نورين محمود أحمد
باحثة في العلوم السياسية
مع دخول الحرب الإيرانية – الإسرائيلية مرحلة حرجة من التصعيد المتبادل إلى مرحلة الوصول إلى وقف إطلاق النار، تحولت الأنظار تدريجيًا من تتبع مجريات التصعيد العسكري إلى مراقبة البنية التحالفية المرتبطة بطهران، سواء في آسيا أو أوروبا أو الشرق الأوسط. فطبيعة النظام الدولي المعاصر –الذي يتسم بتعدد الأقطاب وتكثيف التفاعلات غير المتماثلة– تجعل من مواقف القوى الحليفة لإيران عنصرًا حاسمًا في فهم مسارات الصراع وتحديد مآلاته المستقبلية.
ومنذ اندلاع الاشتباكات المباشرة بين طهران وتل أبيب، أبدت القوى المتحالفة مع إيران استجابات متباينة تراوحت بين الصمت الحذر والدعوة للتهدئة، أو عرض الوساطة، وصولًا إلى التصريحات الحادة أو حتى الرد الصاروخي في بعض الحالات. وتستمد هذه التباينات جذورها من اختلاف حسابات المصالح، ومستوى الانخراط الإقليمي، ومدى التداخل في الملفات الأمنية والاقتصادية بين هذه الدول وإيران أو إسرائيل أو بمنظور أشمل شبكة التحالفات الإقليمية والدولية والقضايا المرتبطة بها والتي قد لا تقتصر على الدول بل يمتد الأمر للفاعلين من دون الدول.
وفي هذا السياق، يعد تقييم مواقف الدول الداعمة والحليفة لإيران ضرورة استراتيجية لفهم توازنات القوة في الإقليم، وقدرة طهران على حشد التأييد أو العزلة، لا سيما في ظل دينامية دولية متغيرة، وتفاعلات متسارعة ما بين مراكز القرار في الصين وروسيا وكوريا الشمالية وغيرها من الدول. وفي ضوء ذلك، يركز التقرير على تحليل مواقف أبرز حلفاء إيران –الصين، وروسيا، وكوريا الشمالية– من الحرب مع إسرائيل واستعراض طبيعة السياسات تجاه التصعيد العسكري، وتحديد مواقفهم من إعلان وقف إطلاق النار ومستقبل المفاوضات.
أولًا: الموقف الصيني: دبلوماسية احتواء التصعيد
تتبنى الصين باعتبارها أحد الركائز الرئيسية في النظام الدولي متعدد الأقطاب، مقاربة حذرة في التعاطي مع النزاعات الإقليمية، ولا سيما تلك التي تنطوي على أبعاد عسكرية أو تدخلات مباشرة في الشئون السيادية للدول الأخرى، حتى وإن كانت هذه التطورات تتعلق بحلفائها التقليديين. وفي سياق الحرب الدائرة بين إيران وإسرائيل، برزت بكين بوصفها فاعلًا دوليًا يسعى إلى خفض التصعيد والتوترات بدلًا من الانخراط العسكري أو التصعيدي.
ففي ضوء التصريحات الرسمية الصينية، يبدو أن بكين تعتمد خطابًا دبلوماسيًا يدعو إلى “ضبط النفس” و”احتواء التصعيد” في منطقة الشرق الأوسط، بما يتماشى مع مصالحها الاستراتيجية التي تقتضي الحفاظ على الاستقرار الإقليمي، وتفادي انزلاق الوضع إلى حرب واسعة النطاق قد تضر بمصالحها الاقتصادية. كما لمّحت الصين، بالتنسيق مع موسكو، إلى إمكانية لعب دور الوسيط بدلًا من أن تكون طرفًا في الصراع استنادًا إلى شبكة العلاقات الاقتصادية المتشابكة التي تربطها بكل من طهران وتل أبيب، خاصة أن حجم التبادل التجاري مع إسرائيل يتجاوز 25 مليار دولار سنويًا. وتُعد إسرائيل من المزودين الرئيسيين للصين في مجالات التكنولوجيا المتقدمة، بما في ذلك الرقائق الإلكترونية، والأمن السيبراني، والتكنولوجيا الطبية، فضلًا عن الاستثمارات المتبادلة في مشاريع صناعية وتقنية، بل إن السلوك الصيني قد يأخذ بعض الاتجاهات المناهضة لإيران ولا يقتصر الأمر على الاتجاه نحو الوساطة أو الإدانة والشروع في انتقاد السياسات الإيرانية.
ويمكن الإشارة إلى أنه في حال إقدام إيران على إغلاق مضيق هرمز الذي تمر عبره إمدادات الطاقة العالمية –والتي تُعد الصين أكبر مستورد لها– يضع بكين أمام مجموعة من السيناريوهات المحتملة منها الضغط الدبلوماسي المكثف على طهران ويتمثل في ممارسة الصين ضغوطًا مباشرة أو غير مباشرة على إيران من خلال القنوات الدبلوماسية العلنية أو السرية بهدف ثنيها عن اتخاذ خطوات قد تهدد أمن الطاقة العالمي. كما يمكن أن تتجه الصين إلى البحث عن بدائل استراتيجية وتنسيق الجهود مع روسيا والدول العربية لفتح ممرات بديلة لتصدير الطاقة، أو تسريع مشاريع تتجاوز مضيق هرمز، مثل تعزيز استخدام ميناء جوادر الباكستاني، أو تفعيل مسارات التوريد من خلال آسيا الوسطى. كما أن الأمر قد يتطور إلى تعزيز الوجود البحري في المنطقة في حال فشل المساعي الدبلوماسية من خلال توسيع حضورها البحري في خليج عمان أو بحر العرب، إما عبر إرسال قطع بحرية لحماية الملاحة الدولية، أو بالتنسيق مع البحرية الروسية لرصد الأوضاع وتوفير مظلة مراقبة أمنية، وهو خيار يحمل دلالة على التوجه نحو الانخراط غير المباشر في إدارة الأزمة.
وعند النظر بصورة عامة في طبيعة التوجه الصيني، يمكن القول إن الاستراتيجية الصينية تجاه الحرب الإيرانية – الإسرائيلية ترتكز على تجنب التصعيد المباشر، والانخراط في جهود التهدئة الإقليمية، عبر أدوات دبلوماسية واقتصادية مدروسة، تأخذ في الحسبان مصالحها الاستراتيجية في الأمن الطاقي، والاستقرار الإقليمي، والشراكات التكنولوجية.
ثانيًا: الموقف الروسي: اتجاهات الحياد والمراقبة
تُعد روسيا فاعلًا رئيسيًا في النظام الدولي، لا سيّما في الملفات ذات الصلة بالأمن الإقليمي لمنطقة الشرق الأوسط التي تقع ضمن الفضاء الجيوسياسي الحيوي لموسكو. ومن هذا المنطلق، فإن أي تصعيد عسكري كبير في المنطقة، خاصة إذا كان يضم طرفًا حليفًا مثل إيران، يستدعي بالضرورة رصد وتحليل الموقف الروسي بدقة، استنادًا إلى التصريحات الرسمية والخطاب الدبلوماسي الصادر عن موسكو.
وتشير البيانات الصادرة عن وزارة الخارجية الروسية إلى تبنّي الكرملين موقفًا حذرًا ومتوازنًا؛ إذ تُظهر روسيا تفضيلها للعب دور الوسيط بدلًا من الانخراط المباشر في الحرب. ويعكس هذا الموقف مجموعة من الاعتبارات الاستراتيجية، أبرزها انشغال موسكو بالحرب في أوكرانيا، وما ترتب عليها من استنزاف في القدرات العسكرية والاقتصادية، لا سيّما بعد ما كشفته تقارير غربية عن خسائر نوعية تكبدتها روسيا فيما عُرف بعملية “شبكة العنكبوت”، والتي نُظر إليها كضربة نوعية للقدرات العسكرية الروسية.
علاوة على ذلك، تأخذ روسيا في الحسبان خصوصية العلاقات مع إسرائيل، والتي تعززها الجالية اليهودية الروسية الكبيرة، والتي تُقدّر بأكثر من 1.5 مليون شخص، وتشكل عنصرًا فاعلًا في المعادلة الثنائية بين البلدين. وهذا ما يدفع موسكو إلى تجنّب التصعيد المباشر، والسعي للحفاظ على التوازن بين دعمها التقليدي لإيران، وعلاقاتها مع إسرائيل، خاصة فيما يتعلق بالتنسيق الأمني في المجال السوري.
ومع ذلك، فمن غير المستبعد أن تتحول روسيا إلى موقف أكثر حزمًا، وربما تدخل غير مباشر أو مباشر في حال عودة الحرب مرة أخرى، في حال تعرضت مصالحها الحيوية في المنطقة للتهديدات، وعلى رأسها قاعدة حميميم الجوية في الساحل السوري، لأي تهديد مباشر أو غير مباشر نتيجة توسع رقعة الصراع أو امتداده إلى الأراضي السورية، وهذا الموقف لا يرتبط بحسابات الموقف الإيراني أكثر ما يرتبط بالحسابات الخاصة بالمصالح الروسية.
وفيما يتعلق بموقف موسكو من جهود وقف إطلاق النار، فإن هذا التوجه يتقاطع إلى حد كبير مع الطرح الصيني؛ إذ أعربت روسيا عن دعمها لأي مبادرة تهدف إلى التهدئة ومنع التصعيد، وهو ما يعكس تقاطع السياسات الروسية – الصينية في الشرق الأوسط في الوقت الراهن. ويُعزى هذا التشابه إلى إدراك الجانبين للمخاطر المحتملة على مصالحهما الاستراتيجية إذا ما استمرت الحرب دون أفق للحل، لا سيما في ظل احتمالية أن تدفع إيران موسكو نحو الانخراط السياسي أو حتى العسكري في الصراع، أو أن تتضرر الأصول الروسية بالمنطقة، وهو ما من شأنه أن يضع الكرملين أمام خيارات معقدة لا يرغب في حدوثها.
ومن ثم، يمكن القول إن الاستراتيجية الروسية تجاه الحرب الإيرانية – الإسرائيلية تستند إلى مبدأ “الحياد المُراقِب”، مع انفتاح مشروط على لعب دور الوسيط، بما يحفظ توازن علاقاتها الإقليمية ومصالحها الاستراتيجية، إلا أن هذا الحياد ليس مطلقًا؛ إذ يمكن أن يتبدل إذا ما تم تهديد مصالح روسيا الحيوية، خصوصًا في سوريا. بعبارة أخرى، تسعى موسكو إلى تقليل التكاليف السياسية والأمنية، مع الإبقاء على القدرة على التأثير في مجريات الصراع من دون الانزلاق إلى ساحة المواجهة.
ثالثًا: كوريا الشمالية: تصعيد خطابي وغياب مؤشرات الدعم
في ظل الحذر الذي أعلنته كل من الصين وروسيا تجاه الانخراط المباشر في الحرب الإيرانية – الإسرائيلية، تبرز كوريا الشمالية بوصفها الطرف الأكثر حدة في المواقف الخطابية والأكثر وضوحًا في دعمها غير المشروط لطهران. وقد عبّرت بيونج يانج، في تصريح غير مسبوق من حيث حدته، عن وصفها لإسرائيل بأنها “كيان سرطاني مدعوم من الولايات المتحدة والغرب ويهدد السلم العالمي”، وهو ما يعكس طبيعة المقاربة العدائية التي تتبناها تجاه تل أبيب وحلفائها.
وعلى الرغم من اللغة التصعيدية، لم تصدر أي مؤشرات عملية على نية كوريا الشمالية التدخل العسكري المباشر في الحرب، كما لا توجد إشارات استخباراتية تؤكد مشاركتها الميدانية أو إرسال قوات إلى الجبهة. ومع ذلك، فإن سيناريو الدعم غير المباشر يظل قائمًا بقوة، خاصة في ظل تقارير سابقة تفيد بتزويد بيونج يانج لروسيا بذخائر وصواريخ في حربها ضد أوكرانيا. وعليه، فإن إمكانية إمداد إيران أو أحد وكلائها الإقليميين بمنظومات تسليح أو دعم تقني كوري شمالي واردة، وهو ما قد يُسهم في تحويل الحرب إلى ساحة صراع غير مباشر بين القوى الكبرى، على غرار حرب الوكالة.
وفي هذا السياق، فإن كوريا الشمالية تُعد من بين أكثر الحلفاء خطورة بسبب قابليتها لتجاوز الأطر التقليدية للدبلوماسية، واعتمادها على تصدير التوترات كأداة من أدوات سياستها الخارجية، وهو ما يجعلها محل متابعة دقيقة من قبل الأطراف الدولية، لا سيما في حال تم رصد شحنات أسلحة من بيونج يانج إلى الشرق الأوسط.
وقد يشمل ذلك توريد ذخائر أو منظومات تسليحية، كما حدث سابقًا في سياقات أخرى كدعم روسيا في أوكرانيا. وتُبقي كوريا الشمالية على نمط تعاملها كفاعل غير تقليدي، يصعب التنبؤ بتحركاته، لا سيما إذا ما تعرضت مصالحها الاستراتيجية أو حساباتها الدولية لتحديات غير مباشرة عبر هذا الصراع.
في الختام: تكشف أنماط استجابة الحلفاء الدوليين لطهران عن تحولات نوعية في طبيعة التحالفات الدولية ومدى قدرتها على الصمود تحت الضغط. فقد أظهرت بكين وموسكو وبيونج يانج تباينًا واضحًا في مستويات الدعم والتعامل مع تطورات الحرب الإيرانية – الإسرائيلية، يتراوح بين الحذر الدبلوماسي، والتوازن السياسي، والتصعيد اللفظي غير المقرون بفعل مباشر.
ويمكن القول إن هناك تفاوت كبير في طبيعة وشبكة التحالفات الإيرانية والتي تؤشر على أوزان متفاوتة تعكس اختلاف أولويات ومصالح كل دولة، فقد تبنت الصين نهجًا يقوم على “التهدئة المشروطة”، مرتكزة على مصالحها الاقتصادية العميقة مع إسرائيل، وعلى رأسها التجارة والتكنولوجيا، إضافة إلى هواجسها المتعلقة بأمن الطاقة، وهو ما يدفعها لتجنب التصعيد، والدفع نحو الوساطة دون الاصطفاف الكامل إلى أي طرف.
في المقابل، تنتهج روسيا ما يمكن وصفه بـ”الحياد الديناميكي”؛ حيث تسعى إلى حفظ توازن حساس بين دعمها التقليدي لإيران من جهة، والحفاظ على شبكة المصالح مع إسرائيل من جهة أخرى، مع ربط أي تدخل مباشر بمستوى التهديد الذي قد يطال مصالحها الحيوية، لا سيّما في سوريا أو ضمن سياق المواجهة الكبرى مع الغرب في أوكرانيا. أما كوريا الشمالية، وعلى الرغم من تصعيدها الخطابي اللافت، لا تزال بعيدة عن الانخراط الميداني المباشر، إلا أن نمطها العدواني وميلها لتقويض المعسكر الغربي يفتح الباب أمام احتمالات دعم غير مباشر لطهران، خاصة إذا تم اختراق وقف إطلاق النار والعودة إلى المواجهات العسكرية وتحولت إلى ساحة صراع مفتوح بالوكالة.
من ناحية أخرى، يشكل الموقف من جهود وقف إطلاق النار اختبارًا حاسمًا لمدى التزام الحلفاء بخفض التصعيد، وكشفًا لحدود انخراطهم السياسي في إدارة الأزمة. ففي هذا السياق، أظهرت بكين وموسكو انخراطًا دبلوماسيًا محسوبًا، عبّرتا من خلاله عن دعمهما للمبادرات الأممية والأمريكية الرامية إلى التهدئة، دون أن يتجاوز ذلك الإطار الرمزي أو الخطابي، مع ميل واضح إلى تثبيت حالة “الاستقرار غير الكامل” التي تُبقي على أدوات الضغط دون فرض تسوية شاملة. في المقابل، التزمت كوريا الشمالية الصمت حيال مبادرات وقف إطلاق النار، وهو موقف يفتح المجال لتفسيرين رئيسيين: الأول، رفض ضمني للمسار التفاوضي واعتباره انحيازًا لإسرائيل، والثاني، رؤية مصلحية تعتبر أن استمرار النزاع يصب في صالح استنزاف المعسكر الغربي. ويعكس هذا التمايز اختلاف بنيوي في منطق التعاطي مع الحرب داخل شبكة الحلفاء الإيرانيين، بين من يرى في التهدئة وسيلة لحماية المصالح، ومن يراها عائقًا أمام تقويض الخصوم.
وبالنسبة لإيران فإنها حاولت إدارة معركتها مع إسرائيل والولايات المتحدة والغرب بصورة عامة بعيدًا عن شبكة التحالفات، وهو ما ظهر خلال تطورات الحرب وحتى بعد وقف إطلاق النار، وهذا التوجه لم يقتصر على حدود الدول بل امتد لشبكة الوكلاء الإقليميين بأنها لم تستخدم تحالفاتها في إدارة هذه المعركة سواء تلك التحالفات المتعلقة بالدول أو الأخرى الخاصة بشبكة الوكلاء الإقليميين، وقد يكون لهذا التوجه انعكاساته على مجريات المرحلة القادمة والمتعلقة بإجراءات التفاوض والملفات الخاصة به وكذلك الأطراف المحتمل مشاركتها في التفاوض. كما أن إعلان الرئيس الأمريكي وقف إطلاق النار أظهر أن الولايات المتحدة دون غيرها القادرة على تغيير معادلات الحرب والسلام في هذا الملف، وبصورة قد تضعف من صورة حلفاء إيران وجهودهم في هذا الملف.
فقد أظهرت الحرب الإيرانية – الإسرائيلية أن التحالفات ليست كتلًا صلبة، بل شبكات مرنة تتفاعل وفق منطق المصالح لا الشعارات. وبينما يبقى الحلفاء حريصين على تأييد طهران سياسيًا، فإن انخراطهم الفعلي يظل مرهونًا بسيناريوهات محسوبة، وسط نظام دولي يتسم بالتقلب وغياب اليقين. وفي ظل هذه المعادلة المعقدة، يبقى كل شيء واردًا، ما لم تظهر مبادرة دولية فاعلة قادرة على فرض مسار تفاوضي مستدام يوازن بين المصالح ويمنع الانزلاق نحو صدام دولي مفتوح.

