د. نشوى عبد النبي
رئيس وحدة اللوجستيات والطاقة بمركز شمس للاستشارات والبحوث الاستراتيجية
لطالما ارتكزت السياسة الخارجية الإيرانية في جنوب القوقاز على الحفاظ على التوازن بين القوى الإقليمية، إلا أن الإعلان عن إنشاء “ممر زنجزور” أثار مجموعة من المخاوف في الأوساط السياسية الإيرانية بشأن دوافع ونتائج هذا الممر وتداعياته على مصالحها ونفوذها في مجال اللوجستيات بعدما أعلنت أذربيجان وتركيا عن الخطة المستهدفة في تنفيذ هذه الممر عبر الأراضي الأرمينية والذي سيعمل على تغيير التوازن الإقليمي لصالح أذربيجان على حساب إيران، كما يمثل تنفيذ هذا المشروع تهديدات متعددة للمصالح الجيوسياسية والاقتصادية الإيرانية ومن أهمها إمكانية تغيير الحدود من خلال قطع الاتصال البري بين إيران وأرمينيا، وتصاعد احتمالية تقارب أرمينيا مع الكتلة الغربية وتعزيز العزلة الاستراتيجية لإيران، بجانب تقليل المزايا الإيرانية في مجال النقل في ممر الشمال – الجنوب، بالإضافة إلى تنامي نفوذ تركيا في المنطقة، وتعريض السلامة الإقليمية لإيران للخطر من خلال تحريض المشاعر القومية التركية وإحياء النزعة القومية الأذربيجانية، وتعزيز وجود الناتو على الحدود الشمالية لإيران.
أولًا: الرؤية الإيرانية ومجالات الاضطراب والتهديدات للتوازن الإقليمي
تُعدّ إيران فاعلًا إقليميًا محوريًا في منطقة جنوب القوقاز، وتُولي اهتمامًا بالغًا بالتطورات الجيوسياسية التي قد تؤثر على أمنها القومي ودورها الاستراتيجي، لا سيما على حدودها الشمالية. ومن هذا المنطلق، أثار مشروع “ممر زنجزور”، الذي تدفع به كل من أذربيجان وتركيا، جملة من المخاوف العميقة لدى صناع القرار في طهران، نظرًا لما يحمله من تداعيات محتملة على التوازن الإقليمي في مجالات الجغرافيا السياسية، والنقل، والطاقة، والأمن القومي، فضلًا عن دوره في إعادة تشكيل خارطة التحالفات الإقليمية والدولية.
وفي ضوء ذلك، تتعدد أبعاد هذا القلق الإيراني، بدءً من احتمال قطع الحدود البرية مع أرمينيا -وهي شريان استراتيجي لطهران في ظل الحصار الجغرافي النسبي الذي تواجهه أرمينيا- مرورًا بـتنامي النفوذ التركي في القوقاز، واتساع شبكة العلاقات بين أذربيجان وإسرائيل، ووصولًا إلى محاولات الغرب، عبر الناتو، تعزيز حضوره في المنطقة من خلال دعم هذا الممر كجزء من “الممر الأوسط” الذي يربط أوروبا بآسيا الوسطى متجاوزًا كلًا من إيران وروسيا.
1. الجغرافيا السياسية للحدود الإقليمية: ليست مسألة تغيير الحدود وقطع الحدود البرية بين إيران وأرمينيا وخطط تبادل الأراضي بين أرمينيا وأذربيجان مسألة جديدة؛ حيث طرح بول غوبل هذه الفكرة لأول مرة عام 1992، ثم اقترحت تركيا “مفهوم الممر المزدوج” في نفس العام، كما تفاوضت السلطات الأذربيجانية والأرمينية على خطة “تبادل الأراضي” ضمن نفس الإطار، والتي لم تتحقق بسبب المعارضة الداخلية في البلدين. وبحسب هذه الخطة، تعترف أذربيجان بسيادة أرمينيا على ناغورنو كاراباخ، وفي المقابل، ستسلم أرمينيا سيادة جزء من مقاطعة سيونيك المتاخمة لإيران إلى أذربيجان لإنشاء ممر، وهو ما يعني قطع الحدود البرية لإيران مع أرمينيا.
وقد أظهر تحليل ردود الفعل الإيرانية تجاه برنامج بناء ممر زنجزور باعتباره أكبر مصدر قلق أو شعور بالتهديد ينبع من احتمال تغيير الحدود الوطنية، وتحديدًا احتمال قطع الحدود البرية بين إيران وأرمينيا، كما ينبع هذا القلق من تفسير نص اتفاق وقف إطلاق النار والخطط المعلنة من قبل السلطات الأذربيجانية لبناء هذا الممر. وبما أن أذربيجان تسلم السيطرة على ممر لاتشين إلى أرمينيا، ستسيطر أرمينيا أيضًا على ممر زنجزور (الذي يربط أرمينيا بناغورنو كاراباخ) إلى أذربيجان.
وهذه المعادلة تشير إلى أن أرمينيا ستتخلى عن سيادتها على ممر زنجزور لصالح أذربيجان، وهو ما من شأنه قطع الحدود البرية بين إيران وأرمينيا. وردًا على هذا المقترح، أرسلت إيران رسالة تحذير بشأن الآثار الجيوسياسية لمثل هذه التغييرات الحدودية من خلال إجراء مناورات عسكرية على ضفاف نهر آراس على طول حدودها مع أذربيجان. كما أجرت أذربيجان مناورات عسكرية بمشاركة باكستان وتركيا، وأعلنت أرمينيا أنها لن تسمح بتغيير الحدود.
2. تقارب أرمينيا مع الغرب وتعزيز العزلة الاستراتيجية لإيران: تميزت العلاقات بين إيران وأرمينيا بالاستقرار ارتكازًا على مجموعة من العوامل والمتطلبات الجيوسياسية التي تحكم هذه العلاقة خاصة أن أرمينيا التي تحدها دولتان معاديتان هما أذربيجان وتركيا، ولا تملك منفذًا إلى المياه المفتوحة. للخروج من هذا الحصار، اتجهت إلى تعزيز علاقاتها مع إيران لمواجهة خصومها.
ويمكن أن يؤدي تنفيذ اتفاق وقف إطلاق النار وبناء ممر زنجزور بطريقة مصحوبة بتطبيع العلاقات الأرمنية مع أذربيجان وتركيا إلى تحويل أرمينيا إلى حلقة وصل رئيسية في الممر الأوسط. في مثل هذه الحالة، ستقل الحاجة الاستراتيجية والجيو-سياسية لأرمينيا إلى إيران، بالإضافة إلى أنه يمكن أن يصاحبها تحالف مع حكومات غربية معارضة لإيران، وهو ما يعزز من اتجاهات العزلة الاستراتيجية لإيران. كما أنه بالنظر إلى حاجة الدول الغربية إلى موارد بحر قزوين من الطاقة لدعم محاولتهم للحد من اعتمادهم الاستراتيجي على روسيا في مجال الطاقة والترانزيت، فإن أوروبا والولايات المتحدة تدعمان أيضًا إنشاء ممر زنجزور كجزء من خطة ممر أكبر بهدف تطبيع العلاقات بين أرمينيا وأذربيجان.
3. تقليل مزايا إيران في مجال النقل: تكمن ميزة إيران الرئيسية في مجال النقل بموقعها على طريق النقل الدولي من الشمال إلى الجنوب. وقد نفذت إيران برامج للاستفادة الكاملة من هذه الميزة، مثل تطوير ميناء تشهابار بالتعاون مع الهند وتطوير خطوط النقل مع دول وسط آسيا والقوقاز. في حين قد يؤدي تفعيل الممر الأوسط، الذي يتطلب بناء جزء زنجزور، إلى تقليل كبير للميزة التنافسية للعبور الدولي عبر إيران خاصة مع دعم الدول الغربية لإنشاء هذا الممر.
4. تنامي نفوذ تركيا الإقليمي: لطالما كانت منطقة القوقاز ساحة تنافس على النفوذ بين روسيا وإيران وتركيا لقرون عديدة. واليوم، بالنظر إلى صراع روسيا في أوكرانيا، يبدو أن تركيا ترى أن هناك فرصة لتعزيز قوتها في المنطقة، بهدف تأمين الوصول إلى موارد النفط والغاز في بحر قزوين على وجه الخصوص. والآن، ومع التعاون مع باكو ومبادرة بناء ممر زنجزور، أصبح لهذا الحلم الطويل الأمد طريق للتحقيق، وهو ما تسبب في تصاعد التهديدات لإيران من نفوذ تركيا المتزايد في المنطقة. لذلك، يمكن اعتبار معارضة إيران لخطة بناء ممر زنجزور في أحد جوانبه بمثابة إجراء لمواجهة تطلعات تركيا للسيطرة الإقليمية.
5. “توحيد العالم التركي” وإحياء النزعة القومية الأذربيجانية: تعد مسألة ربط الدول الناطقة بالتركية والمبعثرة جغرافيا عبر تنفيذ الممر الأوسط، أحد الجوانب المهمة لممر زنجزور. ويبدو أن كل من أذربيجان وتركيا تتطلعان إلى تعزيز “توحيد العالم التركي” من خلال هذا المشروع. وهو ما صاحبه اتجاهات حول إمكانية اتحاد جميع الأذربيجانيين (بما في ذلك المقيمين في إيران). على سبيل المثال، أكد الرئيس إلهام علييف رئيس أذربيجان، في اجتماع رؤساء منظمة الدول التركية في سمرقند عام 2022، على تعزيز العلاقات بين “شمال أذربيجان وجنوب أذربيجان”، مدافعًا بشكل ضمني عن فكرة أذربيجان الموحدة.
6. تعزيز وجود الناتو في المنطقة: في إطار تعزيز نفوذه ودوره، اتجه حلف شمال الأطلسي (الناتو) إلى توقيع اتفاقيات تعاون مختلفة مع دول وسط آسيا والقوقاز. وقد أثارت هذه الاتفاقيات تكهنات واسعة، وفيما يتعلق بعضوية تركيا في الناتو، يعتبر بعض المحللين والنخب السياسية الممر الأوسط كخطة غربية لتوسيع الناتو على طول هذا المسار شرقًا، بهدف إلحاق الضرر بمصالح إيران والصين وروسيا. وفي ضوء ذلك، ذهب كمال خرازي، رئيس المجلس الاستراتيجي للعلاقات الخارجية في إيران، إلى أبعد حد ووصف هذا المشروع بأنه “ممر توران للناتو” الذي تسعى إليه كل من تركيا وإسرائيل لتوسيع وجود الناتو في جنوب القوقاز وآسيا الوسطى.
7. توسع العلاقات بين أذربيجان وإسرائيل: تتمتع إسرائيل وأذربيجان بعلاقات قوية؛ حيث شهدت شراكتهما الاستراتيجية والاقتصادية نموًا كبيرًا في السنوات الأخيرة، وقد وصف الرئيس الأذري علييف علاقات بلاده مع إسرائيل بجبل جليدي، يظهر منه جزء صغير فقط. ووفقًا لصناع القرار الإيرانيين، فإن تنفيذ ممر زنجزور ضمن مشروع الممر الأوسط سيسمح لفرع واحد بالاستمرار عبر تركيا إلى حيفا وتل أبيب، وهو ما يسهل وجود إسرائيل على حدود أذربيجان وإيران، كما تتهم طهران باكو باستضافة عملاء إسرائيليين يشاركون في عمليات المراقبة الاستخباراتية والتخريب ضد برنامج إيران النووي.
8. التواجد الروسي في المنطقة الحدودية مع إيران: وفقًا لاتفاق وقف إطلاق النار بين أذربيجان وأرمينيا، تتمركز القوات الروسية في منطقة ناغورنو كاراباخ للحفاظ على السلام في خطوط التماس بين القوات العسكرية للبلدين، وكذلك لمراقبة حركة المرور في ممري لاچین وزنجزور، وهو وجود يمكن تمديده إلى أجل غير مسمى لفترات مدتها خمس سنوات. وبحسب تحليل خبراء إيرانيين، فإن هذا التنازل يسمح لروسيا بالحفاظ على وجودها في المنطقة الحدودية بذريعة حفظ السلام والأمن، وبالتالي تعزيز سياسات التدخل الروسي في اتجاهات السياسة الخارجية الإيرانية تجاه هذا الملف.
وبالتالي تظهر هذه العوامل أن إنشاء ممر زنجزور في أرمينيا، بناءً على الخطط التي أعلن عنها تحالف أذربيجان-تركيا، سيغير التوازن الإقليمي للنفوذ لصالح أذربيجان وتركيا على حساب إيران. لذلك، فإن تقدم هذا المشروع يعتبر تهديدًا لمصالح إيران ونفوذها، ونتيجة هذه المخاوف، حظيت إمكانية تغيير الوضع الجيوسياسي وقطع الحدود البرية بين إيران وأرمينيا بأكبر قدر من الاهتمام في الأوساط الإيرانية. بناءً على هذا الاحتمال، ردت إيران وحذرت من تنفيذ هذه الخطة، حتى أنها أجرت مناورات عسكرية على نقاط الحدود ونشطت قنوات التعاون الدبلوماسي مع أرمينيا وروسيا لتشجيع هذه الدول على معارضة هذا المشروع.
على الرغم من أن هذه الاستجابات قد تمنع تغيير الحدود القائمة، إلا أنها لا تنفي تمامًا التهديدات الجيوسياسية الأوسع التي يفرضها برنامج إنشاء ممر زنجزور، لأن بناء هذا الممر وتشغيله كجزء من الممر الأوسط يمكن تنفيذه دون إغلاق الحدود البرية بين إيران وأرمينيا. وفي هذه الحالة، يبدو أن التهديد الحقيقي هو فقدان المزايا الإيرانية في مجال النقل في طرق الإمداد الحالية، خاصة فيما يتعلق بالصادرات الحيوية للطاقة، والتي سيكون لها آثار سلبية طويلة المدى على مصالح إيران، كما سيؤثر استغلال ممر زنجزور كجزء من الممر الأوسط لنقل موارد الطاقة ببحر قزوين على خريطة الطاقة الجغرافية للعالم الذي سيضمن للدول الأوروبية وصول طويل الأجل إلى موارد الطاقة في بحر قزوين عن طريق تجاوز إيران وروسيا.
وفي ضوء المخاوف والاعتبارات الجيوسياسية الإيرانية باعتبارها لاعب مهم في سوق الطاقة العالمية وترغب في ممارسة دور فعال في جنوب القوقاز، من ناحية أخرى، يلعب أمن الطاقة ونقلها على طول الحدود الشمالية لإيران دورًا مؤثرًا في المصالح الإيرانية الأوسع؛ حيث يمكن أن تجلب مشاركة جميع الفاعلين الإقليميين في تنفيذ مشاريع النقل العديد من الفوائد لجميع دول المنطقة من خلال تسخير قوة الجغرافيا السياسية لدفع العمليات الاقتصادية، مع تعزيز التكامل الإقليمي في الوقت نفسه. ومع ذلك، فإن الخلافات السياسية وانعدام الثقة يجعلان من هذا الأمر نتيجة غير محتملة.
ثانيًا: السيناريوهات المحتملة واتجاهات التعامل
في ظلّ التطورات المتسارعة وتعمّق الأزمة، يواجه أطراف الصراع المختلفة خيارات استراتيجية حاسمة ستُرسم ملامح المرحلة القادمة وتُحدد مسار الأحداث، وذلك على النحو الآتي:
1. السيناريو الأول: اندلاع حرب جديدة
يُعدّ اندلاع حرب جديدة في منطقة جنوب القوقاز احتمالًا واردًا، في ظل ميزان القوى الراهن الذي يميل جزئيًا لصالح أذربيجان، نتيجة ما تمتلكه من مصادر قوة متعددة، تشمل التفوق العسكري النوعي، والدعم التركي المباشر، والعلاقات الاستراتيجية مع قوى فاعلة كإسرائيل، وهو ما يمنح باكو ثقة متزايدة بإمكانية حسم الصراع ميدانيًا إذا ما قررت المضي في تنفيذ رؤيتها لمشروع ممر زنجزور بالقوة. ومع ذلك، تُواجه أذربيجان عقبات استراتيجية جدّية تحول دون تبني هذا الخيار، وعلى رأسها ردّ الفعل الإيراني المحتمل، لا سيما وأن طهران ترى في أي مساس بحدودها مع أرمينيا تهديدًا مباشرًا لأمنها القومي ومصالحها الإقليمية. وبالرغم من إدراك جميع الأطراف، بما فيها أذربيجان، لحجم الخسائر والتداعيات الواسعة لمثل هذا التصعيد العسكري على المستويين الإقليمي والدولي، فإن احتمالية لجوء إيران إلى القوة واردة في حال شعرت بأن فرض الأمر الواقع بات وشيكًا، خاصة إذا تم تجاوز الخطوط الحمراء التي حددتها مرارًا، سواء عبر التصريحات السياسية أو من خلال المناورات العسكرية على حدودها الشمالية. وبالتالي، يبقى خيار الحرب قائمًا، وإن لم يكن مرجحًا، إلا أنه حاضر ضمن حسابات الردع المتبادل، ما يُبقي الأوضاع في حالة توتر قابلة للاشتعال في أي لحظة.
2. السيناريو الثاني: الوصول إلى توافق
يُعد الوصول إلى توافقٍ بين الأطراف المعنية السيناريو الأكثر عقلانية، نظرًا لعدم رغبة أيٍّ منها في الدخول في مواجهة مباشرة أو تحمل تداعيات صراعٍ جديدٍ في منطقة شديدة التعقيد والحساسية الجيوسياسية، فضلًا عن افتقارها للاستعداد السياسي والعسكري والاقتصادي لخوض نزاع مفتوح. غير أن تحقيق هذا السيناريو يتطلب اتخاذ عدد من الخطوات الجوهرية، من بينها إطلاق حوار سياسي مباشر بين أرمينيا وأذربيجان برعاية إقليمية ودولية محايدة، والالتزام بمبدأ عدم تغيير الحدود بالقوة، وتقديم ضمانات أمنية متبادلة، وتفعيل آليات رقابة مشتركة على تنفيذ أي اتفاقات مستقبلية، كما يجب أن تنخرط القوى الإقليمية، لا سيما إيران وتركيا وروسيا، في هذا المسار بصفتها أطرافًا فاعلة لها مصالح مباشرة، على أن يتم ذلك بما يضمن احترام سيادة الدول وتوازن المصالح. ورغم صعوبة الوصول إلى هذا التفاهم الشامل في ظل انعدام الثقة والتنافس الجيوسياسي، إلا أن تحقيقه يظل ممكنًا إذا ما توفرت الإرادة السياسية الصادقة، والإدراك الجماعي بأن استمرار التصعيد لا يخدم أي طرف، بل يهدد الاستقرار الإقليمي برمّته.
3. السيناريو الثالث: جمود الوضع
يُشير هذا السيناريو إلى استمرار حالة الجمود في مسار تسوية النزاع بين أذربيجان وأرمينيا، دون تحقيق أي تقدم ملموس أو تغييرات جوهرية على الأرض، وهو احتمال قائم رغم صعوبة استمراره طويلًا. فعلى الرغم من رغبة أذربيجان في تحقيق مكاسب استراتيجية أكبر، مدفوعةً باختلال ميزان القوة لصالحها، وسعيها لاستثمار انشغال روسيا بالحرب في أوكرانيا لتقليص النفوذ الروسي في القوقاز، إلا أن هذا السيناريو يظل واردًا نتيجة توازن الردع القائم. ويُعزى ذلك، بشكل خاص، إلى تصاعد الموقف الإيراني، حيث أبدت طهران مرارًا استعدادها للرد عسكريًا إذا ما تم تجاهل مصالحها الحيوية، وعلى رأسها الحفاظ على حدودها البرية مع أرمينيا، ورفض أي ترتيبات جيوسياسية تُقصيها من المعادلة الإقليمية. إن الرسائل العسكرية والدبلوماسية الإيرانية الحازمة، بما في ذلك التهديد باستخدام القوة، تُشكل عامل ردع مهم يُقلل من فرص إقدام أذربيجان وتركيا على فرض حلّ أحادي الجانب أو استكمال مشروع الممر بالقوة. وبالتالي، قد يدفع هذا الواقع الأطراف المعنية إلى الإبقاء على الوضع الراهن مؤقتًا، بانتظار تغيرات أوسع في السياقات الدولية أو بروز فرص جديدة للحل عبر التفاوض.
المراجع:
- DR. UMUD SHOKRI, Why Iran Opposes Azerbaijan’s Zangezur Corridor Project, Report, Gulf International Fourm, https://short-link.me/J2du
- Koolaee, Elaheh; Rashidi, Ahmad, The Zangezur Corridor and Threats to the Interests of the Islamic Republic of Iran in the South Caucasus, CAUCASUS ANALYTICAL DIGEST No. 136, February 2024
- Sherif Haridy, Examining the Iranian-Azeri tensions over Zangezur Corridor, Article, 29 November 2022, Future For Advanced Research & Studies, https://short-link.me/J2cU
- د. عبد الرازق غراف، “ممر زنجزور” صراع الجغرافيا والسياسة والاقتصاد: كيف أعاد إحياء النزاع في القوقاز من جديد؟، تحليل، 18 سبتمبر 2023، مركز الخليج للأبحاث، https://2u.pw/Hatnkgjf

