هبة المُعز
باحثة دكتوراه، كلية الدراسات الإفريقية العليا، جامعة القاهرة
تعد مناورة النجم الساطع”Bright Star” واحدة من أبرز المناورات العسكرية في منطقة الشرق الأوسط، وتجسد نموذجًا متقدمًا للتعاون العسكري بين جمهورية مصر العربية والولايات المتحدة الأمريكية، وانطلقت هذه التدريبات للمرة الأولى عام 1981، في أعقاب توقيع اتفاقية السلام المصرية- الإسرائيلية (كامب ديفيد)، بدعم أمريكي كبير لتثبيت الاستقرار في المنطقة، وتعزيز مكانة كحليف استراتيجي لواشنطن، ومنذ ذلك الحين تحولت “النجم الساطع” من مناورة ثنائية بين الجيشين المصري والأمريكي إلى تدريب عسكري متعدد الجنسيات، وشاركت فيه عبر السنوات الماضية عدة جيوش من دول عربية وأوروبية، لتصبح واحدة من أكبر التدريبات العسكرية في العالم والتي تجرى على الأراضي الإفريقية (مصر)، وهو ما يعكس أهميتها ومكانتها للتنسيق العسكري ومواجهة التهديدات المشتركة، وعلى رأسها الإرهاب العابر للحدود، والتهديدات غير التقليدية، وأمن الممرات البحرية.
ويمكن النظر إلى هذه المناورات والتدريبات العسكرية المشتركة باعتبارها أحد أهم أدوات السياسة الدفاعية الحديثة؛ إذ تسعى الدول من خلالها إلى رفع كفاءة قواتها المسلحة، وتطوير قدراتها العملياتية، وتعزيز قدرتها على مواجهة التحديات الأمنية المتزايدة في بيئة دولية تتسم بالتعقيد وعدم اليقين، كما تمثل هذه التدريبات آلية عملية لتعميق أواصر التعاون بين الحلفاء والشركاء الاستراتيجيين، بما ينعكس على تعزيز الأمن والاستقرار الإقليمي والدولي، وفي ضوء هذا التصور، تكتسب المناورة النجم الساطع أهمية خاصة لمصر من حيث كونها تعزز مكانتها الإقليمية باعتبارها قوة عسكرية رئيسية في الشرق الأوسط وإفريقيا، وتمنح قواتها المسلحة فرصة للتدريب على أحدث النظم القتالية بالتعاون مع جيوش دول كبرى، أما بالنسبة للولايات المتحدة، فهي تمثل وسيلة لترسيخ وجودها العسكري والسياسي في المنطقة، وضمان استمرار شراكتها الاستراتيجية مع القاهرة التي تعد محورًا مهمًا في معادلة الأمن الإقليمي.
وتجدر الإشارة إلى أن العلاقات العسكرية بين مصر والولايات المتحدة شهدت تطورًا لافتًا منذ أوائل الثمانينيات؛ إذ أصبحت القاهرة ثاني أكبر متلقٍ للمساعدات العسكرية الأمريكية بعد إسرائيل، وهو ما عزز من قدرة الجيش المصري على تحديث تسليحه وتبني عقائد قتالية متقدمة، كما أسهم التعاون العسكري في ترسيخ الدور المصري كلاعب رئيسي في قضايا الأمن الإقليمي؛ حيث عملت واشنطن على دعم مصر كدعامة أساسية للاستقرار في المنطقة، في حين استفادت القاهرة من هذا التعاون في توسيع آفاق شراكاتها الدفاعية وتأكيد دورها كقوة إقليمية مؤثرة.
وفي ضوء ذلك، فإن دراسة مناورة النجم الساطع لا تقتصر على كونها نشاطًا تدريبيًا عسكريًا، بل تتجاوز ذلك إلى كونها انعكاسًا مباشرًا للعلاقات العسكرية الاستراتيجية بين مصر والولايات المتحدة الأمريكية، وتجسيدًا لمدى التداخل بين البعدين العسكري والسياسي في صياغة العلاقات الثنائية، خاصة في ظل التغيرات الإقليمية والدولية الراهنة.
أولًا: الخلفية التاريخية لمناورات النجم الساطع
بدأت مناورات “النجم الساطع” بعد توقيع معاهدة السلام المصرية – الإسرائيلية في عام 1979، وأصبحت حدثًا دوريًا يُعقد كل عامين منذ عام 1983، وشهدت المناورات تطورًا كبيرًا من اعتبارها تدريب محدود إلى حدث عسكري ضخم يشمل آلاف الجنود ومئات التدريبات المتنوعة، ومع ذلك توقفت المناورات في بعض السنوات (مثل 2011 و2013) بسبب الظروف السياسية أو التزامات الدول المشاركة في نزاعات أخرى، وتؤكد مناورات “النجم الساطع 2025” على الشراكة الاستراتيجية بين مصر والولايات المتحدة، وتعزز مكانة مصر كمركز للتعاون العسكري الإقليمي، من خلال مشاركة 44 دولة، كما تبرز هذه المناورات كمنصة لتبادل الخبرات وتطوير القدرات العسكرية، مما يساهم في تعزيز الأمن والاستقرار في الشرق الأوسط.(1)
وأكدت القيادة المركزية الأمريكية (سنتكوم) على الأهمية الاستراتيجية لهذه المناورات؛ حيث وصفتها بأنها امتداد للعلاقة الأمنية الاستراتيجية بين مصر والولايات المتحدة، وأوضحت سنتكوم أن هذه الشراكة التاريخية تلعب دورًا رائدًا فى مكافحة الإرهاب، وتعزيز الأمن الإقليمي، ومواجهة انتشار التطرف العنيف، كما يعد تدريب “النجم الساطع” من أقدم وأكبر المناورات العسكرية التي يحرص عليها الجيش المصري؛ حيث تطبق القوات المشاركة خلال التدريب أحدث التكتيكات والأساليب القتالية، بهدف تعزيز قدرتها على العمل ضمن تشكيلات مشتركة متعددة الجنسيات، كما يسهم التدريب فى رفع مستويات التنسيق بين مختلف الأفرع والتشكيلات العسكرية، مما يزيد من فعالية الاستجابة السريعة لمختلف التهديدات المستقبلية.(2)
ثانيًا: أهداف المناورات وتطورها
تهدف مناورات “النجم الساطع” إلى تعزيز جاهزية القوات المسلحة من خلال تدريبها على سيناريوهات القتال المتنوعة؛ حيث تشمل الحرب التقليدية، ومكافحة الإرهاب، وأمن الحدود، والتعامل مع الأسلحة غير التقليدية، كما تسهم هذه التدريبات في رفع الكفاءة القتالية، وتطوير أساليب القيادة والسيطرة، فضلًا عن توحيد المفاهيم العسكرية بين القوات المتعددة.
من ناحية أخرى، يعزز تدريب النجم الساطع 2025 الشراكة الأمنية الدائمة بين مصر والولايات المتحدة باعتبارها علاقة متجذرة في عقود من التعاون في مكافحة الإرهاب، والدفاع الإقليمي، والجهود المبذولة لمكافحة التطرف العنيف، كما يوجه تدريب هذا العام رسالة قوية بأن مصر والولايات المتحدة لديهم نفس التوجهات حول الالتزام بالاستقرار الإقليمي والتعاون العسكري، ومن ثم يبقى النجم الساطع حجر الزاوية في العلاقة الدفاعية بين الولايات المتحدة ومصر ويلعب دورًا رئيسيًا في تعزيز السلام والأمن في الشرق الأوسط.(3)
بالإضافة إلى ذلك، فإن إجراء هذه المناورة في مصر وبمشاركة هذا العدد الكبير من الدول، خاصة من الدول العربية ودول حلف الناتو ودول آسيوية مثل الهند، يعكس الثقة والتقدير الكبير للقوات المسلحة المصرية والسمعة الكبيرة التي تتمتع بها عالميًا، من حيث الانضباط والجاهزية، بالإضافة إلى حرص هذه الدول على تبادل الخبرة مع الجيش المصري والاستفادة من المزايا النسبية التي يتمتع بها، خاصة التدريب على الحرب والقتال في الأراضي الصحراوية، والتدريب على مواجهة التهديدات المختلفة، خاصة التنظيمات الإرهابية، كما أن إجراء التدريبات في قاعدة محمد نجيب العسكرية يحمل دلالة مهمة في إظهار القدرات العسكرية المصرية المختلفة وإنشاء العديد من القواعد العسكرية البرية والبحرية للدفاع عن مصر ضد أي تهديد.(4)
وعلى مدار السنوات الماضية تطورت طبيعة المناورات لتشمل أبعادًا تكنولوجية وتكتيكية أكثر تعقيدًا، مثل استخدام الطائرات بدون طيار، أنظمة الحرب الإلكترونية، وهو ما يعكس تزايد مستوى التنسيق والاحترافية بين الجيوش المشاركة، كما أدرجت فيها تمارين ميدانية مشتركة، وورش عمل لتبادل الخبرات في المجالات الأمنية والاستخباراتية بما يعزز البعد المعرفي. ومن ثم، فإن مناورة النجم الساطع لا ينظر إليها كتدريب عسكري فحسب، بل كآلية استراتيجية تعكس طبيعة التحالفات الدولية، وتعزز قدرة الدول المشاركة على مواجهة التحديات الأمنية المعاصرة وضمان استقرار الممرات الحيوية ومصالحها المشتركة، ومن خلال ذلك وضحت المناورة عدة أهداف استراتيجية، فهي تعكس مكانة مصر كمركز إقليمي للتعاون الأمني والعسكري، كما تبرز التزام الولايات المتحدة بدعم أمن الشرق الأوسط، بجانب أنها تشكل رسالة ردع استراتيجية ضد أي تهديدات إقليمية، بالإضافة إلى أنها تسهم في تطوير القدرات الدفاعية المشتركة لمواجهة التحديات العالمية مثل الإرهاب والقرصنة والهجمات السيبرانية.
ثالثًا: أبعاد التعاون العسكري بين مصر والولايات المتحدة الأمريكية
يعد التعاون العسكري بين مصر والولايات المتحدة الأمريكية أحد أبرز ركائز العلاقات الاستراتيجية بين البلدين منذ توقيع اتفاقية كامب ديفيد عام 1978؛ حيث أسست لمرحلة من الشراكة التي تجاوزت الطابع السياسي لتشمل أبعادًا متعددة على المستويين الأمني والعسكري، وقد شكلت المساعدات العسكرية الأمريكية لمصر أحد أهم مظاهر هذا التعاون؛ إذ ساهمت بشكل مباشر في تحديث منظومة التسليح المصرية وتعزيز قدرات الجيش المصري عبر تزويده بمعدات متطورة مثل مقاتلات F-16 ودبابات M1A1 Abrams ومروحيات الأباتشي، وإلى جانب البعد التسليحي، يمثل التدريب المشترك بعدًا محوريًا في هذه العلاقة؛ حيث تعد مناورات “النجم الساطع” نموذجًا بارزًا للتنسيق العملياتي وتبادل الخبرات العسكرية، إضافة إلى برامج تدريب الضباط المصريين في المؤسسات العسكرية الأمريكية، وهو ما يضمن مواكبة التطورات التكتيكية والتكنولوجية الحديثة.
وعلى الصعيد الإقليمي، يعكس التعاون العسكري التزام الجانبين بمكافحة الإرهاب لا سيما في سيناء، وتأمين الممرات المائية الحيوية مثل قناة السويس والبحر الأحمر، فضلًا عن دعم مصر في القيام بدور فاعل في عمليات حفظ السلام الدولية، وتكتسب هذه الشراكة أهمية استراتيجية خاصة؛ إذ تسعى الولايات المتحدة إلى الحفاظ على مصر كحليف محوري يضمن التوازن والاستقرار في الشرق الأوسط، بينما تنظر القاهرة إلى هذا التعاون باعتباره وسيلة للحفاظ على توازن القوى في المنطقة وتعزيز مكانتها كفاعل إقليمي رئيسي، ومن ثم فإن أبعاد التعاون العسكري بين مصر والولايات المتحدة لا يمكن حصرها في المجال العسكري فقط، بل تمتد لتشكل أداة استراتيجية مؤثرة في صياغة التوازنات الإقليمية وضمان أمن واستقرار المنطقة.
في الختام: يمكن القول إن التعاون العسكري بين مصر والولايات المتحدة الأمريكية يمثل أحد أعمدة العلاقات الثنائية وأكثرها رسوخًا منذ نهاية السبعينيات وحتى الوقت الراهن؛ حيث أسهم في بناء شراكة استراتيجية متشابكة الأبعاد تتجاوز الإطار العسكري التقليدي إلى أبعاد سياسية وأمنية إقليمية ودولية، فمن خلال المساعدات العسكرية وبرامج التسليح المتطورة، تمكنت مصر من تحديث قواتها المسلحة وتعزيز قدراتها الدفاعية، في حين استفادت الولايات المتحدة من الحفاظ على شريك إقليمي قوي يضمن حماية مصالحها الاستراتيجية في منطقة الشرق الأوسط، وخاصة فيما يتعلق بأمن الممرات المائية واحتواء التهديدات الأمنية، كما أن التدريبات المشتركة، وفي مقدمتها مناورات النجم الساطع، جسدت نموذجًا عمليًا للتعاون العملياتي وتبادل الخبرات، وأسهمت في تعزيز قابلية القوات المصرية للتكامل مع القوات متعددة الجنسيات في مهام حفظ السلام ومكافحة الإرهاب. وفي السياق الإقليمي، عزز هذا التعاون مكانة مصر كفاعل رئيسي في معادلة الأمن والاستقرار، ورسخ التزام واشنطن بالحفاظ على شراكتها الاستراتيجية مع القاهرة كضمانة للتوازن في المنطقة.
ومع ذلك، يظل هذا التعاون عرضة لتحديات متجددة ترتبط بطبيعة التغيرات في السياسات الأمريكية، وسعي مصر لتنويع مصادر التسليح من شركاء آخرين مثل روسيا وفرنسا، ورغم هذه التحديات، فإن المصالح الاستراتيجية المشتركة تجعل من استمرار التعاون العسكري بين البلدين خيارًا استراتيجيًا لا غنى عنه، خاصة في ظل ما تشهده المنطقة من صراعات، وتهديدات غير تقليدية، وتنافس دولي متصاعد. وبذلك يمكن التأكيد أن التعاون العسكري المصري – الأمريكي ليس مجرد علاقة ثنائية في مجال الدفاع، بل هو أداة استراتيجية مؤثرة في صياغة التوازنات الإقليمية، وضمان استقرار منطقة الشرق الأوسط، وتعزيز مكانة مصر كقوة إقليمية محورية، بما يعكس طبيعة المصالح المتبادلة بين القاهرة وواشنطن وأهمية الحفاظ على هذا التعاون كركيزة للأمن والاستقرار في المستقبل.
المراجع:
- نور الدين،”النجم الساطع: مصر تطلق مناورات عسكرية بمشاركة الولايات المتحدة”، موقع الدفاع العربي، متاح على: https://2h.ae/dcNH (تاريخ الدخول 3 سبتمبر 2025م).
- أحمد عبدالعظيم،”رسائـل القدرة والقوة فى مناورات النجم الساطع 2025“، موقع روز اليوسف، متاح على الرابط https://2h.ae/Edzl (تاريخ الدخول 3 سبتمبر 2025م).
- سفارة الولايات المتحدة الأمريكية في مصر،”الولايات المتحدة ومصر تستضيفان تدريب النجم الساطع“، متاح على الرابط: https://2h.ae/jkTm (تاريخ الدخول 3 سبتمبر 2025م).
- د. أحمد سيد أحمد،” رسائل ودلالات النجم الساطع 2025″، موقع الأهرام، تاريخ النشر1 سبتمبر م2025، متاح على الرابط: https://gate.ahram.org.eg/daily/NewsPrint/991776.aspx (تاريخ الدخول3 سبتمبر 2025م).

