أحمد فاروق
باحث في الشئون الإيرانية

شهد إقليم الشرق الأوسط في السنوات الأخيرة تحوّلات استراتيجية عميقة، دفعت العديد من الدول إلى إعادة تقييم توجهاتها الخارجية وشبكات تحالفها. ففي ظل الانكفاء النسبي للولايات المتحدة عن بعض ملفات الشرق الأوسط، أصبحت الفرص متاحة أمام قوى إقليمية متوسطة الحجم لإعادة إنتاج رؤيتها الخاصة بما يخدم مصالحها في بيئة جيوسياسية سائلة.
كما أن التغير في التوازنات الإقليمية لم يكن معزولًا عن التحوّلات في بنية النظام الدولي، فالاتجاه نحو تعدّدية الأقطاب، وتراجع موثوقية التحالفات الغربية في نظر العديد من الفاعلين الإقليميين، ساهم في إيجاد المناخ الملائم لانفتاحات محسوبة تتجاوز الثنائيات التقليدية. ولذلك، فإن توقيت زيارة وزير الخارجية الإيراني إلى القاهرة لم يكن محض مصادفة، بل يعكس استثمارًا في بيئة سياسية تتجه نحو مرونة أكبر في التموضع والانخراط.
وفي سياق التحركات الإقليمية لإعادة تشكيل التوازنات، برزت القاهرة كلاعب مؤثر يعمل وفق استراتيجية تدريجية لتقييم إعادة العلاقات مع طهران في لحظة بالغة حساسية وسط تصعيد مستمر إقليمي لاسيما بعد اندلاع المواجهة العسكرية الإسرائيلية – الإيرانية، واستهداف المرافق النووية الإيرانية. ومن ثم، لم تكن زيارة وزير الخارجية الإيراني عباس عراقتشي، -وهي الثالثة منذ توليه الوزارة في منتصف العام الماضي-مجرد لقاء ثنائي، بل كانت خطوةً مدروسةً في سياقٍ دبلوماسيٍ إيرانيٍ معقد؛ إذ تحولت القاهرة، التي لم تربطها علاقات دبلوماسية على مستوى السفير بطهران منذ أكثر من خمسة عقود، إلى منصةً لتبادل رسائل مهمة ومتعددة الأبعاد بين طهران والجهات الفاعلة الإقليمية والدولية الأخرى. كما تم النظر إلى لقاء عراقتشي مع المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية رافائيل غروسي، إلى جانب المحادثات الرسمية مع المسئولين المصريين، إشارة واضحة إلى ثقل ومكانة هذه المباحثات.
أولًا: التوجه الإيراني: تغيّر استراتيجي أم تكتيكي
شكلت حالة “الوحدة الاستراتيجية” والتي تشير إلى الافتقار إلى حلفاء موثوق بهم على المدى الطويل بين القوى الكبرى، عقلية إيران الأمنية الإقليمية ومذهبها وموقفها لمجريات الأوضاع الإقليمية والدولية منذ فترة طويلة. بعبارة أخرى، افتقرت إيران تاريخيًا إلى حليف استراتيجي من القوى العظمى في مراحل تاريخية حرجة عندما واجه أمنها القومي وسلامة أراضيها تهديدات وجودية. وقد شكّل هذا الوضع سمة ثابتة في التجربة الجيوسياسية الإيرانية الأخيرة – قبل الثورة الإسلامية عام ١٩٧٩ وبعدها. وقد عمَّقت الحرب الإيرانية العراقية (1980-1988) عزلة طهران الاستراتيجية، وهو ما دفعها للبناء على ما خلّفه عهد الشاه محمد رضا بهلوي في الجماعات من دون الدول (لاسيما في لبنان ثم العراق استثمارًا لسقوط صدام حسين ثم سوريا ثم اليمن) سعيًا للدفاع المتقدم، فهناك رؤية في طهران تراكمت على مدى عصور بأن التوسع يحمي الجغرافيا وفي حين يشير الانكفاء إلى خسارتها للمزايا الجيوسياسية.
وقد مثلت عملية “طوفان الأقصى” ومن قبلها سقوط مروحية الرئيس الإيراني السابق إبراهيم رئيسي، نقاط تحول سواء لإيران ولجبهة المقاومة بصورة عامةً. وما عزز من هذه التحولات يتمثل في سقوط حكومة بشار الأسد الأمر الذي تم اعتباره بمثابة انتكاسة أخرى للجبهة الإقليمية لإيران، كما واجهت الجماعات التابعة لها في العراق واليمن ولبنان ضغوطًا عسكرية وسياسية متزايدة، وهو ما تسبب في تشرذم وإضعاف كبيرين لمقدرات محور المقاومة.
وقد دفعت هذه التطورات المتصاعدة إيران إلى إعادة إيران النظر في سياستها الأمنية الإقليمية، كما يُمثل تركيز إيران المتزايد على التقارب الإقليمي، وخاصةً مع السعودية، تحولًا كبيرًا في سياسة طهران للأمن الإقليمي. لم يعد هذا مجرد تحرك تكتيكي لتخفيف الضغوط أو إدارة الأزمات، بل يعكس إعادة تقييم استراتيجية لنهج إيران تجاه النظام الإقليمي المحتمل. يضاف إلى ذلك، أنه منذ تولي دونالد ترامب رئاسة أمريكا مجددًا، دخلت البيئة الأمنية في الشرق الأوسط مرحلة حساسة ومتقلبة. كما أنه قبل الاستهداف الإسرائيلي للمنشآت النووية، فقد أجبر التهديد بشنَّ ضربات عسكرية على المرافق النووية الإيرانية على إعادة تقييم سياستها الأمنية الإقليمية. ونتيجة لذلك، سعت طهران إلى إدارة مخاطر الصراعات واسعة النطاق والحد منها من خلال تكييف موقفها الدفاعي وسياستها الإقليمية.
وتجب الإشارة هنا إلى إن طهران بدأت منذ الأيام الأخيرة لحكومة حسن روحاني الثانية تغيير توجهات سياساتها الخارجية لاسيما الإقليمية، ثم تابعت في حكومة رئيسي تأسيس لمبادئ “سياسة الجوار”، وجاءت حكومة الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان، لتواصل السير على نفس المنهاج. كما ظهرت ملامح استراتيجية كلية تهدف إلى إعادة رسم صورة جديدة عن إيران أمام العالم لتحقيق الهدف الاستراتيجي الخاص بالدولة لتجاوز المآزق الآنية للأمن القومي.
والأهم من ذلك، يجب فهم هذه التحولات في ضوء القضية المحلية الأكثر أهمية التي تشكل حاليًا حسابات السياسة الداخلية والخارجية لإيران والمتمثلة في الخلافة مع تزايد حالة عدم اليقين بشأن من سيحكم الجمهورية الإسلامية في حقبة ما بعد علي خامنئي؛ حيث تصاعدت النقاشات حول التوجه الاستراتيجي. في هذا السياق، لا يُعد تطور الهوية الاستراتيجية لإيران مجرد رد فعل على الضغوط الخارجية، بل هو انعكاس لمخاوف وطموحات أعمق تحيط بمستقبل السلطة السياسية في الجمهورية الإسلامية.
ثانيًا: محددات التقارب المصري – الإيراني
يُنظر إلى الحراك المصري الأخير تجاه طهران بوصفه مؤشرًا على تحول ناعم في السياسات الإقليمية للدول العربية الكبرى، لا سيما في ظل تآكل فعالية محاور الاستقطاب التقليدية وتراجع الوجود الأمريكي الحاسم في معادلات الشرق الأوسط. على الجانب الآخر، ترى طهران أن القاهرة، بحكم ثقلها السياسي وموقعها الجغرافي والديموغرافي، لا يمكن أن تظل مقيدة بالتحفظات القديمة، وأن إعادة قنوات التواصل مع الجمهورية الإسلامية باتت ضرورة استراتيجية لكلا الجانبين، وليس مجرد مناورة تكتيكية.
ويضاف إلى ذلك، أنه مع خروج سوريا من معادلة إيران أصبح التقارب وتعزيز العلاقات مع مصر ضرورة ملحة، كما أن البيئة الاستراتيجية المحيطة بمصر جعلت التقارب أيضًا مع إيران أحد ضروريات السياسة الخارجية للقاهرة. وبينما تُبقي مصر على طبيعة “الانفتاح المقيد” في خطابها الدبلوماسي تجاه إيران، تدرك طهران أن التحولات الجارية خلف الكواليس، التي قادتها على الأرجح سلطنة عُمان في إطار دبلوماسية هادئة، سبق أن نجحت في تقريب وجهات النظر الإيرانية المصرية. وربما ساعدت أيضًا لقاءات غير معلنة ربما عُقدت في القاهرة أو طهران أو حتى في مسقط، كحل وسط آمن يسمح ببناء الثقة دون تعريض القاهرة لضغوط إقليمية أو إعلامية.
ورغم أن بوابة رفع مستوى العلاقات بين مصر وإيران لا تزال مشروطة ومعقدة، فإن أحد أبرز ركائزها هو الإدراك المتبادل بأن استقرار الإقليم لم يعد ممكنًا دون إدارة عقلانية للخلافات القديمة. ويُقرأ في الحراك المصري الأخير تقاطع واضح مع مسارات بدأت منذ سنوات، مثل الوساطة العُمانية في المحادثات الإيرانية المصرية، ومحاولات العراق سابقًا لبناء منصات حوار عربي – إيراني، وهو ما يشير إلى اعتماد نهج إدارة التوازنات لا كسرها.
وترى طهران أن زيارة وزير الخارجية عباس عراقتشي، إلى القاهرة تشكّل محطة رمزية لتكريس هذا الانفتاح المرحلي، وتعتبر أن اللقاء الثلاثي مع وزير الخارجية المصري ومدير الوكالة الدولية للطاقة الذرية يتجاوز الإطار البروتوكولي نحو محاولة بناء نموذج تنسيقي يربط بين الأبعاد التقنية والدبلوماسية، ويُشرك مصر في ترتيبات أمنية نووية جديدة تعزز من الطابع السلمي للبرنامج النووي الإيراني، وتؤسس لمجتمع إقليمي نووي منضبط دون إقصاء أو تمييز.
كما أن المباحثات الثلاثية تضمنت أبعادًا تتجاوز الطابع البروتوكولي في إطار التمهيد لتفعيل مسارات رقابة فنية مشتركة على الأنشطة النووية، ويمكن أن تفتح الباب لمساهمة مصرية محتملة في أي كونسورتيوم نووي إقليمي، خصوصًا في ظل تمتع القاهرة بمصداقية طويلة في ملفات عدم الانتشار والتفتيش النووي السلمي.
وفيما يتعلق بالجانب الاقتصادي، تقر إيران بأهمية السوق المصرية كممر لوجستي حيوي نحو السوق الإفريقية، ومن هذا المنطلق، تضع طهران في استراتيجيتها “حسن الجوار” رؤية متقدمة لتأسيس منطقة صناعية مشتركة أو تسهيلات تصديرية في مصر، يمكن من خلالها الالتفاف على بعض القيود الدولية واستثمار الفرص التجارية المتاحة رغم العقوبات. كما ترى إيران أن مصر، في ظل أزمة الطاقة العالمية، قد تكون منفتحة على شراء شحنات نفط بأسعار تنافسية من الأسطول الإيراني غير الرسمي، في إطار تفاهمات تجارية مرنة لا تصطدم مع الحسابات الأمريكية مباشرة. ومع إدراك القاهرة وطهران أن العقوبات المفروضة على إيران ليست شاملة في كل المجالات، وأن هناك ثغرات مثل تجارة الطاقة والبتروكيماويات، يمكن استغلالها ضمن ترتيبات دقيقة، خاصة في ظل ما يُعرف بـ “الأسطول الشبحي” الذي تستخدمه طهران في تصدير النفط بطرق التفافية. وبافتراض أن مصر قد تستفيد من هذه الثغرات لتأمين بعض احتياجاتها النفطية بشروط تفضيلية، دون الانخراط في خرق واضح للعقوبات.
كما تُدرك إيران أن الانفتاح على مصر لا يوفّر لها فقط عمقًا دبلوماسيًا، بل يعزّز من هامش المناورة الإقليمي في ظل القيود المتزايدة على أدوات نفوذها التقليدية. فعلى المستوى الاستراتيجي، يندرج التقارب مع القاهرة ضمن مسعى أوسع لكسر طوق العزلة الذي رافق الجمهورية الإسلامية منذ عقود، عبر تنويع الشراكات والانفتاح على دول كانت تُعدّ حتى وقت قريب أقرب لمحور الخصوم.
في سياق متصل، تسعى طهران إلى تحصين موقفها التفاوضي في الملف النووي من خلال توسيع قاعدة الداعمين الإقليميين أو المحايدين؛ إذ أن إشراك أطراف عربية ذات ثقل مثل مصر في مشاورات غير رسمية أو تنسيقات جانبية قد يوفّر غطاءً دبلوماسيًا يُعيد التوازن في المفاوضات مع الغرب. كما أن مستقبل النظام الإيراني، في ظل احتمال الانتقال السياسي بعد خامنئي، يفرض على النخبة الحاكمة تقليص مصادر التهديد الخارجي والبحث عن استقرار نسبي على الجبهة الإقليمية.
كما تسعى إيران بدورها إلى توسيع نفاذها إلى السوق الإفريقية، وتُعد مصر بوابتها الطبيعية في هذا السياق؛ حيث يمكن أن تقدم القاهرة لطهران إطارًا قانونيًا وتجاريًا يسمح لها بتأسيس منطقة صناعية مشتركة أو مراكز تصدير إلى الكوميسا، وهو ما يُحول العلاقة من طابعها السياسي البحت إلى منطق المصالح المركبة. وهذا الطرح ينسجم مع استراتيجية حسن الجوار التي أعلنتها طهران في السنوات الأخيرة، خصوصًا بعد استئناف علاقاتها مع الرياض.
وفيما يتعلق بالتعاون العسكري، أدرجت طهران على أجندتها “الدبلوماسية الدفاعية” الحصول على عوائد من خلال تصدير المعدات والمنظومات العسكرية المختلفة، وهو ما يفتح لها الباب أمام التعاون مع الدول المختلفة الراغبة في الاستفادة من التقنيات والتطور الحاصل في الصناعات العسكرية الإيرانية لاسيما الطائرات المسيّرة وتقنيات الصواريخ الباليستية. وفي هذا السياق، تنظر إيران إلى محاولات القاهرة تنويع مصادر تسليحها، بما في ذلك الاهتمام الصناعي بالطائرات المسيرة والتكنولوجيا الدفاعية، كنافذة محتملة لتقارب براغماتي. وعلى الرغم من أن مصر لم تُبدِ حتى اللحظة استعدادًا علنيًا للتعاون العسكري المباشر، إلا أن طهران لا تستبعد حصول تبادل فني أو نقل خبرات منخفض التكلفة السياسية في المستقبل، بما يعزز الاعتماد المتبادل في بعض المجالات الدفاعية غير الحساسة.
كما أن هناك ثمَّة مؤشرات متصاعدة على اهتمام القاهرة بتوسيع قاعدة الشركاء، بما في ذلك النظر إلى الصناعات الدفاعية الإيرانية، خصوصًا في مجال الطائرات المسيرة وبعض النظم الرادارية، وقد أشارت دراسات وتقارير إلى أن التنويع في مصادر السلاح بات توجهًا مصريًا لضمان هامش مناورة أكبر في علاقاتها مع الغرب. ورغم صعوبة الإعلان عن شراكات عسكرية مباشرة مع طهران، فإن تبادل المعرفة والخبرات قد يشكل نقطة انطلاق منخفضة الكلفة السياسية.
ثالثًا: محددات التوازن في التقارب المصري – الإيراني
يظل العامل الأهم في معادلة التقارب بين مصر وإيران يتمثل في التوازن المصري الدقيق بين الانفتاح على طهران وعدم الإضرار بعلاقاتها الوثيقة مع الخليج والولايات المتحدة. لذلك، فإن أي مسار لرفع مستوى العلاقات سيكون مرهونًا بتوفير ضمانات إقليمية، وعدم تعارضه مع الأمن الخليجي أو مصالح الشركاء الدوليين. وهنا، تلعب مصر لعبة دقيقة، هدفها ألا تصبح جزءً من معادلات الاصطفاف الحادة، بل طرفًا قادرًا على التواصل مع الجميع.
ومع ذلك، تظل بعض الملفات الإقليمية عقبة في طريق تعزيز العلاقات، وعلى رأسها الموقف الإيراني من النزاعات في سوريا ولبنان واليمن والعراق. فالقاهرة ترى في هذه الملفات ساحات توتر مستمر، وتحذر من أن التمدد الإيراني فيها يُفاقم من التدخلات الخارجية، خصوصًا من قبل إسرائيل والولايات المتحدة. ومن هذا المنطلق، فإن أي تفاهمات سياسية ستظل مرهونة بقدرة طهران على تعديل سلوكها الإقليمي.
ويمكن قراءة الانفتاح من الجانب المصري على طهران باعتباره جزءً من سياسة خارجية أكثر تنوّعًا وانفتاحًا، تسعى من خلاله القاهرة إلى تعزيز مكانتها كمحور توازن في بيئة إقليمية معقدة. فبينما تظلّ الشراكة الاستراتيجية مع الولايات المتحدة قائمة، تدرك مصر أن الاعتماد الأحادي لم يعد يُفضي إلى حماية المصالح الحيوية، خاصة مع تراجع قدرة واشنطن على فرض تسويات أو ضمانات في ملفات إقليمية معقّدة كفلسطين وسوريا وليبيا. وفي ضوء ذلك، تتطلّع القاهرة إلى لعب أدوار وظيفية ترفع من مكانتها التفاوضية أمام الدول الأخرى، من خلال إعادة تشكيل مكانتها بصورة أكثر مرونة من خلال الحوار مع الخصوم التقليديين مثل إيران وتركيا. كما أن الأزمة الاقتصادية العالمية، وتزايد الضغوط على قطاع الطاقة، يفتحان الباب أمام شراكات انتقائية تسعى مصر من خلالها إلى تنويع مصادر التوريد وتعزيز علاقاتها مع فواعل خارج النطاق التقليدي.
في المقابل، لا تتجاهل طهران التحديات السياسية التي تواجه العلاقات الثنائية، وعلى رأسها المواقف المصرية من الأزمات في سوريا ولبنان واليمن. لكنها ترى في هذه الملفات مجالًا للنقاش لا القطيعة، وتعتقد أن القاهرة يمكن أن تؤدي دورًا كابحًا للنفوذ الغربي والإسرائيلي في هذه الساحات إذا ما توفرت لها قنوات تواصل مباشرة مع طهران تتيح مناقشة المخاوف الأمنية بدل تضخيمها.
كما تُدرك الجمهورية الإسلامية أن القاهرة تسعى إلى الحفاظ على توازن دقيق بين علاقاتها الخليجية الوثيقة، وبين رغبتها في الانفتاح على إيران. وهي لا تطالب مصر بالخروج من هذا التوازن، بل تراه فرصة لبناء صيغة ثلاثية مرنة تضمن التهدئة وتعزز الشراكات الإقليمية. ومن هذا المنطلق، تنظر طهران بإيجابية إلى التقاطع الحاصل في ملفات الوساطة النووية، وتعتبر إدماج مصر في أي كونسورتيوم نووي إقليمي خطوة داعمة للشفافية وضامنة لثقة الأطراف المختلفة.
بالإضافة إلى ذلك، تثمن إيران الدور العُماني في هذا المسار، وترى أن تنسيق طهران مع مسقط والقاهرة يمكن أن يتحول إلى محرك دبلوماسي جديد على مستوى الإقليم، لا سيما في ظل غياب منصات حوار عربية – إيرانية مؤسسية. وتُدرك أن العمل مع مصر يفتح أبوابًا واسعة لتجسير الهوة مع محيطها العربي، خاصة أن القاهرة لا تتبنّى مواقف عدائية، بل تعتمد سياسة ضبط النفس واستيعاب التناقضات.
في الختام: في ضوء ما تقدّم، يمكن القول إن مسار التقارب الإيراني – المصري، لا يُمثّل قطيعة مع السياسات السابقة بقدر ما يعكس نضجًا تدريجيًا في إدراك متبادل لأهمية التهدئة وتوسيع دوائر المصالح المشتركة. ورغم أن البيئة الإقليمية لا تزال محفوفة بالتعقيدات، فإن وجود قنوات تواصل دائمة، واستعداد الطرفين لتجاوز منطق التحالفات الصفرية، يمنح هذا المسار فرصة واقعية للتقدّم، شريطة الحفاظ على منطق التدرّج، وتحييد الملفات الخلافية، وتفعيل الدبلوماسية المتعدّدة الأطراف كإطار حاكم لعلاقاتهما.
ووفق هذا التصور، تتراوح السيناريوهات المستقبلية لهذا التقارب بين ثلاث مسارات رئيسية، يتمثل الأول في تطبيع انتقائي لا يصل إلى درجة التحالف السياسي الكامل، لكنه يُرسّخ قنوات الحوار والتعاون في مجالات غير مثيرة للجدل. أما السيناريو الثاني، فيفترض تفاهمًا وظيفيًا محدودًا، قد يقتصر على الجانب النووي والاقتصادي، دون تحوّل جوهري في التوجهات السياسي لكلا الطرفين. أما السيناريو الثالث، فيتعلّق بانتكاسة محتملة ناتجة عن تصعيد إقليمي أو ضغوط خارجية، تعيد العلاقة إلى مربع الجمود.
وبالنسبة لإيران فإنها تعتبر أن أي تطور في العلاقات مع القاهرة لا يجب أن يُقاس بمؤشرات سريعة، بل بحسابات تراكُمية. فكل لقاء، وكل تنسيق فني، وكل مشاركة في ملف دولي مشترك، هو لبنة في مسار إعادة بناء الثقة، تمهيدًا لرفع تدريجي لمستوى العلاقات في الوقت المناسب سياسيًا ومناخيًا. كما ترى طهران أن الظروف الراهنة تشكّل لحظة مناسبة لتعزيز هذا المسار، خاصة في ظل تراجع فاعلية العقوبات كأداة للعزل، وتزايد الحاجة إلى إعادة تشكيل الترتيبات الأمنية الإقليمية.
لذلك، فإن إيران لا تنتظر من مصر تحوّلًا جذريًا أو خروجًا عن تحالفاتها، بل تتطلع إلى تطوير مقاربة قائمة على المصالح المتبادلة واحترام السيادة وتعزيز الاستقرار؛ حيث ترى إيران أن مصر ليست مجرد دولة عربية كبيرة، بل منصة حوار استراتيجية تُسهم في إعادة التوازن إلى الإقليم، وأن تعزيز العلاقات معها لا يُعد مكسبًا سياسيًا فحسب، بل استثمارًا طويل الأجل في مستقبل إقليمي أكثر توازنًا واستقلالية.

