرسي) وماركو روبيو (جمهوري-فلوريدا) في عام 2022 لمواجهة “التأثير الضار” للصين في المنطقة من خلال تعزيز التعاون الأمني متعدد الأطراف وجهود مكافحة المخدرات. وتشمل بعض المقترحات التشريعية الأخرى دعوات لإنشاء شراكات تجارية دائمة مع دول في نصف الكرة الغربي لتشجيع “إعادة توطين” سلاسل التوريد من الصين إلى دول أقرب. ومع ذلك، لم يتقدم أي من القانونين في الكونجرس.
ثانيًا: عودة ترامب وإعادة تشكيل منطقة أمريكا اللاتينية
بعد عودة دونالد ترامب إلى سدة الحكم مرة أخرى، أولت سياساته اهتمامًا أكبر بأمريكا اللاتينية أكثر من أي إدارة أمريكية في العقود الثلاثة الماضية. ويمكن إرجاع ذلك إلى أولوياته المحلية التي تعتمد بشكل كبير على السياسات تجاه المنطقة، مثل مكافحة الهجرة غير المصرح بها، ووقف تهريب الفنتانيل والمخدرات غير المشروعة، وتقليص تدفق السلع الصينية إلى الولايات المتحدة. وبفضل ولايته الانتخابية الأقوى من المتوقع، والتي تمثل فوزه بالتصويت الشعبي بالإضافة إلى سيطرته على مجلسي النواب والشيوخ، إلى جانب الزيادة الكبيرة في تدفقات المهاجرين والمخدرات منذ بداية ولايته الأولى، بات ترامب أكثر قوة في الضغط على حكومات أمريكا اللاتينية لتحقيق أهدافه. ومن المتوقع أن يلجأ إلى تدابير قسرية تشمل فرض الرسوم الجمركية والعقوبات وربما إجراءات عسكرية محدودة، مثل الضربات بالطائرات دون طيار ضد جماعات الاجرامية المنظمة للمخدرات.
وبعد ان أصبح روبيو وزيرًا للخارجية في ولاية ترامب الثانية، والمتوقع أن تشهد ضغطًا متزايدًا على كل من الصين وأمريكا اللاتينية. كان روبيو ينتقد بشدة الحكومات اليسارية في كوبا ونيكاراغوا وفنزويلا، وغالبًا ما انتقد وجود الصين في المنطقة، بينما هدد ترامب بفرض تعريفة على الواردات من المكسيك كوسيلة للضغط عليها لتشديد حدودها. ويعتقد العديد من الخبراء أن مثل هذه التدابير ستنعكس بصورة سلبية على الاقتصاد الأمريكي وتمنح بعض التجارة لبكين. كما أن تركيز ترامب على السيطرة على الحدود قد يشكل مشاكل لدول أمريكا اللاتينية؛ حيث يعتمد العديد منها المواطنين على التحويلات المالية من الولايات المتحدة.
إن تزايد اهتمام ترامب بالمنطقة سيُرحب به من قبل زملائه المحافظين، مثل الرئيس الأرجنتيني خافيير ميلي، والرئيس السلفادوري نجيب بوكيلي، وآخرين في وقت يشهد صعودًا لليمين الأيديولوجي في العديد من دول أمريكا اللاتينية. كما أن تعيين السيناتور الأمريكي ماركو روبيو وزيرًا للخارجية، قد يفتح نهج ترامب وروبيو الفرص أمام تكامل اقتصادي واستثمار جديد للدول اللاتينية التي ترى الإدارة الأمريكية متعاونة وودية.
ومع ذلك، على المدى القصير، من المرجح أن تكون سياسات ترامب تجاه المنطقة مشوشة وقد تتسبب في دفع بعض الدول اللاتينية بعيدًا عن واشنطن بدلًا من عكس الاتجاهات التي سادت في السنوات الأخيرة. على سبيل المثال، تواجه المكسيك تحديات كبيرة، بما في ذلك احتمال حدوث أضرار جسيمة في تجارتها مع الولايات المتحدة – وهي وجهة لأكثر من 80% من صادراتها – إذا لم تستجب لمطالب ترامب في تأمين الحدود المشتركة الممتدة على طول 2,000 ميل. تهديدات ترامب الأخيرة بفرض تعريفة بنسبة 25% على المكسيك عند توليه منصبه كانت بداية لمفاوضات طويلة وشائكة. علاوة على ذلك، ستحمل دول أخرى في المنطقة، مثل غواتيمالا وكولومبيا، تداعيات مماثلة من خلال فرض رسوم جمركية أو عقوبات إذا لم تُظهر التزامها في وقف تدفق المهاجرين.
من المتوقع أن تضغط إدارة ترامب على حكومات دول مثل البرازيل وبنما وبيرو لوقف قبول الاستثمارات الصينية في مشاريع حساسة مثل الموانئ وشبكات الكهرباء والاتصالات 5G، وهو ما يعتبره العديد من الجمهوريين انتهاكًا لعقيدة مونرو التي تحظر التدخل الخارجي في نصف الكرة الغربي. هذه المواقف تأتي في وقت حساس؛ حيث يعيد الجمهوريون إحياء هذه العقيدة في ظل التنافس المتزايد بين القوى الكبرى.
ثالثًا: التوسع الصيني في أمريكا اللاتينية: فرص اقتصادية ومخاوف استراتيجية
في عام 2000، كان السوق الصيني يمثل أقل من 2% من صادرات أمريكا اللاتينية، ولكن مع النمو السريع للصين وزيادة الطلب على منتجاتها، شهدت المنطقة ازدهارًا في صادرات السلع الأساسية، ليصل حجم التجارة إلى أكثر من 450 مليار دولار في 2021، مع توقعات بتجاوز 700 مليار دولار بحلول 2035. تعتبر الصين الآن أكبر شريك تجاري لأمريكا الجنوبية وثاني أكبر شريك لأمريكا اللاتينية بعد الولايات المتحدة. تصدر المنطقة إلى الصين أساسًا فول الصويا، النحاس، النفط الخام، والمنتجات الزراعية، بينما تستورد منها المنتجات المصنعة ذات القيمة المضافة العالية. منذ 2024، وقعت الصين اتفاقيات تجارة حرة مع عدة دول لاتينية، بما في ذلك تشيلي وكوستاريكا، وارتبطت 22 دولة من المنطقة بمبادرة الحزام والطريق الصينية، في حين قررت البرازيل عدم الانضمام.
وتلعب الاستثمارات المباشرة الصينية الخارجية (OFDI) والقروض دورًا مهمًا في تقوية العلاقات مع أمريكا اللاتينية ومنطقة البحر الكاريبي. ففي 2023، بلغت الاستثمارات الصينية في المنطقة نحو 9 مليارات دولار، أي 6% من إجمالي استثمارات الصين في الخارج. كما يُعتبر بنك التنمية الصيني والبنك الصيني للتصدير والاستيراد من أبرز المقرضين في المنطقة؛ حيث قدما أكثر من 120 مليار دولار منذ 2005، مقابل النفط، لتمويل مشاريع الطاقة والبنية التحتية. وتعتبر فنزويلا هي أكبر المقترضين بحصولها على نحو 60 مليار دولار، وهو ما يعادل ضعف ما حصلت عليه البرازيل. الصين أيضًا عضو غير مقترض لكن بحق التصويت في البنك الأمريكي للتنمية وبنك التنمية الكاريبي. ومع ذلك، أثارت هذه الروابط الاقتصادية المتزايدة بعض المخاوف، خاصة بين الحكومات اللاتينية. فبينما ترفق القروض الصينية عادة بشروط أقل، يمكن أن يؤدي الاعتماد عليها إلى دفع دول اقتصادية غير مستقرة مثل فنزويلا إلى ما يسميه النقاد “فخاخ الديون”، وهو ما قد يؤدي إلى العجز عن السداد. في الواقع، تسعى العديد من الدول اللاتينية إلى إعادة التفاوض بشأن شروط ديونها. كما ينتقد البعض الشركات الصينية بسبب معاييرها البيئية والعمالية المنخفضة، ويحذرون من أن زيادة سيطرة الصين على البنية التحتية الحيوية مثل الموانئ وشبكات الطاقة قد تشكل مخاطر على الأمن القومي. وهناك أيضًا مخاوف من تزايد الاعتماد الاقتصادي في دول مثل تشيلي، التي أرسلت أكثر من 38 مليار دولار من صادراتها إلى الصين في 2022، ما يعادل 39% من إجمالي صادراتها.
ويمكن القول إنه بين عامي 2000 و2018، استثمرت الصين 73 مليار دولار في قطاع المواد الخام في أمريكا اللاتينية، بما في ذلك بناء مصافي النفط ومصانع المعالجة في البلدان التي تحتوي على الفحم والنحاس والغاز الطبيعي والنفط، كما ركزت الصين على الاستثمار في إنتاج الليثيوم في دول مثل الأرجنتين وبوليفيا وتشيلي، التي تحتوي على نصف مخزون الليثيوم العالمي. بالإضافة إلى ذلك استثمرت الصين في قطاع الطاقة المتجددة، مع تمويل مشاريع ضخمة للطاقة الشمسية والرياح في دول مثل الأرجنتين وتشيلي.
وضمن السياق ذاته، استثمرت الصين في مشاريع بنية تحتية ضخمة داخل منطقة أمريكا اللاتينية، بما في ذلك بناء الموانئ والطرق السريعة والمطارات. كما تشارك العديد من الدول في المنطقة مثل الأرجنتين والبرازيل في بنك الاستثمار في البنية التحتية الآسيوي. ومع ذلك، أثارت بعض المشاريع الصينية في المنطقة، مثل بناء الموانئ، مخاوف بشأن تأثيراتها السلبية على البيئة والمجتمعات الأصلية.
كما تسعى الصين إلى توسيع نفوذها في أمريكا اللاتينية من خلال “التعاون بين الجنوب والجنوب”، الذي يركز على المساعدات والاستثمار والتجارة. فقد ساعد التركيز على القوة الناعمة، مثل تعزيز الروابط الثقافية والتعليمية، في بناء الثقة بين بكين ودول أمريكا اللاتينية، وهو ما جعلها شريكًا بديلاً للولايات المتحدة وأوروبا؛ حيث وقعت الصين شراكات استراتيجية مع عدة دول لاتينية مثل الأرجنتين والبرازيل وفنزويلا. وفيما يتعلق بقضية تايوان، فقد تراجع دعم أمريكا اللاتينية لتايوان، مع تحول العديد من الدول مثل هندوراس، الدومينيكان، ونيكاراغوا إلى دعم الصين.
رابعًا: الاتحاد الأوروبي وأمريكا اللاتينية: شراكة واعدة
إن العلاقة بين أمريكا اللاتينية والاتحاد الأوروبي تتراوح بين فترات من الانفصال والمشاركة الفعالة، خاصة أن الاتحاد الأوروبي لا يعطى الأولوية للمنطقة كما يفعل مع إفريقيا أو أوروبا الشرقية أو حتى منطقة الهند والمحيط الهادئ. ومع ذلك، وبسبب الروابط التاريخية والثقافية والاقتصادية، تحافظ بروكسل بشكل مستمر على وجود ولو رمزي في المنطقة، إلا أن المشاركة الفعالة تحدث عندما يعزز الاتحاد الأوروبي بشكل طبيعي مشاركته استجابة لتأثير المصالح الاستراتيجية. على سبيل المثال، في التسعينيات، تم بدء المفاوضات مع ميركوسور كرد فعل على اقتراح الولايات المتحدة لمنطقة التجارة الحرة للأميركتين (FTAA)، والذي كان يشكل تهديدًا بإغلاق الأسواق أمام القوى غير الإقليمية. وبالمثل، كان إعادة التفاوض على الاتفاقيات في نهاية العقد الماضي مدفوعًا بموجة الحماية التي قادها ترامب، وحاليًا، يمكننا القول إن الرغبة في تقليل الاعتماد المقلق على روسيا والصين هي المحفز. وهذه العوامل تمثل نقطة تحول حاسمة تؤدي إلى إعادة ترتيب جيوستراتيجي الذي يمكن أن يقرب بين المنطقتين ويعزز الروابط بينهما.
وقد أكد جوزيف بوريل، الممثل الأعلى للشؤون الخارجية والسياسة الأمنية للاتحاد الأوروبي السابق على ضرورة إعادة تحديد علاقات الاتحاد الأوروبي مع أمريكا اللاتينية ومنطقة البحر الكاريبي (LAC)، وجعلها أولوية على مستوى الاتحاد ككل، بدلًا من أن تقتصر على بعض الدول الأعضاء مثل إسبانيا والبرتغال.
وفي الآونة الأخيرة، قامت أورسولا فون دير لاين، رئيسة المفوضية الأوروبية، بزيارة البرازيل والأرجنتين وتشيلي والمكسيك؛ حيث وقعت مجموعة من الالتزامات وأعلنت عن استثمارات جديدة في مجالات تهم كلا المنطقتين. وكانت هذه الزيارة هي الثانية من نوعها لمسئول أوروبي رفيع؛ إذ كانت نائبة رئيس المفوضية التنفيذية، مارغريت فيستاجر، قد زارت البرازيل وكولومبيا وتشيلي في من قبل.
على الجانب الآخر، أظهرت الدول اللاتينية حماسًا مبررًا؛ حيث انعكس التجدد في اهتمام الاتحاد الأوروبي بالمنطقة في مبادرات ملموسة. من بين 300 مليار يورو التي كانت تهدف استراتيجية “البوابة العالمية” للاتحاد الأوروبي إلى حشدها بين 2021 و2027 لتطوير البنية التحتية عالميًا، وتم تخصيص نصف هذا المبلغ لأفريقيا، في حين تم توزيع الباقي بين أمريكا اللاتينية ومنطقة البحر الكاريبي (LAC) وآسيا. وعلى الرغم من أن هذا يعد مبلغًا كبيرًا، إلا أنه عند وضعه في سياق أوسع، قد يبدو أقل. على سبيل المثال، هو أقل بكثير من 400 مليار دولار التي قدرها البنك الدولي كتكلفة لإعادة إعمار أوكرانيا، والتي كان من المفترض أن تُصرف في وقت أقرب من مدة “البوابة العالمية” التي تمتد نحو سبع سنوات. بالإضافة إلى ذلك، قد يتضاءل الحماس إذا كانت “البوابة العالمية” تركز فقط على الاستثمارات وتغفل أنماط التعاون الأخرى التي تشكل جزءً من الهوية الإقليمية لأمريكا اللاتينية، مثل التعاون بين الجنوب والجنوب والتعاون الثلاثي، التي يشارك فيها الاتحاد الأوروبي بنشاط أيضًا.
ويمكن القول إن استراتيجية الاتحاد الأوروبي تجاه أمريكا اللاتينية تركز على تعزيز التعاون الاقتصادي من خلال الاستثمارات المشتركة في البنية التحتية التجارية؛ حيث تشير النظريات الاقتصادية إلى أن تحسين البنية التحتية يمكن أن يعزز تدفقات التجارة الدولية عن طريق تقليص تكاليف التجارة بين الدول، وهو ما يسهم في تعزيز التكامل الاقتصادي وتطوير التخصص الذي يؤدي إلى رفع الإنتاجية. في هذا السياق، يعتبر الاستثمار في بنية تحتية للنقل، مثل الطرق، السكك الحديدية، الموانئ، والمطارات، من أولويات الاتحاد الأوروبي. إضافة إلى ذلك، يُعتبر تطوير بنية تحتية منخفضة الكربون، مثل أنابيب الهيدروجين ومحطات الأمونيا، جزءًا أساسيًا من استراتيجية الاتحاد الأوروبي. هذا النوع من الاستثمارات يعزز التجارة بين الاتحاد الأوروبي وأمريكا اللاتينية من خلال توفير طاقة متجددة قابلة للتصدير، ويسهم في تحقيق أهداف إزالة الكربون. كما أن تطوير البنية التحتية للاتصالات، مثل الإنترنت والشبكات المحمولة والاتصالات عبر الأقمار الصناعية، يعد أمرًا محوريًا في تسهيل التجارة، إذ يساعد على تقليص تكاليف الاتصال اللازمة لإتمام المعاملات التجارية.
وتعتبر مبادرة “البوابة العالمية” (Global Gateway) أداة رئيسية في استراتيجية الاتحاد الأوروبي؛ حيث تهدف إلى تعزيز العلاقات التجارية مع دول أمريكا اللاتينية من خلال استثمارات في خمسة مجالات رئيسية: المناخ والطاقة، الرقمية، التعليم والبحث، الصحة، والنقل. وتشمل محفظة المبادرة لعام 2024 حوالي 58 مشروعًا تركز على تعزيز التحول الرقمي، ومعالجة الفجوة الرقمية، وتعزيز القدرات البحثية. وهذه المشاريع تركز بشكل خاص على تعزيز الاتصال الذكي والنظيف والآمن، وهو ما يعزز الإنتاجية ويسهم في تحسين بيئة الأعمال في المنطقة. على الرغم من هذه المبادرات الطموحة، فإن أمريكا اللاتينية لا تزال متخلفة عن القارة الأفريقية في عدد المبادرات المخطط لها. كما أن تمويل “البوابة العالمية” يعتمد بشكل كبير على إعادة تخصيص أموال الاتحاد الأوروبي والدول الأعضاء للمساعدات الدولية، وهو ما يحد من تأثيرها الاقتصادي. لذلك، يجب على الاتحاد الأوروبي أن يركز على جذب استثمارات خاصة من خلال الشراكات بين القطاعين العام والخاص، وهو ما يتطلب تحسين الشفافية في اختيار وتنفيذ المشاريع. ويمكن إجمال أهداف استراتيجية الاتحاد الأوروبي تجاه أمريكا اللاتينية على مجموعة من الموضوعات من أهمها:
1. تطوير سلاسل توريد مستدامة لحاملات الطاقة المتجددة، فعلى الرغم من أن الإنفاق على البنية التحتية يعد أمرًا أساسيًا، فإنه لا يكفي بمفرده لإنشاء سلاسل توريد مستقرة، فتحسين البنية التحتية لا يقلل فقط من المسافة الاقتصادية بين أمريكا اللاتينية وأوروبا، بل يؤثر أيضًا على المسافة الاقتصادية لهذه الدول من الشركاء التجاريين الآخرين، مثل الصين؛ حيث تشهد المنطقة منافسة شديدة من الصين، التي تعتبر أمريكا اللاتينية جزءً استراتيجيًا من مبادرتها “الحزام والطريق”. وتركز استثماراتها على تعزيز إمكانياتها التصديرية والتحكم في سلاسل التوريد العالمية، وهو ما يجعلها أكثر فعالية مقارنة بالنهج الأوروبي غير المستدام.
2. يسعى الاتحاد الأوروبي إلى تحديد “السلع المشتركة” التي يمكن أن تكون ركيزة للشراكة. في هذا السياق، يعتبر التعاون في مجال تقنيات الطاقة المتجددة أحد الأصول التي يمكن أن تميز التعاون بين أوروبا وأمريكا اللاتينية؛ حيث تتمتع المنطقة بميزات تنافسية في الموارد المتجددة مثل إنتاج الكهرباء من الطاقة الشمسية وطاقة الرياح، وهو ما يجعل دول مثل تشيلي والبرازيل والمكسيك قادرة على أن تصبح أكثر كفاءة من حيث تكلفة إنتاج الهيدروجين المتجدد باستخدام الطاقة المتجددة.
3. الاستثمار في أسواق البيو-طاقة والمواد البيولوجية المتجددة الذي مجالًا آخر للفرص أمام دول الاتحاد الأوروبي تمتلك دول مثل البرازيل وفنزويلا وكولومبيا إمكانيات هائلة لتوسيع دورها كموردين للمواد الخام في سلاسل التوريد البيولوجية. ومن بين هذه الإمكانيات، يعد البيو-ميثان من أهم الخيارات، بفضل قدرته على استبدال الغاز الطبيعي في تطبيقات متعددة مثل التدفئة والوقود للنقل الثقيل والشحن. ومع ذلك، فإن التهديدات المحتملة للنظم البيئية، مثل منطقة الأمازون، قد تثير معارضة سياسية تجاه أي زيادة في استغلال الموارد البيولوجية. لذا، فإن التعاون العميق مع الاتحاد الأوروبي في تطوير وتنفيذ تقنيات المواد الخام المستدامة يعد أمرًا جذابًا للدول اللاتينية ذات الإمكانيات العالية.
في الختام: إن التحديات والفرص التي تواجه أمريكا اللاتينية في ظل التغيرات الجيوسياسية والجيو-اقتصادية الراهنة تتطلب رؤية استراتيجية ومرونة في التعامل مع الظروف المتقلبة. من خلال تحليل أبعاد السياسات الداخلية للولايات المتحدة تحت إدارة ترامب، يمكن رؤية التوترات التي قد تؤثر على المنطقة بشكل واضح، سواء في مجالات الهجرة أو التجارة أو السياسة. بالإضافة إلى ذلك، فإن التأثيرات الاقتصادية الناتجة عن التغير المناخي والجريمة المنظمة تضيف طبقات من التعقيد إلى الوضع الإقليمي. على الرغم من هذه التحديات، تظل اقتصادات أمريكا اللاتينية تحمل قدرات هائلة للنمو والتكيف مع المتغيرات العالمية، وهو ما يفتح أمامها آفاقًا جديدة وفرصًا للاستثمار والتحول. في النهاية، سيكون النجاح في هذا السياق مرهونًا بقدرة الدول على إدارة هذه الأزمات والاستفادة من الفرص بشكل فعال ومتوازن سواء مع الولايات المتحدة أو الصين أو الاتحاد الأوروبي. وبناءً عليه، يبدو أن التنافس على النفوذ في أمريكا اللاتينية ليس مجرد صراع اقتصادي، بل هو معركة استراتيجية حول كيفية تشكيل النظام العالمي في العقود المقبلة. فبينما تبقى الولايات المتحدة قوة ذات تأثير تاريخي كبير في المنطقة، فإن الصين والاتحاد الأوروبي يقفان اليوم كفاعلين رئيسيين يسهمان في إعادة تشكيل خريطة التحالفات الإقليمية والدولية.

