هشام قدري أحمد
باحث في العلوم السياسيَّة
منذ فجر التاريخ وحتى تأسيس الأمم المُتحدة غداة انتهاء الحرب العالميَّة الثانية، تم النظر إلى استخدام القوة واللجوء إلى الحرب باعتباره حقًا طبيعيًّا للدول ووسيلةً مشروعة لتسوية خلافاتها وتعظيم مكانتها بين الأمم، ومع ذلك، ظهرت عدة مُحاولات على مر العصور استهدفت فرض قيود على استخدام هذا الحق وتضييق اللجوء إليها، إلا أنَّ هذه القيود كانت ذات طابع أخلاقي غير مُلزم؛ حيث ظلت الدولة حتى الحرب العالميَّة الأولى تحتفظ بحقها المُطلق في إعلان الحرب باعتباره إجراءً مشروعًا ومظهرًا لسيادتها الوطنية، ثم تقيَّد هذا الحق جزئيًّا في ظل عصبة الأمم، إلى أنْ تم حظره بشكل مُطلق مع تأسيس منظمة الأمم المُتحدة التي دعا ميثاقها إلى حظر استعمال القوة والامتناع عن التهديد بها في العلاقات الدوليَّة.
وفي ضوء ذلك، يسعى هذا التحليل إلى تتبّع تطوُّرات حق استخدام القوة كوسيلة لتسوية المُنازعات الدوليَّة خلال المرحلة التاريخيَّة السابقة لتأسيس الأمم المُتحدة، وصولًا إلى إقرار مبدأ حظر استعمال القوة أو التهديد بها في ظل القانون الدولي المُعاصر، ومن ثمّ الوقوف على أهم الحالات الاستثنائية الواردة على هذا المبدأ، سواء تلك الواردة في ميثاق المُنظمة الأممية بشكل صريح، أو التي وجدت لها سندًا قانونيًّا في المواثيق والاتفاقيات الدوليَّة الأخرى، مثل ظهور بعض الاتجاهات التي تقر بمشروعية استعمال القوة في تقرير المصير، والتدخل الدولي الإنساني.
أولًا: الحرب كوسيلة مشروعة لفض النزاعات قبل نشوء الأمم المُتحدة
يمكن القول إنَّ الدولة لم تتخل عن حقها المُطلق في اللجوء إلى الحرب واستعمال القوة دفعةً واحدةً، بل إنَّ مسألة تقييد الحرب وتحريمها في تسوية المُنازعات الدوليَّة مرت بمراحل متدرجة، فخلال القرون الماضية ظلت الحرب أداةً مشروعةً بيد الدول والحكومات لتسوية نزاعاتها وتحقيق الهيمنة واكتساب الثروات وضم الأراضي، فكان الحكام والملوك يتمتعون بالحق المُطلق في إعلان الحرب دون قيد أو شرطٍ، باعتبار أنَّ استعمال القوة يعد مظهرًا لسيادة الدولة وقوتها. وعلى الرغم من الجهود التي بُذلت في إطار القانون الدولي لتقييد حق اللجوء إلى الحرب والتخفيف من ويلاتها وشرورها إلا أنَّ هذه القيود كانت ذات طابع أخلاقي ولم تكن لها أي قوة كافية.
ومع انتهاء الحرب العالمية الأولى في عام 1918، تلاقت آراء حكومات الدول المُنتصرة بضرورة إنشاء منظمة عالميَّة تأخذ على عاتقها مسئولية تعزيز السلم والأمن الدوليين ومنع نشوب صراع عالمي جديد، وهي المُنظمة التي وجدت طريقها إلى النور بحلول عام 1920 تحت مُسمَّى “عصبة الأمم” التي شكَّلت أولى المُحاولات الناجحة للتعبير عن فكرة الجماعة الدوليَّة.
وفي إطار جهودها لكبح جماح الدول وتقييد اللجوء إلى الحرب كوسيلة لفض النزاعات وتحقيق المصالح القومية، فقد وضعت العصبة في ميثاقها قيدًا موضوعيًّا على مشروعية الحرب، سواء من حيث أسبابها أو أهدافها، وذلك بتحريم العدوان الخارجي ضد السلامة الإقليميَّة والاستقلال السياسي للدول الأطراف في العصبة، كذلك حظر ميثاق العصبة الحرب كوسيلةٍ لتسوية النزاعات بين الدول وقيد اللجوء إليها بعدة شروط؛ حيث دعت المادة الثانية عشرة الدول الأعضاء، في حال نشب نزاع بينها، إلى عرض الأمر للتحكيم أو التسوية القضائيَّة أو للتحقيق من قبل مجلس العصبة، والامتناع عن إعلان الحرب ريثما يصدر حكم المحكمين أو القرار القضائي أو تقرير المجلس.
ويتضح مما سبق أنَّ ميثاق العصبة لم يُحرم الحرب أو استخدام القوة تحريمًا تامًا، بل اكتفى عوضًا عن ذلك، بدعوة الأطراف المُتنازعة للجوء إلى مجلس أو جمعية العُصبة بعد استنفاد كافة الوسائل السلميَّة، على أنْ تمتنع الأطراف المُتنازعة عن إعلان الحرب إلى حين انقضاء ثلاثة أشهر من تاريخ صدور توصية الجمعية أو المجلس أو الحكم القضائي، وهو ما يعني أنَّ الحرب ظلت أداةً مشروعة قانونًا من حيث المبدأ كوسيلة أخيرة لتسوية النزاعات، ما شجَّع حكومات بعض الدول في فترة ما بين الحربين العالميتين، وبخاصة الكُبرى منها، على استخدام القوة تحقيقًا لمصالحها القوميَّة، كما فعلت إيطاليا عندما هاجمت إثيوبيا، ومثلما فعلت اليابان عند غزوها إقليم منشوريا التابع لجمهورية الصين(1). وهو ما أفضى في النهاية إلى اندلاع الحرب العالمية الثانية وانهيار عصبة الأمم.
ثانيًا: تحريم الحرب وحظر استعمال القوة في القانون الدولي المُعاصر
أدَّى فشل عصبة الأمم في منع اندلاع شرارة الحرب العالميَّة الثانية إلى دفع القوى المُنتصرة (الحلفاء) إلى التفكير في إنشاء منظمة جديدة أكثر فعالية؛ بحيث تعكس الواقع الجديد لتوازنات القوة الذي أفرزته الحرب، وتضطلع بمسئولية حفظ السلم والأمن الدوليين، وتنمية العلاقات الوديَّة بين الدول، وتحقيق التعاون الدولي في المجالات الاقتصاديَّة والاجتماعيَّة والثقافيَّة والمتمثلة في الأمم المُتحدة التي ولدت من رحم المؤتمرات والمشاورات التي عُقدت بين دول الحلفاء في سنوات الحرب، وجرى التصديق على ميثاقها في مدينة سان فرانسيسكو الأمريكيَّة بحلول 1945، واعتمد الميثاق عددًا من المبادئ التي تشكل الإطار القانوني للعلاقات الدوليَّة المعاصرة، لاسيَّما فيما يتعلق باللجوء إلى الحرب والاستخدام غير المُبرر للقوة، وذلك على النحو الآتي:
1. مبدأ حظر استعمال القوة أو التهديد بها: تفطن واضعو ميثاق الأمم المُتحدة إلى أوجه الضعف والقصور الموجودة في ميثاق عصبة الأمم، وهو ما أدَّى إلى اخفاقها في معالجة الأزمات الدوليَّة التي قادت في النهاية إلى اندلاع الحرب العالميَّة الثانية، ومن ثمّ حاولوا تدارك هذا الضعف وتلافيه في ميثاق المنظمة الجديدة، ولم يكن ذلك ليتحقق إلا بتحريم الحرب وحظرها بشكل قاطع وبصورةٍ مُطلقة.
ويُلاحظ أن الميثاق قد تفادى في نصه استعمال لفظ “اللجوء إلى الحرب” واستعاض عنه بتعبير آخر وهو “استعمال القوة” والسبب في ذلك أنَّ لفظ القوة أشمل ويُغطي كافة أوجه استعمالات القوة التي من شأنها تهديد سلامة الدول واستقلالها السياسي في إطار العلاقات الدوليَّة.(2)
2. مبدا التسوية السلميَّة للمُنازعات الدوليَّة: في مقابل حظر استعمال القوة أو التهديد بها في العلاقات الدوليَّة، ألزم ميثاق الأمم المتحدة حكومات الدول بفض منازعاتهم الدوليَّة بالوسائل السلميَّة على وجه لا يجعل السلم والأمن الدولي عرضةً للخطر. ولقد أشار الميثاق إلى الوسائل السلميَّة التي يتعين على الدول اتباعها في حال نشوب نزاع بينها؛ حيث ورد في المادة (33/1) من الميثاق ما يلي “يجب على أطراف أيّ نزاع من شأن استمراره أنْ يعرض حفظ السلم والأمن الدوليّ للخطر أنْ يلتمسوا حله بادئ ذي بدء بطريق المفاوضة والتحقيق والوساطة والتوفيق والتحكيم والتسوية القضائيَّة، أو أن يلجؤوا إلى الوكالات والتنظيمات الإقليميَّة أو غيرها من الوسائل السلميَّة التي يقع عليها اختيارها”.
ثالثًا: الحالات المشروعة لاستعمال القوة في العلاقات الدوليَّة
إنَّ القول بوجود استثناءات على مبدأ حظر استعمال القوة الذي أقره ميثاق الأمم المتحدة، يعني بالنتيجة أنَّ حظر استخدام القوة ليس مطلقًا، والاستثناء هنا يعني تحول تجريم الحرب أو استخدام القوة العسكرية كفعلٍ غير مشروع ومنافٍ لقواعد القانون الدولي، من طابع المنع والتحريم وتحوله إلى إجراءٍ يحظى بالشرعيَّة والإباحة. إلا أنَّ وجود هذه الحالات الاستثنائيَّة لا يُغير بحال من كون اللجوء إلى الحرب هو الاستثناء وحظرها هو القاعدة العامة.(3) وتتمثل الاستثناءات الواردة على مبدأ حظر استخدام القوة في الحالات الآتية:
1. تدابير الأمن الجماعي: يستند مفهوم الأمن الجماعي Collective security إلى الافتراضات القائلة بأنَّ الأمن لا يتجزأ، وأنَّ وقوع أيّ عدوان على دولةٍ أو أكثر في المجتمع الدولي يمثل هجومًا على الجميع، ومن ثمّ يلزم اتخاذ الاجراءات اللازمة لردع هذا العدوان، وفي إطار الأمن الجماعي يتعهد الأطراف بالدفاع عن بعضهم البعض ضد أيّ تهديد من خارج الجماعة(4) وفي إطار تدابير الأمن الجماعي، فإنَّ مجلس الأمن التابع للأمم المُتحدة هو السُلطة الوحيدة المكلفة بتحديد ما إذا وقع تهديد للسلم أو إخلال به أو كان ما وقع عملًا من أعمال العدوان، ويُقرر تبعًا لذلك ما يجب اتخاذه من التدابير اللازمة لحفظ السلم والأمن الدولي أو إعادته إلى نصابه، وتأخذ هذه التدابير ثلاثة مستويات متدرجة هي التدابير المؤقتة، والتدابير غير العسكريَّة التي تتضمن مجموعة الإجراءات العقابيَّة التي يتخذها مجلس الأمن والتي لا تنطوي على استخدام فعلي للقوة، بالإضافة إلى التدابير العسكرية التي يدعو مجلس الأمن إلى اتخاذها عن طريق القوات الجويَّة أو البحريَّة أو البريَّة التابعة لأعضاء الأمم المُتحدة، لردع العدوان أو لإعادة الأمن إلى نصابه.
وكمثال على استخدام القوة العسكريَّة بتفويض من مجلس الأمن كتدبير لردع العدوان وتعزيز الأمن الجماعي، نشير إلى القرار (678) الذي أصدره مجلس الأمن بأغلبية 12 صوتًا في نوفمبر 1990 ردًا على رفض العراق سحب قواته من الكويت في أعقاب غزوه لها في أغسطس من العام نفسه؛ حيث دعا القرار إلى استخدام جميع الوسائل اللازمة لحمل الحكومة العراقيَّة على الامتثال لقراراته وإنهاء احتلالها لدولة الكويت، وتنفيذًا لهذا القرار دعت الولايات المُتحدة إلى تشكيل تحالف دولي ضمَّ نحو 34 دولةً لردع العراق، وقد تمكَّن هذا التحالف، عبر ضرباته الجويَّة المكثفة ضد القوات العراقيَّة في إطار عملية عاصفة الصحراء، من دفع النظام العراقي إلى سحب قواته بالكامل من الكويت بحلول نهاية فبراير1991.(5)
2. حق الدفاع الشرعي: في حال تعرَّضت دولة لاعتداءٍ مسلَّح، فإنَّ ميثاق الأمم المُتحدة يمنحها حقًا مشروعًا في استعمال القوة للدفاع عن استقلالها ورد العدوان، ويستمد هذا الحق سنده وأساسه القانوني من المادة 51 من الميثاق، التي تنص على أنَّه “ليس في هذا الميثاق ما يُضعف أو ينتقص من الحق الطبيعي للدول، فرادى أو جماعات، في الدفاع عن أنفسهم إذا اعتدت قوة مسلحة على أحد أعضاء الأمم المُتحدة، وذلك إلى أنْ يتخذ مجلس الأمن التدابير اللازمة لحفظ السلم والأمن الدوليّ، والتدابير التي اتخذها الأعضاء استعمالًا لحق الدفاع عن النفس تبلغ إلى المجلس فورًا، ولا تؤثر تلك التدابير بأيّ حال فيما للمجلس- بمقتضى سلطته ومسؤولياته المستمرة من أحكام هذا الميثاق- من الحق في أنْ يتخذ في أيّ وقت ما يرى ضرورة لاتخاذه من الأعمال لحفظ السلم والأمن الدوليّ أو إعادته إلى نصابه”.(6)
وتجدُر الإشارة هنا إلى أنَّ إعمال حق الدفاع الشرعي يتطلب توافر عددٍ من الشروط حتى يكتسب صفة الشرعيَّة الدوليَّة، فلابد من وقوع عدوان مسلَّح وجسيم وبما يُشكل تهديدًا لإقليم الدولة المُعتدى عليها، مثل قيام القوات البريَّة لدولةٍ ما بغزو إقليم دولة مجاورة وقيام قواتها الجويَّة بقصف منشآتها الحيويَّة.(7) فضلًا عن ذلك، يُشترط أنْ تكون قوة الرد متناسبةً مع حجم الاعتداء، وأنْ تقوم الدولة المُعتدى عليها بإخطار مجلس الأمن بالاعتداء الذي تتعرض له، وأنْ تتوقف فورًا عن استعمال القوة فور تحرك مجلس الأمن، وفوق ذلك يجب أنْ يستهدف الدفاع الشرعي صد الاعتداء دون أن يتسبب في انتهاكات للقانون الدولي الإنساني.(8)
في ضوء ما تقدم، يثور تساؤل جوهري حول ما يجري مُنذ عامين في منطقة الشرق الأوسط، وبالتحديد العدوان الإسرائيلي المتواصل على قطاع غزة، هذا التساؤل مؤداه: هل تعد الحرب الإسرائيليَّة حقًا مشروعًا للدفاع عن النفس، وهل تنطبق عليها الاشتراطات المذكورة التي تجعل منها إجراءً قانونيًّا من منظور القانون الدولي المُعاصر؟
تزعم إسرائيل أنَّ حربها على غزة منذ السابع من أكتوبر 2023 تندرج ضمن سياق حق الدفاع الشرعي الذي كفله القانون الدولي، لكن هذه المزاعم أبعد ما تكون عن الصحة لتعارضها مع الشروط المذكورة أعلاه واللازمة لإضفاء الشرعية القانونيَّة على استخدام القوة في إطار الدفاع الشرعي، فمن ناحية لم تكن الهجمات المحدودة التي شنتها حماس وفصائلها المُسلَّحة على المستوطنات الإسرائيليَّة في السابع من أكتوبر تشكل تهديدًا حقيقيًا إسرائيل، كونها لم تتضمن غزوًا بريًّا أو هجومًا جويًّا واسعًا ولم تسفر عن تدمير المنشآت والمؤسسات الحيوية في الدولة العبريَّة، ومن ناحية ثانية لم تكن قوة الرد الإسرائيليَّة متناسبةً مع حجم الاعتداء، بل إنَّ المُمارسات الإسرائيليَّة على مدار عامين ترقى إلى مستوى جرائم الحرب والتطهير العرقي بحق الفلسطينيين، وأخيرًا لم تُخطر الحكومة الإسرائيليَّة مجلس الأمن الدولي بالهجوم الذي تعرضت له عملًا بالمادة (51) من ميثاق الأمم المُتحدة، ومن ثمّ لا يمكن تبرير أفعال إسرائيل باعتبارها دفاعًا عن النفس.
3. التدخل الدولي الإنساني: إنَّ التدخل الدولي لاعتباراتٍ إنسانيَّة Humanitarian intervention يجد سنده وأساسه القانوني أولًا فيما يقع على عاتق المُجتمع الدولي من مسئولياتٍ تتعلق باحترام حقوق الإنسان وضمان حرياته الأساسيَّة، كما يجد التدخل الدولي الإنساني سندًا قانونيًّا له في نص المادة (4/2) من الميثاق، فهذه المادة وإنْ كانت تتضمن تحريمًا مطلقًا لاستخدام القوة أو التهديد بها في العلاقات الدوليَّة كما ذكرنا، إلا أنَّ تفسيرها بمفهوم المخالفة يقودنا إلى استنتاج آخر، مؤداه أنَّ حظر استعمال القوة في العلاقات الدوليَّة يسقط في حالة ارتضاء الدولة التي مُورست ضدها القوة إعمالاً لمبدأ “من أرتضى لا يشتكي الضرر”، ومثال ذلك موافقة دولة ما للتدخل من جانب دول أخرى بقصد حماية الأقليات أو تحرير رهائن مُحتجزين، وهو ما يُشكل بالفعل تدخلًا إنسانيًّا.(9)
ولقد شهدت الفترة التالية لنهاية الحرب الباردة وانهيار النظام الدولي ثنائي القطبيَّة، تراجعًا واضحًا في الحروب بين الدول، في مقابل تزايد معدل النزاعات المُسلَّحة غير الدوليَّة، الأمر الذي أدَّى إلى التوَّسع في تطبيق مفهوم التدخل الدولي الإنساني من جانب الأمم المُتحدة في إطار استجابتها للأزمات الإنسانيَّة وانتهاكات حقوق الإنسان التي تسبَّبت بها تلك النزاعات، كالتدخل الدولي في البوسنة والهرسك في تسعينيَّات القرن الماضي على خلفية عمليات الإبادة الجماعيَّة التي تعرض لها مسلمو البوسنة على يد القوات الصربيَّة، وفي جمهورية الصومال في خضم الحرب الأهليَّة التي عصفت بالبلاد.(10)
4. حق الشعوب في تقرير المصير: لم يُشر ميثاق الأمم المُتحدة في نصوصه إلى استخدام القوة في تقرير المصير كاستثناءٍ لمبدأ حظر استعمال القوة، إلا أنَّ التطوُّرات السياسيَّة التي شهدها العالم بعد الحرب العالميَّة الثانية، والتي كان من أهمها نمو الوعي الوطني لدى شعوب العالم الثالث وما أرتبط به من ظهور حركات المقاومة المُسلَّحة الطامحة إلى تقرير مصيرها ضد الاستعمار والأنظمة التسلطيَّة، وهو ما دفع المُجتمع الدولي إلى إكساب هذه الحركات صفة الشرعيَّة ومنحها الحق في استعمال القوة، على نحو ما أشارت إليه المواثيق الدوليَّة، كقرار الجمعية العامة بتعريف العدوان، الصادر عن الجمعية العامة للأمم المتحدة في ديسمبر 1974، والذي نصّ على أنه ليس في هذا التعريف، ما يُمكن بأيّ حالٍ من الأحوال أنْ يمس بالحق في تقرير المصير والحرية والاستقلال.
وقد استندت العديد من الدول والأقاليم المُحتلة في كفاحها المُسلَّح إلى حق تقرير المصير، كذلك استندت إليه الأقليات في بعض الدول سعيًا منها لمواجهة السُلطات الحاكمة لنيل انفصالها عنها، وقد اعترف البروتوكول الأول لاتفاقيات جنيف لعام 1977 في المادة (4/1) بحق الشعوب التي تناضل ضد التسلُط الاستعماري والاحتلال الأجنبي وضد الأنظمة العنصريَّة في تقرير مصيرها، كما كرَّست هذا الحق أيضًا الإعلانات المُتعلقة بمبادئ القانون الدولي الخاصة بالعلاقات الودية والتعاون بين الدول طبقًا لميثاق الأمم المُتحدة.(11)
لكن الواقع الدولي، لاسيَّما بعد انتهاء الحرب الباردة وزوال الثنائية القطبية، يكشف عن ازدواجية مواقف الأمم المُتحدة والمُجتمع الدولي إزاء منح الأقليات أو حركات التحرر الوطني الحق في استعمال القوة لتقرير مصيرها، ففي حين لم تؤيد الأمم المُتحدة بدايةً حق تقرير المصير لسكان تيمور الشرقيَّة في صراعهم مع إندونيسيا رغم انتهاكات حقوق الإنسان وأعمال العنف التي ارتكبتها القوات الإندونيسيَّة بحقهم، حيث كانت جاكرتا، في عهد الرئيس محمد سوهارتو، حليفًا استراتيجيًا للغرب، وبخاصة الولايات المُتحدة، ومع ذلك أجبِرت الأمم المُتحدة في نهاية المطاف على التسليم بحق إقليم تيمور الشرقيَّة في تقرير مصيره في استفتاء شعبي أجري عام 1999 وانتهى لصالح الاستقلال التام عن إندونيسيا(12)، في المُقابل دعمت الأمم المُتحدة والقوى الغربيَّة استقلال كوسوفو عن صربيا في تسعينيًات القرن الماضي بدعوى حق الشعب الكوسوفي في تقرير مصيره، بل إنَّ تأكيد هذا الدعم استدعى تدخلًا خارجيًّا قام به حلف شمال الأطلسي (الناتو) ضد القوات الصربيَّة عام 1999 في حربها ضد قوات جيش تحرير كوسوفو، استتبع ذلك صدور قرار من قبل مجلس الأمن دعا فيه إلى وضع الإقليم تحت إشراف السُلطة المؤقتة للأمم المُتحدة، تمهيدًا لبحث حق تقرير المصير لسكان الإقليم.
في الختام: يتضح لنا أنَّ ميثاق الأمم المُتحدة لم يحظر فقط استعمال القوة أو العدوان ضد سلامة الدول واستقلالها السياسي وغيرها من وجوه الإخلال بالسلم، بل توسَّع في ذلك ليحظر مجرد التهديد أو التلويح باستخدام القوة في العلاقات الدوليَّة، وبدلًا من ذلك ألزم الدول وحضها على تسوية خلافاتها باللجوء إلى الوسائل السلميَّة، السياسيَّة منها أو القانونيَّة. ومع ذلك فإنَّ مبدأ حظر استعمال القوة في ظل الميثاق ليس مطلقًا، بل مقيدًا ببعض الحالات الاستثنائيَّة في المُمارسة الدوليَّة، فنجد أنَّ هناك حالتين نصَّ عليهما الميثاق بشكل صريح، وهما حق الدفاع الشرعي، وتدابير الأمن الجماعي، إلا أنَّ الواقع الدولي بعد الحرب العالميَّة الثانية كشف عن وجود حالات أخرى تستدعي الاعتراف لها باستعمال القوة، كحق الشعوب في تقرير مصيرها، والتدخل الدولي لأغراض إنسانيَّة، ومع ذلك كشفت الممارسات الدولية، لاسيما بعد انتهاء الحرب الباردة، عن قصور واضح في معالجة القانون الدولي لكثير من الأزمات والقضايا الدولية، ويُعزى ذلك بشكل رئيس إلى الازدواجية والانتقائية في تطبيق قواعد القانون الدولي، وتشكل القضية الفلسطينيَّة المثال الأبرز على ذلك، فلا يزال الفلسطينيون يعانون منذ عقود طويلة من استمرار الاحتلال الإسرائيلي وجرائمه وانتهاكاته المتواصلة، ومع ذلك لم يعترف المُجتمع الدولي حتى اللحظة بحقهم في حمل السلاح لمقاومة الاحتلال وتقرير مصيرهم، في حين يُعطى هذا الحق لشعوب أخرى.
المراجع:
(1) هشام قدري أحمد، ما قبل الأمم المتحدة.. تجربة التنظيم الدولي في عهد عصبة الأمم، المركز العربي للبحوث والدراسات، 4 يوليو 2025، متاح على https://n9.cl/i3b8d
(2) مرزق عبد القادر، مبدأ حظر استعمال القوة في القانون الدولي المعاصر، مجلة الحقوق والعلوم الإنسانيَّة، الجزائر، جامعة زيان عاشور الجلفة، مج 14، العدد 3 (سبتمبر، 2021)، ص736.
(3) هشام قدري أحمد، تطور اللجوء إلى الحرب في العلاقات الدوليَّة من «الشرعية» إلى «الحظر والتحريم»، في: مجموعة من المؤلفين، الفلسفة والاجتماع الإنساني: مقالات في الفلسفة والسياسة والقانون (الرباط، مؤسسة أفرا للدراسات والأبحاث، 2025).
(4) بول روبنسون، قاموس الأمن الدولي (أبو ظبي، مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجيَّة، 2009)، ص58.
(5) هشام قدري أحمد، الدائمون الخمسة: مجلس الأمن بين هيمنة القوى الكبرى وفرص الإصلاح (القاهرة، دار الفجر للنشر والتوزيع، 2025)، ص110- 112.
(6) المادة (51) من ميثاق الأمم المتحدة لعام 1945.
(7) الخنساء أحمد محمد، الدفاع الشرعي بين ميثاق الأمم المتحدة والنظام الأساسي للمحكمة الجنائيَّة الدوليَّة: دراسة مقارنة، المجلة الدوليَّة للدراسات القانونيَّة والفقهيَّة المقارنة، مج3، العدد2 (أغسطس، 2022)، ص116.
(8) لطيفة منادي الكعبي، وسارة علي الصلابي، مشروعية استعمال القوة في العلاقات الدوليَّة: دراسة مقارنة بين القانون الدولي والشريعة الإسلاميَّة، مجلة تجسير، مج1، العدد2 (2020)، ص61.
(9) محمد جارد، التدخل الدولي الإنساني كآلية لحماية حقوق الإنسان: أي مستقبل لمبدأ السيادة؟، مجلة العلوم القانونيَّة والسياسيَّة، الجزائر، جامعة حمه لخضر بالوادي، مج13، العدد1 (أبريل، 2022)، ص242.
(10) هشام قدري أحمد، تطور اللجوء إلى الحرب في العلاقات الدوليَّة، مرجع سابق.
(11) السيد مصطفى أحمد، القانون الدولي المعاصر (عمان، دار الجنان، 2017)، ص508.
(12) Jakob R. Avgustin, The United Nations and Self-Determination in the Case of East Timor, E-International Relations, 27 February 2020, available at: https://n9.cl/uyzcz2

