مصطفي عبدالمنعم سيف النصر
باحث اقتصادي
شهد الاقتصاد المصري فترة من الاتجاه التصاعدي لسعر الصرف بشكل جنوني وزادت المضاربات في الأسواق غير الرسمية للنقد،مما اثر علي مستويات معدل التضخم،الا ان الإجراءات التي اتخذتها الدولة بصرامة وجدية في وقت قياسي مع زيادة التدفقات من النقد الأجنبي من استثمار اجنبي مباشر كصفقة راس الحكمة وزيادة عوائد الصادرات وزيادة تحويلات المصريين العاملين في الخارج التي بلغت عام 2024 ما يقارب 32,6 مليار دولار لتعوض النقص في إيرادات قناة السويس الناجمة عن احداث البحر الأحمر،لقد لعبت تحويلات العاملين دورا محوريا في السيطرة علي سعر الصرف وزيادة حجم الاحتياطي النقدي والذي ساهم في خفض معدلات التضخم وانخفاض سعر الصرف والقضاء علي السوق غير رسمي للنقد،واتخذت الدولة عدة برامج وإجراءات لزيادة التحويلات ومساندة العاملين في الخارج، وفي ضوء ذلك يتناول التحليل التعريف بالتحويلات المالية ودورها في الاقتصاد المصري.
أولًا: التحويلات المالية: التعريف والأنواع والخصائص
عرف البنك الدولي التحويلات المالية للعاملين بالخارج بأنها العمليات المالية التي يقوم من خلالها المهاجرون لأكثر من عام بالعمل في اقتصاد بلد آخر وإرسال الأموال في اتجاه بلدانهم الأصلية، أما صندوق النقد الدولي فعرفها على أنها: تحويلات جارية خاصة بانتقال أصول مالية أو سلع من مهاجر أو عامل مقيم في الخارج لمدة لا تقل عن عام إلى أفراد عائلته في البلد الأصلي، أو باتجاه حساب خاص.كما أنهاتشير إلى التدفقات النقدية أو المالية الخاصة التي يرسلها الأفراد العاملون أو المقيمون خارج دولتهم الأصلية إلى ذويهم في دولهم. ويمكن تصنيف هذه التحويلات إلى نوعين: تحويلات نقدية: وهي الأموال التي يرسلها المغتربون إلى أسرهم أو مجتمعاتهم المحلية دون مقابل، بهدف دعمهم ماليًا. والتحويلات العينية: وتشمل السلع والخدمات التي يرسلها المغتربون إلى ذويهم دون أي مقابل مادي مباشر، مثل إرسال مستلزمات أو خدمات تقنية، بالإضافة إلى التحويلات المعرفية وتشمل تدفق مختلف أشكال المعارف والكفاءات والخبرات التي اكتسبها المهاجر الدولي في بلد الاستقبال ونقلها إلى بلده الأصلي.
كما يمكن تصنيف التحولات المالية للمهاجرين وفقًا لمعيار قنوات الارسال من خلال التحويلات الرسمية والتي تمثل كل أنواع التحويلات النقدية أو العينية التي تمر عبر القنوات الرسمية من خلال مؤسسات مالية متخصصة، والتحويلات غير الرسمية التي تتم بطرق غير قانونية عبر القنوات غير الرسمية، ولا يمكن إحصائها أو تسجيلها في ميزان المدفوعات ومن خلال التعريف والأنواع يمكن أن نورد أهم خصائص تحويلات المغتربين، والمتمثلة بالآتي:
1. لإطلاق صفة تحويلات مغتربين على مصدر دخل ما، لا بد أن يكون المرسل خارج دولته الأصل، ومقيم في دولة المهجر، وبغض النظر عن سبب الإقامة في المهجر، سواء كان للعمل أو الدراسة أو الهجرة.
2. تشمل تحويلات المغتربين المقدمات النقدية والعينية التي يتم إرسالها إلى الأسر والمعارف داخل البلدان الأصلية.
3. عدم خضوعها لمقابل مادي فهي غالبًا ما تكون مساعدات مالية تهدف إلى تحسين الظروف المعيشية للأسر، دون وجود التزامات تجارية مقابلة.
4. تمثل تحويلات المغتربين مصدرًا ماليًا خارجيًا بالنسبة للدول المستقبلة، في حين أنها تشكل استنزاف لرأس المال في دول المهجر التي ترسل منها هذه التحويلات.
5. تشكل مصدرًا مهمًا لرأس المال في الدول، وتعوض خسائر رأس المال البشري الناتجة عن الهجرة.
6. يمثل تدفق تحويلات المغتربين أكثر استقرارًا مقارنةً بأنواع التدفقات المالية الأخرى، خاصة في أوقات الأزمات الاقتصادية.
ثانيًا: أهمية التحويلات المالية:
تتجلى أهمية التحويلات المالية للعاملين بالخارج في مجموعة من العناصر والتي تؤثر بصورة مباشرة وغير مباشرة على اتجاهات الاقتصاد في الدول المستقبلة، وفيما يلي أبرز هذه من خلال ما يلي:
1. تحسين العجز في ميزان المدفوعات وتدعيم احتياطات النقد الأجنبي.
2. تنويع مصادر دخل الأسر، وهو ما يساعد على تحسين مستواهم المعيشي، ويساهم في تخفيف مستوى الفقر.
3. المساعدة على تطوير القطاع المالي من خلال توسيع قاعدة الودائع ودعم سيولة القطاع المصرفي، والمساهمة في الاستقرار المالي للبنوك.
4. زيادة الطلب على المنتجات المالية نتيجة الاعتماد على البنوك في إجراء التحويلات المالية.
ثالثًا: محددات تحويلات العاملين بالخارج
تتأثر التحويلات المالية للمهاجرين بمجموعة من العوامل المباشرة وغير المباشرة والتي تنعكس آثارها على الأوضاع الاقتصادية للدول المستقبلة، وفي ضوء ذلك، تتوقف هذه التأثيرات على ثلاث أنواع من العوامل والمحددات على النحو الآتي:
1. العوامل المرتبطة بالعاملين بالخارج أنفسهم: وتتمثل فيالخصائص السكانية للعاملين بالخارج استنادًا على محددات العمر والنوع ومستوى التعليم والحالة الاجتماعية وعدد الأطفال وعدد المقيمين مع المهاجرين في الدولة المستقبلة، وطبيعة الصلات التي تربط بين المهاجر وأفراد عائلته في الدولة الأم، كما يلعب المستوى الوظيفي دورًا مهما في تدفق التحويلات إلى الدولة الأم، فالعمال ذوي المستويات الوظيفية العليا عادة يصطحبون أسرهم إلى الدولة المستقبلة، ومن ثم يتوقف ذلك الجزء من تحويلاتهم الذي يتم لتمويل احتياجات أسرهم في الدولة الأم، بالإضافة إلى أن وعي هؤلاء المهاجرين بفرص الاستثمار في الداخل قد يجعلهم يعزفون عن تحويل مدخراتهم إلى دولهم الأصلية لتمويل احتياجات أسرهم، وثمة ثلاث أنواع من الدوافع الذاتية للعاملين بالخارج على النحو الآتي:
أ. الإيثار: يقوم المهاجرون بالتحويل لغرض توفير احتياجات الغير من أفراد الأسرة، وفي مثل هذه الحالة فان دالة المنفعة لأفراد الأسرة في الدولة الأم تدخل ضمن دالة الرفاهية أو المنفعة للمهاجر، وتحدد دالة المنفعة للأسرة في الدولة الأم على أساس الاستهلاك المتوسط للفرد والذي يعتمد جزئيًا على تدفقات تحويلات العاملين بالخارج، حيث أن المهاجر يهتم بالأزمات التي تصيب الأسرة في الدولة الأم، لذا فإن التحويلات المالية في هذه الحالة تستهدف معالجة الظروف غير الملائمة للأسرة المستقبلة للتحويلات وأيضًا حجم التحويلات المرسلة.
ب. المصلحة الشخصية: يقوم العاملين بالخارج لتكوين ميراث للأبناء والرغبة في الاستثمار في بعض الأصول الرأسمالية الخاصة أو للاستثمار في بعض الأصول الثابتة العامة.
ج. الإيثار المعتدل: ينظر إلى التحويلات من ناحية هذا المحدد على أنها عقد أو نوع من الترتيبات المتبادلة بين المهاجر وأسرته في الدولة الأم؛ حيث أن تمويل عملية الاستثمار في رأس المال البشري لأفراد الأسرة من المصادر المالية للأسرة، وهو ما ينعكس على احتمالية تصاعد الهجرة بين أفراد الأسرة الأكثر تعلمًا، ومن ثم فإن التحويلات تعد ردًا لجزء من رأس المال الذي تم استثماره من قبل الأسرة في عملية تعليمهم، كذلك من الممكن أن يشترك أفراد الأسرة في تحمل نفقات الهجرة للمهاجر وكذلك نفقات الإقامة لحين الحصول على عمل، ومن ثم ينظر إلى هذه التحويلات على أنها عائد على استثمار الأسر.
2. العوامل المرتبطة بالدول المستقبلة للعمالة:
على الرغم من أن التحويلات الخارجية تتحدد بالسلوك الخاص للعمال المهاجرين، إلا أن العوامل الخاصة بالدول المستقبلة تلعب دورًا في تحديد معدلات تدفق التحويلات إلى خارج هذه الدول وفق المتغيرات الاقتصادية للدول المستقبلة، وذلك على النحو الآتي:
أ. درجة التقلب في النشاط الاقتصادي: تتأثر تحويلات العاملين بالخارج ايجابيًا وسلبيًا بالوضع الاقتصادي للدول المستقبلة؛ حيث أن الرفاهية والازدهار الاقتصادي يعتبر من العوامل المشجعة على تدفق تحويلات العمال المهاجرين، كما تشمل درجة التقلب في النشاط الاقتصادي الكلى مستويات مثل الإنتاج والعمالة والأسعار، وهي تقلبات منتظمة تدخل ضمن مفهوم الدورات الاقتصادية؛ حيث تشمل مراحل تؤثر على مستويات الدخل والطلب على العمالة والأجور، بدءً بمرحلة الانتعاش وثبات المستوى العام للأسعار، أما النشاط الاقتصادي في مجموعه فيتزايد ببطء، وينخفض سعر الفائدة، ويتضاءل المخزون السلعي، وتتزايد الطلبات على المنتجين لتعويض نسبة الاستهلاك من هذا المخزون.
كما تتميز بتوسع ملحوظ في الائتمان المصرفي مع توسع في الإيداعات والتسويات، ثم تليها مرحلة الرواج ويطلق عليها القمة، وتتميز بارتفاع مطرد في الأسعار، وتزايد حجم الإنتاج الكلى بمعدل سريع وتزايد حجم الدخل ومستوى التوظيف؛ حيث يظهر النقص في العمال وبعض المواد الخام الأساسية، ثم يليها مرحلة الأزمة؛ حيث تهبط الأسعار، وينتشر الذعر التجاري وتطلب البنوك قروضها من العملاء، وترتفع أسعار الفائدة، وينخفض حجم الإنتاج والدخل، وتتزايد البطالة كما يتزايد المخزون السلعي، وأخيرًا مرحلة الكساد التي تتسم بانخفاض الأسعار، وانتشار البطالة، وكساد التجارة والنشاط الاقتصادي في عمومه. وبذلك تؤثر هذه التقلبات الاقتصادية في الدولة المستقبلة للعمالة على الطلب على العمال المهاجرين، وعلى الرغم من أن الطلب على العمال المهاجرين يعتمد على ظروف فائض الطلب في أسواق العمل لهذه الدول، فإن معدلات درجة التقلب في مستوى النشاط الاقتصادي في هذه الدول سوف تحدد إجمالي كمية العمال المهاجرين، وبشكل عام فإن معدلات النمو الاقتصادي تحدد مستويات الأجور التي يحصل عليها المهاجرين من خلال وظائفهم أو من خلال عامل رئيسي آخر والمتمثل في مستوى الدخول للمهاجرين في دول ومقدار الأموال التي يمكن تحويلها للدولة الأم.
ب. التضخم: يمثل التضخم في الدول المستقبلة للعمال أحد العوامل المهمة في التأثير على تدفقات وتحويلات العمال المهاجرين؛ حيث يحدد كمية المدخرات التي يمكن أن يحققها العمال أثناء مدة إقامتهم فيها، كما يترتب عن ارتفاع معدل التضخم في الدول المستقبلة تخفيض مستوى الأجور الحقيقية للعمال، ومن ثم تتراجع مدخراتهم وتحويلاتهم بالتبعية، ويرجع السبب في ذلك إلى أن التغيرات في الأجور الحقيقية للعمال المهاجرين عادة ما لا تتماشى مع التغيرات في مستوى الأسعار في الدول المستقبلة.
ج. معدلات العائد على الأصول الاستثمارية المختلفة: يمثل هذا العامل خاصة الأصول المالية في الدول المستقبلة للعمالة تؤثر على اتجاه العمال المهاجرين نحو تحويل مدخراتهم إلى الدولة الأم؛ إذ عادة ما يقبل المهاجرون على استثمار مدخراتهم في أصول ترتفع درجة سيولتها بشكل عام حتى تسهل عملية تحويل المدخرات، وقد تبدو أهمية هذا العامل أكثر في حالة دول الخليج مثلا بالمقارنة بالدول الأخرى المستقبلة للعمالة؛ حيث تتسم الهجرة إلى دول الخليج إلى أنها هجرة مؤقتة، وذلك أن احتمالات حصول المهاجرين على الإقامة الدائمة أو الجنسية شبه مستحيلة، ومن ثم ينخفض الحافز لدى المهاجرين نحو محاولة استثمار دخولهم في أصول استثمارية طويلة الأجل في هذه الدول، إما في الأجلين القصير والمتوسط فإن هنالك إمكانية أن يحاول المهاجرون الاستفادة من فوارق معدلات العائد على الاستثمارات المالية القصيرة والمتوسطة الأجل بين الدول النفطية والخارج.
ج. العوامل الخاصة بالدول المصدرة للعمالة: إذا قرر العامل تحويل أمواله إلى الدولة الأم لابد أن يتخذ قرار يتعلق بأن يتم التحويل عن طريق بالوسائل الرسمية أو غير الرسمية للتحويل، وإذا كان التحويل سيتم بالعملة المحلية للدولة الأصل أو بالعملة الأجنبية، وهذه القرارات تعتمد على مجموعة من العوامل المرتبطة بالدولة الأم، وعادة لا يتأثر هذا الجزء من تحويلات المهاجرين بأي من الحوافز المختلفة في الدول المستقبلة والتي تهدف إلى الحد من عمليات التحويل، كما لا تتأثر بالحوافز في الدولة الأم والتي تهدف إلى زيادة عمليات التحويل، وتلعب مستويات الدخول في الدولة الأم الدور الأساسي في تحديد مقدار هذه التحويلات، وبما أن هذه التحويلات سوف تستخدم لدعم استهلاك للأسرة في الدولة الأم، فإن انخفاض مستويات الدخول سوف يدفع بالمزيد من التحويلات للمحافظة على مستويات مقبولة ومناسبة للمعيشة للأسرة في الدولة الأم.
كما يلعب معدل التضخم دورًا أساسيًا في تقلبات الدخول الحقيقية بالنسبة للكثير من الدول المصدرة للعمالة، ومن ثم يؤدي ارتفاع معدلات التضخم في الدولة المصدرة للعمالة إلى تشجيع المهاجرين نحو تحويل كميات أكبر للمحافظة على الاستهلاك، غير أن المناخ التضخمي في الدولة الأم يؤدي غالبًا إلى تخفيض قيمة العملة المحلية. وعندما يتم تخفيض قيمة العملة، فان الضغوط نحو تحويل كميات أكبر من المدخرات سوف تقل؛ إذ أن كمية المدخرات التي سيتم تحويلها، بالعملات الأجنبية سوف يتم استبدالها بكميات أكبر من العملات الوطنية.
بالإضافة إلى ذلك، فإن التحويلات لأغراض الاستثمار تعكس فروق معدلات العائد إلى الأصول المالية بين الدول المستقبلة والدولة الأم، فان كانت معدلات العائد في الدولة الأم أقل من الدولة المستقبلة، فان المهاجرين سوف يفضلون الاحتفاظ بمدخراتهم في الخارج، ومن المفترض أن يكون المهاجر هجرة مؤقتة مهاجرًا لهدف، يتمثل في تكوين قدر محدد من المدخرات ثم العودة مرة أخرى إلى دولته ، ومع ذلك فانه في ظروف الهجرة المؤقتة سوف يكون أمام المهاجر خيار الاحتفاظ بأمواله في الدولة المستقبلة حتى عودته ويقوم بتحويل قدر صغير منها لأغراض إعالة الأسرة وبالطبع كلما ازدادت مدة إقامة المهاجر أو توقع إقامته لفترة طويلة، فإنه يصبح أكثر اندماجا في الدول المستقبلة، ومن ثم احتمال إرسال مدخراته إلى دولته الأم بصفة دورية، وفي حالة الهجرة الدائمة فان التحويلات إلى دولة الأصل تتوقف تماما، ومن ناحية أخرى تعتمد التحويلات على مستويات النشاط الاقتصادي في الدولة الأم كلما ازدادت التحويلات الأغراض الاستثمار
ويعد موارد الصرف الأجنبي محدودة في العديد من الدول المصدرة للعمالة، كما أنها من الأصول المرغوب فيها من جانب الأفراد، بصفة خاصة من الدول التي تكون معدلات الصرف فيها مبالغ فيها ويعد التحويل من خلال القنوات الرسمية أو غير الرسمية من القرارات ذات الأهمية الحيوية للعديد من الدول المصدرة، بصفة خاصة عندما تكون معدلات الصرف شبه ثابت من هذه الدول التي تكون من السوق السوداء نشطة فإن المهجرين سيكون لديهم فرصة لتحويل مدخراتهم من خلال هذه الأسواق أو من خلال القنوات الرسمية ويعتمد هذا القرار على الفروق الموجودة بين معدلات الصرف السائدة في السوقين، وكلما أصبحت الفروق في هذه السوقين جوهرية فإن نسبة التحويلات التي تتم من خلال السوق السوداء للنقد الأجنبي سوف تزداد؛ إذ تمثل هذه الفروق حافزًا قويًا لتفضيل القنوات غير الرسمية عن الرسمية.
رابعًا: :التحديات المؤثرة في تحويلات العاملين بالخارج
يواجه العاملون في الخارج مجموعة من التحديات التي توثر على تحويلاتهم إلى دولتهم الأم سواء فيما يتعلق بقنوات التحويل أو توفر فرص العمل والمنافسة المتزايدة في عملهم، وفيما يلي أبرز هذه التحديات:
1. تكلفة التحويلات: يواجه العمال المهاجرون ارتفاعتكلفة إرسال التحويلات، ففي الدول الأفريقية على سبيل المثال تبلغ تكلفة إرسال 200 دولار 12.50 دولار في البلدان منخفضة ومتوسطة الدخل وهو ما يمثل 6.3% من قيمة المعاملة وأكثر من ضعف المستوى الذي حددته الأمم المتحدة في أهداف التنمية المستدامة.
2. الخطط القومية والمنافسة: تعمل الدول على وضع الخطط القومية لزيادة تأهيل المواطنين والحاقهم بسوق العمل، وهو ما يزيد من المنافسة وانخفاض الفرص المتاحة للعمل خاصة في الدول الخليجية؛ حيث اتجهت هذه الدول إلى إحلال المواطن الخليجي محل الأجنبي في الوظائف، وهو ما يحتم على المهاجرين وزيادة قدرتهم وكفاءتهم للحفاظ على الوظائف.
3. عقود الشراكة بين شركات تحويل الأموال والبنوك: تساهم هذه العقود في ارتفاع تكلفة التحويلات بشكل كبير، على سبيل المثال تصل تكلفة إرسال 200 دولار من تنزانيا إلى أوغندا حوالي 70 دولار وهو ما يمثل نسبة 35% من المعاملة، ومن ثم فإن تخفيض تكلفة التحويلات بنسبة 5% سيؤدي إلى زيادة التحويلات بحوالي 30 مليار دولار.
4. عدم الاستقرار الاقتصادي: يودي عدم الاستقرار الاقتصادي خاصة في السياسة النقدية وتقلبات أسعار الصرف إلى لجوء العاملين في الخارج إلى تحويل الأموال عن طريق الأسواق غير الرسمية خاصة عندما يكون هناك فرق كبير بين السوق الرسمي وغير الرسمي.
خامسًا: تحليل تحويلات المصريين العاملين في الخارج في الفترة من 1995 إلى 2024 بالمليار دولار

يوضح الرسم البياني اتجاهات تدفق تحويلات العاملين المصريين في الخارج منذ عام 1995 حتى عام 2024 والتي مرت خلاله التحويلات بعدة أحداث أثرت على منحنى الارتفاع والانخفاض؛ حيث بلغت التحويلات منذ عام 1995 حتي عام 2003 حوالي 4.197 مليار دولار في المتوسط، وبلغت التحويلات من الدول العربية حينذاك 24 مليار دولار في 2004 مقارنة بحوالي 15 مليار دولار 2001 بنسبة زيادة حوالي 53%، إلا أن تحويلات العاملين المصريين انخفضت خلال تلك الفترة في عام 2003 إلى 3.6 مليار دولار بسبب حرب الخليج الثانية، إلا أنها عاودت الارتفاع في عام 2005 إلى 5.4 مليار دولار وفي ظل الأزمة العالمية في عام 2008 ارتفعت التحويلات، وهو ما يؤشر بالانخفاض في تأثير الأزمة على الاقتصاد المصري الذي حقق معدل نمو في نفس الفترة؛ وهو ما يؤشر على زيادة التحويلات أثناء الأزمات؛ حيث تذهب حوالي 75% من التحويلات إلى تغطية نفقات الغذاء والسكن والنفقات الطبية.
وفي عام 2009 انخفضت التحويلات إلى 8.2 مليار دولار لتصل إلى 4.3% من الناتج المحلي الإجمالي، ثم شهدت التحويلات ارتفاعًا في عام 2011 بنسبة 59% عن عام 2009 لتصل إلى 13 مليار دولار كان لك بسبب الأوضاع التي نجمت عن ثورة من ارتفاع أسعار بل عدم وجود سلع وتوقف النشاط الاقتصادي بشكل كبير فكان من العاملين في الخارج العمل علي مساعدة أهلهم في ظل هذه المحنة، وهو الأمر الذي اتخذ اتجاه عام تصاعدي في الأعوام التالية حتى وصلت إلى 30 مليار دولار في عام 2014 ،وذلك بسبب الهدوء النسبي في مصر بعد ثورة 30 يونيو وخلال الفترة منذ 2014 حتى عام 2020 تنامت حركة التحويلات من 45% إلى حوالي 70% من حجم مصادر النقد الأجنبي إلى مصر خلال الفترة وهو ما يصل إلى 9.4% من الناتج المحلي الإجمالي وذلك بعدما انخفضت بنسبة 28% في عام 2015 لتصل إلى 21 مليار دولار ثم واصلت الانخفاض في عام 2016 لتصل إلى 16 مليار دولار، ثم ارتفعت في عام 2017 لحوالي 21 مليار دولار ويعود ذلك إلى قرار تعويم سعر الصرف في نوفمبر 2016 واستقرار مؤشرات سعر الصرف، وهو ما أدى إلى ارتفاع سعر الدولار مقابل الجنية المصري باعتباره عامل محفز لزيادة التحويلات، كما تصاعدت التحويلات التحويلات في عامي 2019 :2020 لتصل إلى 27:25 مليار دولار على التوالي بسبب تفشي وباء كورونا، وهو ما دفع المصريين العاملين في الخارج بتحويل مدخراتهم إلى مصر ووصلت إلى أعلى قيمة لها في عام 2022 حيث بلغت 31 مليار دولار وتعود الزيادة بشكل كبير الي الإجراءات التي اتخذتها الدولة لخفض تكلفة التحويلات من تلك الإجراءات تفعيل خدمة التحويلات الالكترونية غير المصرفية حيث وقعت شركة المدفوعات الالكترونية “فوري”في نوفمبر مذكرة تفاهم مع تطبيق “بوتيم” الاماراتي لخدمات تحويل الاموال ، إلا أنها انخفضت في عام 2023 إلى 21.8 مليار دولار، وسرعان ما ارتفعت في عام 2024؛ حيث وصلت إلى 32.6 مليار دولار بمعدل نمو بلغ 72% وبمقدار 13.7 عن العام السابق وذلك بعد عام من الإجراءات الإصلاحية التي تم تطبيقها في مارس 2024 وإتاحة إرسال الأموال عن طريق تطبيق”انستاباي”.
سادسًا: دور الدولة في مواجهة التحديات والعمل علي زيادة التحويلات
دفعت التحديات التي تواجه العاملين في الخارج والتي يمكن أن تحد من نمو حجم التحويلات الدولة المصرية إلى تبني مبادرات لزيادة التحويلات على غرار النموذج الهندي والصيني، وفيما يلي أبرز هذا الإجراءات:
1. البرامج المصرية لدعم الحاق العمالة بالخارج: أصدر الدكتور مصطفي مدبولي مجموعة من القرارات الهادفة إلى دعم هذا القطاع المهم عبر مجموعة من البرامج، كما تم انشاء مجموعة عمل من الوزراء المعنيين لوضع خطة تحرك كاملة فيما يتعلق ببرامج تصدير العمالة المصرية المدربة، وبجانب ذلك تعمل الدولة علي تأهيل العمالة لسوق العمل الداخل والخارجي، وقد أطلقت وزارة العمل مشروع مهني 2030 لتدريب وتأهيل مليون متدرب نظرًا للطلب الخارجي على العمالة المصرية وتتضافر جهود الوزارات المعنية للمساعدة في تحقيق هذا الهدف وفق المعايير العالمية، بالإضافة إلى الدورات التثقيفية وتقديم المعلومات عن جميع مراحل العمل بالخارج والتوعية بالحقوق والواجبات. ووفقًا للتقارير الصادرة عن وزارة العمل، فقد قامت خلال الفترة من 2020 إلى 2024 بتوفير 279,244 فرصة عمل.
بجانب ذلك، اتجهت الدولة المصرية إلى توقيع مجموعة من الاتفاقيات مع الكثير من دول العالم لتسهيل إلحاق العمالة المصرية، وتجنب اللجوء إلى الطرق غير الرسمية مثل الهجرة غير الشرعية، ولعل الاتفاق المصري السعودي بشأن “الفحص المهني” للتحقق من امتلاك العامل المصري المؤهلات والمهارات المرغوبة وأهمية الحصول على هذه الشهادات قبل السفر والتي تمتد مدة سريانها إلى خمس سنوات في إطار تعزيز الفرص لإلحاق العاملين المصريين بالخارج.
2. تعزيز الخدمات المصرفية والأوعية الادخارية والاستثمارية أمام المصريين في الخارج
اتخذت الدولة المصرية عدة إجراءات لزيادة وتيسير وسائل تحويل النقود من الخارج حيث اتاحة خدمة التحويل عبر محفظة الهاتف المحمول بالجنية المصري لتسهيل عمليات الحوالة والزيادة من النقد الأجنبي، وفي عام 2013 تم إطلاق مبادرة بين شركة المال اكسبرس Xpress money مع البنك المركزي المصري والمصرف المتحد لإطلاق خدمة إيصال الأموال النقدية إلى المنازل لخدمة الجالية المصرية في الخارج. بالإضافة إلى ذلك برزت مجموعة من السياسات التي ساهمت في تسهيل وتعزيز حجم التحويلات مثل الاتفاق مع شركات الأموال مثل (ويسترن يونيون وموني جرام) بهدف توسيع نطاق شبكة تحويل الأموال ليشمل مختلف أنحاء الجمهورية. وضمن هذا السياق تم تفعيل خدمة التحويلات الإلكترونية غير المصرفية؛ حيث وقّعت شركة المدفوعات الإلكترونية “فوري”، في نوفمبر2023، مذكرة تفاهم مع تطبيق “بوتيم” الأماراتي لخدمات تحويل الأموال، وذلك في إطار مساعي شركة “فوري” إلى تقديم منظومة تحويل أموال المصريين بالخارج في عدد من الدول العربية.
3. التسهيلات المقدمة للعاملين بالخارج في القطاعات الاقتصادية المختلفة
أطلقت الدولة عدة مبادرات وإجراءات كان الهدف منها ربط المصريين بالخارج بالوطن ومنحهم مزايا نسبية نظير مجهوداتهم الحثيثة في دعم الاقتصاد المصري مثل مبادرة “ساعة مع الوزيرة” والتي تستهدف الاستماع إلى آراء المصريين بالخارج ومناقشة أفكارهم ومقترحاتهم، كذلك المبادرة الرئاسية “أتكلم عربي” لتعزيز الهوية المصرية لأبناء الجاليات المصرية بالخارج، كما حثت مبادرة “أتكلم متخافش مصر معاك” بالتعاون مع مؤسسة “شيزلونج” للصحة النفسية توفير كافة الاستشارات الطبية للعاملين بالخارج، وفيما يلي أبرز هذه المبادرات:
أ. المبادرات المقدمة في قطاع الإسكان: “مبادرة بيتك في مصر“: أطلقتها وزارة الإسكان والمرافق والمجتمعات العمرانية بالتعاون مع وزارة الخارجية وتهدف إلى توفير وحدات سكانية للعاملين في الخارج في وطنهم؛ حيث يعد ذلك حلًا مبتكرًا لزيادة ربط العاملين بالخارج بوطنهم ولتوفير وحدات سكنية مناسبة للعيش عند عودتهم، كما عملت على تسهيل حصولهم علي الوحدات السكانية المرغوبة في أفضل المواقع الجغرافية ومدة تسليم محددة تتماشى مع مختلف الشرائح، كما قدمت التسهيلات والإجراءات التنفيذية المتعلقة بالحجز والسداد وتقديم معدل خصم أساسي 3% على السداد بالدولار، كما وفرت الدولة موقع الكتروني للحصول على كافة البيانات.
ب. المبادرات المقدمة في قطاع الزراعة: “مبادرة مزرعتك في مصر” أعلنت شركة تنمية الريف المصري الجديد المسئولة عن إدارة وتنفيذ المشروع القومي لاستصلاح وزراعة المليون ونصف المليون فدان عن إطلاق المبادرة بالتعاون مع زارة الخارجية والهجرة وشئون المصريين بالخارج؛ حيث تم توقيع برتوكول تعاون بين وزارة الخارجية وشركة تنمية الريف المصري الجديد والتي تهدف لتوفير فرص استثمار وطنية للمصريين في الخارج والمساهمة في المشروع التنموي العملاق والسعي إلى تحقيق الأمن الغذائي المصري؛ حيث يمكنهم الحصول على قطعة ارض في المناطق الزراعية الجديدة وستقوم الشركة باستصلاح الأرض لحساب المشتري وكذلك التجهيزات الخاصة بالأنشطة المصاحبة كالإنتاج الحيواني، وتأتي المبادرة تماشيًا مع استراتيجية الدولة في إشراك كافة أطياف المجتمع في أعمال التنمية وفي المشروعات القومية الكبرى.
ج. المبادرات المقدمة في التعليم: “مبادرة مدرستك في مصر” أطلق الدكتور بدر عبد العاطي وزير الخارجية والهجرة وشئون المصريين بالخارج والسيد محمد عبداللطيف وزير التعليم والتعليم الفني مبادرة “مدرستك في مصر” وجاءت المبادرة على هامش فعاليات النسخة الساسة لمؤتمر المصريين بالخارج المنعقد في القاهرة يومي 3و4 أغسطس 2025، وتهدف المبادرة إلى إنشاء فصول رقمية تفاعلية تتيح للطلاب في الخارج دراسة المناهج المصرية بشكل منظم وفعال، وجاءت المبادرة استجابة لمطالب أبناء الجاليات المصرية بالخارج ودعمًا لحقوقهم في تعليم يراعي خصوصيتهم ويوفر بيئة تربوية ثقافية مرتبطة بالهوية الوطنية كما أنها تبرز الاهتمام بالجانب التكنولوجي في التعليم؛ حيث تشمل المبادرة آليات إنشاء وتشغيل فصول دراسية رقمية تفاعلية وتوفير المحتوي التعليمي الكترونيًا
في الختام: أصبحت تحويلات العاملين بالخارج أحد المصادر المهمة لدعم الاقتصاد المصري، وقد عملت الدولة المصري على دعم هذا القطاع سواء عبر التدريب والتأهيل أو من خلال توجيه الاستثمارات القادمة من العاملين بالخارج إلى قطاعات التنمية المختلفة استنادًا على مجموعة من الإجراءات والمبادرات التي عززت من الاهتمام بهذا القطاع الحيوي لتطور الاقتصاد المصري.شهد الاقتصاد المصري فترة من الاتجاه التصاعدي لسعر الصرف بشكل جنوني وزادت المضاربات في الأسواق غير الرسمية للنقد،مما اثر علي مستويات معدل التضخم،الا ان الإجراءات التي اتخذتها الدولة بصرامة وجدية في وقت قياسي مع زيادة التدفقات من النقد الأجنبي من استثمار اجنبي مباشر كصفقة راس الحكمة وزيادة عوائد الصادرات وزيادة تحويلات المصريين العاملين في الخارج التي بلغت عام 2024 ما يقارب 32,6 مليار دولار لتعوض النقص في إيرادات قناة السويس الناجمة عن احداث البحر الأحمر،لقد لعبت تحويلات العاملين دورا محوريا في السيطرة علي سعر الصرف وزيادة حجم الاحتياطي النقدي والذي ساهم في خفض معدلات التضخم وانخفاض سعر الصرف والقضاء علي السوق غير رسمي للنقد،واتخذت الدولة عدة برامج وإجراءات لزيادة التحويلات ومساندة العاملين في الخارج، وفي ضوء ذلك يتناول التحليل التعريف بالتحويلات المالية ودورها في الاقتصاد المصري.

