محمود كمال البهنساوي
باحث في العلوم السياسية
شهد الشرق الأوسط خلال السنوات الأخيرة تحولات متسارعة في موازين القوى الإقليمية، نتيجة تصاعد الأزمات والصراعات، وتغير طبيعة العلاقات بين القوى الإقليمية والدولية. وفي ظل هذه التحولات، برزت دول الخليج العربية بوصفها أحد أهم الفاعلين في المنطقة؛ حيث لم يعد دورها يقتصر على أهميتها الاقتصادية، بل امتد ليشمل التأثير في القضايا السياسية والأمنية، والمشاركة في إدارة الأزمات الإقليمية، وبناء شراكات استراتيجية مع مختلف القوى الدولية والإقليمية.
وفي ضوء هذه التطورات يتناول هذا التحليل دور دول الخليج في إعادة تشكيل موازين القوى الإقليمية في الشرق الأوسط، من خلال استعراض بعض مصادر قوة الدور الخليجي، وتحليل طبيعة العلاقات الخليجية الإيرانية قبل الحرب وبعدها، وبيان تأثير هذا التحول على النفوذ الإيراني، بالإضافة إلى دراسة التقارب الخليجي التركي وانعكاساته على التوازنات الإقليمية، كما تهدف الدراسة إلى توضيح الكيفية التي أصبحت بها دول الخليج أحد أهم مراكز التأثير في رسم مستقبل المنطقة.
أولًا: الدور الخليجي وتأثيره في موازين القوى الإقليمية
شهدت دول الخليج العربية خلال السنوات الأخيرة تحولًا واضحًا في أدوارها الإقليمية والدولية، فلم تعد تقتصر على كونها منطقة ذات أهمية اقتصادية بسبب احتياطيات النفط والغاز، بل أصبحت فاعلًا رئيسيًا في صياغة التفاعلات السياسية والأمنية في الشرق الأوسط. وقد جاء هذا التحول نتيجة امتلاك دول الخليج لمجموعة من مقومات القوة، شملت الإمكانات الاقتصادية الضخمة الغير معتمدة فقط على النفط بل أساليب أخرى كجذب الاستثمارات والشراكات الدولية وتطوير برامج السياحة، بالإضافة إلى الموقع الجغرافي الاستراتيجي والذي ظهرت قوته وأهميته بشكل واضح خلال الحرب الأمريكية الإيرانية.
كما ساهم التطور الذي شهده مجلس التعاون لدول الخليج العربية في تعزيز هذا الدور؛ إذ انتقل المجلس من إطار يركز على التنسيق بين الدول الأعضاء إلى منصة أكثر فاعلية في التعامل مع القضايا الإقليمية والدولية. وأصبح قادرًا على اتخاذ مواقف مشتركة تجاه العديد من الملفات السياسية والأمنية مثل الموقف من إيران في الفترة السابقة، بما يعزز من مكانة دول الخليج ككتلة إقليمية مؤثرة.
وقد برزت المملكة العربية السعودية بوصفها أحد أهم ركائز هذا التحول، مستفيدة من ثقلها السياسي والاقتصادي ومكانتها في أسواق الطاقة العالمية، فضلًا عن دورها الدبلوماسي في إدارة العديد من الأزمات الإقليمية والدولية. وقد انعكس ذلك في استضافة القمم الدولية، والوساطة في عدد من النزاعات، وتعزيز العلاقات مع مختلف القوى الكبرى، وهو ما جعلها لاعبًا رئيسيًا في جهود تحقيق الاستقرار الإقليمي.
وعلى الصعيد الدولي، اتجهت دول الخليج إلى تنويع شراكتها الاستراتيجية، فلم تعد تعتمد على شريك دولي واحد، بل عملت على توسيع علاقاتها مع الولايات المتحدة والصين والاتحاد الأوروبي والهند وباكستان وغيرها من القوى الصاعدة. وقد منح هذا التنوع دول الخليج هامشًا أكبر من الاستقلالية في إدارة سياستها الخارجية، وساعدها على تحقيق توازن في علاقاتها الدولية بما يخدم مصالحها الاستراتيجية.
كما اكتسبت قضايا أمن الطاقة وأمن الممرات البحرية أهمية متزايدة في السياسة الخليجية، خاصة مع استمرار التوترات الإقليمية في منطقة الخليج العربي والبحر الأحمر. وأصبحت دول الخليج شريكًا أساسيًا في الجهود الدولية الرامية إلى حماية حرية الملاحة وضمان استقرار أسواق الطاقة العالمية، وهو ما عزز من مكانتها في حسابات القوى الكبرى.
ثانيًا: دول الخليج وإيران قبل الحرب
قبل اندلاع الحرب وتحديدًا منذ 2022 اتجهت دول الخليج إلى انتهاج سياسة تقوم على خفض التوتر مع إيران، مع الحفاظ في الوقت نفسه على جاهزيتها الأمنية وتعزيز علاقاتها مع القوى الدولية. وقد ساهم اتفاق استئناف العلاقات بين المملكة العربية السعودية وإيران عام 2023 في خفض مستوى التصعيد بين الطرفين، لكنه لم يُنهِ الخلافات المتعلقة بالملفات الإقليمية، بل فتح المجال لإدارة المنافسة بوسائل دبلوماسية أكثر من المواجهة المباشرة. كما عزز هذا النهج من استقرار منطقة الخليج وواجه قدرة إيران على استخدام التصعيد كورقة ضغط دائمة؛ حيث واصلت دول الخليج تطوير قدراتها العسكرية والدفاعية، وعززت تعاونها الأمني مع الولايات المتحدة والدول الغربية، خاصة في مجالات الدفاع الجوي وأمن الملاحة البحرية، وهو ما أدى إلى رفع مستوى الردع في المنطقة، وتقليل قدرة إيران على تهديد أمن الخليج أو التأثير في حركة التجارة والطاقة عبر الخليج العربي ومضيق هرمز بما ساهم في تعزيز الوزن السياسي والاقتصادي لدول الخليج، وهو ما أدى إلى ارتفاع مستوى التحديات الاقتصادية أمام إيران نتيجة العقوبات الدولية وانعكس على قدرتها في تمويل حلفائها الإقليميين.
ثالثًا: دول الخليج وإيران بعد الحرب
مثلت الحرب الأمريكية الإيرانية نقطة تحول مفصلية في بنية النظام الإقليمي في منطقة الشرق الأوسط؛ إذ لم تقتصر آثارها على البعد العسكري، وإنما امتدت إلى إعادة توزيع مراكز النفوذ بين القوى الإقليمية، وإعادة تعريف مفهوم الردع، وطبيعة التحالفات، وأولويات الأمن الإقليمي، كما كشفت الحرب عن انتقال المنطقة من مرحلة اتسمت بسيطرة التنافس العسكري التقليدي إلى مرحلة جديدة أصبحت فيها القوة الاقتصادية، والأدوات الدبلوماسية، والقدرة على بناء الشراكات المتعددة، المحددات الرئيسية في تحديد مكانة الفاعلين الإقليميين.
وتشير الخبرات التاريخية إلى إن الحروب التي تتسبب في تأثيرات جماعية لا تنتهي بانتهاء العمليات العسكرية، بل تبدأ بعدها عملية إعادة تشكيل النظام الإقليمي. وفي هذا السياق لا يكون السؤال الرئيسي في من انتصر عسكريًا، بل من استطاع استثمار نتائج الحرب سياسيًا واستراتيجيًا، وهنا تبرز دول الخليج بوصفها الطرف الساعي الى استثمار البيئة الإقليمية الجديدة لتعزيز مكانتها، مستفيدة من التوجهات السياسية والاقتصادية والعسكرية التي كانت قد بدأت قبل اندلاع الحرب بعدة سنوات بتوجه دول الخليج نحو دبلوماسية حل الخلافات وتنويع الشراكات الدولية.
1. الحرب كعامل محفز للتحول الخليجي
من الصعوبة بمكان تفسير صعود الدور الخليجي باعتباره نتيجة مباشرة للحرب الأمريكية الإيرانية فقط، لأن المؤشرات الدالة على هذا الصعود بدأت قبلها، من خلال برامج التنويع الاقتصادي؛ حيث وصلت نسبة مساهمة الأنشطة غير النفطية في الناتج المحلي الإجمالي لعام 2023 إلى 71.2% مقارنة ب52.6% في عام 2011 وفقًا لإحصائيات مجلس التعاون لدول الخليج العربي، بالإضافة إلى ذلك عملت دول الخليج على توسيع الشراكات الدولية، وتعزيز القدرات الدفاعية، والحضور الدبلوماسي كما شهدنا تصاعد في الدور القطري الوسيط مع باكستان بين إيران والولايات المتحدة بجانب دورها في إدارة جولات المفاوضات سواء بين وفود اسرائيل والفصائل الفلسطينية أو جهود الوساطة بين روسيا وأوكرانيا. ولذلك، يمكن النظر إلى الحرب باعتبارها عاملًا محفز لتسريع عملية تحول دول الخليج إلى قوة تمتلك أدوات متعددة للتأثير، وقد عززت هذه النتيجة قدرة دول الخليج على الانتقال من سياسة إدارة المخاطر إلى سياسة إدارة الفرص؛ إذ لم تعد تقتصر على احتواء تداعيات الأزمات، بل أصبحت تسعى إلى استثمارها في تعزيز موقعها داخل النظام الإقليمي مثل السياسة القطرية تجاه عمليات وقف إطلاق النار بين الولايات المتحدة وإيران.
2. تراجع القدرة الإيرانية
على الناحية الايرانية؛ أفرزت الحرب مجموعة من عوامل الضغط على إيران، تمثلت في ارتفاع تكلفة الإنفاق العسكري التي تصل الى 7891.90 مليون دولار كتقدير أدنى، وما يزيد الوضع صعوبة أنها تأتي في ظل ضغوط اقتصادية تتعرض لها إيران من عقوبات اقتصادية نتيجة لسياسة غلق مضيق هرمز. كما أن استمرار العقوبات، إلى جانب تداعيات الحرب، فرضت ضغوطًا إضافية على الاقتصاد الإيراني، وهو ما عمل على إضعاف قدرة طهران على توسيع هامش حركتها الخارجية.
وفي المقابل، تعاملت دول الخليج مع البيئة الإقليمية الجديدة باستراتيجية مختلفة؛ إذ ركزت على استثمار القدرات الاقتصادية في تعزيز نفوذها الخارجي، وساعدها في ذلك امتلاكها موارد اقتصادية ومالية كبيرة. ومن ثم فإن الفارق الأساسي بين الخليج وإيران ليس في حجم القدرات العسكرية، وإنما في القدرة على تحويل القوة الاقتصادية إلى نفوذ سياسي، وهو ما عزز مكانتها بوصفها أحد أهم مراكز الثقل في الشرق الأوسط.
وقد أظهرت الحرب أن النظام الإقليمي يتجه نحو بناء نظام إقليمي جديد يقوم على أساس التعددية؛ حيث لم تعد أي قوة إقليمية قادرة على فرض إرادتها منفردة، بل أصبح التأثير مرهون بالقدرة على بناء شبكات من التحالفات والشراكات الاقتصادية والأمنية. وفي هذا السياق، نجحت دول الخليج في استثمار علاقاتها المتوازنة مع الولايات المتحدة والصين والاتحاد الأوروبي وتركيا، بل بعضها أخذ طابعًا دفاعيًا كما بين السعودية وباكستان والتي وقعت في 17 سبتمبر 2025 اتفاقية دفاع مشترك لتعزيز استقلالية القرار الاستراتيجي، وهو ما منحها وزنًا سياسيًا يفوق ما تمتلكه من أدوات القوة العسكرية وحدها.
وتشير معطيات هذه المرحلة إلى أن الحرب الأمريكية الإيرانية لم تُنهِ التنافس الخليجي الإيراني، لكنها غيرت قواعده. فبدلًا من هيمنة التنافس على امتلاك القدرات العسكرية، أصبحت المنافسة تدور حول القدرة على إنتاج النفوذ عبر الاقتصاد والدبلوماسية والتكنولوجيا والتحالفات. ومن ثم فإن التحول الحقيقي في ميزان القوى لا يتمثل في تراجع إيران فقط، وإنما في صعود نموذج خليجي جديد للقوة الشاملة، يجمع بين الاستقرار الاقتصادي، والمرونة الدبلوماسية، والقدرة على بناء شراكات متعددة، وهو ما يجعل تأثيره مرشحًا للاستمرار حتى في حال تغير الظروف الأمنية في المنطقة.
ويمكن القول إنه بعد الحرب الأمريكية الإيرانية، برزت دول الخليج بوصفها أحد أهم الأطراف الساعية إلى منع اتساع الصراع والحفاظ على استقرار المنطقة. فقد عملت على تكثيف التنسيق الأمني والسياسي فيما بينها، مع استمرار التعاون مع الولايات المتحدة والشركاء الدوليين لحماية أمن الطاقة والممرات البحرية، وهو ما عزز مكانة دول الخليج باعتبارها عنصرًا رئيسيًا في استقرار الاقتصاد العالمي وتسبب بشكل مباشر بزيادة العقوبات الدولية على إيران باعتبارها تهدد أمن الطاقة العالمي.
كما أظهرت الحرب تراجعًا نسبيًا في النفوذ الإقليمي لإيران، خاصة مع تعرض عدد من حلفائها لضغوط عسكرية وسياسية في عدة ساحات إقليمي؛ حيث استفادت دول الخليج من هذا الوضع لتعزيز حضورها السياسي والدبلوماسي، وتوسيع دورها في جهود الوساطة وخفض التصعيد، وهو ما ساهم في انتقالها من موقع المتأثر بالأزمات إلى موقع المشارك في إدارة التوازنات الإقليمية.
رابعًا: التقارب الخليجي التركي وتأثيره على قوة تركيا
منذ اندلاع الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، وجدت تركيا نفسها أمام معادلة إقليمية غير مستقرة؛ حيث إنها لا ترغب في تحقيق انتصار إيراني يعيد تعزيز نفوذها الإقليمي، وفي الوقت نفسه تتخوف من أن يؤدي انهيار الدولة الإيرانية إلى فراغ أمني يهدد أمنها القومي عبر موجات لجوء جديدة، وتصاعد نشاط التنظيمات الشيعية المسلحة، واضطراب طرق التجارة والطاقة. وفي هذا السياق، برزت دول الخليج باعتبارها الشريك الإقليمي الأكثر قدرة على تعويض جزء كبير من الخسائر المحتملة التي قد تتكبدها أنقرة نتيجة الحرب، وهو ما منح التقارب التركي الخليجي بعدًا استراتيجيًا غير مسبوق، تجاوز الاعتبارات الاقتصادية إلى إعادة صياغة ميزان القوى في الشرق الأوسط. وأوجد مسارات يمكن من خلالها تركيا الاستفادة منها في تعزيز أمنها الاقتصادي وأمن الطاقة. فمع تصاعد التهديدات التي طالت الملاحة في الخليج وإغلاق مضيق هرمز، سعت أنقرة إلى توثيق تعاونها مع السعودية وقطر والإمارات وسلطنة عُمان لضمان استمرار تدفقات الطاقة والحد من تأثير اضطراب الأسواق العالمية. وتزداد أهمية هذه الخطوة إذا ما أُخذ في الاعتبار أن تركيا تستورد ما يزيد على 90% من احتياجاتها من النفط والغاز، وهو ما يجعل أي اضطراب في الخليج ينعكس مباشرة على معدلات التضخم وسعر صرف الليرة التركية. لذلك، أصبح التنسيق مع دول الخليج بمثابة أحد المسارات لحماية الاقتصاد التركي من الصدمات الخارجية، وليس مجرد تعاون تجاري تقليدي. كما دفعت الحرب إلى زيادة الاهتمام بمشروعات الربط اللوجستي وممرات الطاقة البديلة، وفي مقدمتها مشروع (طريق التنمية) الذي يربط موانئ الخليج بتركيا ومنها إلى أوروبا، بما يعزز مكانة أنقرة كمركز إقليمي للطاقة والنقل.
وعلى المستوى الاقتصادي، أسهم التقارب التركي مع الدول الخليجية في إيجاد مسارًا مهمًا للاقتصاد التركي في ظل استمرار الضغوط المالية الداخلية. فقد ارتفع حجم التجارة بين تركيا ودول مجلس التعاون الخليجي من نحو 22.7 مليار دولار عام 2022 إلى نحو 27.7 مليار دولار في 2025، مع استهداف 31.5 مليار دولار خلال السنوات التالية، بالتزامن مع استمرار المفاوضات الخاصة باتفاقية التجارة الحرة التي بدأت رسميًا عام 2024. ولا تقتصر أهمية هذه الأرقام على قيمتها التجارية فحسب، وإنما تعكس تحول دول الخليج إلى أحد أهم مصادر الاستثمار والتدفق الأجنبي للعملة بالنسبة لتركيا، وهو ما وفر لأنقرة قدرة أكبر على دعم احتياطيات النقد الأجنبي، وتخفيف الضغوط على الليرة، وتمويل قطاعات الصناعة والطاقة والبنية التحتية.
كما استفادت تركيا بصورة مباشرة من التحول الخليجي نحو تنويع الشراكات الدفاعية في ظل البيئة الأمنية الجديدة التي فرضتها الحرب؛ حيث دفعت الهجمات الإيرانية بالصواريخ والطائرات المسيرة على أهداف في المنطقة إلى زيادة الطلب الخليجي على أنظمة الدفاع الحديثة، وهو ما منح الصناعات العسكرية التركية فرصة كبيرة للتوسع. وتحولت الشركات التركية، وعلى رأسها شركة بايكار، إلى شريك دفاعي رئيسي لعدد من دول الخليج. ومن الناحية الجيوسياسية، فقد ساهم التقارب التركي مع دول الخليج في تعويض جانب من الفراغ الإقليمي الذي خلفه تراجع النفوذ الإيراني نتيجة الحرب. فقد أدى إضعاف القدرات العسكرية الإيرانية وتراجع نفوذ طهران في عدد من الساحات العربية إلى منح أنقرة مساحة أوسع للتحرك، خصوصًا في سوريا والعراق. وفي هذا الإطار، أصبحت تركيا تعتمد على التمويل الخليجي في ملفات إعادة الإعمار، بينما توفر هي القدرات اللوجستية والهندسية والعسكرية، وهو ما أنتج نموذجًا جديدًا لتقاسم الأدوار بين الطرفين. ويُعد الملف السوري المثال الأوضح على هذه الشراكة؛ إذ أصبحت فرص إعادة الإعمار والاستقرار ترتبط بتكامل رأس المال الخليجي مع النفوذ الميداني والخبرة التركية، بما يعزز نفوذ أنقرة داخل سوريا دون تحمل الأعباء الاقتصادية منفردة.
ومن منظور ميزان القوى الإقليمي، يمكن القول إن التقارب التركي الخليجي أسهم في تحويل تركيا من دولة كانت تسعى إلى استعادة نفوذها الإقليمي منفردة إلى دولة تقود شبكة واسعة من الشراكات الإقليمية. فبدلًا من الاعتماد على أدوات القوة العسكرية فقط، أصبحت أنقرة تمتلك مزيجًا من أدوات القوة الاقتصادية والاستثمارية والدفاعية والسياسية، مدعومة بإمكانات دول الخليج الاقتصادية. ومع تراجع الدور الإيراني، برز هذا المحور باعتباره أحد أهم مراكز الثقل في الشرق الأوسط، خاصة أنه يجمع بين الموارد المالية الخليجية، والقدرات الصناعية والعسكرية التركية، والموقع الجغرافي الذي يربط الخليج بالأسواق الأوروبية والآسيوية.
وبناءً على ذلك، يمكن الاستنتاج أن الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران لم تؤدي فقط إلى إضعاف النفوذ الإيراني، بل ساهمت أيضًا في تسريع عملية إعادة تشكيل التوازنات الإقليمية. وكانت تركيا من أبرز المستفيدين من هذه التحولات بفضل شراكتها المتنامية مع دول الخليج، التي وفرت لها دعمًا اقتصاديًا واستثماريًا ودفاعيًا وسياسيًا، وعززت من قدرتها على التحول إلى قوة إقليمية أكثر تأثيرًا في معادلات الأمن والطاقة والتجارة في الشرق الأوسط، وهو ما يجعل التقارب التركي الخليجي أحد أهم محددات النظام الإقليمي الجديد خلال مرحلة ما بعد عام 2025.
وفي ضوء ما سبق، يتضح أن دول الخليج شهدت خلال السنوات الأخيرة تحولًا كبيرًا في دورها الإقليمي والدولي؛ حيث أصبحت تمتلك تأثيرًا متزايدًا في موازين القوى بالشرق الأوسط استنادًا على أهميتها وقوتها الاقتصادية، وتنوع شراكاتها الدولية، وتطور قدراتها السياسية والدبلوماسية، وهو ما ساعدها على الانتقال من دور المتأثر بالأحداث إلى توجيه العديد من التفاعلات الإقليمية.
في الختام: يمكن القول إن دول الخليج أصبحت أحد أهم الأطراف المؤثرة في إعادة تشكيل موازين القوى الإقليمية، ومن المتوقع أن يستمر هذا الدور في النمو خلال السنوات المقبلة في ظل استمرار التحولات التي يشهدها الشرق الأوسط. وقد توصل التحليل إلى مجموعة من النتائج من أهمها:
1. شهدت دول الخليج تحولًا ملحوظًا من قوة اقتصادية تعتمد على موارد الطاقة إلى قوة إقليمية تمتلك أدوات سياسية ودبلوماسية واستراتيجية مؤثرة في قضايا الشرق الأوسط.
2. أظهرت الحرب تراجعًا نسبيًا في النفوذ الإقليمي لإيران، وهو ما أتاح لدول الخليج توسيع دورها السياسي والدبلوماسي، والعمل على زيادة تأثيرها في قضايا مثل سوريا، لبنان، البحر الاحمر.
3. أدى التقارب الخليجي التركي إلى إنشاء شراكة استراتيجية شملت المجالات السياسية والاقتصادية والعسكرية، وأسهمت في تعزيز التوازن الإقليمي وتقليل حدة الاستقطاب.
4. أصبح التعاون الدفاعي بين دول الخليج وتركيا أحد أهم عناصر تعزيز الأمن الإقليمي، خاصة في ظل تنامي التهديدات المرتبطة بالصواريخ والطائرات المسيّرة.
5. أكدت التطورات الأخيرة أن دول الخليج لم تعد مجرد طرف يتأثر بالأحداث الإقليمية، بل أصبحت طرفًا فاعلًا في صياغة موازين القوى والتأثير في مستقبل الشرق الأوسط.

