آمال خليفة
باحثة متخصصة في الشأن الآسيوي
شكّل وصول ساناي تاكايتشي إلى رئاسة الوزراء تحولًا بارزًا في مسار السياسة اليابانية على المستويين الداخلي والخارجي، باعتبارها أول امرأة تتولى هذا المنصب، وهو ما تم النظر إليه باعتباره اختراقًا لبنية السلطة التقليدية ودلالة على توجه ومسار جديد في اليابان. ومنذ توليها السلطة، اتجهت تاكايتشي نحو نهج أكثر محافظة وصلابة، خصوصًا في مجالي الدفاع والاقتصاد، مع بروز توجه نحو زيادة حجم الإنفاق العسكري وتعزيز التعاون الاقتصادي على المستويين الإقليمي والدولي.
على الجانب الآخر، تواجه تاكايتشي تحديات معقدة داخليًا وخارجيًا تتعلق بتوازن القوى داخل الحزب والحكومة وسط أصوات معتدلة معارضة لنهجها المحافظ، وخارجيًا عليها التعامل مع توترات صعود الصين والأزمات الكورية، إلى جانب تحديات اقتصادية وجيوسياسية دولية تتعلق باستكمال تعزيز التعاون مع واشنطن ومواجهة ضغوط التجارة العالمية ومنها يحاول التحليل توضيح كيف ستشكل قيادة تاكايتشي مستقبل السياسة الخارجية اليابانية في ظل التحولات الإقليمية والدولية.
أولًا: نهج ساناي المحافظ واتجاهات السياسة الخارجية اليابانية
يتخذ نهج ساناي تاكايتشي اتجاهًا واضحًا نحو ترسيخ النزعة المحافظة داخل السياسة اليابانية فهي من أبرز الشخصيات اليمينية في الحزب الليبرالي الديمقراطي، وتتبنى مواقف حازمة في قضايا الأمن القومي والهجرة والهوية الوطنية ففي أول خطاب لها أمام البرلمان، أكدت تاكايتشي على أهمية بناء اقتصاد قوي مع تعزيز قدرة اليابان على الدفاع عن نفسها، مشيرة إلى أن النمو الاقتصادي يجب أن يتكامل مع تعزيز الأمن القومي، كما يعكس هذا الخطاب تحولًا جوهريًا في فلسفة القيادة اليابانية، من الاعتماد على التحالفات الخارجية إلى تعزيز القدرات الذاتية في مجالي الدفاع والتصنيع العسكري.
وضمن هذا السياق، تعد تاكايتشي من أبرز المنتمين لاتجاهات شينزو آبي، والتي تعمل على الاستمرار في تبني نهجه الاقتصادي المعروف بـ “أبينوميكس”، القائم على ثلاث ركائز رئيسية تتمثل في التوسع في التحفيز المالي، وتطبيق سياسات التسهيل النقدي، وتنفيذ إصلاحات هيكلية واسعة إلا أن نهج تاكايتشي يتميز بالتركيز على ما تصفه بالاستثمار الاستراتيجي في القطاعات الحيوية مثل التكنولوجيا الحيوية وأشباه الموصلات والذكاء الاصطناعي والبنية التحتية الدفاعية وتهدف هذه الاستراتيجية إلى دمج النمو الاقتصادي مع تعزيز الأمن الوطني، وهو ما يعكس رؤية شاملة واستراتيجية للتنمية.
على صعيد الإجراءات العملية، شرعت تاكايتشي في تنفيذ خطة رفع الإنفاق الدفاعي إلى 2% من الناتج المحلي الإجمالي بحلول مارس 2026 بدلًا من تطبيق هذا الإجراء في عام 2027، كما تبنت سياسات أكثر تشددًا تجاه ملفات مثل الهجرة وامتلاك الأجانب للعقارات داخل اليابان، وهو ما يعكس رؤيتها المحافظة لحماية الهوية الوطنية وضمان السيطرة على الموارد الاستراتيجية.
ثانيًا: واقع السياسة والاقتصاد والدفاع في اليابان
تواجه الساحة السياسية اليابانية انقسامات متزايدة، سواء داخل الحزب الحاكم أو في علاقته مع أحزاب المعارضة حول ملفات حيوية مثل الإصلاح الاقتصادي، ونظام التقاعد، وسياسات الهجرة. وفي ضوء هذه الملفات تسعى الحكومة الجديدة من خلال هذه الملفات إلى تنفيذ إصلاحات في نظام المعاشات وتحفيز الاقتصاد عبر تخفيضات ضريبية ودعم مباشر، بينما تعارض بعض القوى داخل الحزب هذه الإجراءات، معتبرة أنها قد تهدد استدامة المالية العامة.
وفيما يتعلق بملف الهجرة، فقد تحول إلى قضية جدلية؛ إذ يرى البعض أن استقدام العمال الأجانب ضرورة لتعويض النقص في اليد العاملة الناتج عن الشيخوخة السكانية، بينما ترى التيارات القومية أن الانفتاح على الهجرة يمثل خطرًا على الهوية الثقافية اليابانية. ومن ثم تجعل الانقسامات عملية صنع القرار أكثر تعقيدًا، وتبرز صعوبة تحقيق إجماع سياسي داخل الحكومة التي تحاول التوفيق بين أولويات الإصلاح ومتطلبات الاستقرار.
1. الأداء الاقتصادي
يشكل الأداء الاقتصادي أحد المحاور الأساسية في تقييم الجمهور للأحزاب السياسية في اليابان فقد شهدت البلاد حتى نوفمبر 2025 انكماشًا اقتصاديًا بنسبة 0.7% في الربع الأول من عام 2025، إلى جانب تضخم بلغ 3%، وهو ما ساهم في ارتفاع الأعباء على الأسر اليابانية، خاصة الطبقة المتوسطة وكبار السن من جانبها، دافعت الحكومة عن سياساتها الاقتصادية من خلال الإعلان عن حزمة مساعدات جديدة بقيمة 3.5 تريليون ين، إضافة إلى تخفيضات ضريبية للقطاع الصناعي وتوسيع برامج الدعم المباشر كما قدمت المعارضة برامج تركز على تخفيف الأعباء الضريبية، ووقف رفع أسعار الفائدة، وزيادة الإنفاق على الرعاية الاجتماعية ومع تجاوز الدين العام الياباني نسبة 250% من الناتج المحلي الإجمالي، أصبحت هذه السياسات محل نقاش واسع حول قدرتها على الاستمرار على المدى الطويل.
ويعرض الجدول الآتي الهيكل الاقتصادي لليابان خلال الفترة من 2020 حتى 2026، ويشمل مؤشرات اقتصادية رئيسية مثل الناتج المحلي الإجمالي الاسمي، ونمو الناتج المحلي الحقيقي، ومعدل التضخم، وحجم السكان، الصادرات والواردات، ميزان الحساب الجاري، احتياطيات النقد الأجنبي، ومتوسط سعر صرف الين مقابل الدولار الأمريكي كما يظهر اتجاهات الاقتصاد الياباني من حيث النمو والتضخم والتجارة الخارجية على مدار هذه السنوات، مع توقعات للفترة من 2024 إلى 2026.

2. الهجرة والشيخوخة وتحديات الرعاية الاجتماعية
تواجه اليابان واحدة من أعقد الأزمات الديموغرافية على مستوى العالم؛ حيث تجاوزت نسبة السكان الذين تزيد أعمارهم عن 65 عامًا 29%، بينما تواصل معدلات الخصوبة في الانخفاض، وهو ما يؤدي إلى تقلص أعداد العمال، وفي محاولة لمواجهة هذه الأزمة طرحت بعض الأحزاب برامج لإصلاح نظم التقاعد والرعاية الصحية، إلى جانب مبادرات لتعزيز معدلات الإنجاب وتوسيع الدعم المخصص للأسر، من ناحية أخرى، أثار ملف الهجرة جدلًا واسعًا؛ إذ دعت القوى الليبرالية إلى تسهيل استقدام العمال الأجانب لتعويض نقص اليد العاملة، في حين تبنت الأحزاب القومية موقفًا متشددًا، معتبرة أن الانفتاح على الهجرة قد يهدد الهوية الثقافية اليابانية وهكذا أصبح ملف الهجرة ساحة صراع بين الضرورات الاقتصادية من جهة والمخاوف الاجتماعية والثقافية من جهة أخرى.
3. حكومة أقلية وضرورة بناء التحالف البرلماني
بعد انتخاب ساناي تاكايتشي رئيسة للحزب الليبرالي الديمقراطي وتشكيلها الحكومة الجديدة، وجدت نفسها على رأس حكومة أقلية تواجه تحديات كبيرة في تمرير التشريعات داخل البرلمان، فقد أدى انسحاب حزب كومييتو، الشريك التقليدي في الائتلاف الحكومي لأكثر من ربع قرن، إلى خلق فراغ سياسي أجبر الحكومة على البحث عن حلفاء جدد لضمان استقرارها التشريعي كما سعت تاكايتشي إلى إبرام تحالفات جديدة، كان أبرزها التحالف مع حزب الابتكار الياباني(إيشين)، وهو ما منح الحكومة دعمًا إضافيًا في البرلمان، لكنه لم يصل إلى مستوى الأغلبية في مجلسي النواب والمستشارين، وقد ساهم هذا الوضع في انتهاج الحكومة سياسات توافقية والتفاوض المستمر مع الأحزاب الأخرى، لتأمين تمرير مشاريع القوانين والإصلاحات الاقتصادية والدفاعية.
4. الأمن القومي والتحديات الدفاعية والتوترات الخارجية
أصبح ملف الأمن القومي أحد أبرز المحاور المثيرة للجدل في الخطاب الانتخابي للأحزاب والحكومة اليابانية، لا سيما في ظل مساعي الحزب الحاكم لتعديل المادة التاسعة من الدستور، التي تحظر استخدام القوة كوسيلة لحل النزاعات الدولية؛ حيث اعتبرت قيادات الحزب أن هذا التعديل ضروري لتعزيز الجاهزية الدفاعية للبلاد، خصوصًا مع تصاعد التهديدات الأمنية من كوريا الشمالية وتزايد الأنشطة البحرية والعسكرية الصينية في منطقة بحر الصين الشرقي، ففي حين تمسكت المعارضة بقيادة الحزب الدستوري الديمقراطي برفض أي تعديل قد يمس الطابع السلمي للنظام الياباني، محذرة من أن أي تغيير قد يدفع اليابان نحو سباقات تسلح إقليمية، في وقت تشهد فيه البلاد تكثيف الجهود الدبلوماسية أكثر من الاعتماد على القوة العسكرية.
وقد تم اختبار هذا التوجه على العلاقات بين الصين واليابان التي شهدت تصعيدًا على خلفية تصريحات رئيسة الوزراء اليابانية ساناي تاكايتشي بشأن تايوان، وتحذير بكين لطوكيو من أنها ستواجه هزيمة ساحقة إذا تدخلت عسكريًا في قضية تايوان، وهو ما يعكس درجة التوتر المتصاعد في التوجهات الصينية تجاه اليابان، كما يكشف عن حساسية الملف التايواني باعتباره أحد أهم قضاياها واعتبرت بكين أن تلك التصريحات تمس بسيادتها وموقفها من وحدة أراضيها، خاصة أن تاكايتشي تبنت موقفًا يُنظر إليه في الصين على أنه تدخل مباشر في قضية تعتبرها شأنًا داخليًا. وهو ما ترتب عليه استدعاء الصين السفير الياباني للاحتجاج على تصريحات تاكايتشي التي قالت فيها إن استخدام أي قوة عسكرية في مضيق تايوان بما في ذلك تحرك السفن الحربية قد يُعد تهديدًا لوجود اليابان، وهو توصيف يسمح قانونيًا للحكومة اليابانية بنشر قوات دفاع ذاتي وربما التدخل عسكريًا. وقد اعتبرت الصين هذا التصريح خطوة تمهد لإضفاء الشرعية على التدخل الياباني المحتمل في الأزمة، وقد واصلت تاكايتشي الدفاع عن موقفها مؤكدة أن أي تحرك عسكري صيني في تايوان قد يبرر تدخّلًا مباشرًا من اليابان لحماية أمنها القومي وأثار هذا الموقف غضبًا واسعًا في بكين، وأعاد فتح نقاش داخلي وخارجي حول ما إذا كانت اليابان بصدد التخلي عن نهجها الدفاعي التقليدي الذي التزمت به منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، وما إذا كانت المنطقة مقبلة على مرحلة جديدة من الاستقطاب؛ حيث تعكس هذه التوجهات لتاكايشي بداية مرحلة جديدة من سباق التسلح في شرق آسيا، خاصة أنها منذ توليها منصب وزيرة الأمن الاقتصادي، أعلنت تاكايشي نيتها زيادة ميزانية الدفاع لتتجاوز 2% من الناتج القومي الإجمالي، ومراجعة القيود المفروضة على استخدام القوة المسلحة خارج البلاد وهو ما يضع اليابان على مسار تصعيدي، ويثير مخاوف الجيران الذين لا ينسون تاريخ اليابان الإمبراطورية، نتيجة لذلك، قد تتلاقى الصين وكوريا الشمالية في موقف رفض وتحفز، بينما تتجه المنطقة نحو استقطاب حاد بين معسكر صيني – روسي – كوري شمالي، وآخر تحت قيادة واشنطن وطوكيو وبهذا المعنى، فإن ما يحدث في اليابان لا يقتصر على الشأن الداخلي، بل يمثل حلقة جديدة في التوازنات الكبرى بين الشرق والغرب.
ثالثًا: مستقبل السياسية الخارجية اليابانية في ظل حكم سانادي
تتعدد مسارات السياسة الخارجية اليابانية ويرتكز مستقبلها على اتجاهات عديدة تتنوع بين تحقيق التوازن في ترسيخ تحالفها مع الولايات المتحدة وتوسيع شبكتها من الشراكات الأمنية والدفاعية في منطقة المحيطين الهندي والهادئ، مع زيادة الإنفاق الدفاعي لتعزيز قدراتها، والاستمرار في مواجهة التحديات الأمنية الإقليمية مع الحفاظ على علاقاتها الاقتصادية، بينما تواجه تحديات داخلية تتعلق بالوضع الاقتصادي والنمو السكاني. ومن المحتمل أن ينعكس تولي تاكايشي لرئاسة الوزراء في اليابان إلى عدة تأثيرات في سياسة طوكيو الخارجية، وذلك على النحو الآتي:
1. السيناريو الأول: تعزيز التحالفات مع المعسكر الغربي
شكل اللقاء بين رئيسة وزراء اليابان تاكايتشي والرئيس الأميركي السابق ترامب نقطة انطلاق لتعزيز التعاون الأميركي – الياباني على مختلف المستويات؛ حيث لم يقتصر اللقاء على الطابع البروتوكولي، بل كشف عن نوايا طوكيو تسريع إعادة التسلح وتوطيد التحالف الأمني مع واشنطن، بما في ذلك زيادة ميزانية الدفاع للوصول إلى 2% من الناتج المحلي الإجمالي بحلول عام 2027، وتطوير الدفاع الصاروخي والأمن السيبراني والتعاون الصناعي الدفاعي. ومن الناحية الاقتصادية، عزز الطرفان شراكتهما التجارية من خلال الالتزام باتفاقيات تجارية جديدة، مع استثمارات يابانية ضخمة في قطاعات حيوية بالولايات المتحدة وتوسيع فرص الشركات الأميركية في أسواق اليابان الدفاعية والرقمية، وهو ما يعكس استراتيجية متكاملة تربط بين الأمن والاقتصاد بالإضافة إلى توقيع اتفاق لتأمين المعادن النادرة والموارد الاستراتيجية مثل الليثيوم والكوبالت، بهدف تقليل الاعتماد على الصين وضمان استقرار سلاسل التوريد الدفاعية والتكنولوجية، بما يؤكد تحول التعاون الأميركي – الياباني إلى شراكة استراتيجية شاملة تشمل الدفاع والاقتصاد والموارد الحيوي.
وضمن السياق ذاته، فإن الشراكة بين الاتحاد الأوروبي واليابان تحتفظ بقدرة كبيرة على التوازن بين الطموح والمنافسة. على الصعيد الأمني، دخلت اتفاقية الشراكة الاستراتيجية حيز التنفيذ لتعزيز التعاون في مجالات مكافحة الإرهاب ونزع السلاح وحماية الأمن السيبراني. كما تم تكثيف التنسيق في البنية التحتية الرقمية لإنشاء شبكات اتصال آمنة بين أوروبا واليابان، بما يعزز تبادل البيانات وحماية المعلومات الحساسة.
على الجانب الآخر، وبالنسبة للصين فتتزايد الجهود الداخلية لتقليل الاعتماد على الصين في سلاسل التوريد للمعادن النادرة والموارد الاستراتيجية، من خلال شراكات مع دول منتجة لهذه الموارد، بما يتماشى مع أهداف اليابان في تأمين صناعاتها الدفاعية والتكنولوجية كما تعمل بروكسل وطوكيو على تعزيز اتفاقيات رقمية وتجارية تحمي قيم الانفتاح والديمقراطية وتدعم التعاون الاقتصادي طويل الأمد. وعلى مستوى الدفاع، تشكل إعادة تسليح اليابان فرصة مهمة للصناعات الأوروبية، خاصة في مجالات الحرب الإلكترونية والاتصالات الفضائية وصيانة الأنظمة العسكرية، مع إمكانية الاستفادة من اتفاقية أمن المعلومات المزمع توقيعها لتأطير هذا التعاون بشكل قانوني دون التأثير على الشراكة اليابانية – الأميركية.
2. السيناريو الثاني: تصاعد التوتر مع الصين
تواجه اليابان تحديات كبيرة في إدارة علاقاتها مع الصين بسبب تصاعد التوترات حول تايوان، فالتوجهات الصينية لتكثيف نشاطها العسكري بالقرب من الجزر اليابانية وعلى مقربة من تايوان يعزز المخاوف من تعرض اليابان لتهديد أمني مباشر، الأمر الذي يجعلها مضطرة لاتخاذ تدابير دفاعية قد تشمل نشر قوات دفاع ذاتي في مناطق التقاطع، بالإضافة إلى ذلك تنظر الصين إلى مواقف اليابان بشأن تايوان على أنها تدخل في شئونها الداخلية، وتعتبر أي خطاب أو إجراء ياباني يربط الأمن الوطني الياباني بتايوان تهديدًا مباشرًا لمصالحها.
وفي ضوء هذه التصورات، يخلق هذا الوضع عقبات دبلوماسية كبيرة ويحد من فرص التعاون الاقتصادي بين البلدين في المجالات الاستراتيجية؛ حيث قد تلجأ الصين إلى استخدام أدوات الضغط أو فرض شروط صارمة على أي تعاون محتمل، لا سيما مع تصاعد التقارب الأمني لليابان مع القوى الغربية على الجانب الاخر تجد اليابان نفسها مضطرة لإعادة تقييم شراكاتها الاقتصادية والأمنية، وتأمين مواردها الحيوية، وتعزيز تحالفاتها مع الولايات المتحدة وحلفاء آخرين لضمان الاستقرار والأمن، في ظل كون الملف التايواني يشكل عقبة حقيقية أمام أي تعاون موسع وفعال مع الصين.
3. السيناريو الثالث: سياسات الحياد المحتملة لليابان تحت قيادة تاكيتشي
قد تسعى تاكيتشي إلى اتباع سياسة حياد نشط ولاسيما في ظل تصاعد التوترات الإقليمية؛ حيث تتجه إلى الاستمرار في تعزيز التعاون الدفاعي مع الولايات المتحدة، لكنها في الوقت نفسه العمل على تجنب اتخاذ مواقف تصعيدية ضد الصين، مع العمل على حماية الأمن الياباني دون الانجرار إلى مواجهة عسكرية محتملة مع بكين، مع الحفاظ على قنوات دبلوماسية مفتوحة لتقليل المخاطر الاقتصادية والسياسية؛ حيث ترتكز السياسية على الدفاع الذاتي ستعمل الحكومة على تطوير قدرات الدفاع الصاروخي، والحرب الإلكترونية، والدفاع عن الجزر النائية، بحيث تكون اليابان قادرة على ردع أي تهديد محتمل دون الانخراط في صراعات خارجية ويسمح لطوكيو بالاحتفاظ بموقف مستقل، مع تقوية مكانتها في المفاوضات الدولية.
كما تشمل سياسة الحياد أيضًا الحفاظ على روابط اقتصادية قوية مع جميع الأطراف؛ حيث تسعى اليابان لتوسيع الشراكات التجارية مع الولايات المتحدة وأوروبا، في الوقت نفسه الحفاظ على تعاون اقتصادي محدود مع الصين والدول الآسيوية الأخرى، مع التركيز على تأمين سلاسل التوريد للموارد الحيوية دون الانجرار إلى صراعات سياسية.
في الختام: تتقاطع السياسة الخارجية اليابانية مع التحولات والمتغيرات في البيئتين الإقليمية والدولية والتي تفرض عليها تبني نماذج محددة من السلوك في إدارة علاقاتها الخارجية الدولية؛ حيث تسعى من جانب إلى استعادة مكانتها كدولة في منظومة العلاقات الإقليمية والدولية، عبر تأكيد تحالفها في المنظومة الليبرالية الأمريكية، والبحث عن القبول ضمن المحيط الآسيوي، إلا أن للقضايا المستجدة على الساحتين الإقليمية والدولية فرضت على قيادة اليابان الاختيار بين التوجهات المتعددة للسياسة الخارجية والتي ترتكز على أجندة سياسية تتمحور حول انتهاج نهج استباقي ينقل اليابان من سياسة رد الفعل إلى سياسة الفعل والمبادرة، للاضطلاع بأدوار أكثر حيوية على المستويين الداخلي والخارجي.

