عز الدين أبو المجد
باحث بوحدة الدراسات السياسية بمركز شمس للاستشارات والبحوث الاستراتيجية
بعد مرور قرابة شهرين على مفاوضات شرم الشيخ للسلام المنعقدة في 13 أكتوبر 2025، وعامين على اندلاع الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة ردًا على عملية طوفان الأقصى في 7 أكتوبر 2023، دخل مسار تسوية أزمة غزة منعطفًا حاسمًا بعد الشروع في استكمال مراحل التفاوض باعتبار أن اعتماد مجلس الأمن القرار 2803 (2025) في 17 نوفمبر 2025 يمثل الإطار الحاكم لإنهاء الحرب في غزة بعدما أقر بالخطة الشاملة لإنهاء الصراع في غزة ووفر لها غطاءً أمميًا رسميًا.[1] حيث أعادت هذه الخطة تعريف مستقبل غزة على المستويين الأمني والسياسي والاقتصادي، من خلال ربط قرار إنهاء الحرب ووقف إطلاق النار بمنظومة من الترتيبات الانتقالية وجولات المفاوضات.
وقد انطلقت الخطة من التعهد بأن تصبح غزة منطقة منزوعة السلاح ولا تشكل تهديدًا لجيرانها، وأن يُعاد تطويرها وتأهيلها بعد توقف الحرب بعد موافقة الأطراف على الشروط المزمع الاتفاق عليها، والتي تتضمن في بعض جوانبها مجموعة من الإجراءات مثل انسحاب القوات الإسرائيلية إلى الحدود المتفق عليها مع تجميد خطوط التماس إلى حين استكمال تنفيذ مختلف البنود الأخرى.
أولًا: خطة دونالد ترامب: أزمات بنيوية وضمانات متوقعة
عرضت خطة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب معادلة تبادل مركبة تبدأ بإعادة جميع الرهائن الإسرائيليين، أحياء وأموات، مقرونة بعفو مشروط لأعضاء حماس الذين يقبلون بالتعايش السلمي ونزع السلاح، والشروع في إقامة ممرات آمنة لمن يختار منهم مغادرة القطاع إلى دول أخرى على استعداد لاستقبالهم، غير أن هذا البند، رغم ما يبدو فيه من محفزات، إلا أنه يعيد تعريف الصراع باعتباره يعبر عن أزمة رهائن وإرهاب لا قضية احتلال وحقوق شعب يمتلك حق تقرير المصير؛ إذ لا يربط نزع سلاح حماس أو خروج كوادرها بتحقيق أي تقدم ملموس في إنهاء الاحتلال أو رفع الحصار أو الاعتراف بالحقوق الأساسية للشعب الفلسطيني، بل يحول المقاومة إلى أحد الأزمات الأمنية أمنية، كما أن العفو عن كوادر حركة حماس يتوقف على الشروط والمعايير التي يضعها الطرف المنتصر، من دون أي ضمانات قانونية أو سياسية تحمي عناصر الحركة أو البيئة الاجتماعية الحاضنة لهم من الملاحقات المستقبلية، بما يفتح الباب أمام استخدام هذا البند كأداة ضغط وإكراه أكثر من اعتباره المدخل لتسوية متوازنة تحفظ حقوق كل الأطراف.
بالإضافة إلى ذلك، يربط البند الثاني في الخطة وقف الحرب بالتدفق الفوري والكامل للمساعدات الإنسانية إلى قطاع غزة بكميات لا تقل عن اتفاق 19 يناير 2025،[2] وبتنظيم من هيئة الأمم المتحدة ووكالاتها والهلال الأحمر ومؤسسات أخرى محايدة، مع الإبقاء على معبر رفح مفتوحًا وفق ما تتضمنه البنود.
وعلى المستوى النظري، يبدو هذا البند استجابة للحاجة الإنسانية الملحة، لكنه في جوهره يعمل على تحويل المساعدات إلى أداة مشروطة للضغط وربطها بسلوك أطراف الأزمة، كما يكرس معادلة “الخبز مقابل السلام”، كما أن وصف المؤسسات الوسيطة بالمحايدة لا ينفي واقع أن منظومة التحكم في المعابر وتدفقات المساعدات خاضعة للإرادة الإسرائيلية، خاصة أن الخطة لا تنص على تفكيك البنية القانونية والسياسية للحصار، بل تعيد إنتاجها بآليات أخرى. وبهذا المعنى، يتم استخدام المساعدات كأحد المجالات للتغطية على الواقع السياسي غير العادل لا كمدخل لإنهائه.
أما البعد الثالث في الخطة فيتعلق بإنشاء نظام إدارة انتقالية لقطاع غزة يقوم على تشكيل لجنة تكنوقراط تعمل تحت إشراف مجلس السلام بوصفه هيئة انتقالية دولية يرأسها دونالد ترامب وبمشاركة بعض الشخصيات الأخرى، ومن هنا ظهرت بعض التحديات الهيكلية في الخطة على النحو الآتي:[3]
1. تعمل الخطة على تهميش السلطة الفلسطينية واستبعادها إلى حين تنفيذ هذه الإصلاحات من دون تحديد معايير موضوعية لقياس جاهزيتها أو الجهة المخولة بالحكم على ذلك، وهو ما يضع مستقبل التمثيل الفلسطيني تحت الوصاية المفتوحة ضمن إطار زمني غير محدد. س
2. تتعامل الخطة مع قطاع غزة ككيان شبه منفصل عن الضفة الغربية، متجاهلة بذلك مبدأ وحدة الأراضي ومستقبل القضية الفلسطينية، على نحو ينسجم مع رؤية نتنياهو الرافضة لعودة السلطة إلى القطاع، وبما يضع القضية الفلسطينية ضمن اتجاه واحد وهو غزة أولًا وأخيرًا.
3. تتميز آليات تشكيل لجنة التكنوقراط، ومعايير اختيار أعضائها، وصلاحيات مجلس السلام، وطبيعة العلاقة بينه وبين اللجنة بالغموض وعدم الوضوح، فلا توجد قواعد واضحة لاتخاذ القرار اليومي، كما لا يوجد ضمانات لعدم تحول هذه الإدارة الانتقالية إلى نظام وصاية دولية قد يعيد إنتاج تبعية فلسطين لبعض الدول.
4. تربط الخطة إعادة انتشار قوات الاحتلال بنزع السلاح وفق معايير وجداول زمنية غير محددة، كما لا توضح من يضع هذه المعايير أو يعلن استيفاءها، وهو ما يتيح لإسرائيل إطالة أمد وجودها العسكري المباشر أو غير المباشر في القطاع تحت ذرائع أن شروط الانسحاب لم تكتمل بعد.
5. تنص الخطة على نشر قوة استقرار دولية مؤقتة من دون تفويض واضح، أو تحديد لطبيعة مهماتها، أو الدول المشاركة فيها، أو حدود سلطتها على السكان وعلاقاتها بفصائل المقاومة المختلفة، الأمر الذي يثير مخاوف من تحولها إلى قوة تخدم متطلبات الأمن الإسرائيلي أكثر ما تخدم القطاع وحماية المدنيين، وهو ما يمثل تناقض مع الطرح العربي والإسلامي الذي شدد على أن يقتصر وجود القوات الدولية على الحدود ومنع احتكاكها المباشر مع المجتمع المحلي في غزة.
وفي ضوء ما سبق، يتضح أن خطة ترامب للتنمية الاقتصادية وما تُلوح به من استثمارات وبناء مدن جديدة ليست سوى غطاء تنموي ضمن هيكل سياسي وأمني يؤجل الاعتراف بالدولة الفلسطينية إلى أجل غير مسمى، ويُخضع حق تقرير المصير لبعض الشروط غير الواضحة ولا يدعم مسار إقامة الدولة الفلسطينية المعترف به دوليًا.
ثانيًا: تقييم للمرحلة الأولى من خطة ترامب للسلام (60 يوم الأولى)
تتعدد اتجاهات التعامل مع المقاربات والمداخل التي أقرتها خطة السلام وسلوك الأطراف المنخرطة في عملية التفاوض، وهو ما يجعل من الصعوبة بمكان الوصول إلى مسارات واضحة حول نتائج المرحلة الأولى ومخرجات المرحلة الثانية، وذلك على النحو الآتي:
1. ملف الأسرى: بوابة الانتقال من وضع الحرب إلى وضع التسوية
رسخت الخطة الشاملة كما أقرها القرار 2803 (2025) معادلة واضحة جعلت الإفراج عن جميع الأسرى والرهائن الإسرائيليين أحياء وأموات شرط أولي لوقف الحرب وتفعيل باقي بنود التسوية، مقابل إفراج إسرائيل عن نحو 250 أسيرًا فلسطينيًا محكومين بالمؤبد وحوالي 1,700 معتقل من غزة منذ 7 أكتوبر 2023، بينهم نساء وأطفال، إضافة إلى معادلة تبادل الجثامين (15 فلسطينيًا مقابل كل جثمان إسرائيلي). وعلى المستوى العملي، فقد تم تنفيذ هذا البند إلى حد كبير؛ حيث أطلقت حركة حماس عبر الصليب الأحمر سراح جميع الرهائن الإسرائيليين الأحياء المشمولين بالاتفاق، كما أُعيدت غالبية جثامين الرهائن القتلى إلى إسرائيل، في مقابل إفراج إسرائيل عما يقارب 2,000 أسير ومعتقل فلسطيني ضمن اتفاقية التبادل المتفق عليها. وبذلك يُعد ملف الأسرى قد أُغلق عمليًا وفق الخطة الشاملة في مرحلته الأولى، مع بقاء حالة واحدة فقط –جثمان الضابط برتبة “رقيب اول/ رون جفيلي” الذي لم يُسلم– والتي يمكن أن تمثل نقطة التوتر المحتملة الوحيدة القابلة لإعادة فتح الخلاف حول ملف الرهائن إذا لم تُعالج ضمن ترتيبات استكمال عملية التبادل.[4]
2. ملف الانسحاب العسكري التدريجي: اتجاهات السيطرة العسكرية الاسرائيلية
تُقدر المساحة الإجمالية لقطاع غزة بنحو 364 كم²، ومع اندلاع الحرب الإسرائيلية ردًا على عملية طوفان الأقصى واستمرارها لعامين تقريبًا، تمكن الجيش الإسرائيلي في ذروة تقدمه البري من فرض سيطرة فعلية على ما يقارب 60–70٪ من مساحة القطاع، مع بقاء ما نسبته 30–40٪ تحت سيطرة حماس وفصائل المقاومة الأخرى.
ومع دخول الخطة الشاملة لترامب حيز التنفيذ، ولا سيما في المرحلة الأولى، جرى إعادة تمركز وتوزيع القوات الإسرائيلية إلى ما يُعرف بالخط الأصفر، وهو خط انتشار جديد يكرس سيطرة مباشرة على نحو 53٪ من مساحة غزة في شكل طوق أمني داخلي سيعمل ميدانيًا على قطع أي ممر بري حيوي بين عمق القطاع وكل من معبر رفح مع مصر ومعبر كرم أبو سالم داخل الأراضي الإسرائيلية، ويجعل حركة الأفراد والبضائع مرهونة بالتحكم العسكري الإسرائيلي. ولتثبيت هذا الواقع، أنشأت إسرائيل شبكة كثيفة من النقاط العسكرية قوامها نحو 40 نقطة موزعة على المناطق الخمس في القطاع تشمل 13 نقطة في رفح، و11 نقطة في خان يونس، ونقطة واحدة في دير البلح، و6 نقاط في مدينة غزة، و9 نقاط في شمال غزة؛ وهو ما يشكل بنية انتشار وسيطرة شبكية ستسمح بالسيطرة على المحاور الرئيسة والطرق الداخلية ومداخل المخيمات، وتحويل عملية الانسحاب إلى إعادة تمركز منظم يضمن استمرار القدرة على التدخل السريع وفرض قيود مشددة على المجالين الجغرافي والسكاني للقطاع.[5]
3. المساعدات الإنسانية: فجوة التنفيذ بين الالتزام وواقع التدفق
يُظهر تحليل تدفقات المساعدات إلى القطاع أن الواقع الفعلي لعمليات المرور دون السقف المنصوص عليه في الهدنة التي رعتها الولايات المتحدة؛ فبدلًا من دخول 600 شاحنة مساعدات يوميًا كانت إسرائيل قد تعهدت بالسماح بها، إلا أن التدفق الحقيقي للمساعدات لم يتجاوز نحو 459 شاحنة يوميًا بين 12 أكتوبر و7 ديسمبر 2025 وفق بيانات منسق الأنشطة الحكومية في الأراضي الفلسطينية، وهي هيئة عسكرية إسرائيلية تدير الشئون الإنسانية والمدنية في الأراضي الفلسطينية، وخاصة في غزة بإجمالي 25,700 شاحنة مقابل نحو 33,600 كان من المفترض دخولها بموجب الاتفاق، بينما تشير بيانات الأمم المتحدة إلى مستوى أدنى بكثير من هذه الأرقام؛ حيث أعلنت دخول 6,545 شاحنة فقط، بمتوسط يقارب 113 شاحنة يوميًا، وتقدر وثيقة لحماس العدد بحوالي 7,333 شاحنة، وهو ما يعكس الفجوة الكبيرة بين الروايات المختلفة ومستوى عدم الالتزام بالبنود المتفق عليها.[6]
ولعل العجز في دخول الإمدادات واستمرار فرض القيود الإسرائيلية على المعابر والتعطيل المستمر لدخول المساعدات بذريعة وجود خروقات مزعومة للهدنة، يكشف الفارق بين نص المواد والممارسة العملية؛ إذ إن البند الثاني في الخطة أكد على الربط بين وقف الحرب والتدفق الفوري والكامل للمساعدات إلى غزة بكميات لا تقل عن اتفاق 19 يناير 2025 والمقدر بنحو 600 شاحنة يوميًا منذ بدء الاتفاق. ويتقاطع ذلك مع الموقف السياسي والأمني الإسرائيلي المتشدد تجاه وكالة الأونروا نفسها؛ حيث تتهمها الحكومة الإسرائيلية بتوفير غطاء أو بيئة حاضنة لحماس، كما تمارس الضغوط عليها لوقف تمويلها وتقليص دورها في إدارة ملفي المساعدات واللاجئين، وهو ما يضيف قيودًا على قنوات الإغاثة التقليدية للفلسطينيين ويُضعف من قدرة المنظومة الإنسانية على الالتزام بما تنص عليه الخطة، وهو يظهر الاتجاه نحو إعادة تعريف مفهوم حيادية المؤسسات في ضوء خطة ترامب.
ثالثًا: آفاق خطة ترامب للسلام: أولويات الفاعلين وسناريوهات المرحلة القادمة
تُظهِر قراءة بنية خطة ترامب للسلام، التي اعتمدها مجلس الأمن أنها تفتقر إلى إطار زمني مُلزم أو جدول تنفيذ تفصيلي لكل مرحلة؛ إذ تم صياغة بنود المرحلتين الثانية والثالثة في صورة عناوين عامة ومرنة يمكن أن تُترجم عمليًا وفق القراءة الأميركية – الإسرائيلية أكثر من كونها تعهدات تعاقدية محددة. وبهذا المعنى، تحولت الخطة من خريطة طريق ذات محطات واضحة إلى حالة تعليق مشروط؛ إذ تم ربط الانتقال إلى المرحلة الثانية بحزمة من الشروط العامة (نزع سلاح حماس، تحقيق درجة من الاستقرار الأمني، استكمال إصلاحات السلطة الفلسطينية) من دون تحديد المعايير الموضوعية لقياس تحققها أو آلية تحكيم مستقلة لتقيمها، وهو ما يمنح الولايات المتحدة وإسرائيل قدرة شبه احتكارية على تحديد مستجدات كل مرحلة وهل يتم الانتقال؟ ومتى؟ وبأي مضمون؟.
وفي هذا السياق، يتم النظر إلى أجندة المرحلة الثانية وأولوياتها باعتبارها حصيلة للتفاهمات السياسية بين الرئيس الأميركي ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في لقائهما المقرر نهاية ديسمبر 2025، وهو ما يعني دفع جوهر التسوية (أفق الدولة الفلسطينية، والإدارة في غزة، وترتيبات الوضع النهائي) إلى زمن تفاوضي مفتوح تحكمه موازين القوة أكثر مما تضبطه قواعد القانون الدولي. وانطلاقًا من هذا الإطار، يمكن القول إن مستقبل خطة ترامب في المرحلة المقبلة تقوم على افتراضين متقابلين:
أ. استعداد الطرفين، الإسرائيلي والفلسطيني (حماس)، للمضي قدمًا في مسار التسوية تحت الرعاية الأميركية، وهو ما يشير إلى قبول الانتقال للمرحلتين الثانية والثالثة وفق شروط نزع السلاح وترتيبات الحكومة الانتقالية والضمانات الأمنية، بما يحول الخطة من نص تفاوضي إلى واقع سياسي مستقر يُرجح أن يميل في مخرجاته النهائية لصالح إسرائيل.
ب. يتمثل في انهيار الخطة والعودة إلى منطق الحرب، لا سيما في ضوء إعادة تمركز القوات الإسرائيلية في نحو أربعين نقطة عسكرية داخل القطاع، وهو ما قد يتيح لها استئناف العمليات البرية متى توافرت الظروف، كما يمكن أن تتجه حماس إلى إعادة ترتيب بنيتها العسكرية والتنظيمية خلال الهدنة؛ وهو ما يجعل ترتيبات المرحلة الأولى أقرب إلى هدنة لتنظيم الصفوف من كونها طريق إلى تحقيق تسوية مستدامة، كما يعزز من احتمالية حدوث جولة قتال جديدة –ربما أكثر عنفًا– إذا لم يتم إيجاد أفق سياسي يتوافق عليه الطرفين. لذلك، يكتسب اللقاء المقرر في 25 ديسمبر 2025 أهمية حاسمة في تقرير مصير الخطة؛ إذ ستتضح فيه ملامح المرحلة الثانية، كما سيجيب على تساؤلات حول الأولويات الإنسانية والسياسية مثل توسيع تدفق المساعدات، وترتيبات الحكومة الانتقالية، ومسار الإجراءات المتوقعة نحو تهدئة طويلة، أم إنها ستضع شروط قصوى تتعلق بنزع سلاح حماس وتفكيك بنيتها التحتية العسكرية والأمنية قبل تحقيق أي تقدم في هذا المسار.
بمعنى آخر، فإن طبيعة الموضوعات التي سيتم التوافق عليها بين واشنطن وتل أبيب ستشكل أجندة المرحلة الثانية كما ستكون عامل الحسم في ترجيح أحد المسارين المحتملين؛ ففي حال اتجهت الصياغة نحو شروط تعجيزية مثل عدم دخول المرحلة الثانية حيز التنفيذ حتى يتم نزع شبه كامل لسلاح حماس، وتفكيك شامل لبنيتها العسكرية وشبكة الأنفاق، مع الإبقاء على الطوق العسكري الإسرائيلي داخل القطاع، وهو المسار الذي تدفع نحوه إسرائيل بوضوح، على الجانب الآخر، ستنظر حركة حماس إلى هذه الخطوات باعتبارها محاولة للبقاء والسيطرة والقضم البطيء للأراضي تحت غطاء السلام، وعند هذه النقطة سيصبح استئناف الحرب، ردًا متوقعًا أكثر منه خرقًا لمسار التسوية.
من ناحية ثانية، وفي حال تم التوافق على خفض سقف الشروط وإدراج ملفات تتعلق بحياة الفلسطينيين اليومية، وترتيب وضع السلطة الفلسطينية، وبلورة أفق سياسي واضح، فإن هذا اللقاء قد يتحول إلى نقطة انطلاق فعلية لمرحلة ثانية تفاوضية، وهو المسار الذي يسعى إليه ترامب لتقديم الخطة بوصفها مشروعًا قابلًا للاستمرار لا مجرد هدنة مؤقتة تسبق جولة جديدة من الحرب.
1. أولويات الفاعلين الرئيسين في المرحلة الثانية
| أولويات حماس | أولويات إسرائيل | أولويات الولايات المتحدة |
| إعادة إعمار البنية التحتية لقطاع غزة وتوسيع توزيع المساعدات الإنسانية. | عودة كاملة للأسرى، بما في ذلك استعادة رفات الرقيب الأول/رون جافيلي. | تحويل إنجاز وقف النار إلى إنجاز سياسي ملموس |
| تسريع إنشاء قوات دولية مشتركة لحفظ السلام لتقليل اختراقات الهدنة. بمشاركة الدول الراعية (تركيا / قطر / مصر) | تفكيك البنية العسكرية لحماس بصورة شاملة (بما لا يقل عن 53% من المساحة الخاضعة لسيطرة الجيش الإسرائيلي). | ضمان تفكيك القدرات المسلحة لحماس بدرجة تتيح وقف عمليات اختراق الهدنة، مع إبراز دور أميركي قيادي |
| بقاء حماس كقوة داخل القطاع والمشهد السياسي — على أن تتضمن ترتيبات لإعادة تشكيل أو تفكيك الحكومة مع إجراءات إفراج أو تسهيل مغادرة قيادات محددة إن لزم. | نزع كامل لسلاح حماس وتفكيك بنيتها العسكرية وإخراجها من المشهد السياسي المستقبلي لغزة. | الربط بين تقدم الخطة وحوافز تطبيع أو اتفاقات إقليمية (خليجية وعربية) لإظهار إنجاز إقليمي ولتعزيز شبكة المصالح الأميركية في الشرق الأوسط |
| تقليص «الخط الأصفر» لتحركات القوات الإسرائيلية والضغط على تقليص نطاق التواجد إلى الخط الأحمر. | الحفاظ على نقاط عسكرية إسرائيلية داخل القطاع وإبطاء وتيرة الانسحاب التدريجي. | وضع آليات تتيح لواشنطن قيادة السياسة وصياغة الهياكل (حوكمة وتمويل) دون نشر قوات قتالية كبيرة، مع الضغط على الشركاء لتحمل الأعباء اللوجستية والمالية. |
| ربط الانتقال إلى المرحلة الثانية بضمانات فورية لإعادة الإعمار ومرونة إدارة المساعدات. | ربط المرحلتين الثانية والثالثة بآليات التطبيع. | فرض نموذج بديل للحكم يًمكن واشنطن من ضبط توزيع المساعدات وإدارة إعادة الإعمار مع ضمانات رقابية تمنع عودة الأجهزة المسلحة إلى النفاذ السياسي المباشر. |
| إنشاء لجنة تكنوقراط فلسطينية لإدارة الفترة الانتقالية وضمانات الحوكمة. | ربط إنشاء آليات الحوكمة والإجراءات الأمنية بشروط تقصي تأثير الحركات المسلحة وضمانات تنفيذية. |
2. سيناريو المرحلة الثانية من المفاوضات طبقًا للافتراض الأول
تركز المرحلة الثانية على إبقاء حركة حماس ضمن العملية التفاوضية مع تحقيق أقصى قدر من المكاسب الأمنية والسياسية لإسرائيل وتقديم حوافز مرحلية تضمن استمرار عملية التفاوض، بينما تلعب الولايات المتحدة دور الوسيط والمحرك الرئيسي للآليات التنفيذية، مع ضمان ربط أي تقدم سياسي بإنجازات ملموسة على الأرض، في حين ستضم المرحلة الثالثة الملفات الأكثر حساسية التي تتيح لإسرائيل فرض السيطرة الكاملة على القطاع وقيادة التحولات السياسية، بجانب العمل على إبقاء حماس ضمن نطاق محدود من النفوذ الرمزي أو المحلي. ومن ثم برزت توقعات من أن تكون موضوعات المرحلة الثانية من المفاوضات كالآتي:
| موضوعات المرحلة الثانية | موضوعات المرحلة الثالثة |
| إعادة الإعمار وإدارة المساعدات الإنسانية | نزع السلاح الكامل وتفكيك البنية العسكرية لحماس |
| قوات حفظ السلام الدولية (ISF) | خروج كامل لحماس من المشهد السياسي المستقبلي |
| الوجود الإسرائيلي داخل القطاع والانسحاب التدريجي | إعادة توزيع الصلاحيات والسيطرة على نقاط حرجة |
| اللجنة التكنوقراط وملف الحوكمة | الربط الإقليمي والتطبيع الشامل |
3. الملفات الخلافية في المرحلة الثانية: حدود الطرح السياسي وقابلية التطبيق
تتضمن هذه المرحلة مجموعة من القضايا مثل نزع السلاح الكامل وتفكيك البنية العسكرية لحماس، والخروج الكامل لها من المشهد السياسي المستقبلي، بالإضافة إلى الربط الإقليمي والتطبيع وإعادة توزيع الصلاحيات والسيطرة الإسرائيلية على النقاط الحرجة، وذلك على النحو الآتي:
أ. استحالة ادراج ملف نزع السلاح الكامل لحماس وتفكيك البنية العسكرية
تمنع القدرات العسكرية الحالية لحماس طرح هذا الملف في هذه المرحلة، فالحركة تمتلك بنية عسكرية تشمل وحدات قتالية ومنظومات تكتيكية قادرة على التعافي وقيادة ميدانية قادرة على المواجهة، وهو ما يمنحها القدرة على الصمود والرد في حال استهدافها، كما أن أي محاولة لنزع السلاح الكامل ستُقرأ كتهديد وجودي لبقائها قد يدفعها إلى الانسحاب أو التصعيد، وهو ما يُهدد استقرار المفاوضات في المرحلة الثانية التي من المفترض أن تعتمد على إطار تفاوضي مستقر. بالإضافة إلى ذلك، فإن شبكة الأنفاق في غزة يمكن أن تشكل رادعًا ميدانيًا ضد التنفيذ القسري لنزع سلاحها. وهذه الشبكة، التي بقيت صامدة رغم الضربات وعمليات الاستهداف المتكررة، تمنح حماس قدرة على الحركة وإعادة التمركز الميداني، وتجعل من الصعوبة بمكان تنفيذ خطة نزع سلاح حماس على أرض الواقع.
كما إن البيئة الدولية والإقليمية غير مؤهلة لدعم هذا الملف، فعملية نزع السلاح الكامل تحتاج إلى ترتيبات دولية مكثفة تشمل رقابة واسعة، وقوات أمنية متعددة المستويات، وتنسيقًا بين الوسطاء وأطراف الأزمة إلى جانب ضمانات أمريكية وإسرائيلية مستقرة، وهذه الشروط غير متوافرة حاليًا، ولن تصبح ممكنة إلا بعد إتمام المرحلة الثانية واستقرار المشهد السياسي والإداري عبر لجنة التكنوقراط وقوات حفظ السلام الدولية.
ب. خروج حماس من المشهد السياسي في المرحلة الثانية
إن إدراج هذا الملف في المرحلة الثانية غير قابل للتنفيذ سياسيًا أو ميدانيًا، لأنه يحول المرحلة من إدارة التوازنات إلى تفكيك الفاعل خاصة أنه تم تصميم المرحلة الثانية للحفاظ على إطار تفاوضي مستقر، بينما يمثل إخراج حماس من المشهد بمثابة إسقاط أحد أطراف التفاوض، وهو ما يُفجر العملية برمتها ويقوض شرعية أي اتفاق لاحق. فحماس ليست مجرد تنظيم مسلح؛ بل تمتلك قاعدة اجتماعية متجذرة، وحضورًا مؤسسيًا داخل البنية الإدارية، وشبكات نفوذ محلية في البلديات والإغاثة. وهذا الوزن المجتمعي يمنحها قدرة على خلق أزمة شرعية إذا استُهدفت سياسيًا، وهو ما يعني أن أي محاولة لإخراجها سينتج عنه فراغًا لا تستطيع أي هيئة تكنوقراط تعويضه في المرحلة الثانية.
ج. الربط بين تنفيذ المرحلة الثانية والتطبيع مع إسرائيل
ينظر إلى هذا الملف باعتباره غير قابل للطرح في المرحلة الثانية لأنه يتسم بدرجة عالية من الحساسية ويتجاوز أزمة غزة إلى مستويات سياسية ودبلوماسية إقليمية متعددة، كما أنه يحتاج لمجموعة من الضمانات مثل تحقيق الاستقرار الداخلي الفلسطيني، كما أنه الشروع في تنفيذ هذا المسار يتطلب وقتًا وتوافقات مع الدول المستهدفة، وبالتالي فإن طرحه مبكرًا قد يفجر العملية التفاوضية. لذلك من المحتمل تأجيله إلى للمرحلة الثالثة؛ حيث يمكن ربطه بتحقيق إنجازات ملموسة داخل غزة وضمان توافق إقليمي يسمح بتنفيذ تطبيع شامل آمن ومرن.
د. ملف إعادة توزيع الصلاحيات والسيطرة على النقاط الجغرافية
يُشكل هذا الملف محور السيادة الفعلية داخل القطاع؛ إذ يشمل التحكم في المعابر والأجهزة الأمنية والمرافق الحيوية ونقاط التفتيش، ومن ثم فإن طرحه في المرحلة الثانية قد يؤدي إلى تهديد مسار البنية التفاوضية التي تعتمد عليها واشنطن للحفاظ على استمرار انخراط مختلف الأطراف؛ إذ أن أي تعديل جوهري في هذه الصلاحيات قد يترجم عمليًا إلى إعادة توزيع للسلطة لصالح إسرائيل، كما إن طرحه سينظر إليه من قبل حماس على إنه تقويض لقدراتها العسكرية والسياسية، وهو ما قد يؤدي إلى تدهور موقفها التفاوضي وإضعاف الالتزام بالعملية السياسية.
4. موقف الفاعلين من موضوعات المرحلة الثانية
انطلاقًا من أن المرحلة الثانية ستكون مرحلة ضبط التوازن، فستحاول حماس رفع سقف مطالبها، في حين ستحد إسرائيل من هذه الطموحات، في حين تتوسط الولايات المتحدة لضمان استمرار العملية والقضاء على معوقات استمرار عملية التفاوض.
أ. ملف إعادة الاعمار وتدفق المساعدات الإنسانية
تنظر حماس إلى ملف إعادة الإعمار وتوسيع حجم المساعدات الإنسانية باعتباره أولوية استراتيجية تهدف إلى ضمان استمرار دعم السكان وتعزيز شعبيتها المحلية بعد التراجع الملحوظ في التدفقات خلال المرحلة الأولى. ومع ذلك، ستواجه هذه العملية قيودًا كبيرة من جانب إسرائيل، وهو ما قد يدفعها إلى ممارسة الضغط السياسي والدبلوماسي على الولايات المتحدة لضمان التزام إسرائيلي أقرب إلى سقف الاتفاق المقدر بـ 600 شاحنة يوميًا.
على الجانب الآخر، ستظل إسرائيل تنتهج سياسة صارمة في إدارة ملف المساعدات، معتبرة الزيادة الكبيرة في التدفق قد تعزز قدرات حماس بشكل مباشر أو غير مباشر. لذلك من المتوقع أن تركز إسرائيل على الرقابة الصارمة على المعابر ومنع أي دخول يتجاوز الحدود الرسمية، وربط المساعدات بشروط أمنية صارمة مثل تفتيش الشاحنات والتأكد من عدم تحويل الموارد إلى قدرات عسكرية، إضافة إلى استخدام عامل الوقت كأداة ضغط على حماس للامتثال للشروط السياسية والأمنية، بما في ذلك نزع السلاح الجزئي أو تعديل تشكيل الحكومة.
وبالنسبة لواشنطن فإنها ستعتمد على وضع آليات رقابية مباشرة لضمان وصول المساعدات إلى المدنيين دون تعزيز القدرات العسكرية لحماس، مع ممارسة الضغط على إسرائيل للالتزام بالحد الأدنى من التدفقات، وضمان التزام حماس بآليات الحكم الجديدة وشروط المرحلة الثانية. كما ستستخدم الحوافز الإنسانية لضمان استمرار العملية التفاوضية وربط أي زيادة في المساعدات بتنفيذ التزامات حماس الأمنية والسياسية.
ب. قوات حفظ السلام الدولية (ISF)
تنظر حماس إلى إنشاء قوات حفظ السلام الدولية باعتباره ضرورة لتقليل الخروقات الإسرائيلية للهدنة وضمان حماية المدنيين داخل القطاع، لكنها ستخشى في الوقت ذاته من أن تصبح هذه القوات وسيلة لإضعاف قدراتها على التحكم بالمشهد الأمني المحلي، أو إمكانية أن تتحول إلى أداة للضغط السياسي عليها. لذلك، قد تحاول حماس تحديد حجم ونطاق تدخل القوات الدولية لتقليل تأثيرها المباشر على بنيتها العسكرية أو سيطرتها على القطاع، مع محاولة ضمان مشاركة الدول الراعية (تركيا وقطر ومصر) لدعم حضورها.
وبالنسبة لإسرائيل قد تؤيد وجود قوات حفظ السلام الدولية شريطة أن تكون تحت ضوابط صارمة وتعمل على مراقبة حماس والتأكد من عدم إعادة بناء قدراتها العسكرية أو تمكينها من خرق الهدنة، كما ستحرص إسرائيل على أن تكون مهام هذه القوات محددة زمنيًا وجغرافيًا، مع إبقاء السيطرة الفعلية على القطاع ومجريات العمليات الأمنية واستثمار الوجود الدولي كوسيلة لشرعنه عمليات التفتيش والسيطرة على المعابر.
على الجانب الآخر، ستسعى الولايات المتحدة إلى تحديد السياسة العامة لهذه القوات، مع إبراز دورها القيادي في ضمان تنفيذ الاتفاق، كما ستعمل على وضع آليات رقابية واضحة لضمان التزام جميع الأطراف بالهدنة، وإبقاء القوات ضمن نطاق مهام مراقبة وحماية المدنيين، دون الحاجة لنشر قوات قتالية كبيرة. كما ستستخدم وجودها لضمان تحقيق التوازن بين الأطراف، والحفاظ على تواجد حماس داخل العملية التفاوضية، مع تعزيز صورة واشنطن كضامن للسلام واستقرار القطاع.
ج. الوجود الإسرائيلي داخل القطاع ومسار الانسحاب التدريجي
تنظر حماس إلى هذا الملف باعتباره قضية سيادية، وبالتالي ستسعى إلى تقليص الوجود الإسرائيلي داخل القطاع إلى مستوى الحد الأدنى، مع الضغط لخفض نطاق التحركات العسكرية من الخط الأصفر إلى الخط الأحمر. كما ستحاول حركة حماس الحفاظ على المساحات الحيوية والسيطرة الرمزية على مناطق محددة لضمان استمرار دورها السياسي والأمني داخل القطاع، مع منع أي محاولات إسرائيلية لفرض نفوذ دائم على مؤسسات الحكم أو المناطق الحيوية.
كما ستسعى إسرائيل إلى الحفاظ على نقاط عسكرية استراتيجية داخل القطاع لضمان القدرة على الرد السريع على أي تهديدات أمنية وحماية حدودها. كما ستتبنى استراتيجية انسحاب تدريجي بطيء ومدروس، مع إبقاء السيطرة الفعلية على نقاط مفصلية والموارد الحيوية ونقاط المعابر الحدودية. كما يمثل هذا الملف أداة ضغط على حماس؛ حيث يمكن استخدامه لفرض التزامات أمنية إضافية أو تأجيل أي انتقال كامل للسيطرة الميدانية إلى الفلسطينيين.
ولضمان استمرار إطار المفاوضات مع إعطاء الأفضلية لإسرائيل في ملف الوجود الإسرائيلي داخل القطاع والانسحاب التدريجي، يمكن أن تتجه الولايات المتحدة إلى وضع جدول زمني مرحلي يحدد مواقع الانسحاب ونقاط السيطرة الاستراتيجية، مع إنشاء آليات رقابية مشتركة لضمان عدم توسع نفوذ حماس العسكري والسياسي، وربط كل مرحلة من الانسحاب بالالتزام بالهدنة والشروط الأمنية للمرحلة الثانية. كما ستوفر غطاءً دبلوماسيًا لإسرائيل أمام المجتمع الدولي، مع تنسيق محدود مع بعض القوى الأخرى لضمان قبول حماس بالانسحاب، مع إبقاء السيطرة الفعلية لإسرائيل على الأرض. وفي الوقت نفسه، ستسمح واشنطن بحضور سياسي رمزي لحماس ضمن مناطق محددة، بحيث يظهر الانسحاب كخطوة تفاوضية شاملة دون منح حماس القدرة على تحدي النفوذ الإسرائيلي.
د. لجنة التكنوقراط وملف الحوكمة
تنظر حماس إلى هذا الملف بحذر شديد؛ إذ يمثل تقييدًا مباشرًا لنفوذها السياسي والإداري داخل القطاع، ومن ثم ستسعى إلى الحد من صلاحيات هذه اللجنة لضمان استمرار وجودها داخل مؤسسات الحكم والسيطرة الرمزية على القرارات المحلية، كما قد تحاول التفاوض للحصول على تمثيل محدود أو آليات استشارية تمكنها من متابعة القرارات، مع محاولة استخدام الملف كورقة ضغط للحصول على تنازلات في ملفات أخرى، مثل المساعدات الإنسانية أو تعزيز سيطرتها الأمنية ولو بصورة جزئية.
على الجانب الآخر، تعتبر إسرائيل لجنة التكنوقراط أداة لتقليص نفوذ حماس السياسي والعسكري داخل القطاع، مع ضمان أن تكون آليات الحوكمة مرتبطة بالمتطلبات الأمنية الإسرائيلية؛ حيث ستسعى إسرائيل إلى أن تكون اللجنة مرتبطة بالرقابة على الموارد والمرافق الحيوية، لضمان أن تكون القرارات المنبثقة عنها لا يتم استغلالها لتعزيز قدرات حماس، مع إبقاء أي صلاحيات رمزية للفلسطينيين دون تهديد للسيطرة الإسرائيلية.
وترى الولايات المتحدة اللجنة كوسيلة لضمان استمرار العملية التفاوضية وتحقيق إنجاز ملموس في الحوكمة، مع إبقاء حماس ملتزمة بالشروط السياسية والأمنية. بالإضافة إلى ذلك، ستضع واشنطن آليات رقابية صارمة لإدارة المساعدات وإعادة الإعمار، مع العمل على توجيه العمليات الإدارية والمالية للقطاع بحيث يتم الالتزام بالشروط التنفيذية للمرحلة الثانية، وبما يمنح إسرائيل الأفضلية الأمنية والسياسية ضمن الإطار التفاوضي.
في الختام: تمثل المرحلة الثانية من المفاوضات أداة ضغط تتجاوز إدارة الملفات الملموسة مثل المساعدات الإنسانية، وقوات حفظ السلام، والانسحاب الإسرائيلي، ولجنة الحوكمة والتكنوقراط؛ حيث ينظر إلى هذه المرحلة باعتبارها إطار تفاوضي يسمح بالتحكم في مجريات الأمور، مع توفير ضمانات أمنية لإسرائيل، من ناحية أخرى، تهدف واشنطن إلى الضغط على حماس لتقديم بعض التنازلات مقابل التقييد الكامل لقدراتها على توسيع النفوذ العسكري والسياسي وإبقائها ملتزمة بمسار العملية السياسية. ومن ثم سيتحول كل ملف في هذه المرحلة إلى أداة ضغط مزدوجة لتكريس السيطرة الإسرائيلية في الوقت الذي تُبقي فيه حماس ضمن التفاوض، لتجنب انهيار العملية بأكملها. وبالنسبة لحماس تركز أوراق قوة حماس في المرحلة الثانية على القدرة على ممارسة الضغط السياسي، من خلال الاستفادة من قضايا حساسة مثل جثمان الأسرى الإسرائيليين أو التلويح بالانسحاب من إطار المفاوضات. كما تعتمد على نفوذها الرمزي والسيطرة المحلية في مناطق محددة لتعزيز حضورها السياسي
[1] United Nations Security Council. (2025, November 17). Resolution 2803 (S/RES/2803(2025)). United Nations. Retrieved from https://docs.un.org/en/s/res/2803(2025)
[2] United Nations General Assembly. (2025, January 30). Report of the Secretary-General: Demand for ceasefire in Gaza (A/79/739). Seventy-ninth session. United Nations https://docs.un.org/en/A/79/739
[3] وحدة الدراسات السياسية، المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات. (2025، 2 أكتوبر). خطة ترمب المعدَّلة لإنهاء الحرب في غزة: تكريس الهيمنة الإسرائيلية تحت غطاء السلام. https://www.dohainstitute.org/ar/PoliticalStudies/Pages/enshrining-israeli-hegemony-under-the-veil-of-peace-trumps-revised-plan-for-gaza.aspx
[4] Netanyahu’s Office Reveals Israel CLOSE to Hostage Rescue Completion – Hamas Under Fire! | APT. (2025,). YouTube video. APT Video. https://www.youtube.com/watch?v=c4635CUEIAo&t=71s
[5] Al Jazeera. (2025, October 23). Map of Gaza shows where Israeli forces are positioned under ceasefire deal. Al Jazeera. https://www.aljazeera.com/news/2025/10/23/map-of-gaza-shows-where-israeli-forces-are-positioned-under-ceasefire-deal
[6] The Associated Press. (2025). Aid flow into Gaza falls short of the ceasefire terms, Israeli figures show. AP News. https://apnews.com/article/gaza-food-aid-trucks-ceasefire-7e6ea6dd3ef32928f791af0f690b7d88

