آية حسام محمد
باحثة في العلوم السياسية
أفضت الحرب الإيرانية – الإسرائيلية في يونيو 2025 إلى الدفع نحو سيناريوهات ومسارات تصعيدية على مختلف المستويات الإقليمية والدولية، وذلك قبل أن تقود الضغوط الإقليمية والدولية والتحركات الدبلوماسية المكثفة إلى فرض هدنة هشة، خاصة بعدما أتاح التدخل الأمريكي المدفوع برغبة في تجنّب التورط العسكري المباشر، إلى جانب الوساطة القطرية التي استندت إلى علاقات استراتيجية مع طرفي النزاع، فرصة لاحتواء الجولة الأولى من التصعيد وفتح نافذة محدودة للحوار. غير أن هذه التهدئة لم تأت نتيجة توافق سياسي راسخ، بقدر ما جاءت انعكاسًا لمعادلات الردع المتبادلة، وتوازن الضرورة، ووسط إدراك الأطراف الفاعلة بأن استمرار التصعيد قد يؤدي إلى انهيار أوسع في بنية الأمن الإقليمي، وربما إلى تورط قوى دولية كبرى في صراع لا يمكن ضبطه والتحكم في تداعياته.
وفي هذا السياق، لعبت قطر دورًا محوريًا في إدارة قنوات الاتصال السرية، مستفيدة من شبكة علاقاتها المتشابكة، وقدّمت إطارًا أوليًا؛ لوقف التصعيد بالتنسيق مع واشنطن، التي رأت في المبادرة فرصة؛ لإعادة هندسة التفاوض مع طهران بشروط أكثر مرونة على الرغم من أن المسارات المختلفة للمفاوضات تأتي وسط تصاعد المخاوف من عودة المواجهات العسكرية مرة أخرى.
وفي ضوء هذه التباينات المتعلقة بشروط الأطراف المختلفة حول اتجاهات وملفات التفاوض، برزت تساؤلات جديدة حول جدية هذا المسار، وحدود قدرة الوساطة القطرية على تجاوز الملفات العالقة ومن أهمها البرنامج النووي الإيراني، وتطوير الصواريخ الباليستية، ودور طهران الإقليمي. كما أن إسرائيل، رغم مكاسبها العسكرية، لا تزال متمسكة بشروطها الأمنية، فيما تراهن طهران على تغيير قواعد اللعبة من خلال الضغط عبر حلفائها، وتوظيف المسارات الاقتصادية والدبلوماسية.
أولًا: اندلاع الحرب وتطورات التصعيد
بدأت ملامح المواجهة بين إيران وإسرائيل تتصاعد بشكل متسارع منذ يونيو 2025، حين تبادل الطرفان الضربات الصاروخية محدودة النطاق، إلا أن منحنى التصعيد بلغ ذروته في 13 يونيو، عندما نفذت الولايات المتحدة الأمريكية هجومًا جويًا موسعًا على منشآت نووية إيرانية تحت الأرض في فوردو، ونطنز، وأصفهان، مستخدمة قاذفات B-2 ، وقنابل خارقة للتحصينات، وهو ما تسبب في حدوث دمارًا بالغًا بالبنية التحتية النووية الإيرانية، وأدى إلى مقتل عدد من العلماء النوويين وبعض قادة الحرس الثوري، الأمر الذي أثار موجة غضب داخل إيران ودفع النظام إلى الرد القوي وغير تقليدي.
وفي 23 يونيو، ردت إيران بإطلاق وابل من الصواريخ الباليستية (19 صاروخًا) استهدفت قاعدة العديد الجوية الأمريكية في قطر، والتي تضم آلاف الجنود الأمريكيين. غير أن قطر، التي تلقت تحذيرًا مسبقًا من طهران عبر قنوات اتصال دبلوماسية، نسّقت مع القوات الأمريكية لاعتراض 18 صاروخًا، فيما سقط صاروخ واحد في منطقة غير مأهولة داخل القاعدة دون وقوع إصابات. وقد فسرت طهران هذه الضربة بأنها موجهة ضد مركز قيادة القواعد العسكرية الأمريكية في المنطقة، وهي رسالة مباشرة إلى واشنطن بقدرة إيران على تهديد بنية الانتشار العسكري الأمريكي في الخليج.
ثانيًا: ردود الأفعال الإقليمية والدولية
قبل الشروع في التصعيد العسكري الإيراني تجاه الرد على الهجمات الأمريكية، برزت تحركات دبلوماسية غير معلنة؛ حيث أشارت بعض التقارير أن الإدارة الأمريكية بقيادة الرئيس دونالد ترامب طلبت من قطر استثمار علاقاتها الوثيقة مع طهران للوساطة من أجل احتواء الأزمة، وقد تزامن ذلك مع مؤشرات صدرت عن إيران تعكس استعدادًا مبدئيًا للتهدئة، وقد أعلن ترامب أن طهران أبلغت واشنطن عبر قنوات غير مباشرة بنيّتها استهداف قاعدة العديد الجوية، معتبرًا أن هذا السلوك يوفر أساسًا استثنائيًا لإعادة إحياء مسار تفاوضي، خاصة وأن الضربة الإيرانية لم تُوظّف فيها القدرات القصوى، ما يُبقي هامش التحرك السياسي قائمًا.
وقد مكّنت العلاقات القطرية – الإيرانية المتوازنة الدوحة من أداء دور الوسيط الفاعل، مستفيدة من شبكة اتصالاتها مع الأطراف كافة، بما فيها الولايات المتحدة وإسرائيل، واعتُبرت القناة القطرية الرسمية، بقيادة رئيس الوزراء الشيخ محمد بن عبد الرحمن آل ثاني، الوسيط الأكثر قدرة على تقريب وجهات النظر في ظل تعقيد المشهد. وعلى المستوى الأمني، برزت قطر كحلقة وصل فعالة بين طهران وواشنطن، بعد أن تلقت تحذيرًا إيرانيًا مسبقًا بأن الضربة الصاروخية تستهدف القاعدة الأمريكية فقط، دون المساس بالأراضي القطرية، وقد نقلت الدوحة الرسالة إلى الجانب الأمريكي، وهو ما ساعد على الاستعداد المسبق وتفادي الخسائر، وقد عزز هذا التنسيق الثقة في الدور القطري، كما يكرس صورتها كقوة دبلوماسية ناعمة في إدارة أزمات المنطقة.
1. الموقف القطري من الضربة ورد الفعل الخليجي
على الرغم من التنسيق الأمني مع إيران، أدانت قطر الهجوم على قاعدة العديد واعتبرته انتهاكًا لسيادتها، معلنة نيتها اتخاذ إجراءات قانونية دون الانجرار إلى رد عسكري، في إطار تمسكها بخطاب التهدئة والعقلانية. وقد استضافت اجتماعًا طارئًا لوزراء خارجية دول الخليج؛ لبحث التصعيد وسط تباين في المواقف بين الداعين للرد والمفضلين للمسار السياسي.
وقد أكد رئيس الوزراء القطري التزام بلاده بالوساطة، وضرورة عودة العلاقات مع إيران لمسارها الطبيعي، مشددًا على أن قطر ستواصل إدارة الأزمة بعقلانية رغم الضغوط، وقد أثار الهجوم تضامنًا وطنيًا دعم الموقف الحيادي للدوحة. من جهتها، أبدت دول الخليج، خصوصًا السعودية وقطر وعُمان، قلقًا من التصعيد، ودعمت حلًا دبلوماسيًا يضمن استقرار المنطقة، مع ترويج لفكرة تحالف نووي إقليمي؛ لمراقبة البرنامج الإيراني، في حين أبرزت الأزمة تحولًا في نهج الخليج من المواجهة إلى إدارة التهديد الإيراني، وهو ما عزز مكانة قطر كوسيط إقليمي فاعل.
2. الموقف الأمريكي وتحولاته المتسارعة: جاء التدخل الأميركي بعد تصعيد عسكري خطير؛ حيث أعلن ترامب أن الطرفين تواصلا معه في وقت متزامن لطلب التهدئة، وهو ما أدى إلى إعلان الاتفاق. كما مارست واشنطن ضغوطًا سياسية على إسرائيل، ودعت إلى وقف الهجمات، مؤكدة رفضها لانتهاك الهدنة. إلى جانب ذلك، دعمت واشنطن المفاوضات كبديل للحرب، لكنها اشترطت تنازلات كبيرة من إيران، أبرزها وقف التخصيب وتفكيك البنية النووية الحساسة. وقد شدد الرئيس ترامب على «الاستسلام الكامل» كشرط لأي اتفاق، ولوّحت الإدارة بإعادة العقوبات الدولية أو تشديد الضغط الاقتصادي إذا فشلت المفاوضات.
وتُظهر توجهات ترامب أنه لا يرغب في الدخول في حرب شاملة تعتمد على القوة العسكرية فقط، لأن الهدف الحقيقي يتجاوز مجرد ضرب منشآت نووية، مثل فوردو أو نطنز؛ حيث يتمثل الهدف الاستراتيجي لواشنطن في السيطرة على النظام السياسي الإيراني، وليس فقط تدمير قدراته النووية. ومع ذلك، فإن الضربة الأخيرة لم تحقق هذا الهدف؛ إذ اعتبرت إيران أنها فشلت ولم تؤثر على قوتها.
وفي هذا السياق، تعتزم الولايات المتحدة عقد محادثات نووية مباشرة مع إيران؛ حيث يخطط مبعوث البيت الأبيض إلى منطقة الشرق الأوسط، ستيف ويتكوف، للقاء وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي في إطار مساعٍ لاستئناف المحادثات النووية المباشرة بين الجانبين، بعد انقطاع أعقب الضربات المتبادلة في يونيو 2025. ووفقًا لموقع “أكسيوس” الأمريكي، فإن اللقاء لم يُحدد موعده النهائي بعد ولم يُعلن عنه رسميًا، إلا أنه، في حال انعقاده، سيكون أول حوار مباشر منذ أن أمر الرئيس الأمريكي بتنفيذ عملية عسكرية ضد إيران، كما أفاد الموقع أن ويتكوف وعراقجي كانا على تواصل مباشر عقب الحرب التي استمرت 12 يومًا بين إسرائيل وإيران، وانتهت بوقف لإطلاق النار.
وفي الإطار نفسه، أشار الخبير جوناثان جيليم إلى أن الولايات المتحدة تمتلك القدرة على تنفيذ ضربات عسكرية ضد إيران، لكنها تفضل الجمع بين الضغط العسكري والدبلوماسية، محذرًا من أن استمرار طهران في إطالة أمد المفاوضات قد يدفع واشنطن إلى الخيار العسكري، كما أكد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أن إيران لم توافق بعد على التفتيش الشامل أو وقف تخصيب اليورانيوم، رغم تعرض برنامجها النووي لانتكاسة كبيرة بعد الضربات الأخيرة، وأن هذا الملف احتل أولوية في مسار المباحثات مع رئيس الوزراء الإسرائيلي خلال زيارته لواشنطن.
3. الاتحاد الأوروبي ومجموعة السبع بين التحوط وممارسة الضغوط: يعمل الاتحاد الاوروبي على إنقاذ مسار التفاوض وحث إيران على العودة دون شروط، وعرض المساعدة كوسيط، وشدد على التعاون مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية. لكنّه هدّد بإحالة الملف لمجلس الأمن في حال غياب التقدم، بجانب ذلك، يرى الأوروبيون أنفسهم طرفًا محوريًا في أي اتفاق محتمل.
وفيما يتعلق بموقف مجموعة السبع، فقد أيدت وقف إطلاق النار، وطالبت بإعادة استئناف مفاوضات النووي من أجل اتفاق شامل وموثوق. وذلك بعد أن استأنفت الأطراف الأوروبية (بريطانيا وألمانيا وفرنسا) من جانبها محادثات غير مباشرة مع إيران في جنيف، رافضةً تصاعد التوتر، داعية طهران للكف عن التخصيب المكثف.
4. الموقف الروسي اتجاهات الرفض وحدود التغير: في أعقاب الضربات الإسرائيلية والأمريكية على المنشآت النووية الإيرانية، عبّرت روسيا عن موقف صارم رافض، ووصفت تلك الهجمات بأنها “عدوان غير مبرر” و”انتهاك صارخ للقانون الدولي”، محذرة من أن استمرار التصعيد قد يجر المنطقة إلى مواجهة عسكرية واسعة النطاق. في هذا السياق، أعلن الرئيس فلاديمير بوتين استعداد بلاده للعب دور الوسيط بين إيران وإسرائيل، بدعم صيني، بهدف خفض التوتر والعودة إلى الحوار.
ومع ذلك، أوضحت موسكو أن دعمها لإيران يظل رمزيًا ودبلوماسيًا، دون تقديم أي دعم عسكري مباشر، مؤكدة أن لا طلب رسمي ورد من طهران بهذا الشأن لكنها شددت في الوقت نفسه على أهمية شراكتها الاستراتيجية مع إيران، خاصة في مجالات الطاقة والنقل والتكنولوجيا، محذرة من أن أي تدخل عسكري أمريكي قد يؤدي إلى تصعيد لا يمكن السيطرة عليه، وربما يتضمن تهديدات باستخدام السلاح النووي
5. الموقف الصيني بين الحذر والانخراط: عبّرت الصين عن رفضها الكامل للهجمات الإسرائيلية والأمريكية على إيران، واعتبرتها انتهاكًا لسيادة الدول وتهديدًا للنظام الدولي القائم على القانون، كما دعا الرئيس الصيني شي جين بينج إلى وقف فوري لإطلاق النار، مؤكدًا أن الحل السياسي السلمي هو السبيل الوحيد لتفادي كارثة إقليمية.وفي ضوء ذلك، يمكن القول إنالموقف الصيني اتسم بالحذر؛ حيث تسعى بكين إلى حماية مصالحها الاقتصادية، خاصة أن إيران تمثل أحد أهم موردي النفط للصين (حوالي 90% من صادرات إيران). لذلك، فضّلت الصين التهدئة والحوار، وعبّرت عن دعمها للجهود الروسية في الوساطة، مؤكدةً أهمية التنسيق مع موسكو للحفاظ على الاستقرار الإقليمي ومنع تدهور الوضع أكثر. على الجانب الأخر، ذكرت بعض التقارير أن هناك دعم مقدم من الصين لإيران بالأسلحة والمعدات؛ حيث لجأت طهران لها للحصول على معدات عسكرية متقدمة، وبناء دفاعتها بعدما أصبح من الصعب الاعتماد على موسكو
ثالثًا: المواقف الإيرانية والإسرائيلية وشروط وقف إطلاق النار
لم يكن قبول إيران وإسرائيل وقف إطلاق النار نتيجة رغبة مشتركة في السلام فقط، بل نتيجة حسابات استراتيجية معقدة؛ حيث جاءت الموافقة الإيرانية على الهدنة بعد تعرضها لضربات جوية مكثفة استهدفت منشآتها النووية والعسكرية، وجدت طهران نفسها أمام خسائر كبيرة شملت تدمير مواقع حساسة ومقتل قادة عسكريين ونوويين بارزين. كما واجهت ضغوطًا داخلية متزايدة بسبب تدهور الوضع الاقتصادي وتفاقم الأوضاع الإنسانية نتيجة العقوبات والهجمات.
من جهة أخرى، رأت القيادة الإيرانية أن الضربة التي وجهتها إلى قاعدة العديد الأمريكية في قطر كانت كافية لإظهار قدرتها على الردع وتهديد المصالح الأمريكية في المنطقة، وهو ما منحها فرصة لإظهار القوة أمام الداخل والخارج. كما صرحت بأن المدن الإسرائيلية لم تعد آمنة، وأن القبة الحديدية فشلت في التصدي للصواريخ، في محاولة لتعزيز صورة الردع الإيراني
على الجانب الآخر وبالنسبة لإسرائيل، فقدوافقت على وقف إطلاق النار بعد تحقيق مكاسب عسكرية كبيرة، تمثلت في تدمير جزئي لمنشآت نووية وعسكرية إيرانية، وقتل قادة بارزين، واستهداف منظومات الدفاع الجوي الإيرانية، وهذه الإنجازات سمحت لإسرائيل بإظهار تفوقها العسكري، وإرسال رسالة ردع قوية لإيران والمنطقة
وفي الوقت نفسه، واجهت إسرائيل ضغوطًا داخلية نتيجة تعرض تل أبيب وبئر السبع لصواريخ إيرانية، وهو ما أدى إلى حالة من الذعر المجتمعي ونزوح المستثمرين. كما أن استمرار التصعيد كان يحمل مخاطر توسع الحرب إقليميًا، وتورط الولايات المتحدة بشكل أعمق، وهو ما لم تكن إسرائيل ترغب فيه في هذه المرحلة. وقد ربطت إسرائيل قبولها بالهدنة بوقف الهجمات الصاروخية الإيرانية، واعتبرت أن تحقيق أهدافها العسكرية يمنحها فرصة لإعادة تقييم الوضع والاستعداد لأي جولة قادمة إذا لزم الأمر.
1. شروط الطرفين في المفاوضات الإيرانية – الإسرائيلية
طرحت كل من طهران وتل أبيب شروطًا تعكس تعقيدات المشهد الأمني والنووي وفيما يتعلق بتشكيل اتجاهات الأمن الإقليمي، وحدود الأدوار الإقليمية المستقبلية، وفيما يلي أبرز هذه الشروط:
أ. الشروط الإيرانية
اشترطت إيران وقفًا فوريًا لأي ضربات إسرائيلية أو أمريكية خلال فترة الحوار، مؤكدةً أنها لن تتفاوض تحت القصف. كما طالبت بالاعتراف بحقها في التخصيب السلمي وفق معاهدة عدم الانتشار، إلى جانب رفع جزئي للعقوبات مقابل استعدادها لتجميد مؤقت للتخصيب (على سبيل المثال اقتراح فترة زمنية لمدة عام) في إطار سياسات بناء الثقة.
كما شددت طهران على أن أي تعاون مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية سيخضع لإشراف مجلس الأمن القومي الإيراني، وأنها ترفض الشروط المبنية على الترهيب. وفي هذا الإطار، أكد وزير الخارجية الإيراني، عباس عراقجي، أن بلاده تدرس بعناية توقيت وضمانات أي مفاوضات محتملة، لكنها ترفض أي تسوية لا تعترف صراحة بحقها في تخصيب اليورانيوم، مشددًا على رفض استخدام المفاوضات كغطاء لأجندات غربية. مشيرًا إلى أن التعاون مع الوكالة لم يُعلّق بالكامل، بل إن أنشطة الوكالة ستُدار تحت إشراف مجلس الأمن القومي، وسيُنظر في كل طلب تفتيش على حدة بناءً على الاعتبارات الأمنية.
ب. الشروط الإسرائيلية
على الرغم من عدم مشاركتها رسميًا في المفاوضات النووية، إلا أن إسرائيل أعلنت عن شروطها من خلال التصريحات الرسمية، ومن أبرزها، منع كامل لتخصيب اليورانيوم، فرض رقابة دولية شاملة، ونزع القدرات النووية والصاروخية الإيرانية. كما أكد نتنياهو أن وقف إطلاق النار لم يكن ليحدث لولا تحقق هذه الأهداف جزئيًا، مطالبًا بضمانات أمريكية تتيح الرد العسكري في حال حدوث أي خرق إيراني
كما دعا وزير الخارجية السابق يائير لابيد إلى اتفاق جديد يشمل خمسة شروط رئيسية: منع التخصيب، إزالة اليورانيوم المخصب، تفكيك أجهزة الطرد المركزي، منع تطوير السلاح النووي، ومراقبة دولية صارمة، وتؤكد إسرائيل أن هدفها ليس الشعب الإيراني بل النظام، وتسعى لاتفاق يضمن عدم استخدام إيران لبرنامجها النووي أو نفوذها الإقليمي كأداة تهديد للمنطقة
2. تطورات المشهد الراهن والمستقبلي بين إيران وإسرائيل
يتسم المشهد الراهن بتصاعد التوترات الإقليمية وتباعد واضح في مواقف الأطراف المعنية، وسط حالة من عدم اليقين تحيط بمستقبل المفاوضات النووية، ففي حين تُعبّر إيران عن تمسكها الكامل بحقها السيادي في تخصيب اليورانيوم،فإنها تضع شروطًا صارمة للعودة إلى طاولة التفاوض، تشمل تقديم ضمانات أمنية واقتصادية وسياسية جدية، وضمان وقف أي تهديدات أو ضربات عسكرية أمريكية أو إسرائيلية خلال فترة الحوار، وتؤكد طهران أن برنامجها النووي ذو طابع سلمي، وأن قدراتها الدفاعية والصاروخية غير قابلة للتفاوض
وعلى الرغم من إبداء إيران استعدادًا مشروطًا لاستئناف المفاوضات، فإن العمل على تأجيل الحوار يأتي في إطار هدفها الخاص بتعزيز موقعها التفاوضي، والذي يحمل في طياته في نفس الوقت مخاطر متعددة، من أبرزها تصاعد الضغوط الدولية، واحتمال تفعيل “آلية الزناد”، التي قد تفضي إلى إعادة فرض العقوبات الأممية بموجب الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة. كما أن تعليق تعاونها مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية، واستمرار سياسة “الغموض النووي”، يزيدان من التوتر ويقوّضان فرص إعادة بناء الثقة بينهما.
في المقابل، تتمسك كل من الولايات المتحدة وإسرائيل بموقف صارم يرفض أي شكل من أشكال تخصيب اليورانيوم في إيران، وتطالبان بتفكيك البرنامج النووي الإيراني بالكامل، ووضعه تحت رقابة دولية صارمة. ويأتي هذا ضمن تنسيق سياسي وأمني متزايد بين الطرفين، يترافق مع تحذيرات أمريكية متكررة بشأن اقتراب إيران من العتبة النووية، الأمر الذي يزيد من احتمالات التصعيد في حال استمرار الجمود التفاوضي.
وفي ظل هذه المعطيات، تواجه المفاوضات النووية بين إيران والغرب تحديات متراكبة، تعززها حالة التصعيد المتبادل وغياب أرضية مشتركة للحوار، فمع تجاوز إيران لنسب التخصيب المسموح بها، وتعليقها التعاون مع الوكالة الذرية، تتعمّق الشكوك حول نواياها، وهو ما يعقّد من فرص التوصل إلى تسوية.
وعليه، يبقى المشهد مفتوحًا على مسارين متناقضين بالإضافة إلى بعض المسارات المركبة إما التوصل إلى تسوية دبلوماسية قائمة على التنازلات المتبادلة، أو الانزلاق نحو موجة جديدة من التصعيد قد تحمل أبعادًا عسكرية، وهو ما ستكشفه مسارات التفاوض في المرحلة المقبلة، وفيما يلي أبرز السيناريوهات المحتملة:
السيناريو الأول: يتمثل في تصعيد تدريجي نحو مواجهة إقليمية موسعة. ففي أعقاب الضربات الإسرائيلية التي استهدفت منشآت نووية وعسكرية داخل إيران، تسعى طهران إلى إعادة بناء قوتها الدفاعية عبر تعميق تعاونها مع روسيا والصين. وتظهر موسكو دعمًا علنيًا لتطوير قدرات إيران الدفاعية، خاصة في مجال الطائرات المسيّرة ومنظومات الدفاع الجوي، باعتبارها جزءً من تحالف أوسع لمجابهة النفوذ الأمريكي. أما بكين، فتتبنى نهجًا أكثر توازنًا؛ إذ تزود طهران بتكنولوجيا عسكرية متطورة، مع الحرص على عدم الإضرار بعلاقاتها التجارية مع الغرب. في المقابل، تواصل الولايات المتحدة وحلفاؤها الغربيون دعم إسرائيل عسكريًا واستخباراتيًا، وفي ظل غياب قنوات تفاوض فاعلة؛ يزداد خطر انتقال الصراع من مواجهة ثنائية إلى حرب إقليمية واسعة، بل وربما إلى صدام غير مباشر بين قوى كبرى، وهو ما ينذر بتحول الصراع إلى تهديد للأمن الدولي.
السيناريو الثاني: ينطوي على تحول استراتيجي في السلوك الإسرائيلي من المواجهة المباشرة إلى استخدام أدوات الحرب غير التقليدية أو “الناعمة”. فقد دفعت المكاسب العسكرية التي حققتها إسرائيل إلى تبني نهج أكثر تعقيدًا وأقل تكلفة، يتمثل في تكثيف الهجمات السيبرانية ضد البنية التحتية الإيرانية، وفرض المزيد من العقوبات الاقتصادية، بالإضافة إلى دعم منظم للمعارضة السياسية والإعلامية داخل إيران. والتي ستستخدمها بهدف إضعاف النظام من الداخل، وتآكل شرعيته تدريجيًا، دون الدخول في مواجهة شاملة مكلفة. كما تسعى إسرائيل من خلال التعاون الاستخباراتي مع حلفائها إلى تقويض البرنامج النووي الإيراني عبر عمليات دقيقة، بدلًا من اللجوء إلى ضربات جوية مباشرة قد تفتح أبواب التصعيد من جديد.
السيناريو الثالث: ويقوم على أساس وجود فرصة لتسوية تفاوضية مؤقتة تؤدي إلى تهدئة محدودة؛ إذ أظهرت إيران، في سياق الضغوط العسكرية والاقتصادية، استعدادًا للقبول بتجميد مؤقت لتخصيب اليورانيوم عند مستويات منخفضة، والسماح بعودة مفتشي الوكالة الدولية للطاقة الذرية، مقابل تخفيف تدريجي للعقوبات الاقتصادية والاعتراف بحقها في امتلاك برنامج نووي سلمي، وتلعب الوساطة القطرية، إلى جانب الجهود الأوروبية، دورًا محوريًا في إعادة الأطراف إلى طاولة الحوار. ورغم أن هذا السيناريو يتيح فرصة لاحتواء التصعيد، إلا أنه لا يضمن حلًا دائمًا، نظرًا لاستمرار الخلافات حول ملفات حساسة كالصواريخ الباليستية، والدور الإيراني في الإقليم.
السيناريو الرابع: بعيدًا عن الحلول العسكرية، قد تتجه الولايات المتحدة إلى وضع استراتيجية لإعادة تشكيل إيران اقتصاديًا وسياسيًا من خلال سياسة “الاحتواء المرن” لإيران عبر أدوات الاقتصاد والدبلوماسية.
ووفق هذا التصور، لا تسعى واشنطن لمنع إيران من امتلاك سلاح نووي فقط، بل تهدف إلى إعادة دمج النظام الإيراني في النظام الدولي ضمن شروط ناعمة، مقابل تحجيم أذرعه الإقليمية (كحزب الله والحوثيين) وتركه مساحة لإسرائيل للتوسع الاستراتيجي في المنطقة. وتشمل هذه الرؤية رفعًا تدريجيًا للعقوبات، وتسهيل استثمارات غربية في الاقتصاد الإيراني، مع قبول أمريكي بتخصيب نووي محدود للأغراض السلمية. ويعكس هذا السيناريو رغبة واشنطن في تحويل إيران من خصم إلى “نظام موالٍ قابل للاحتواء”، دون إسقاطه، بل بإعادة توجيه بوصلته الإقليمية، بما يخدم التوازن الجديد في الشرق الأوسط.
في الختام: يتضح أن الحرب بين إيران وإسرائيل في يونيو 2025 لم تكن مجرد محطة صدامية عابرة، بل تمثل تحوّلًا استراتيجيًا يحمل في طياته نواة للتصعيد العسكري المستقبلي أو وضع إطار عام للتهدئة؛ حيث لم تعد الحروب تندلع بمعزل عن توازنات القوى الدولية أو الحسابات الداخلية للأنظمة. فبين الضربات الجوية المتبادلة، والوساطات الدبلوماسية النشطة، والتوترات المتزايدة حول البرنامج النووي الإيراني، باتت المنطقة تقف على مفترق طرق، كما كشفت الحرب أن الصراع لا يُحسم عسكريًا فقط؛ بل بتوازن دقيق بين الضغط الدولي، والحلول السياسية، مع بقاء كل السيناريوهات مفتوحة ما لم تُعالج جذور الأزمة.
المصادر
صامويل راماني، التألق الدبلوماسي القطرية كان نجاحا لمهمتها في بناء هوية وطنية، مقال رأي، مجلة سبكتاتور البريطانية، 25يونيو 2025
الساعات الحاسمة: قصة الوساطة الأمريكية القطرية التي أوقفت الحرب، وول ستريت جورنال، 25يونيو 2025
ايميل حكيم، يجب على دول الخليج التخطيط لفترة طويلة من الاضطراب و عدم اليقين، مقال رأي، فايننشال تايمز البريطانية، 29 يونيو 2025
الشرق الأوسط. “بالصور… الضربات الإسرائيلية على إيران تستهدف قادة عسكريين ومنشأة نووية ومصانع.” الشرق الأوسط، 12 يوليو 2025. https://n9.cl/ho06p
العربية، عراقجي يرفض التفاوض: الحرب أشعلتها إسرائيل وقد تخرج عن السيطرة، https://n9.cl/ykytr ،12 يوليو 2025
“نتنياهو: يجب تفكيك البرنامج النووي الإيراني بالكامل”، سكاي نيوز عربية، 1 يوليو 2025https://n9.cl/0qhnv .
زعيم المعارضة الإسرائيلية يائير لابيد في مقابلة خاصة مع سكاي نيوز عربية، https://youtu.be/mlLJ9bLcy-A?si=QqrnMu2U3Y–mB9t، 12 يوليو 2025
حسن زنيند، ضربة “حفظ ماء الوجه” ونزع فتيل الحرب بين إيران وإسرائيل،دي دبليو، https://n9.cl/rc3as، 12 يوليو 2025
دعت لاستئناف المفاوضات النووية.. دول الخليج تدين استهداف قاعدة العديد العربي، https://n9.cl/si67f8 ،12 يوليو 2025
استراتيجية الغموض: خيارات إيران بعد تعليق تعاونها مع وكالة الطاقة الذرية,” مركز المستقبل، يوليو 12، 2025, https://www.futureuae.com/ar-AE/Mainpage/Item/10291.
العربية،إيران طلبت وساطة لوقف الحرب مع إسرائيل.. مصادر تكشف،12 يوليو 2025،https://n9.cl/t06f4
إسرائيل وإيران خصمان تقليديان منذ عقود.. ما القادم بينهما؟، الشرق بلومبرج ،12 يوليو 2025، https://n9.cl/f5rxv
“مجموعة السبع تدعو لاستئناف مفاوضات النووي الإيراني من أجل «اتفاق شامل ودائم»”، الشرق الأوسط https://n9.cl/t5pyt .
سوزان عاطف، “ألمانيا وفرنسا وبريطانيا تعرض إجراء محادثات مع إيران بشأن برنامجها النووي”، المصري اليوم، 16 يونيو 2025، https://n9.cl/vp449h
“حدود الدور الروسي الصيني في الحرب الإسرائيلية الإيرانية,” القاهرة نيوز, 19 يونيو 2025، https://n9.cl/w80lc .
“الصين وروسيا نووي إيران لا يمكنه حله الأزمة وبدلوا مساريًا”، العربية ، 19 يونيو 2025،https://n9.cl/1dppt
خالد سلامة، الكرملين: الشرق الأوسط ينزلق إلى هاوية اللااستقرار والحرب,” DW عربية ،12 يوليو 2025، https://n9.cl/alb0g .
“روسيا والصين ترفضان استخدام القوة ضد إيران وتدينان إسرائيل,” الخليج،12 يوليو 2025، https://n9.cl/0o2x3 .
“تصعيد إيران–إسرائيل: حلفاؤها يدعمون الصين وروسيا وباكستان بالتدخل العسكري؟”، يورونيوز عربية، 19 يونيو 2025،https://n9.cl/wmp0c
بين ضغط أميركا وتحفظ إيران.. هل تنجح جولة أوسلو النووية؟،سكاي نيوز، بين ضغط أميركا وتحفظ إيران.. هل تنجح جولة أوسلو النووية؟، https://n9.cl/ixucf ،12 يوليو 2025
طه العومي، “محادثات نووية مرتقبة بين أمريكا وإيران في أوسلو الأسبوع المقبل”، القاهرة الإخبارية، 3 يوليو 2025، مُطالع في https://alqaheranews.net/news/133386/
الشرق. “بوتين يحث إيران على التخلي عن تخصيب اليورانيوم.. وطهران ترفض.” موقع الشرق، الاطلاع: 13 يوليو 2025. https://asharq.com/politics/142682/بوتين-يحث-إيران-على-التخلي-عن-تخصيب-اليورانيوم-وطهران-ترفض/
سكاي نيوز عربية. “مصادر: بوتين يحث إيران على قبول اتفاق نووي ‘بدون تخصيب’.” سكاي نيوز عربية،https://n9.cl/orxui . تاريخ الاطلاع: 13 يوليو 2025.
الشرق الأوسط. “وزير الدفاع الإسرائيلي: سنضرب إيران مجددًا إذا هددتنا.” الشرق الأوسط، 12 يوليو 2025. https://aawsat.com/5163464
“ترامب قد يأمر الجيش الأميركي بتوجيه ضربة ثانية ضد إيران في هذه الحالة.” YouTube video, YouTube,. Accessed July 6, 2025. https://youtu.be/47JfjVvXTds
Parisa Hafezi and John Irish, Exclusive: Iran may pause enrichment for US nod on nuclear rights, release of frozen funds, Iranian sources say, Reuters, https://n9.cl/ba4r6 July 12, 2025,
“Iran’s nuclear enrichment ‘will never stop’, nation’s UN ambassador says.” The Guardian, Accessed July 6, 2025, https://n9.cl/coqy6
Norman, Laurence. “Iran Suspends Cooperation With U.N. Atomic Agency.” Wall Street Journal, July 12, 2025, https://n9.cl/cghi8
Al-Ahram Online. “Iran Says ‘Examining’ Details for Potential Nuclear Talks, Insists on Right to Enrichment.” Ahram Online, July 12, 2025. https://n9.cl/hok1u
Steven Scheer, “Inside Trump’s High-Stakes Nuclear Gamble with Iran,” Reuters, https://n9.cl/l1ag5 . July 12, 2025,
Parisa Hafezi, Samia Nakhoul and Andrew Mills, Iran sought US pressure on Israel for ceasefire via Gulf states, Reuters, sources say, https://n9.cl/q2bj6 , July 12, 2025,
National news, Qatar reveals it helped broker Iran ceasefire, https://n9.cl/our06 July 12, 2025,
By Parisa Hafezi, Samia Nakhoul and Andrew Mills, Iran sought US pressure on Israel for ceasefire via Gulf states, sources say, Reuters , https://n9.cl/q2bj6 July 12, 2025,
After Russia’s Failure, Iran Seeks China’s Military Might,” Baystreet.ca, July 3, 2025,https://n9.cl/gzg1k .
Have Israel and Iran agreed to a ceasefire? What we know, Al Jazeera , https://n9.cl/nybl9 , July 12, 2025,
Basel Haj Jasem,No peace, just pause: Iran and Israel’s fragile standoff, English AL Arabia , https://n9.cl/h6dck July 12, 2025,
Gram Slattery, Alexander Cornwell and Parisa Hafezi,US strikes failed to destroy Iran’s nuclear sites, intelligence report says, Reuters, https://n9.cl/wrvvz3 July 12, 2025,
Majid Rafizadeh, A pause or a prelude? The fragile ceasefire between Iran and Israel, English Al Arabia, https://n9.cl/jp3vk July 12, 2025,
Nectar Gan, Helen Regan, Jessie Yeung, Rhea Mogul, Rob Picheta, Maureen Chowdhury, Aditi Sangal and Elise Hammond, June 23, 2025 – Israel-Iran conflict, https://n9.cl/i5nxx ?
Iran suspends cooperation with UN nuclear watchdog,” Arab News, July 2, 2025, AFP, https://arab.news/8gsee.
Kremlin rejects charge it did little help Iran,” Reuters, June 24, 2025, https://n9.cl/iuf64
Sanam Vakil, “Where Iran Goes From Here,” Time, last week (July 2025), https://time.com/7297634/iran-israel-us-conflict/ July 12, 2025,
“Iran has not agreed to inspections or given up enrichment, says Trump.” Al Jazeera English. Published July 5, 2025. Accessed July 6, 2025. https://n9.cl/y7j411
Reuters. “IAEA Pulls Inspectors from Iran as Standoff over Access Drags.” Reuters, July 12, 2025. https://www.reuters.com/world/middle-east/iaea-pulls-inspectors-iran-standoff-over-access-drags-2025-07-04/

