عزالدين أبوالمجد
باحث في العلوم السياسية

أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عن فرض تعريفات جمركية ضد العديد من الدول، وهذا القرار لا يعتمد فقط على منطق اقتصادي من النظريات الاقتصادية التي أسست لوجود نظام التجارة العالمي، بل عكس الرؤية العدائية التي تجسدها الإدارة الأمريكية الحالية. فمنذ عودته إلى الرئاسة، أطلق ترامب موجة جديدة من التعريفات الجمركية لم يسبق لها مثيل في نطاقها، مشكلًا تحولًا جذريًا في سياسة التجارة الأمريكية التي كانت تركز على حلفاء تقليديين وأعداء استراتيجيين في آنٍ واحد. ويهدف التصعيد إلى إعادة تشكيل النظام التجاري العالمي وفقًا لمفهومه الخاص للسيادة والمصلحة الوطنية، في خطوة نحو تعزيز السلطة الرئاسية والترويج لعقيدة اقتصادية تقوم على الهيمنة بدلًا من التعاون الدولي.
تُظهر هذه السياسات تصاعدًا في التوجهات السلطوية؛ حيث يتم استخدام التعريفات كأدوات للسلطة السياسية أكثر من كونها وسائل لحل المشاكل الاقتصادية. تُعزز هذه الرؤية من خلال رفض ترامب التعددية التجارية العالمية، والتأكيد على أهمية السيادة الوطنية.
وهذا الاتجاه يتجاوز مجرد حماية الصناعة المحلية، بل يسعى إلى تغيير هيكل الاقتصاد العالمي بما يخدم مصالح الولايات المتحدة على حساب الدول الأخرى، في خطوة قد تضعف التعاون الدولي وتؤدي إلى حالة من الانعزال الاقتصادي. فمنذ 20 يناير 2025، حين أدى دونالد ترامب اليمين الدستورية ليصبح الرئيس السابع والأربعين للولايات المتحدة، أشارت عودته إلى البيت الأبيض إلى تحول ملحوظ في العلاقات بين الولايات المتحدة والصين. وبالاعتماد على الموقف العدائي الذي اتبعه خلال ولايته الأولى، من المتوقع أن يتبع ترامب نهجًا أكثر تقلبًا وتوجهًا نحو المعاملات مع الصين. عواقب سياساته الاقتصادية والأمنية والدبلوماسية لن تؤثر فقط في إعادة تشكيل العلاقات بين البلدين، بل ستساهم أيضًا في تغيير المشهد الجيوسياسي العالمي بشكل أوسع.
فقد رفع ترامب إجمالي معدل التعريفات الجمركية على معظم السلع الصينية إلى 145%. وبذلك، ارتفعت الرسوم المفروضة على الواردات من الصين بشكل كبير؛ حيث كانت النسبة السابقة 34%، لكن مع التحديث الجديد أصبحت 145%. هذا التغيير يعكس تصعيدًا كبيرًا في السياسة التجارية الأمريكية تجاه الصين، ويعكس الاستراتيجية المتشددة التي اتبعها ترامب في محاولة لتقليص العجز التجاري مع الصين وتعزيز مصالح الاقتصاد الأمريكي.
أولًا: الحرب التجارية بين الولايات المتحدة والصين
نشأت الحرب التجارية بعد سلسلة من الأحداث التي بدأت منذ عام 2017؛ حيث وجه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في حملته الانتخابية انتقادات حادة إلى ممارسات التجارة الصينية، وقبل ترشحه للرئاسة، غرد ترامب قائلًا: “الصين ليست حليفًا ولا صديقًا – يريدون هزيمتنا وامتلاك بلادنا”. وكانت هذه التصريحات بداية السعي لتحفيز النقاش حول ممارسات الصين التجارية. وفي مايو 2016، أثناء حملته الرئاسية، وصف ترامب ما تقوم به الصين بـ”أكبر سرقة في تاريخ العالم”، مشيرًا إلى أن الصين تستغل الولايات المتحدة من خلال ممارسات تجارية غير عادلة.
وفي أبريل 2017، بدأ الرئيس ترامب في اتخاذ خطوات ملموسة لحل قضايا التجارة مع الصين؛ حيث أجرت الصين زيارة رسمية إلى منتجع ترامب في مار-أ-لاجو في فلوريدا. وتم الاتفاق على خطة عمل مدتها 100 يوم، لكن ذلك لم يُفضِ إلى حلول جذرية. وفي نفس العام، بدأت هيئة التجارة الأمريكية في التحقيق في تأثير واردات الفولاذ والألمنيوم على الأمن القومي، مما أدى إلى فرض تعريفات على هذه المنتجات.
وبحلول مارس 2018، فرضت الولايات المتحدة تعريفة بنسبة 25٪ على واردات الفولاذ و10٪ على واردات الألمنيوم من معظم الدول، باستثناء بعض الدول مثل الأرجنتين وأستراليا. وردًا على ذلك، فرضت الصين تعريفات بنسبة 25٪ على 128 منتجًا أمريكيًا، وهو ما أدى إلى تصاعد التوترات بين البلدين. وهو ما أعقبه فرض تعريفات جمركية إضافية على منتجات أخرى في وقت لاحق. وخلال أبريل 2018، تم الإعلان عن لائحة جديدة من المنتجات الخاضعة لتعريفات جمركية أمريكية بنسبة 25٪، والتي شملت منتجات بقيمة 50 مليار دولار أمريكي. وفي مواجهة ذلك، اقترحت الصين تطبيق تعريفات مشابهة على منتجات أمريكية أخرى بقيمة 50 مليار دولار. وفي يونيو 2018، تم تعديل القائمة الصينية لتشمل 545 منتجًا، لتصل التعريفات إلى 34 مليار دولار أمريكي. في حين اقترحت الصين جولة ثانية من التعريفات على 114 منتجًا أمريكيًا إضافيًا، وه ما يشير إلى تسارع وتيرة الحرب التجارية.
وعلى الرغم من ذلك، تم الإعلان في مايو 2018 عن هدنة مؤقتة بين الولايات المتحدة والصين حيث اتفقتا على تعليق التصعيد في الحرب التجارية، بعد أن وافقت الصين على شراء المزيد من السلع الأمريكية. لكن سرعان ما عادت الولايات المتحدة إلى فرض التعريفات، وهو ما جعل الحرب التجارية تعود للواجهة بشكل أكبر.
وعلى الرغم من محاولات التفاوض بين البلدين، إلا أن كل جولة من المحادثات التجارية كانت تنتهي دون حل جذري، وكان يُظهر كل طرف تمسكًا بمواقف متشددة. وفي يونيو 2018، أكدت الصين أنها لم تبدأ أي مفاوضات رسمية مع الولايات المتحدة فيما يتعلق بالتعريفات، وهو ما أدى إلى مزيد من التصعيد في الأزمة.
وانتهت فترة دونالد ترامب الرئاسية الأولى والصين بتطبيق إجمالي للرسوم الجمركية على السلع الصينية من قبل الولايات المتحدة بلغ 550 مليار دولار أمريكي، بينما فرضت الصين رسومًا جمركية على السلع الأمريكية بقيمة 185 مليار دولار أمريكي.
وخلال فترة رئاسة الرئيس الأمريكي جو بايدن 2021 – 2025، اتبع نهجًا مختلفًا في التعامل مع الصين مقارنة بسلفه، دونالد ترامب. بينما واصل بايدن تنفيذ بعض السياسات الاقتصادية التي بدأها ترامب، مثل فرض الرسوم الجمركية على الواردات الصينية، إلا أن استراتيجياته كانت أكثر تنسيقًا مع الحلفاء الدوليين وتشمل مزيجًا من الحوافز المحلية والرسوم الجمركية المنسقة على السلع الصينية.
بدأت إدارة بايدن في تطبيق قيود أكبر على التجارة مع الصين، وهو ما شمل تقليص مبيعات التكنولوجيا الأمريكية إلى بكين. كما قام بايدن بتوجيه إعانات اتحادية لمصنعي الولايات المتحدة الذين يحاولون التنافس مع الإنتاج الصيني. إلا أن الميزة البارزة في سياسة بايدن تكمن في التركيز على تعزيز التعاون مع الحلفاء الدوليين لمواجهة التحديات الاقتصادية التي تفرضها الصين، بدلًا من اتباع النهج الانفرادي الذي كان يتبعه ترامب. ويعتبر هذا تحولًا جوهريًا في الاستراتيجية؛ حيث سعى بايدن إلى بناء تحالفات للتصدي للصين عبر مزيج من الحوافز المحلية والتنسيق المشترك بين الدول الكبرى.
وعلى الرغم من أن بايدن كان يدرس إمكانية التراجع عن بعض الرسوم الجمركية التي فرضها ترامب على الواردات الصينية، وذلك لتخفيف تأثير الارتفاع السريع في الأسعار. لكن، وفي خطوة مفاجئة، قرر بايدن في النهاية عدم التراجع عن هذه الرسوم. بل أعلن عن زيادة الرسوم الجمركية على واردات صينية بقيمة 18 مليار دولار، وتشمل السلع مثل الخلايا الشمسية، ورافعات الموانئ، وبعض التقنيات الطبية. كما فرضت إدارته قيودًا جديدة على صادرات أشباه الموصلات الأمريكية إلى الصين، وهي خطوة تشير إلى تصعيد التوترات الاقتصادية بين البلدين.
إضافة إلى ذلك، اعتمد بايدن على تعزيز سياسة الحوافز المحلية لدعم الصناعات الأمريكية، وهو ما يعكس اهتمامه بتعزيز القدرة الصناعية في مجالات مثل الطاقة النظيفة. فقد وقع عدة قوانين تهدف إلى تعزيز إنتاج واستهلاك السيارات الكهربائية في الولايات المتحدة، بما في ذلك قانون البنية التحتية الذي يتضمن تمويلًا لإنشاء 500,000 محطة شحن، وقانون المناخ الذي يوفر حوافز مالية لصناعة السيارات الكهربائية. هذه السياسات تمثل جزءًا من استراتيجية صناعية طموحة تهدف إلى بناء قدرة إنتاجية أمريكية قوية في مجالات الطاقة النظيفة والتكنولوجيا المتقدمة.
من جهة أخرى، يرى بايدن أن تدفق السيارات الكهربائية والسلع الأخرى من الصين بأسعار منخفضة قد يعوق تلك الجهود، لذا فقد قرر فرض زيادة كبيرة على الرسوم الجمركية على السيارات الكهربائية المستوردة من الصين، حيث سيتم مضاعفة الرسوم لتصل إلى 100%. وعلى عكس ترامب، الذي أثار غضب الحلفاء من خلال فرض رسوم على واردات الصلب والألومنيوم من دول مثل اليابان والاتحاد الأوروبي، فقد سعى بايدن إلى تشكيل تحالف دولي لمواجهة الصين، خصوصًا في مجال الطاقة النظيفة. فقد قاد فريقه في قمة مجموعة السبع لمناقشة استراتيجية منسقة من الحوافز الحكومية لمنافسة التمويل الحكومي الصيني في التقنيات الحديثة. وتأمل إدارة بايدن أن يمتد التعاون إلى الرسوم الجمركية أيضًا، بدءً من أوروبا التي بدأت هي الأخرى تحقيقات في ممارسات التجارة الصينية، وقد ترفع معدل الرسوم على السيارات الكهربائية الصينية المستوردة.
وبرغم أن سياسة بايدن تجاه الصين تأثرت بشكل واضح بما فعله ترامب، إلا أن أسلوبه يتسم بالتركيز على التعاون الدولي مع حلفاء الولايات المتحدة في مواجهة الصين. وبتطبيقه لمجموعة من الرسوم الجمركية المستهدفة والحوافز المحلية، يسعى بايدن إلى حماية الاقتصاد الأمريكي، وزيادة القدرة الصناعية في مجالات التكنولوجيا المتقدمة والطاقة النظيفة.
ثانيًا: عودة ترامب إلى البيت الأبيض: استكمال مسار مواجهة الصين
خلال الولاية الثانية التاريخية للرئيس ترامب، أصبحت أمريكا وفق تصوره والإدارة الجديدة أكثر أمانًا مما كانت عليه خلال رئاسة جو بايدن السابقة، فبجانب ما أثارته عودة الرئيس دونالد ترامب إلى البيت الأبيض من جدلًا، ولكنها أثارت زخمًا أيضًا، وقد كانت أيامه المئة الأولى حافلة بالتغييرات وكشفت بعمق عن نواحي عديدة فيما يتعلق بكيفية بإعادة تشكيل السلطة في العصر الحديث.
فقد ورث الرئيس دونالد ترامب وفريقه العديد من التحديات الكبرى، مثل الحدود الجنوبية المفتوحة، والتصاعد العالمي في التهديدات الإرهابية، ووجود رهائن أمريكيين في الأسر بالخارج، وحروب مستعرة في أوكرانيا وغزة. ومن وجهة نظر ترامب، كان من الممكن تفادي هذه الأزمات لو استمر في منصبه. كما استمرت الصين في استغلال مصالح الولايات المتحدة، مما دفع واشنطن إلى وضع مصالحها الأمنية في المقام الأول، والعمل على تحقيق ما طالب به الناخبون من ترامب.
في هذا السياق، أدرك ترامب أهمية حماية الحدود لتأمين الأمن القومي، خاصة بعد أن سمحت إدارة الرئيس جو بايدن بتدفق الملايين من المهاجرين غير الشرعيين عبر سياسة الحدود المفتوحة. ومع توليه منصبه، استعادت إدارة ترامب زمام الأمور سريعًا، حيث تمكن من إقناع المكسيك بإرسال 10 آلاف جندي من قوات الحرس الوطني إلى الحدود الجنوبية، كما أرسل جندي كندي آخرين إلى الحدود الشمالية للحد من تدفق المهاجرين. وقد أثمرت هذه السياسة، حيث سجل مارس الماضي أدنى معدل عبور للحدود الجنوبية الغربية في التاريخ، بانخفاض قدره 96% مقارنة بفترة إدارة بايدن.
بعيدًا عن الحدود، كان الرئيس ترامب نشطًا في مكافحة الإرهاب؛ حيث تم القضاء على أكثر من 78 من أبرز الإرهابيين الجهاديين في العراق وسوريا والصومال، بما في ذلك الرجل الثاني في تنظيم داعش، أبو خديجة. كما قدمت واشنطن معلومات استخباراتية أسهمت في اعتقال إرهابي من داعش-خرسان المسئول عن تفجير آبي جيت في أفغانستان الذي أسفر عن مقتل 13 جنديًا أمريكيًا. وفي اليمن، شن ترامب ضربات ضد الحوثيين المدعومين من إيران الذين كانوا يهاجمون السفن الأمريكية والدولية في البحر الأحمر. كما استهدفت هذه العمليات تقليص إيرادات إيران من النفط، الذي يُستخدم لتمويل أنشطتها العسكرية في المنطقة، بما في ذلك دعم الحوثيين وحزب الله. وقد عمل ترامب بشكل مكثف لضمان عدم امتلاك إيران سلاحًا نوويًا، مع التأكيد على أن جميع الخيارات مطروحة لتحقيق هذا الهدف. أما في أوكرانيا، فقد تميزت قيادة ترامب بالدبلوماسية، حيث عمل على جمع روسيا وأوكرانيا على طاولة المفاوضات في إطار جهود لإنهاء الحرب. وبعد سنوات من فشل إدارة بايدن، بدا ترامب الوحيد القادر على تحقيق التقدم في هذا المجال.
ثالثًا: من الرسوم الجمركية إلى إعادة تشكيل العلاقات التجارية
عمل ترامب وفق تصوره على مواجهة التهديدات التي تمثلها الصين، سواء من خلال سرقة الملكية الفكرية أو الحرب الاقتصادية ضد الولايات المتحدة. ومن أجل مواجهة ذلك، زاد من التعريفات الجمركية على البضائع الصينية. كما نجح في منع الصين من السيطرة على قناة بنما عبر الضغط الدبلوماسي، وهو ما أدى إلى انسحابها من مبادرة الحزام والطريق الصينية. كما وضعت سياسة “أمريكا أولًا” استثمارات الشركات الأمريكية في قطاع الصناعة العسكرية الصينية تحت المراقبة، وضمنت عدم السماح لهذه الشركات بالاستثمار في هذا القطاع.
افتتح الرئيس دونالد ترامب ولايته الثانية بتوجيه شامل للسياسة التجارية؛ حيث أعطى الأولوية لمراجعة منهجية للعلاقات التجارية للولايات المتحدة، مع تركيز خاص على الصين. ورغم عدم الإعلان عن فرض رسوم جمركية فورية، أبدت الإدارة نيتها في تقييم مدى التزام الصين باتفاقية التجارة لعام 2020 ومعالجة الاختلالات التجارية التي تسببت في تباين المصالح بين الجانبين. وقد برزت مجموعة من التطورات من أهمها:
أ. إعلان مذكرة تجارية: بعد فترة قصيرة من تنصيب ترامب، أصدرت الإدارة مذكرة توجيهية تهدف إلى تدقيق لوكالات الفيدرالية في العجز التجاري والممارسات غير العادلة من الشركاء التجاريين الرئيسيين، مع تركيز خاص على الصين.
ب. مراجعة اتفاقية التجارة لعام 2020: في إطار توجيهاته، أمر ترامب بتقييم مدى التزام الصين باتفاقية التجارة لعام 2020، التي ألزمت بكين بزيادة مشترياتها من السلع الأمريكية بقيمة 200 مليار دولار سنويًا، وهو التزام لم يُنفذ بشكل كامل بسبب تداعيات جائحة كوفيد-19.
ج. تجنب فرض التعريفات الجمركية الفورية: على الرغم من الوعود السابقة خلال الحملة الانتخابية بفرض رسوم جمركية مرتفعة على الواردات الصينية، اتخذت الإدارة نهجًا استراتيجيًا أكثر توازنًا. واعتقد بعض المحللين أن هذا النهج قد أسهم في تهدئة الأسواق المالية على المدى القصير.
فقد رأى خبراء التجارة أن ترامب كان ملتزمًا بتطبيق تعريفات جمركية عالمية كجزء من استراتيجيته الاقتصادية، وكان من المتوقع أن تلجأ الإدارة إلى قوانين مثل المادة 232 أو المادة 301 لاتخاذ إجراءات تجارية مستقبلية. أشار هذا النهج المتوازن إلى إمكانية وجود مفاوضات، رغم أن الأهداف الأوسع للإدارة – مثل الضغط على الصين للامتثال لتعهّداتها التجارية – قد يؤدي إلى تصاعد التوترات. فعكست بداية ولاية ترامب الثانية تركيزًا مستمرًا على إعادة تشكيل العلاقات التجارية مع الصين، وهو ما أظهر التحديات المستمرة في بناء هذه العلاقات الثنائية في المستقبل.
رابعًا: تجدد الصراع الاقتصادي عبر الرسوم الجمركية: الانعكاسات على الشركاء والمنافسين العالميين
في 22 يناير 2025، هدد الرئيس ترامب بفرض رسوم جمركية بنسبة 10% على الواردات الصينية اعتبارًا من 1 فبراير، وقد أكدت الصين رفضها القاطع للحروب التجارية، مشددة على أن هذه النزاعات لا تؤدي إلى فوز أي طرف. وفي 1 فبراير 2025، وقع ترامب أمرًا تنفيذيًا بفرض الرسوم الجمركية بنسبة 10% على الواردات الصينية و25% على واردات كندا والمكسيك، مع تعليق الإعفاء من الرسوم على الطرود الصغيرة. وكان رد فعل الصين سريعًا، حيث أعلنت عن تدابير مضادة وطالبت باللجوء إلى منظمة التجارة العالمية لحل النزاع. وفي 4 فبراير 2024، أقدمت الصين على بدء تحقيق ضد جوجل بشأن مكافحة الاحتكار، وفي نفس الوقت أدرجت شركتين أمريكيتين على قائمة الكيانات غير الموثوقة. كما فرضت الصين رسومًا انتقامية على واردات أمريكية، شملت 15% على الفحم والغاز الطبيعي، و10% على النفط والمعدات الزراعية. ومع تصاعد التصعيد التجاري، وفي 9 فبراير 2025، أعلن ترامب عن خطط لفرض رسوم جمركية إضافية بنسبة 25% على واردات الصلب والألمنيوم من جميع الشركاء التجاريين، لتبدأ هذه الرسوم في 10 فبراير على جميع البلدان دون استثناء. وفي 13 فبراير 2025، وقع ترامب مذكرة تطلب فرض تعريفات جمركية متبادلة على جميع شركاء التجارة في إطار خطة “العدالة والمعاملة بالمثل”، متضمنة زيادة الرسوم على واردات السيارات من الاتحاد الأوروبي. ولم يتوقف التصعيد عند هذا الحد، ففي 27 فبراير 2025، أعلن ترامب عن فرض رسوم بنسبة 10% على الواردات الصينية. وفي 3 مارس 2025، رفعت إدارة ترامب الرسوم الجمركية على الواردات الصينية من 10% إلى 20% عبر أمر تنفيذي، مشيرة إلى أن هذا الإجراء كان ضروريًا نظرًا لعدم اتخاذ الصين خطوات كافية لمعالجة أزمة المخدرات غير المشروعة. وقد دخل هذا المعدل حيز التنفيذ في 4 مارس، بالتوازي مع تطبيق الرسوم الجمركية بنسبة 25% على السلع القادمة من كندا والمكسيك. في اليوم ذاته، ردت الصين بفرض رسوم جمركية على السلع الزراعية الأمريكية، شملت 15% على الدجاج والقمح والذرة والقطن، و10% على فول الصويا ولحم الخنزير واللحوم الحمراء. كما رفعت الصين دعوى ضد الولايات المتحدة في منظمة التجارة العالمية. وفي 20 مارس 2025، فرضت وزارة الخارجية الأمريكية ووزارة الخزانة عقوبات على محطة تخزين النفط Huaying Huizhou Daya Bay بتهمة شراء وتكرير النفط الإيراني من ناقلات خاضعة للعقوبات. وفي هذا السياق، انتقدت وزارة الخارجية الصينية هذه العقوبات، مؤكدة أنها ستدافع عن حقوق شركاتها. وفي 2 أبريل 2025، أعلن ترامب عن إصلاح شامل في سياسة التجارة الأمريكية يتضمن فرض رسوم جمركية بنسبة 10% على جميع الواردات، إضافة إلى 34% إضافية على الواردات الصينية، مما جعل إجمالي الرسوم يصل إلى 54%. كما فرضت رسوم جديدة على دول مثل فيتنام والاتحاد الأوروبي، لتبدأ الرسوم العامة في 5 أبريل، بينما دخلت الرسوم الخاصة بالدول المستهدفة حيز التنفيذ في 9 أبريل. إلا أنه في 4 أبريل 2025، ردت الصين بفرض رسوم إضافية بنسبة 34% على السلع الأمريكية اعتبارًا من 10 أبريل، ليصل إجمالي الرسوم على السلع الأمريكية إلى 54%. كما فرضت الصين قيودًا على صادرات سبع أنواع من المعادن الأراضية النادرة وأدرجت 16 شركة أمريكية على “قائمة القيود على الصادرات”. خاصة أنه في 8 أبريل 2025، هدد ترامب بفرض رسوم إضافية بنسبة 50% على السلع الصينية إذا لم تسحب الصين الرسوم الجمركية بنسبة 34%. وقد ردت الصين على هذا التهديد مؤكدة أنها ستتخذ إجراءات مضادة. وفي 9 أبريل 2025، رفعت الولايات المتحدة الرسوم الجمركية على السلع الصينية إلى 104% بسبب عدم سحب الصين الرسوم، كما تم رفع الرسوم على الشحنات الصغيرة المرسلة من الصين وهونغ كونغ إلى 90% أو رسوم ثابتة. وفي نفس اليوم، ردت الصين بزيادة الرسوم على السلع الأمريكية من 34% إلى 84%. كما أعلن ترامب عن رفع الرسوم على الصين إلى 125% مع تعليق مؤقت للرسوم التبادلية المفروضة على الدول الأخرى. في 10 أبريل 2025، أوضح البيت الأبيض أن الرسوم الجمركية على الصين ستصل إلى 145%، وستُفرض أيضًا على الواردات الأخرى بما في ذلك الرسوم التي تم فرضها سابقًا. وفي 11 أبريل 2025، أعلنت الصين عن رفع الرسوم على الواردات الأمريكية إلى 125%، مشيرة إلى أن هذا الإجراء يعد انتهاكًا لقواعد التجارة الدولية. وأكدت الصين أنها لن ترد على أي زيادات مستقبلية في الرسوم من الجانب الأمريكي. في نفس اليوم، كررت وزارة الخارجية الصينية موقفها بأنها ستقاتل حتى النهاية إذا استمرت الولايات المتحدة في التصعيد، داعية إلى حل المسألة من خلال الحوار المتكافئ.
خامسًا: الاستعدادات للتفاوض والتحذيرات الأخيرة
بين 22 و24 أبريل 2025، أعلنت إدارة ترامب عن إمكانية تخفيض الرسوم الجمركية على الصين في المستقبل القريب، شريطة التوصل إلى مفاوضات محتملة. وفي هذا السياق، صرح ترامب بأن الرسوم الحالية البالغة 145% على السلع الصينية قد تنخفض بشكل كبير، لكنها لن تُلغى تمامًا، مؤكدًا أن هذه الخطوة مرتبطة بما ستسفر عنه المفاوضات القادمة. وجاء ذلك عقب تصريحات وزير الخزانة الأمريكي سكوت بيسينت، الذي أشار إلى أن الوضع الحالي غير مستدام، وأنه من المتوقع أن يتراجع التصعيد قريبًا. كما أعلن ترامب عن نية الكشف عن معدلات الرسوم الجمركية الجديدة على شركاء التجارة في القريب العاجل، معتبرًا أن هذه المعدلات ستعتمد بشكل كبير على نتائج المفاوضات مع الدول المعنية. ورغم ذلك، نفى كل من الصين وفريق ترامب صحة المعلومات المتداولة حول بدء مفاوضات تجارية رسمية مع الصين، حيث أكد المتحدث باسم وزارة الخارجية الصينية أنه لا تجري مشاورات رسمية بشأن الرسوم بين الجانبين. وفي ظل هذه التصريحات، أوضحت الصين استعدادها للحوار، لكنها حذرت من أن استمرار الضغط لن يؤدي إلى اتفاق. من جانب آخر، نقلت صحيفة فاينانشيال تايمز عن مصادر مطلعة أن ترامب يفكر في إعفاء أجزاء السيارات من الرسوم الجمركية، رغم استمرار فرض رسوم بنسبة 25% على جميع واردات السيارات.
سادسًا: تأثيرات الحرب التجارية على النظام الاقتصادي العالمي
نفذ ترامب أجندته الحمائية التي استهدفت جميع الدول سواء الحلفاء والخصوم، مع تركيز خاص على الصين التي تحملت العبء الأكبر من الانتقادات السياسية نتيجة العجز التجاري والاقتصادي في الولايات المتحدة. وكانت الصين، التي تعتمد على قطاع تصنيع ضخم وسلاسل توريد متكاملة، من أكثر المتضررين جراء القيود التجارية التي فُرضت عليها في أسواق مثل الولايات المتحدة وكندا وأوروبا. وقد تأثرت بشكل خاص في قطاعات مثل التكنولوجيا والصناعات الخضراء، بما في ذلك السيارات الكهربائية والطاقة الشمسية.
وعلى الرغم من أن نمو الناتج المحلي الإجمالي للصين في الربع الأول من العام ووصل إلى مستوى أعلى من المتوقع بنسبة 5.4%، فإن تأثير الرسوم الجمركية بدأ يظهر بوضوح؛ حيث تراجعت الطلبات على المنتجات الصينية. بالإضافة إلى ذلك، تواجه الصين تحديات هيكلية كبيرة، تشمل فائض الطاقة الإنتاجية، شيخوخة السكان، البطالة بين الشباب، والفجوات الإقليمية، مما يثقل كاهل الاقتصاد. كما أن قطاع العقارات، الذي كان يعدّ من ركائز النمو الاقتصادي في البلاد، أصبح الآن مصدرًا رئيسيًا للضغوط المالية، مع تراكم الديون المحلية وأزمة معاشات تلوح في الأفق.
كما أن حرب التعريفات الجمركية التي شنها ترامب لم تقتصر على إلحاق الضرر بالعلاقات الثنائية فقط، بل هزّت أسس النظام التجاري العالمي. من خلال تهميش منظمة التجارة العالمية واعتماد مقاربة تجارية ثنائية، أضعفت الولايات المتحدة القواعد متعددة الأطراف وشجعت الاتجاهات الحمائية في جميع أنحاء العالم.
وقد أسفر هذا الاضطراب عن أحد العواقب غير المقصودة، وهو عودة ترتيب التنسيق الإقليمي. وفي آسيا، ظهرت الشراكة الاقتصادية الشاملة الإقليمية (RCEP) المدعومة من الصين والمتمركزة في كتلة الآسيان في جنوب شرق آسيا كبديل قوي للتعاون الاقتصادي. وفي الوقت نفسه، استمر اتفاق الشراكة عبر المحيط الهادئ الشامل والتقدمي (CPTPP) في التوسع، مع انضمام المملكة المتحدة في العام الماضي.
كما استكشفت الكتل الإقليمية في أمريكا اللاتينية أيضًا سبلًا جديدة للتكامل، آملين في تحصين أنفسهم ضد صدمات الحمائية المتزايدة. لكن الإقليمية ليست حلًا مثاليًا، إذ لا يمكنها أن تحاكي نطاق وكفاءة التجارة العالمية، ولا تستطيع استعادة التنبؤية التي يعتمد عليها المصدرون.
الخطر الأكبر هو أن العالم ينزلق إلى فخ “كيندلبرغر” – وهو وضع لا يتقدم فيه أي قوة لتقديم القيادة الضرورية للحفاظ على السلع العامة العالمية أو نظام تجاري مستقر. فالحسابات الاقتصادية التي قدمها تشارلز كيندلبرغر خلال الكساد الكبير قائمة على أنه لم يكن وجود النزاع هو السبب في انهيار الاقتصاد العالمي، بل كان غياب القيادة. فبدون تجديد التنسيق العالمي، قد يؤدي التجزؤ الاقتصادي الناتج عن حروب التعريفات الجمركية التي شنها ترامب إلى شيء أكثر خطورة من الركود كما ستؤدي إلى توترات جيوسياسية وعسكرية متصاعدة لا يمكن لأي منطقة احتواؤها.
المنطقة السياسية بالفعل مشحونة، على سبيل المثال، لطالما ربط الحزب الشيوعي الصيني شرعيته بوعد التوحيد مع تايوان، لكن تكلفة استخدام القوة تبقى باهظة للغاية. وقد زادت التوترات مع تعيين رئيس تايوان لاي تشينغ-تي للصين كـ “قوة معادية أجنبية”، مما أدى إلى تصعيد الموقف. أما رد بكين فكان محسوبًا، إذ أجرى تمارين عسكرية كانت بمثابة تحذير أكثر منها تمهيدًا للصراع. لكن الحرب التجارية المتصاعدة مع الولايات المتحدة قد تكون القشة التي تقصم ظهر بكين، مما يجعل تايوان ضحية في المواجهة النهائية بين الولايات المتحدة والصين.
كما ان الصين بمفردها، لا تستطيع ولا تميل إلى تحمل مسئولية القيادة العالمية. تركيزها الحالي ينصب على أولوياتها الداخلية مثل الحفاظ على النمو الاقتصادي وإدارة الاستقرار الاجتماعي، أكثر من التركيز على السياسة الخارجية. ومع ذلك، يمكن لبكين أن تلعب دورًا بناءً في تشكيل البيئة الدولية من خلال تعاونها مع أوروبا، الآسيان، والجنوب العالمي. وليس الهدف هنا استبدال الهيمنة الأمريكية، بل دعم نظام متعدد الأقطاب ومتعاون، قادر على الحفاظ على السلع العامة العالمية في عصر مليء بعدم اليقين. ورغم أن الصين قد تكون راغبة في التفاوض مع الولايات المتحدة لإنهاء حرب التعريفات الجمركية، إلا أن تقديم التنازلات الأحادية ليس خيارًا ممكنًا على الصعيدين السياسي والاقتصادي
من ناحية أخرى، فإن الجهود المنسقة من بقية دول العالم قد تساعد في نهاية المطاف إلى إعادة واشنطن التفكير في القيمة الاستراتيجية للتفاعل، وتعود ليس كالقائد الوحيد، بل كشريك لا غنى عنه.
في الختام، يمكن القول إن الحرب التجارية بين الولايات المتحدة والصين، التي اندلعت بفعل السياسات الاقتصادية التصعيدية للرئيس دونالد ترامب، قد شكلت منعطفًا حاسمًا في إعادة تشكيل النظام الجيو-اقتصادي العالمي. فقد أظهرت هذه الحرب كيف يمكن أن تؤدي السياسات الحمائية إلى تغيير الديناميكيات العالمية، لا سيما في ظل التوترات المتزايدة بين القوى الاقتصادية الكبرى. كما عكست السياسات الأمريكية تحت قيادة ترامب تحولًا كبيرًا في التوجهات الاقتصادية، حيث أصبحت التجارة ليست مجرد أداة للتبادل الاقتصادي، بل وسيلة لتحقيق الهيمنة السياسية وإعادة ترتيب موازين القوى العالمية خاصة أن تأثير هذه السياسات تجاوز حدود العلاقات الثنائية بين البلدين، ليطال العلاقات مع حلفاء الولايات المتحدة، مما خلق أجواء من عدم اليقين الاقتصادي، وأدى إلى تبعات سلبية على الأسواق العالمية.
من ناحية أخرى، يعكس التوجه الجديد للرئيس بايدن في التعامل مع هذه الحرب التجارية تحولًا نحو استراتيجيات أكثر تنسيقًا مع الحلفاء الدوليين. ورغم استمرار الضغوط على الصين، إلا أن نهج بايدن يسعى إلى إيجاد توازن بين حماية المصالح الأمريكية وتعزيز التعاون الدولي لمواجهة التحديات الجيو-اقتصادية.
وفي نهاية المطاف، تظل تداعيات الحرب التجارية بين أمريكا والصين مرشحة للاستمرار في التأثير على المشهد الجيو-اقتصادي العالمي لعقود قادمة. وبينما تحاول كل دولة تعزيز مصالحها الوطنية، فإن التحديات الاقتصادية المستمرة قد تفتح الباب لتغييرات جذرية في هيكل الاقتصاد العالمي، وهو ما يتطلب استراتيجيات أكثر ابتكارًا وتعاونًا لحل الأزمات التي تلوح في الأفق.

