مصطفى صلاح
مدير مركز شمس للاستشارات والبحوث الاستراتيجية
عندما نفذت روسيا عملياتها العسكرية في فبراير 2022 ضد أوكرانيا، لم يتوقع إن يؤثر استخدام الطائرات المسيرة على تطورات المعارك العسكرية، فاللجوء إلى استخدام هذه التقنيات منحت أوكرانيا ميزة دفاعية في مواجهة الهجوم الروسي، بالإضافة إلى إنها ساعدتها في جمع الكثير من المعلومات والبيانات واللقطات المصورة عن ساحات المعارك والتي ستعمل على تغيير مجريات الحروب الحديثة حول العالم من خلال امتلاكها أكبر مستودع للبيانات، والتي ستكون الأساس لجيل جديد من تطبيقات الذكاء الاصطناعي العسكرية في استخدام الطائرات المسيرة.
مدخلات البيانات والتغيرات في أوضاع القتال
قامت أوكرانيا ببناء قواعد بيانات ضخمة منذ عام 2014، وخاصة بعد عام 2022 والتي يتم استخدامها في تدريب الخوارزميات للتعرف على الأشياء والتنبؤ بالسيناريوهات المحتملة، وهذه القاعدة من البيانات تمنحهم ميزة عسكرية كبيرة لإعادة صياغة المعارك العسكرية، وقد أعلن روبرت بروفدي، قائد قوات الأنظمة غير المأهولة الأوكرانية إنه يتلقى ما بين 12 إلى 15 تيرابايت من مقاطع الفيديو التي تلتقطها الطائرات بدون طيار كل يوم.
كما خاض الجيش الأوكراني على عكس جيوش العالم حربًا مكثفة باستخدام الطائرات المسيرة، وهو ما منحه إمكانية للحصول على كميات كبيرة من بيانات ومعلومات القتال لتدريب نماذج الذكاء الاصطناعي العسكري، فمن جهة تُظهر الضربات الناجحة للطائرات المسيرة القدرات الكبيرة التي وصلت إليها أوكرانيا، في حين تكشف المهمات الفاشلة كيف تمكنت الحرب الإلكترونية الروسية، والتمويه، والظروف الجوية، أو الدفاعات الجوية من تعطيل عمل الطائرات المسيرة، وهو ما يسمح للبرامج العسكرية المستقبلية بالتكيف بشكل أسرع؛ حيث حولت أنظمة الاستهداف المدعومة بالذكاء الاصطناعي، مثل طائرة “هورنت” بيانات ساحة المعركة إلى ميزة عملياتية. فمن خلال تحديد مواقع القوات الروسية واستهدافها بكفاءة، كما إنها تدعم ما وصفه وزير الدفاع ميخايلو فيدوروف بـالإغلاق اللوجستي من خلال تعزيز بيانات الدرع التكنولوجي لأوكرانيا.
بالإضافة إلى ذلك، تعتمد هذه القدرات على استخدام برمجيات للتعرف على الأهداف وتتبعها باستخدام الذكاء الاصطناعي والكاميرات الحرارية، وهو ما يُعزز استقلاليتها في جميع مجالات الحرب. كما تعمل أوكرانيا على تطوير مركبات ذاتية القيادة مثل “سي ترايدنت” و”ماريتشكا”، وقد أعلنت منصة الابتكار التكنولوجي الدفاعي الأوكرانية عن تمويلها لروبوتات عسكرية شبيهة بالبشر، كما يُمكن لنظام الملاحة المدعوم بالذكاء الاصطناعي القائم على استخدام الطائرات المسيرة البحرية الأوكرانية من مواصلة تنفيذ المهام حتى في حال انقطاع الاتصالات. وفي ضوء ذلك، عملت أوكرانيا على تعزيز استخدامها للذكاء الاصطناعي في المسيرات؛ حيث إن هناك أكثر من 200 شركة تعمل على تطوير تقنيات الطائرات بدون طيار المدعومة بالذكاء الاصطناعي، بالإضافة إلى وجود أكثر من 70 نظامًا للذكاء الاصطناعي يتم استخدامهم في المعارك العسكرية.
على الجانب الآخر، تتبع روسيا النهج نفسه؛ وقد أعلن سيرجي بيسكريستنوف، خبير الطائرات المسيرة ومستشار وزارة الدفاع الأوكرانية، بإن روسيا تعمل على نشر طائرات “جيران” المسيرة المزودة بتقنية الذكاء الاصطناعي والتي تستخدم الرؤية الآلية للتعرف على الأهداف واستهدافها بصورة مستقلة، كما تعمل على تطوير أنظمة هجومية ذاتية التشغيل بالكامل، مثل ذخيرة V2U التي تستخدم وحدة الذكاء الاصطناعي NVIDIA Jetson Orin لتحديد الأهداف ومهاجمتها دون تدخل بشري.
اتجاهات الدمج ومسارات التعزيز
ساهمت طائرات الاستطلاع والمراقبة والاستخبارات بدون طيار في تسريع وتيرة العمليات القتالية، فالمراقبة الجوية المستمرة، إلى جانب استخدام أنظمة مثل “دلتا”، ومنصة الوعي الميداني الأوكرانية، وبرامج الذكاء الاصطناعي مثل “أفينجرز” عملت على مساعدة القوات في رصد الأهداف والاشتباك معها بسرعة غير مسبوقة، كما تعمل شركات مثل “وايلد هورنتس” على تطوير أنظمة برمجية متكاملة مثل “هورنت فيجن”.
وتعتبر أوكرانيا أول دولة في العالم تتمكن من تدريب نماذج الذكاء الاصطناعي للأنظمة غير المأهولة بناءً على بيانات ميدانية حقيقية؛ حيث تُستخدم بيانات العمليات القتالية لتدريب الشبكات التي ترصد الأهداف الأرضية والجوية ضمن نظام دلتا، وبدلًا من أن تحل تقنيات الذكاء الاصطناعي محل صانعي القرار البشريين، فإنها تساعد المشغلين على معالجة الكم الهائل من البيانات التي تُجمع يوميًا؛ إذ يمكنها مراقبة مساحات واسعة لرصد التغييرات، والكشف عن الأهداف المحتملة، وإنشاء نماذج ثلاثية الأبعاد، وتحديد الأنماط التي لا يستطيع أي شخص تحليلها بمفرده، ومن ثم تكليف الطائرات بدون طيار بتنفيذ بعض المهام بناءً على المعلومات الاستخباراتية، وفي بعض الأحيان تغير أهدافها إذا ظهرت فرصة أفضل للاستهداف.
ويمكن الإشارة هنا إلى إنه خلال تدريبات حلف الناتو، تم تنفيذ نفس العمليات القائمة على البيانات التي تستخدمها أوكرانيا يوميًا في ساحة المعركة، وهو ما يؤشر على التحول من استخدامها في الحرب الروسية الأوكرانية إلى تدريب النماذج العسكرية الدولية مثل استخدام طائرة دلتا والتي تعد جزءًا من منظومة عسكرية متكاملة؛ حيث تعمل أوكرانيا على تطوير برمجيات لمساعدة القادة على التخطيط وتحسين الهجمات بعيدة المدى من خلال دمج نظام بريزما لجمع المعلومات الاستخباراتية والأحوال الجوية ومسارات الطيران والدفاعات الجوية الروسية في بيانات عملياتية. بجانب ذلك، تم دمج برمجيات الذكاء الاصطناعي من شركة بالانتير في تخطيط الهجمات بعيدة المدى، وهو ما يعزز أهمية بيانات ساحة المعركة في صنع القرارات العسكرية على المستوى العملياتي؛ حيث سيكون الانتصار في الحروب الحديثة لجانب الجيوش التي تتعلم وتتكيف بشكل أسرع من خلال تحليل البيانات.
بالإضافة إلى ذلك، تدرب أوكرانيا نماذج الذكاء الاصطناعي المختلفة على القتال الحقيقي بدلًا من اعتماد أسلوب المحاكاة من خلال استخدام منصة Brave1 Dataroom؛ حيث يستطيع المطورون اختبار الخوارزميات باستخدام بعض الصور من ساحة المعركة التي تم جمعها في ظروف جوية مختلفة، وأوقات مختلفة من اليوم، وأنواع مختلفة من أجهزة الاستشعار، كما تم بناء غرفة بيانات Brave1 على حلول برمجيات Palantir وتحتوي على مجموعات منظمة من البيانات المرئية والحرارية حول الأهداف الجوية، بما في ذلك الطائرات بدون طيار من نوع شاهد.
وتعتبر هذه المبادرة أحد أهم نماذج التعاون الجديد بين أوكرانيا وحلف الناتو؛ حيث يتم العمل على تطوير تقنياتهم باستخدام بيانات القتال الأوكرانية، بينما تعمل كييف على تعزيز قدراتها على الجبهة؛ حيث يؤدي الحصول على بيانات أفضل إن تكون الطائرات المسيرة أكثر ذكاءً وقدرة على اتخاذ قرارات أسرع في ساحة المعركة، وهذا التطور يمثل أحد مميزات الحروب الحديثة.
وفي ضوء ذلك، تُغير بيانات ساحة المعركة طريقة قياس أوكرانيا للنجاح؛ إذ يتم تحويل المعلومات من خلال الطائرات المسيرة إلى نقاط إلكترونية، وهو ما يسمح للوحدات العسكرية بتحديد الأهداف، وهو ما يساعدها على أن تصبح أكثر احترافية واعتمادًا على البيانات التي أصبحت الذخيرة للحروب الحديثة.
تصدير النماذج العسكرية
بعد أكثر من أربع سنوات من الحرب الروسية – الأوكرانية جمعت أوكرانيا واحدة من أغنى قواعد بيانات القتال في العالم، وعملت على تحويلها إلى ميزة عسكرية، ويحظى هذا الجهد باهتمام متزايد من شركات التكنولوجيا؛ حيث عززت شركة بالانتير تعاونها مع كييف، بينما تقوم شركة ميسترال إيه آي الفرنسية الناشئة بإرسال مهندسين للاستفادة من منظومة الابتكار الدفاعي الأوكرانية.
وقد بدأ نهج أوكرانيا في استخدام الطائرات المسيرة يؤثر على اتجاهات واستراتيجيات جيوش الحلفاء؛ حيث تختبر فرنسا نظام قيادة ساحة المعركة “أركاديا” المدعوم بالذكاء الاصطناعي كبديل أوروبي لنظام “مافن” من شركة “بالانتير”، في ظل تزايد التنافس بين الجيوش لتطوير برمجيات تدمج بيانات ساحة المعركة للعمل على اتخاذ قرارات عملياتية أسرع. كما تأتي هذه التوجهات في ظل اعتماد روسيا استراتيجية تقوم على مبدأ الاستقلالية في ساحة المعركة، وهو ما يمثل أحد التحديات التي تواجه الجيوش الغربية، التي لا تزال تناقش مدى بقاء عملية صنع القرار تحت سيطرة البشر.
إن منظومة بالانتير في أوكرانيا ليست مجرد منصة قتالية حركية واحدة، بل تمثل أحد برامج التكامل للبيانات التي تقوم بتجميعها الطائرات المسيرة والأقمار الصناعية والاتصالات الدبلوماسية والتدفقات الاقتصادية. وفي ضوء تحويل كل هذه المعلومات إلى بيانات، سيصبح الذكاء الاصطناعي هو العامل المؤثر، لأنه الوحيد القادر على معالجتها، فمن يتقن نظام المراقبة الشاملة أولًا لن يربح الحرب، بل سيحدد ملامح القوة العسكرية واتجاهات الحروب المستقبلية.

