د. معالي لطفي سالم
باحثة في شئون الشرق الأوسط

حظيت عملية “طوفان الأقصى” بأهمية استراتيجية كبرى نظرًا إلى أنها أسست لتغيير الواقع الذي حاولت إسرائيل تكريسه وفق استراتيجية الأمن القومي الإسرائيلي القائمة على مثلث ذهبي يتمثل في: الردع، والإنذار المُبكر ومن ثم الحسم السريع؛ حيث اخترقت هذه العملية المباغتة المبدأ الثاني لاستراتيجية الأمن القومي الإسرائيلي، وهو الإنذار المبكر بعدما أخفقت الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية (أمان) والمخابرات العامة (الشاباك) في توقع العملية أو الوصول إلى معلومات بشأنها، لتعود بعدها إلى ضرب البُعد الثالث والمُتمثل بالحسم السريع. لكن جرأة حماس في بدء الهجوم، أسقطت المبدأ الأول لاستراتيجية الأمن القومي الإسرائيلي، وهو الردع. وهو ما أدى لتصور مفاده أن استراتيجيات احتواء حركة المقاومة الإسلامية “حماس” وخلق معادلات ردع معها غير قادرة على ضمان أمن إسرائيل. الأمر الذي يفرض على الاحتلال مقاربات جديدة للتعامل مع القطاع.
وقد شهدت بدايات الخمسينيات من القرن الماضي بلورة عقيدة الأمن الإسرائيلية التي صاغها أول رئيس لحكومة الاحتلال ووزير دفاعها ديفيد بن جورين، وجاءت تلك العقيدة الأمنية لتعزيز قوة الردع وفقًا للظروف الجيوسياسية المتعلقة بضعف العمق الاستراتيجي، وتكوين شراكات مع الدول غير العربية في المنطقة مثل تركيا وإثيوبيا، عوضًا عن استخدام الحرب الوقائية للدفاع عن أمنها القومي، ونقل المعركة إلى خارج الحدود الإسرائيلية، ولكن برزت العديد من المتغيرات الإقليمية التي من شأنها اختبار العقيدة الأمنية الإسرائيلية وعلاقاتها الخارجية بما يستدعي الوقوف عند حدود هذه العقيدة ومدى نجاحها؟.
أولًا: محددات الاستراتيجية العسكرية الإسرائيلية
تمثل العقيدة العسكرية الإسرائيلية بشكل عام عقيدة دفاعية يتطلب تحقيقها تنفيذ الهجوم الاستباقي، ويمثل أبرز عناصر هذه الاستراتيجية (الهجوم الاستباقي – تحقيق نصر حاسم – تقليل الخسائر البشرية – الحرب الوقائية – الحروب الخاطفة – نقل المعارك خارج الحدود الإسرائيلية).
وتحاول إسرائيل من خلال مستوى العمليات العسكرية تحقيق أعلى معدلات الدفاع الداخلية عن طريق إضعاف الدول العربية سياسيًا وعسكريًا، والمواجهة العسكرية داخل الأراضي العربية وهو ما يمكن ملاحظته من خلال الحروب الإسرائيلية مع مصر ولبنان وسوريا وإيران والعراق؛ حيث شهدت هذه الدول مواجهات عسكرية خاطفة خارج نطاقها الجغرافي، لإنهاء تلك الحروب في وضعية أفضل لتل أبيب تمنحها الانتصار السياسي والعسكري.
فمنذ تأسيس الكيان الصهيوني استنادًا إلى قرار التقسيم الأممي رقم 181 الصادر في 29 نوفمبر 1947، تم بناء عقيدته الأمنية على رؤية استراتيجية محددة ترتكز على مجموعة من الأسس الرئيسة. ومع انطلاق عملية “طوفان الأقصى” عام 2023، طرأت على هذه العقيدة تحولات بنيوية عميقة، أظهرت نقاط ضعف جوهرية في المنهجية الإسرائيلية التقليدية المتعلقة بالأمن الإقليمي.
ثانيًا: تحولات الاستراتيجية العسكرية الإسرائيلية بعد طوفان الأقصى
شهدت الاستراتيجية العسكرية الإسرائيلية مجموعة من التحولات المركزية سواء على مستوى العقيدة والفكر العسكري أو فيما يتعلق بأدوات التحرك، وذلك على النحو التالي:
1. اعتمدت إسرائيل على خوض المعارك خارج حدودها كاستراتيجية دفاعية هجومية تهدف إلى إبعاد تهديد الخصم عن عمقها الحيوي، مستندة إلى التصور الواقعي الكلاسيكي الذي يربط السيطرة الإقليمية بالبقاء الاستراتيجي. لكن أحداث “طوفان الأقصى” قلبت هذا المنطق؛ إذ انتقلت المواجهة إلى الداخل الإسرائيلي، متجاوزة مفهوم الأمن التقليدي وفق مدرسة كوبنهاغن، ما أدى إلى اختراق ثنائية الأمن الداخلي مقابل التهديد الخارجي وزعزعة مفهوم السيادة كما تصورها الواقعية.
2. ارتكزت العقيدة الإسرائيلية على مبدأ الحسم السريع، تماشيًا مع مبادئ النيو واقعية التي تضع توازن القوى واستمرارية الردع في صلب الاستقرار. إلا أن إطالة أمد المواجهة استنزفت هذا النموذج، كاشفة هشاشة القدرة على الصمود في بيئة إقليمية متغيرة وسائلة، مما أضعف مبدأ الحرب الخاطفة وصورة إسرائيل كقوة لا تُستهلك.
3. لم تكن إسرائيل معتادة على التعامل مع تعدد جبهات تهديد نشطة، إلا أن الحالة الراهنة تواجهها بشبكة معقدة تمتد من غزة إلى لبنان واليمن وسوريا، وصولًا إلى إيران. وفقًا للواقعية الجديدة الدفاعية، يُنتج تعدد التهديدات حالة من الفوضى الاستراتيجية تعقّد تحديد الأولويات، مما يتطلب تحولًا جوهريًا من تصور التهديدات الأحادية إلى نماذج تهديدات شبكية تتطلب أدوات تحليلية واستراتيجية متطورة.
4. أدى الاشتباك في بيئة مدنية حضرية ضيقة، كما في شوارع غزة، إلى كسر النمط القتالي الإسرائيلي المعتمد على التفوق التكنولوجي والقتال في فضاءات مفتوحة. ومن منظور الحرب غير المتماثلة والمدارس النقدية ما بعد الكولونيالية، كشف هذا الإخفاق عن ضعف إسرائيل في التعامل مع فاعلين مسلحين غير نظاميين يملكون معرفة جغرافية واجتماعية عميقة، كما يعيد طرح نقد المقاربات الكولونيالية التي قللت من قدرات الفلسطينيين.
5. التحول في مستوى الاهتمام بالخسائر البشرية؛ إذ أظهرت إسرائيل قدرة على تقبل معدلات مرتفعة من الخسائر، مخالفًا العقيدة التقليدية التي كانت تولي قيمة كبيرة لحياة الجنود والمدنيين. ومن منظور البنيوية النقدية، يعكس هذا تحولًا في الهوية الأمنية للدولة التي باتت تُعرّف نفسها كفاعل يتقبل الألم كجزء من الحفاظ على دورها كحارس للمصالح الغربية في الشرق الأوسط.
6. تراجعت الاهتمامات التقليدية بقضية الأسرى؛ حيث لم تظهر إسرائيل اليوم نفس المستوى من الجهد التعبوي أو التفاوضي كما في السابق، رغم احتجاز عشرات الجنود والمستوطنين. ويعكس هذا من منظور دراسات الأمن الإنساني ومدرسة فرانكفورت النقدية تآكل البعد الإنساني في مفهوم الأمن، وهو ما يثير تساؤلات حاسمة حول العلاقة بين الدولة والمجتمع وشرعية العقيدة العسكرية التي تفصل الأمن عن البُعد الإنساني. وفيما يتعلق بالنماذج التطبيقية يمكن الإشارة إلى مجموعة من الممارسات من أهمها:
أ. التوسع في نطاق المناطق العازلة
تُعرف المنطقة العازلة بأنها مساحة بين المناطق المتنازعة للحد من التوتر، وتستخدم هذه المناطق عادة لأغراض أمنية كمنع الهجمات، لكن تنفيذها يتطلب إخلاء السكان بشكل كبير، مما يؤدي إلى خلق مساحات غير مأهولة تشهدها المناطق الحدودية غالبًا. وفي ضوء ذلك، أنشأت إسرائيل منطقة عازلة على الجانب الغربي من حدودها مع غزة، منذ أوائل عام 2000. كما اتجه الجيش الإسرائيلي في سبتمبر 2005، في أعقاب تنفيذ خطة فك الارتباط إلى الحفاظ على مسافة لا تقل عن 150 مترًا من الشريط الحدودي، وفي بعض المناطق وصل الحظر إلى 500 متر. كما بدأت إسرائيل تدريجيًا، بعد وصول حماس إلى السلطة في غزة عام 2007، في فرض قيود على الوصول إلى المناطق التي تزيد مسافتها عن 300 متر إلى كيلومتر واحد من السياج.
وفي عام 2015، أعلن الجيش الإسرائيلي رسميًا عن المسافات التي يسمح للمزارعين وغيرهم من بعض السكان بالاقتراب منها من السياج. وتم تعيين المنطقة العازلة رسميًا، منذ عام 2010 حتى أكتوبر 2023، حتى مسافة 300 متر من السياج الحدودي، وحتى 100 متر من السياج للمزارعين.
إلا أنه منذ نوفمبر 2023، عملت إسرائيل على إنشاء منطقة عازلة جديدة تشكل ما لا يقل عن 16٪ من إجمالي الأراضي في قطاع غزة (57 كيلومترًا مربعًا) وتغطي نحو كيلومتر واحد من المناطق الواقعة غرب السياج. كانت هذه المناطق في الماضي تشكل حوالي 35% من الأراضي المعدة للزراعة في القطاع. وقد غيرت الهندسة الجغرافية الإسرائيلية الجديدة في المنطقة العازلة من طبيعة اقتصاد غزة ومصادر الغذاء التي اعتمد عليها سكانها في الماضي وتلك التي سيعتمدون عليها في المستقبل.
ب. ممر نتساريم وتقسيم القطاع ومنع حركة السكان
وضع رئيس الوزراء السابق أرييل شارون في عام 1971 خطة الأصابع الخمسة، التي تهدف إلى كسر التواصل الجغرافي الفلسطيني داخل حدود قطاع غزة، سواء من خلال الكتل الاستيطانية أو الطرق العسكرية. وكجزء من الخطة، تم إنشاء مستوطنة نتساريم وطريق خاص لحركة اليهود للمستوطنة ويقسم قطاع غزة إلى قسمين: من رفح إلى مدينة غزة، ومن مدينة غزة شمالًا عن باقي القطاع. ويمتد ممرا فيلادلفيا ونتساريم من الحدود الإسرائيلية إلى البحر المتوسط. وقد تم إخلاء هذا المحور مع تنفيذ خطة فك الارتباط في عام 2005.
وقد سيطر الجيش على طريق نتساريم في الأشهر التي تلت 7 أكتوبر 2023، الذي يبلغ طوله 6.5 كيلومترات (من السياج الحدودي إلى البحر) ووسعه وأعاد رصفه، وحاليًا يسمح فقط بالتحرك العسكري الإسرائيلي عليه، مع استثناءات ينسقها ويوافق عليها الجيش. كما أقام الجيش الإسرائيلي نقاط مراقبة ومبانِ مؤقتة على طول الطريق. ويشكل ممر نتساريم، إلى جانب المنطقة العازلة الجديدة 32٪ من إجمالي الأراضي في قطاع غزة.
ج. خطة الجنرالات
بمبادرة من الجنرال المتقاعد غيورا ايلاند، اعتمد منتدى الجنرالات والمحاربين في الاحتياط وثيقة نشرها في نوفمبر 2024 في أعقاب مقتل المحتجزين الاسرائيليين الستة وعدم قدرة الجيش على حسم المعركة مع حماس وإلحاق الهزيمة بها، ووفقًا للجنرال غيورا ايلاند الذي صاغ الوثيقة، فإن كل السكان المتبقين في المنطقة شمالًا من محور نتسريم بما فيه غزة المدينة، والبالغ عددهم نحو 300 ألفًا، سيتم إجبارهم على النزوح عن طريق ممرات يوفرها الجيش وتحت حراسته، كما يتم فرض الحصار العسكري الذي لا يتيح للذين لم يتركوا أية مقومات للعيش، بل يترك لكل من يبقى باعتبارهم وفقًا للوثيقة من عناصر حماس، خيارًا واحدًا وهو إما الاستسلام أو الموت.
ومن ثم فإن تطبيق خطة الجنرالات يمثل استدامة الاحتلال الإسرائيلي المبني على تغيير خارطة التواجد السكاني الفلسطيني في القطاع، كما وتشير إلى السيطرة الإسرائيلية المطلقة على شمال القطاع وتدمير مدينة غزة وتعزيز الاستيطان.
في المجمل تشهد عملية إعادة تشكيل جذرية للعقيدة العسكرية الإسرائيلية بفعل التغيرات الجيوسياسية والبنيوية في البيئة الإقليمية. وهذه التحولات تشكل مسارًا تراكميًا لتفكك النموذج الأمني الصهيوني التقليدي، وتؤكد ضرورة تبني تحليل أمني متعدد المستويات يُعنى بالديناميات النظامية، والهياكل الداخلية، والتفاعلات الهوياتية. فإسرائيل اليوم تواجه تحديًا وجوديًا يتجاوز مجرد كيفية خوض الحرب، ليشمل إعادة تعريف ذاتها كفاعل أمني في نظام دولي آخذ في التشظي.
ثالثًا: تحولات العقيدة العسكرية لإسرائيل
تستند العقيدة العسكرية بصورتها العامة على ثلاثة أبعاد مهمة تتعلق بكيفية تنظيم الجيش، ونوعية التسليح، وأخيرًا نوعية التدريب. لكن التعديل في العقيدة العسكرية للجيش الإسرائيلي، يبقى دائمًا ضمن المثلث: الردع، والإنذار المبكر، والحسم السريع. وقد عدلت إسرائيل عقيدتها العسكرية بعد حرب يوليو 2006 تحت اسم جديد، “الاندفاعة” (Momentum)، وترتكز هذه العقيدة على ما يلي: تشكيل قوة عسكرية مترابطة مع بعضها البعض من ضمن شبكة عنكبوتية (Networked)تكون قادرة على استهداف قدرات العدو خلال وقت قصير، وبأقل كلفة ممكنة، كما استحدث مبدأ الدفاع عن الداخل الإسرائيلي بعدما استهدفت الصواريخ التي أطلقها حزب الله آنذاك على إسرائيل.
رسم رئيس الأركان الإسرائيلي السابق، هرتسي هاليفي، في عام 2023، عقيدة جديدة لاستكمال العقيدة السابقة تحت اسم الصعود (Ascent)وترتكز في جوهرها على القتال الهجين (Hybrid Warfare) أي القتال التقليدي، إلى جانب القتال غير المتماثل (Asymmetric Warfare) وركز هاليفي في هذه العقيدة على العنصر البشري، ومواجهة التهديدات الخارجية، وتشجيع ودعم المناورة البرية أثناء القتال. كما ركز على القتال المشترك بين الأسلحة (Combined) من قوات مشاة، ومدرعات، وقوات خاصة، وسلاح المهندسين، والدعم الجوي والمدفعي. وهذه العقيدة تم اختبارها فعليًا في عملية “السيوف الحديدية” على غزة.
رابعًا: سياسات الهجمات السيبرانية وحدود التوظيف
بعد هجوم حماس يوم 7 أكتوبر وتحت شعار “مساندة غزة” أو ما عرف بوحدة الساحات، أطلق حزب الله نيرانه الأولى من جبهة الجنوب على إسرائيل ونفذ هجومًا على 3 مواقع إسرائيلية في منطقة مزارع شبعا، ثم انتقل إلى استهداف مواقع حدودية وفى هذا السياق دخل حزب الله ولبنان على خط الحرب مع إسرائيل.
ولمواجهة هذه الهجمات وإلى جانب اعتماد أدوات القوة العسكرية التقليدية، قامت إسرائيل بعملية سيبرانية هجينة يوم 17 سبتمبر 2024، استهدفت أجهزة الاتصال البيجر التابعة لعناصر حزب الله، والتي أسفرت عن مقتل تسعة أشخاص وإصابة أكثر من 2800 آخرين، كما قامت بتنفيذ عملية ثانية يوم 18 سبتمبر2024 بتفجير أجهزة الاتصال من نوع ICOM IC-V82 VHF والتي أدت إلى وقوع 9 قتلى وأكثر من 300 إصـابة لعناصر من قوات الرضوان التي تعتبر قوات النخبة في الحزب.
وقد جاءت هذه العمليات بعد تنفيذ إسرائيل لعملية خاصة يوم 9 سبتمبر 2024 دمرت من خلالها مصنع صواريخ إيراني تحت الأرض في غارة برية في منطقة مصياف بسوريا، ومجموعة كبيرة من العمليات الأمنية استهدفت 450 قياديًا وعنصرًا من حزب الله على رأسهم القائد العسكري للحزب فؤاد شكر. وتُعد هذه الاختراقات أحط أنماط الحروب الهجينة التي تختلف عن الحروب التقليدية من حيث الاستراتيجية والتكتيك والأسلوب مثل استخدام استراتيجيات حروب العصابات، والعبوات الناسفة، والتفجيرات الانتحارية والاغتيالات، إضافة إلى استخدام وسائل التكنولوجيا والتواصل الاجتماعي في شن حرب نفسية على الخصم.
ويمكن القول إن هذه ليست المرة الأولى التي تستخدم فيها إسرائيل أجهزة إلكترونية لاغتيال أشخاص، وفيما يلي أبرز الاغتيالات التي نفذتها إسرائيل باستخدام التكنولوجيا المتطورة، فقد تم اغتيال محمود الهمشري 26 أغسطس 1972، يحيى عياش يوم 5 يناير 1996، سميح الملاعبي يوم 17 ديسمبر 2000، عز الدين الشيخ خليل اغتيل في أكتوبر 2004، ومحسن فخري زاده يوم 27 نوفمبر 2020 وكل هذه الاغتيالات تمت باستخدام التكنولوجيا المتطورة، ولكن الفرق هذه المرة هو حجم العملية التي استهدفت مئات العناصر في عملية واحدة.
وقد سلطت هذه الهجمات الضوء على وحدة الحرب الإلكترونية السرية الإسرائيلية 8200، المعروفة في إسرائيل باسم “شموني ماتاييم”، والتي تُعد جزءً من مديرية الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية، وهي أكبر وحدة عسكرية منفردة في قوات الدفاع الإسرائيلية. وتعود جذورها إلى وحدات فك الشفرات والاستخبارات المبكرة التي تشكلت مع قيام دولة إسرائيل في عام 1948. وتقع مهامها في تنفيذ الهجمات التكنولوجية مثل هجوم فيروس “ستوكسنت” بين عامي 2005 و2010 الذي عطل أجهزة الطرد المركزي النووية الإيرانية، والهجوم الإلكتروني الذي استهدف شركة الاتصالات الحكومية اللبنانية “أوجيرو” عام 2017.
وقد سعت إسرائيل، عبر تلك العملية المركبة وغير المسبوقة، إلى تحقيق جملة من الأهداف التي تتمثل فيما يلي:
1. تغيير قواعد الاشتباك التقليدية
غيرت إسرائيل من قواعد الاشتباك التي كانت قائمة منذ حرب 2006 بعدما كان حزب الله يعتمد على معادلة ردع متبادل مع إسرائيل وبما يضمن تحقيق توازن في ردود الفعل، لكن هذه الضربة السيبرانية والتكنولوجية تجاوزت قواعد الاشتباك التقليدية؛ إذ أظهرت أن إسرائيل يمكن أن توجه ضربات نوعية وتكنولوجية دون الحاجة إلى خوض معارك تقليدية مباشرة.
2. الضغط على حزب الله لقبول الشروط الإسرائيلية
سعت إسرائيل إلى إكراه الحزب على القبول بشروط إسرائيل لوقف إطلاق النار والسماح بعودة النازحين وترسيم الحدود اللبنانية الإسرائيلية البرية وحسم قضية مزارع شبعا وانسحاب مقاتلي حزب الله من المناطق الحدودية ونشر قوات الجيش اللبناني بدلًا من عناصر حزب الله، كما هدفت إسرائيل من خلال هذه العملية بإرسال رسالة واضحة للحزب بأن قدراته ومواقعه العسكرية ليست في مأمن.
3. طرد قوات حزب الله إلى شمال نهر الليطاني
استهدفت هذه العملية ممارسة الضغوط على حزب الله لإبعاد عناصره من جنوب نهر الليطاني، وهي منطقة تعتبر استراتيجية لأمن إسرائيل. والتي يسيطر عليها الحزب منذ عقود، ويستخدمها كقاعدة للحفاظ على موقع عسكري متقدم لتهديد إسرائيل، خاصة من خلال شبكة الأنفاق ومنصات إطلاق الصواريخ المخفية، وبالتالي فإن السيطرة عليها يمنح إسرائيل عمقًا أمنيًا إضافيًا في جنوب لبنان.
4. تحقيق تفوق استخباراتي وتقني
هدفت إسرائيل إلى ترسيخ تفوقها في المجال السيبراني والتكنولوجي عبر هذه العملية، كما أظهرت قدرتها على تنفيذ هجمات سيبرانية معقدة ودقيقة قد تزعزع استقرار حزب الله من الداخل، كما توفر العمليات السيبرانية ميزة استراتيجية تمكنها من تحقيق أهداف عسكرية دون الدخول في مواجهة مباشرة على الأرض.
5. استباق الهجمات المحتملة
هدفت هذه الضربات الاستباقية إلى منع حزب الله من تنفيذ أي هجوم ضد إسرائيل، قد تكون إسرائيل حصلت على معلومات استخباراتية تشير إلى نية الحزب التحرك عسكريًا أو تصعيد التوترات، وبالتالي كانت هذه العملية طريقة لتعطيل خططه وتقليل قدرته على التحرك كما فعلت ذلك نهاية شهر أغسطس 2024 في عملية استباقية لإجهاض هجمة صاروخية من الحزب على شمال إسرائيل.
6. إرسال رسائل ردع إلى طهران والفصائل الموالية لها في المنطقة
حاولت إسرائيل من خلال تفجيرات أجهزة النداء البيجر، إرسال رسالة ردع إلى خصومها في المنطقة، لا سيما ما يُعرف بـ”محور المقاومة” الذي يضم إيران والعديد من الفصائل الموالية لها في لبنان والعراق وسوريا واليمن، مفادها أن تكلفة الذهاب إلى حرب شاملة قد تكون مكلفة، ليس فقط على الجانب العسكري، وإنما أيضًا في القطاعات المدنية، وأنها لن تتردد في توظيف التفوق التكنولوجي والاستخباراتي في إحداث أكبر ضرر ممكن بخصومها، دون أن يفرض ذلك عليها ضغوطًا دولية يمكن أن تُشكل رادعًا لها.
7. ضرب البنية التنظيمية ومنظومة القيادة والسيطرة للحزب
استهدفت إسرائيل من خلال هذه العملية المركبة إرباك وشل منظومة القيادة والسيطرة لدى الحزب، فمن خلال تفجير الآلاف من أجهزة الاتصالات في وقت واحد في العديد من المناطق اللبنانية، يمكن إفقاد كوادر وقيادات الحزب في المراكز العسكرية واللوجستية القدرة على التواصل والتنسيق، لا سيما مع استمرار عمليات اغتيال قيادات الصف الأول.
8. زرع حالة من الشك والريبة والفوضى في صفوف الحزب
حاولت إسرائيل عبر تلك العملية ضرب معنويات عناصر حزب الله، وزرع حالة من الشك والريبة في صفوفه؛ فالتفجيرات جاءت من داخل الأجهزة التي يعتمد عليها عناصر الحزب ويحملونها، وهو ما تسبب في فوضى غير مسبوقة نتيجةً للمفاجأة من جانب، والكم الهائل من الإصابات التي نجمت عنها من جانب آخر.
خامسًا: سياسة الاغتيالات الإسرائيلية
في أعقاب هجوم 7 أكتوبر، أطلق رئيس الوزراء الإسرائيل بنيامين نتنياهو ووزير الدفاع السابق يوآف غالانت بالإضافة إلى قادة الجيش والمؤسسة الأمنية تهديداتهم العلنية ضد قادة حركة حماس وكوادرها متوعدين بالوصول إليهم واغتيالهم في كل مكان داخل فلسطين وخارجها، وقد شكلوا لهذه المهمة وحدة استخبارية تنفيذية خاصة في جهاز الأمن العام “الشاباك” حملت اسم “نيلي”، وقد دخلت هذه التهديدات حيز التنفيذ منذ اليوم الأول للحرب، وطالت مجموعة كبيرة من القيادات السياسية والعسكرية لحركتي حماس والجهاد الإسلامي في قطاع غزة، وامتدت إلى خارجه باغتيال عضو المكتب السياسي لحركة حماس صالح العاروري في بيروت مطلع 2024، ومن ثم اغتيال رئيس المكتب السياسي للحركة إسماعيل هنية في طهران في يوليو 2024، وكذلك العديد من الاغتيالات في لبنان وسوريا كان أبرزها اغتيال القيادي الكبير في منظمة حزب الله فؤاد شكر في أغسطس 2024، واغتيال نصر الله ويحيى السنوار، إضافة إلى قيادات في حزب الله وفيلق القدس.
وقد استخدم الجيش والمؤسسة الأمنية مصطلح “سيكول ميموكاد”(بالعبرية)، أي “إحباط موضعي” وهذا المصطلح شق طريقه في الأدبيات العسكرية والأمنية، وفي الخطابين السياسي والإعلامي داخل إسرائيل في الانتفاضة الثانية للدلالة على “تدبير وقائي” يتم تفعيله بهدف إحباط التهديد ومنعه.
فمنذ هجوم طوفان الأقصى في 7 أكتوبر، بدا وأن هناك سمات جديدة في تعزيز الاعتماد على سياسة الاغتيالات بذريعة “الإحباط الموضعي والأهداف المرجوة والمتمثلة في انتقال خطاب إسرائيل بكافة مستوياته من التعامل مع هذه السياسة بوصفها تدبيرًا وقائيًا لإحباط التهديدات المحتملة، والتحول من مناقشتها من حيث الجدوى العسكرية والأخلاقية والقانونية، إلى تفعيلها بوصفها إجراء انتقامي ضمن حرب الإبادة الجماعية المُغلفة بادعاءات الحرب الوجودية، أو حرب الاستقلال الثانية أو حرب الخير والحضارة ضد الشر والبربرية بهدف إشباع الرغبة في الانتقام التي غلبت على المجتمع الإسرائيلي وقيادته بشكلٍ شامل بعد 7 أكتوبر، ويأتي ذلك في إطار السعي لـ “إغلاق الحساب” كما هو دارج في الثقافة الأمنية والعسكرية الإسرائيلية.
في الختام: وضعت إسرائيل نصب أعينها في حربها على غزة مسألة إعادة الاعتبار لمكانتها وردعها في المنطقة، وليس أدل على ذلك من مقولة “إن كانت إسرائيل تريد العيش في المنطقة، فعليها فعليًا إلقاء جثمان حركة حماس أمام الشرق الأوسط” بعدما فشلت أمنيًا واستخباراتيًا في التنبؤ بطوفان الأقصى.
إن الرغبة المدفوعة بالانتقام، تسعى من بين أمور أخرى، إلى إبادة الأجيال الحالية لحماس والجهاد في غزة وإحداث تحول في هوية وتفكير هذه الحركات على المدى البعيد، وهو ما يُمكن قراءته في التصريحات الإسرائيلية التي تؤكد على ضرورة إحداث تغيير أيديولوجي في أوساط السكان، والحيلولة دون استنساخ ما حدث في غزة أو تكراره مرة أخرى سواءً هناك أو من الخارج.

