محمد حسن النبوي
باحث في وحدة الدراسات بمركز شمس للاستشارات والبحوث الاستراتيجية ومتخصص في الشأن الإيراني
تمثل “مذكرة تفاهم إسلام آباد” بشأن الاتفاق الأمريكي – الإيراني أحد التطورات الجيوسياسية بالغة الأهمية في مسار الصراع التاريخي الممتد بين الجمهورية الإسلامية الإيرانية والولايات المتحدة الأمريكية؛ حيث جاءت لتنهي مرحلة من المواجهات العسكرية المباشرة وحروب الوكالة التي هددت الاستقرار في منطقة الشرق الأوسط، وعرضت أمن ممرات الملاحة والتجارة الدولية في الخليج العربي والبحر الأحمر لتهديدات غير مسبوقة.
وتتمثل القيمة الاستراتيجية لهذه المذكرة في إنها لا تقف عند حدود “التهدئة المؤقتة” أو وقف الأعمال العدائية، بل تتخطى ذلك لتؤسس لإطار وخطة عمل على مختلف المستويات السياسية والأمنية والاقتصادية وبما يعمل على تفكيك ملفات الخلافات التي شكلت محددات العلاقات بينهما لعقود؛ وفي طليعتها منظومة العقوبات الاقتصادية الأمريكية، ومستقبل معدلات تخصيب اليورانيوم في البرنامج النووي الإيراني، إلى جانب إعادة ترسيم حدود الوجود العسكري الأمريكي ونفوذ القوى الحليفة لطهران. ومن هذا المنطلق، يمكن النظر إلى هذه الوثيقة كترجمة واقعية تسعى من خلالها كل من واشنطن وطهران إلى صياغة قواعد اشتباك جديدة وأكثر انضباطًا، وهو ما يفتح الباب أمام مرحلة انتقالية قد تفضي إلى إعادة تشكيل التوازنات الإقليمية والدولية، وصياغة خارطة تحالفات جديدة في الشرق الأوسط تقوم على التنافس المقبول والرغبة في التعايش بدلًا من الصدام.
أولًا: تثبيت وقف الحرب وإعادة ترتيب التوازنات الأمنية الإقليمية
تضع مذكرة تفاهم إسلام آباد البعد الأمني والعسكري في صدارة أولوياتها كركيزة أساسية لا يمكن التأسيس عليها دون شروط واضحة؛ إذ نصت الوثيقة على الإنهاء الفوري والدائم للعمليات العسكرية بين الأطراف المنخرطة في الصراع، مع تقديم تعهدات متبادلة بعدم اللجوء إلى القوة أو التهديد بها مستقبلًا، ويعكس هذا البند الادراك المشترك بين واشنطن وطهران لتداعيات حرب الاستنزاف، والتي يمكن إن تهدد أمن الطاقة العالمي وممرات الملاحة الدولية في مضيق هرمز وباب المندب، وجاء هذا التحول بعد تفاقم الخسائر الاقتصادية والعسكرية الناتجة عن ضربات الطائرات المسيرة والصواريخ البالستية، وهو ما رسخ قناعة لدى صناع القرار في الولايات المتحدة وإيران بأن استراتيجيات الردع التقليدية وحملات الضغط الأقصى لم تؤدِ إلا إلى طريق مسدود، وأن الاستمرار في هذا النهج سيؤدي إلى مواجهة إقليمية شاملة لا يمكن لأي طرف احتواء تداعياتها.
كما إن السمة الأكثر واقعية وتأثيرًا في هذا الاتفاق هي اشتراطه بوضوح ضرورة شمولية وقف إطلاق النار لجميع الجبهات المتداخلة، مع التركيز بشكل خاص على الساحة اللبنانية كأحد الملفات الرئيسية، إلى جانب الجبهات المساندة في اليمن والعراق وسوريا، ويكشف هذا الشمول عن قراءة واقعية لطبيعة الصراع الراهن؛ حيث أدركت الأطراف أن أي تهدئة ستظل هشة وعرضة للانهيار أمام استراتيجية “وحدة الساحات” التي أدارتها طهران خلال جولات التصعيد الأخيرة. ومن ثم، فإن الاتفاق يفرض على إيران كبح جماح شبكة حلفائها الإقليميين وضمان التزامهم بوقف العمليات الهجومية، مقابل التزام أمريكي موازي بوقف الضربات الاستباقية والاغتيالات السياسية، وتفكيك منظومة الاستهداف المباشر لقادة الفصائل، وهو ما يمثل تراجعًا تكتيكيًا من الطرفين لصالح تحقيق الاستقرار الإقليمي.
وتسعى المذكرة من خلال هذه الترتيبات إلى إيجاد مسار من الردع المتبادل القائم على التفاهمات السياسية والخطوط الحمراء المشتركة، بديلًا عن الردع العسكري التقليدي القائم على استخدام سياسة حافة الهاوية. وهذا التحول يشير إلى الانتقال من مواجهات عسكرية مفتوحة إلى التحكم في مسار التصعيد من خلال قنوات اتصال غير مباشرة؛ حيث تلعب العاصمة الباكستانية إسلام آباد، إلى جانب وسطاء إقليميين ودوليين، دور الضامن والمراقب لآليات التحقق من عدم حدوث خروقات ميدانية. وهذا النمط من الإدارة يوفر شبكة أمان تمنع تصعيد الفصائل أو الحوادث العرضية في البحار والمنافذ البرية من إشعال فتيل الحرب مجددًا، وهو ما يمنح الاتفاق مرونة وقدرة على الصمود أمام الاختبارات الميدانية المعقدة.
وفي المحصلة لا يعني هذا البند الأمني إنهاء التنافس الجيوسياسي بين واشنطن وطهران، بل ينقله إلى مرحلة جديدة من الإدارة؛ فالولايات المتحدة من خلال قبولها بهذه الصيغة فإنها تقر ضمنيًا بالأمر الواقع وبثقل النفوذ الإقليمي لإيران كلاعب لا يمكن تجاوزه في معادلة الشرق الأوسط، مقابل التزام الأخيرة بعدم تحويل هذا النفوذ إلى تهديد للمصالح الأمريكية الحيوية أو أمن الحلفاء الأساسيين. وفي المقابل، تحصل إيران على مجموعة من الضمانات الأمنية تحمي عمقها الداخلي ومنشآتها الحيوية وحلفاءها من العمليات العسكرية، وهو ما يمهد لإعادة ترتيبات التوازنات الأمنية في المنطقة وفق معادلة جديدة تقوم على تقاسم النفوذ وإنهاء حقبة الحروب المفتوحة بالوكالة، والتوجه نحو صياغة توازن قوى جديد يتسم بالحرص المتبادل على عدم الانزلاق نحو الصدام المباشر.
ثانيًا: البعد الاقتصادي للمذكرة بين رفع العقوبات وإعادة إعمار إيران
تتجاوز “مذكرة تفاهم إسلام آباد” الأطر الأمنية لتضع المحدد الاقتصادي كأحد الضمانات الرئيسية لاستدامة التسوية السياسية، مدفوعة باتجاهات منفعة متبادلة تهدف إلى احتواء التداعيات السلبية لحرب عام 2026 وأزمة المضائق التي خنقت أسواق الطاقة العالمية، ويتجلى ذلك في الالتزامات الأمريكية المتمثلة في الرفع الفوري للحصار البحري الأمريكي عن الموانئ الإيرانية خلال 30 يومًا، مع إلزام وزارة الخزانة الأمريكية بإصدار إعفاءات وتراخيص تتيح لطهران استئناف صادراتها من النفط الخام، والمنتجات البتروكيماوية، ومشتقاتها. وتكتمل هذه الخطوة برفع القيود عن الخدمات الحيوية المرتبطة بقطاع الطاقة كالمعاملات المصرفية عبر نظام “سويفت”، وخدمات التأمين والنقل البحري، فضلًا عن الإفراج عن عشرات المليارات من الأصول الإيرانية المجمدة في الخارج وإتاحتها للاستخدام وفق آليات متفق عليها.
وتكتسب هذه المقررات أهمية بالنظر إلى المؤشرات الهيكلية التي عاشها الاقتصاد الإيراني؛ حيث تسببت عقود العقوبات الأحادية والدولية المتراكمة، مدفوعةً بالحصار البحري الأخير، في انكماش حاد لمعدلات النمو، وهبوط قيمة العملة المحلية (الريال الإيراني) إلى مستويات قياسية ساهمت في رفع معدلات التضخم إلى ما فوق 40%، وتقليص صادرات النفط التي تعد الشريان المغذي للموازنة العامة. ومن شأن الافراج عن تدفقات النفط الإيراني وإعادة دمج القطاع المصرفي في المنظومة العالمية أن يمنح طهران قدرة سريعة على موازنة عجزها المالي، وتحقيق استقرار نسبي في أسعار الصرف، وضخ سيولة نقدية مباشرة في السوق المحلية لإعادة تنشيط الحركة التجارية والاستثمارية.
ومع ذلك، فإن المفاجأة الاستراتيجية والأكثر ثقلًا في البعد الاقتصادي للمذكرة تكمن في “البند السادس”، والذي يلزم الولايات المتحدة بالتعاون مع شركائها الإقليميين (وفي مقدمتهم قوى خليجية كالسعودية وقطر، إلى جانب وسطاء كباكستان وتركيا) في صياغة خطة تمويلية لإعادة إعمار وتنمية الاقتصاد الإيراني بقيمة لا تقل عن 300 مليار دولار، ويمثل هذا الرقم الذي يعد أضخم حزمة دعم اقتصادي تحصل عليها طهران في تاريخها الحديث، تحولًا جذريًا في العقيدة السياسية الأمريكية؛ حيث برر الرئيس دونالد ترامب هذه التنازلات غير المسبوقة بالحاجة الماسة لتأمين الملاحة والتجارة الدولية عبر مضيق هرمز بعد صدمة تراجع المعروض من النفط العالمي، كما إن هذا الصندوق التنموي، المصحوب بالتعهد بإنهاء العقوبات الأحادية والأممية وفق جدول زمني محدد في المفاوضات النهائية (التي تمتد لـ 60 يومًا)، لن يقتصر أثره على إعادة إعمار البنية التحتية المتهالكة لإيران فحسب، بل يهدف بالأساس إلى ربط الاقتصاد الإيراني باقتصادات الجوار الإقليمي، وتحويل حلفاء طهران الإقليميين من أدوات عسكرية إلى شركاء في التنمية، بما يضمن عدم عودة طهران لتهديد الممرات البحرية التي باتت تمثل شريان حياتها الجديد.
ومع ذلك، فإن العبور الآمن بهذه الترتيبات الطموحة، لا سيما “البند السادس” المتعلق بضخ 300 مليار دولار لإعادة الإعمار، يصطدم بمجموعة من الإجراءات المؤسسية والتعقيدات السياسية الداخلية لدى الطرفين، ففي واشنطن يواجه الرئيس ترامب تحديات كبيرة من جانب الكونجرس الذي يرى في هذه الحزمة المالية الضخمة، وفي تسييل الأصول المجمدة، مكافأة مجانية واستسلامًا لطهران لا يمكن تسويقه للمشرع الأمريكي، ومن المحتمل ظهور مجموعة من الاتجاهات التي ستعمل على تعطيل آليات التمويل أو ربطها بتفكيك كامل للمنظومة الصاروخية الإيرانية، وفي المقابل لا يبدو المشهد في طهران أقل تعقيدًا؛ حيث يواجه الجناح البراجماتي ضغوطًا من التيار الأيديولوجي المتشدد ومؤسسة الحرس الثوري، واللذين ينظرون بارتياب إلى بنود “الخلط العكسي” لليورانيوم عالي النقاء والتفتيش اليومي كمساس بالسيادة الوطنية، فضلًا عن الخوف من أن ربط الاقتصاد الإيراني باقتصادات الجوار تحت إشراف قوى إقليمية ودولية يمثل أحد المحاولات لاحتواء الثورة وتجريد طهران من أوراق قوتها الإقليمية التي تراكمت عبر عقود. هذا الاختلاف الداخلي يضع “مهلة الـ 60 يومًا” في مواجهة تحديات كبيرة، ويجعل الاتفاق مهددًا بالتوقف ليس بسبب التفاصيل الفنية للمذكرة، بل بفعل قدرة “جبهات الرفض الداخلي” في كلا البلدين على كبح جماح الإرادة السياسية لقادة البلدين.
وتكتسب البنود الواردة في المذكرة أهمية خاصة باعتبارها مؤشرات أولية مرتبطة بالتصورات المطروحة خلال المفاوضات الجارية؛ إذ إن الحجم النهائي للأصول المفرج عنها، وقيمة برامج إعادة الإعمار والتنمية الاقتصادية، وآليات تمويلها، سيظل مرهونًا بالاتفاقات التنفيذية اللاحقة وبمدى التزام الأطراف ببنود التسوية النهائية، ومن ثم ينبغي النظر إلى هذه التقديرات بوصفها أهدافًا تفاوضية قابلة للتعديل وفقًا لمخرجات المباحثات الفنية والسياسية خلال المرحلة الانتقالية.
ثالثًا: الملف النووي الإيراني بين التجميد والتسوية النهائية
يظل البرنامج النووي الإيراني أعقد الملفات في معادلة العلاقات الأمريكية – الإيرانية، ولذلك أفردت “مذكرة تفاهم إسلام آباد” مساحة محورية لوضع مقاربة تفاوضية جديدة تنهي الدوامة العسكرية والدبلوماسية التي بلغت ذروتها بين عامي 2025 و2026. وجددت طهران بموجب المذكرة التزامها الصارم ببنود معاهدة حظر انتشار الأسلحة النووية (NPT) وعدم السعي لإنتاج أو امتلاك سلاح نووي، في مقابل تفاهم مشترك لمعالجة الوضع المعقد للمواد المخصبة المخزنة والبنية التحتية المتضررة جراء الضربات العسكرية الأخيرة عبر آليات فنية تخضع بالكامل لإشراف وتفتيش الوكالة الدولية للطاقة الذرية (IAEA). ويمثل هذا التوجه محاولة براجماتية للتوفيق بين المطلب الدولي بمنع الانتشار النووي، وبين إصرار إيران على حماية سيادتها وحقها المشروع في تطوير الطاقة النووية للأغراض السلمية والطبية.
وتكشف القراءة لبنود المذكرة عن الانتقال من “أزمة الاختراق النووي” إلى التجميد والإشراف؛ حيث تفرض الوثيقة إطارًا تفاوضيًا ممتدًا لـ 60 يومًا لتحديد المصير النهائي لمخزون إيران من اليورانيوم المخصب، ومن الناحية الفنية تتركز النقاشات حول خيارين أساسيين لتطهير الساحة من تداعيات البريك-أوت؛ حيث يفرض الاتفاق التجميد الفوري لتخصيب اليورانيوم فوق نسبة 3.67%، بعد أن كان قد وصل في ذروة التصعيد إلى عتبة 60% المقتربة من درجة النقاء العسكري البالغة 90%. وتتجه المفاوضات نحو إلزام طهران بنقل مخزونها الحالي عالي النقاء، والذي قُدر بمئات الكيلوجرامات المستخدمة كأوراق ضغط، إلى خارج البلاد (كبنك الوقود النووي في كازاخستان) أو البدء بعمليات الخلط العكسي داخليًا لتحويله إلى يورانيوم منخفض التخصيب صالح لتشغيل مفاعلات الطاقة المدنية كمفاعل بوشهر، بالتوازي مع العودة الكاملة لآليات التحقق والمراقبة اليومية للوكالة الدولية بعد فترة طويلة من تقييد المفتشين ووقف العمل بالبروتوكول الإضافي.
إن هذا الإطار التفاوضي يعكس الادراك المتبادل بين إدارة ترامب وطهران لضرورة الاتفاق؛ فمن جهة، أثبتت التجربة أن تدمير البنية التحتية الظاهرة للمنشآت المحصنة (مثل فوردو ونطنز) عبر العمليات العسكرية لا يلغي “المعرفة التكنولوجية التراكمية” التي يمتلكها العلماء الإيرانيون، ومن جهة أخرى، أدركت طهران أن المضي قدمًا نحو نسبة 90% سيعني العودة إلى حرب شاملة تنهي النظام اقتصاديًا وسياسيًا. وبناءً على ذلك، لم تحسم المذكرة القضية بصورة قطعية ونهائية، بل نجحت في ترتيب “هدنة نووية مؤقتة” تُقايَض فيها القيود التقنية وعمليات المراقبة والتفتيش برفع العقوبات، وهو ما يمنح الدبلوماسية فرصة لصياغة اتفاق شامل ومستدام يحل محل اتفاق عام 2015، ويضمن خفض التصعيد الجيوسياسي في المنطقة.
ومع ذلك يظل الرهان الفني على هذه الإجراءات محفوفًا بالمخاطر؛ فالمشكلة لا تكمن فقط في تصفير مخزون اليورانيوم، بل في مصير أجهزة الطرد المركزي المتقدمة التي تمنح طهران قدرة العودة على إنتاج اليورانيوم المخصب، فضلًا عن المعضلة التاريخية المتعلقة بحدود صلاحيات مفتشي الوكالة الدولية في مراقبة المواقع العسكرية، كما تثبت الخبرات التفاوضية مع إيران عن صعوبة تنفيذ بعض البنود خاصة المواقع العسكرية غير المعلنة (مثل موقع بارشين سابقًا)، فالوكالة الدولية غالبًا ما تطلب دخول بعض المواقع التي ترفض إيران فتحها بدعوى “الأمن القومي”، وهي السبب وراء انسحاب واشنطن من اتفاق 2015.
رابعًا: الدلالات الجيوسياسية للمذكرة ومستقبل النظام الإقليمي
تحمل “مذكرة تفاهم إسلام آباد” في بنودها مجموعة من المؤشرات الجيوسياسية التي تؤسس لإعادة هيكلة النظام الإقليمي في الشرق الأوسط، وتكشف عن التحولات في موازين القوى وأساليب إدارة الأزمات الدولية. ولعل المؤشر الأبرز في هذا السياق يتمثل في الدور الباكستاني وتأثيره الدبلوماسي كقوة وسيطة قادرة على ترتيب ورعاية قنوات تفاوضية معقدة؛ حيث تجاوز هذا الدور مفهوم “الوساطة التقليدية” ليقدم إسلام آباد كجسر جيواستراتيجي يربط بين أمن جنوب آسيا وأمن الخليج العربي؛ مستغلةً في ذلك ثقلها العسكري كدولة نووية وعلاقاتها المتوازنة تاريخيًا مع طهران من جهة، وشراكتها الاستراتيجية والاقتصادية مع واشنطن وحلفائها الخليجيين من جهة أخرى، وهو ما يمنحها القدرة على تقديم ضمانات أمنية وسياسية مقبولة من كلا المعسكرين.
كما يكشف الاتفاق عن التحول في عقيدة إدارة الصراعات لدى القوى العظمى والفاعلين الإقليميين؛ إذ يعكس التفاهم اعترافًا صريحًا بتراجع فعالية أدوات الضغط العسكري والعقوبات الاقتصادية الشاملة كأدوات لفرض الاستسلام أو تغيير السلوك السياسي. فمن الناحية الواقعية والقابلة للقياس أكاديميًا، أثبتت جولات التصعيد الأخيرة أن الاعتماد المتبادل بين أمن الطاقة العالمي واستقرار الممرات المائية يجعل من تكلفة الحروب المفتوحة عبئًا لا يمكن للاقتصاد العالمي تحمله؛ حيث تسبب تهديد الملاحة في مضيق هرمز وباب المندب برفع كلف التأمين الشامل على ناقلات النفط بنسب قياسية تجاوزت 200%، فضلًا عن تذبذب إمدادات الغاز والنفط عالميًا، وهي مؤشرات أجبرت واشنطن وطهران على النزول من أعلى مستوى التصعيد العسكري واللجوء إلى تسوية سياسية تراعي المصالح المتبادلة لكل طرف.
وعلى مستوى ترتيب التوازنات الإقليمية، تؤشر المذكرة إلى انتقال الشرق الأوسط من “الاستقطاب والحروب بالوكالة” إلى مرحلة جديدة تفضي إلى إعادة توزيع النفوذ بين القوى الفاعلة عبر قنوات التفاوض بدلًا من الصدام العسكري. ويظهر هذا التحول في دمج ملفات العقوبات الاقتصادية، والبرنامج النووي، وأمن الممرات البحرية في سلة تفاوضية واحدة، وهو ما يعكس الاتجاه نحو بناء نظام أمني إقليمي يقوم على تشابك المصالح والضمانات المتبادلة. وفي هذا النظام الناشئ، تتحول إيران من دور “القوة المهددة للاستقرار الإقليمي” إلى شريك إقليمي يقع عليها مسئوليات والتزامات قانونية واقتصادية، مقابل اعتراف أمريكي وغربي بوزنها الجيوسياسي، وهو ما يمهد الطريق لصياغة توازن قوى جديد أكثر استقرارًا يعتمد على مفهوم “الأمن الجماعي” بدلًا من المواجهات العسكرية المفتوحة.
في الختام: تمثل “مذكرة تفاهم إسلام آباد” محاولة وتحول نوعي للانتقال بالشرق الأوسط من مرحلة الحروب والصدام العسكري، إلى مرحلة التسوية السياسية وإدارة الخلافات عبر القنوات السياسية والدبلوماسية؛ حيث تتمثل القيمة الحقيقية لهذه المذكرة ليس فقط في نجاحها في وقف العمليات العسكرية، بل في شموليتها التأسيسية التي حاولت تفكيك جذور الأزمة (السياسية، والاقتصادية، والأمنية، والتكنولوجية) عبر مجموعة من الالتزامات المتبادلة التي تضمن ألا يخرج أي طرف مناديًا بالانتصار أو معلنًا للاستسلام. كما قدمت المذكرة محاولة للتحول من مرحلة بناء الثقة وصدق النوايا إلى التنفيذ والالتزام بجداولها الزمنية الصارمة خلال مهلة الـ 60 يومًا الانتقالية. ويتوقف هذا النجاح بشكل مباشر على مدى التزام طهران بالتحكم في عمل الفصائل الحليفة لها لضمان عدم حدوث خروقات ميدانية تطيح بالهدنة، بالتوازي مع سرعة وتيرة العمل الفني للوكالة الدولية للطاقة الذرية في عمليات الخلط العكسي أو شحن مخزونات اليورانيوم عالي النقاء إلى الخارج لتصفير خطر الاختراق النووي. ويتكامل ذلك مع كفاءة آليات الرقابة المالية وسرعة استجابة وزارة الخزانة الأمريكية في تفعيل الإعفاءات النفطية والمصرفية عبر نظام سويفت، لضمان التدفقات النقدية لدعم الاقتصاد الإيراني المنهك كترجمة فعلية لبنود الاتفاق الاقتصادي.
تعكس هذه المذكرة الادراك المتبادل بإن تكلفة الاستمرار في المواجهة العسكرية الشاملة واستهداف ممرات التجارة الدولية أصبحت تفوق بكثير تكلفة تقديم التنازلات الدبلوماسية المتبادلة. ورغم أن حذر الشكوك المتبادلة وهشاشة الثقة سيظلان يخيمان على مسار المفاوضات النهائية، إلا أن “تفاهم إسلام آباد” يظل الخيار الواقعي الوحيد المتاح حاليًا لمنع الانزلاق نحو فوضى إقليمية غير قابلة للاحتواء، وبداية لصياغة نموذج إقليمي جديد يعتمد على الضمانات الأمنية والاقتصادية المشتركة.

