محمود سامح همام
باحث متخصص في الشئون الأفريقية
يشهد السودان مرحلة حاسمة في تاريخه بعدما تصاعد الصراع المسلح بين الجيش الوطني وقوات الدعم السريع ليحوّل البلاد إلى ساحة صراع متعددة الأبعاد، امتدت آثارها إلى كل مفاصل الدولة ومؤسساتها. وقد خلفت هذه الأزمة مئات آلاف القتلى وموجات من النزوح واللجوء داخل وخارج البلاد، وهذا الصراع لم يقتصر على السلطة، بل أصبح اختبارًا لمدى قدرة الدولة على الحفاظ على وحدة أراضيها وسيادتها، وإدارة الموارد الطبيعية والبشرية، وتأمين الخدمات الأساسية للمواطنين. وقد عكس هذا المشهد ازدواجية السلطة وتعدد مراكز النفوذ؛ حيث تتصارع القوة العسكرية والنفوذ على إعادة تعريف الدولة، في حين تتحول الأزمة الإنسانية إلى أداة ضغط سياسي ووسيلة لإعادة رسم المشهد الاجتماعي والمناطقي.
وفي سياق هذه التطورات، سيطرت قوات الدعم السريع على مقر قيادة الجيش السوداني في الفاشر عاصمة ولاية شمال دارفور، باعتبارها آخر مدينة رئيسية يسيطر عليها الجيش في إقليم دارفور غربي البلاد. وهو الأمر الذي طرح مجموعة من الاتجاهات والاحتمالات المتعلقة بتطور العمليات الميدانية وتحليل سياقها وآثارها لتقدير مسارات المستقبل والخيارات المطروحة.
أولًا: تطور الاوضاع الداخلية في السودان
يتسم الوضع الراهن في السودان بتصاعد حدة الصراع المسلح بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع، وهو ما أوجد واقعًا سياسيًا وأمنيًا معقدًا. ووفقًا للإحداثيات الميدانية تتمركز قوات الجيش في ولايات الشمال والشرق، حيث يحافظ على السيطرة على الموانئ الاستراتيجية في البحر الأحمر والعاصمة السودانية الخرطوم ومحيطها الشرقي.
في المقابل، تبسط قوات الدعم السريع سيطرتها على معظم ولايات دارفور وكردفان، إضافة إلى محاور رئيسية في الغرب والجنوب، معتمدَةً على تحالفات قبلية ودعم خارجي لوجستي. وهذا التوزيع الجغرافي للنفوذ أفرز حالة من الازدواج السياسي والعسكري؛ إذ باتت البلاد عمليًا منقسمة بين سلطتين متنازعتين، لكل منهما إدارة ميدانية ومصادر تمويل وتحالفات خارجية.
على المستوى السياسي، يتجه المشهد نحو إعادة تشكّل لمراكز القوة التقليدية؛ حيث يسعى الجيش لتثبيت شرعيته كرمز للسيادة ووحدة الدولة، بينما تحاول قوات الدعم السريع فرض أمر واقع باعتبارها قوة حاكمة في الغرب، وهو ما يعكس تنازعًا على تعريف الدولة نفسها. كما أن هذا التوازن الهش ينذر بتحولات أعمق في بنية السلطة السودانية وإمكانية تشظيها إقليميًا إذا استمرت حالة غياب التسوية السياسية.
1. موقف الجيش الوطني السوداني
يمثّل الجيش السوداني الكيان النظامي للدولة، ويحظى حتى اللحظة باعتراف دولي كامل باعتباره المؤسسة الشرعية الوحيدة المخوّلة بالقيادة والسيطرة، وعلى الرغم من الخسائر التي مُني بها في بداية الصراع، فإنه نجح منذ منتصف عام 2024 في استعادة زمام المبادرة الميدانية في معظم مناطق الشرق والشمال والوسط، مستفيدًا من تمركزه في ولايات حيوية تمثل عمق الدولة السودانية وممراتها الاقتصادية.
أ. مناطق السيطرة: وفقًا للتطورات الميدانية، يسيطر الجيش على ما يُقدّر بـ 60٪ من مساحة السودان، تشمل ولايات النيل، نهر النيل، البحر الأحمر، كسلا، القضارف، والجزيرة، وتمثل هذه المناطق المحور الاقتصادي والإداري الأهم في البلاد؛ إذ تضم العاصمة القومية الخرطوم وميناء بورتسودان ومراكز الثقل الزراعي والصناعي، وهو ما يمنح الجيش قوة تفاوضية واقعية، ليس فقط في الميدان بل في البنية الاقتصادية والسياسية للدولة، وفي العاصمة الخرطوم، استعاد الجيش السيطرة على معظم أحيائها الرئيسية بما في ذلك الخرطوم بحري وأم درمان، بعد عمليات عسكرية مركزة تمت في مايو 2025.ومن ثم أصبح وجود قوات الدعم السريع في العاصمة محدودًا، ويقتصر على جيوب صغيرة أو خلايا متنقلة، يجري التعامل معها عبر عمليات أمنية مستمرة.
ب. المحور الشمالي والشرقي: يسيطر الجيش على الشمال والشرق بالكامل تقريبًا، ففي البحر الأحمر، يتخذ الجيش من مدينة بورتسودان مقرًا رئيسيًا لقيادته السياسية والعسكرية؛ حيث نُقلت الحكومة الفعلية إليها منذ منتصف الحرب، وهي تُعدّ الآن مركز الثقل السياسي والإداري للدولة.أما في ولايتي كسلا والقضارف فالوضع أكثر استقرارًا، والجيش يمارس سيطرة ميدانية كاملة، مع تعزيز وجوده على الحدود مع إثيوبيا وإريتريا لضمان عدم تسلل دعم خارجي لقوات الدعم السريع من تلك الجهات.
وفي ضوء ذلك، يركز الجيش على تحصين مناطق النفوذ التي يسيطر عليها، لا سيما في الممر الأوسط الممتد من الخرطوم حتى القضارف، وهو الشريان الذي يربط المركز بالعصب الاقتصادي والزراعي للبلاد، وفي المقابل، يتحرك لإغلاق المنافذ الغربية التي تستفيد منها قوات الدعم السريع، عبر محاولات للسيطرة على مدن مثل الأُبيّض في شمال كردفان، وهو ما يجعل من هذه المنطقة خط التماس الرئيسي في الصراع. سياسيًا، يهدف الجيش إلى إعادة ترسيم شرعية الدولة من خلال تأكيد دوره كضامن لوحدة البلاد ضد المليشياوية، مع مساعٍ لاستقطاب القوى المدنية المؤيدة للمركز في إطار خطاب وطني جامع يعيد بناء الدولة على أساس مؤسسي مركزي.
2. موقف قوات الدعم السريع
على الرغم من اعتبار قوات الدعم السريع، قوة شبه رسمية في السابق، إلا أنها حاولت تغيير هذه النظرة؛ حيث تحولت منذ اندلاع الصراع إلى وصف نفسها باعتبارها كيان عسكري موازٍ يسعى لفرض أمر واقع سياسي وميداني، وتتبنى قيادة الدعم السريع خطابًا يستند إلى التمثيل الإقليمي واللامركزية، معتبرة أن السيطرة على الغرب السوداني تمثل تحريرًا من الهيمنة المركزية للخرطوم، وهو ما يعكس طموحًا لتغيير شكل الدولة السودانية من نظام مركزي إلى صيغة فيدرالية أو كونفدرالية ضمنيًا.
أ. مناطق السيطرة: تسيطر قوات الدعم السريع على نحو 40٪ من مساحة السودان، وهي مناطق ذات أهمية استراتيجية في غرب البلاد وجنوبها، وأبرزها ولايات دارفور الأربع (شمال، غرب، جنوب، وشرق دارفور) باستثناء أجزاء من مدينة الفاشر التي لا تزال محل نزاع.وقد منح هذا التمركز الدعم السريع سيطرة على الحدود الغربية للسودان مع تشاد وأفريقيا الوسطى وليبيا، وهو ما مكّنها من الحصول على خطوط إمداد وإعادة تموين خارجية، سواء عبر تجارة الذهب أو طرق التهريب التقليدية.
ب. دارفور كمركز نفوذ: تُعد دارفور القاعدة الصلبة لقوات الدعم السريع؛ حيث تخضع أربع ولايات من أصل خمس في الإقليم تحت سيطرة الدعم السريع؛ حيث تمكّنت من إنشاء إدارة ميدانية ونظام لوجستي خاص بها، وهو ما يجعلها تُمارس ما يشبه سلطة الأمر الواقع، ومن الناحية العسكرية، تُستخدم الفاشر ونيالا كمحاور انطلاق لعمليات هجومية نحو كردفان ووسط السودان.
ج. كردفان ومحاور التمدد: تسعى قوات الدعم السريع للتوسع شرقًا عبر كردفان الكبرى، التي تشكل المعبر الحيوي نحو الخرطوم، وتشهد مدن مثل الأُبيّض وبارة وأم روابة مواجهات متكررة بين الجانبين. وفي إطار تنفيذ هذه الاستراتيجية؛ تُوظّف قوات الدعم السريع الطائرات المسيّرة والمدفعية الخفيفة في عمليات قصف غير مباشر تستهدف مواقع الجيش في الشرق، وهو ما يدل على محاولتها تحويل الصراع من حرب مواقع إلى حرب استنزاف طويلة الأمد.
وعلى المستوى السياسي، تعمل قوات الدعم السريع على تعزيز خطابها المستهدف للمناطق المهمّشة، مدعية تمثيل الأقاليم الغربية والقبلية في مواجهة نظام الخرطوم المركزي في محاولة من جانبها للحصول على التعاطف المحلي داخل بعض المناطق، لكنه في الوقت ذاته يُثير مخاوف من تحويل الصراع إلى مشروع انقسام وطني، خاصة بعد سيطرتها الفعلية على موارد الذهب في دارفور واستخدامها كمصدر تمويل ذاتي مستقل عن الدولة.
ثانيًا: مخاطر المحاكاة الإقليمية للأزمة السودانية
تمثل الحالة السودانية الراهنة –من حيث بنيتها السياسية والواقع الميداني الناتج عن الحرب بين الجيش وقوات الدعم السريع– نموذجًا إقليميًا لكثير من الدول في غرب أفريقيا، والذي يُعرف في التحليل السياسي الحديث بنموذج الدولة الممزّقة ذات الجيوش المتعددة والشرعيات المتوازية، فما يجري في السودان اليوم ليس مجرد صراع داخلي على السلطة، بل هو انعكاس عميق لمسار إقليمي ممتد من الساحل الأفريقي حتى خليج غينيا، حيث تتبدل وظيفة الجيوش من أدوات لحماية الدولة إلى أطراف فاعلة في إنتاج السلطة نفسها. ويمكن القول إن السودان يُحاكي، في تركيبته الراهنة، نموذج مالي وبوركينا فاسو والنيجر بعد انقلاباتها المتعاقبة، من حيث إعادة تعريف مفهوم الجيش الوطني وحدود الشرعية السياسية.
1. السودان ومحاكاة نموذج مالي: تحولات أدوار الجيوش
كما حدث في مالي، تحول الجيش السوداني من مؤسسة حامية للدولة إلى فاعل سياسي وعسكري يحكم ويفاوض ويُعيد تشكيل النظام، وفي الحالتين، تراجعت الثقة المدنية في السلطة المركزية نتيجة غياب الأداء الخدمي وتفاقم الأزمات الداخلية، وهو ما مهّد الطريق أمام صعود هذا التوجه باعتباره المنقذ من الفوضى. وكما فرضت مالي نموذجها الجديد القائم على المركزية العسكرية، يسير السودان في مسارٍ مشابه؛ حيث يُعاد ترتيب السلطة حول المؤسسة النظامية على حساب القوى المدنية التي تم تهميشها بعد فشل المرحلة الانتقالية.
2. السودان ونمط بوركينا فاسو: الميليشيا كذراع سياسي
في المقابل، يُعيد السودان إنتاج تجربة بوركينا فاسو بطريقة مختلفة؛ إذ تشكّل قوات الدعم السريع تجسيدًا واضحًا لنموذج الميليشيا التي تحولت إلى فاعل سياسي مستقل، بينما في غرب أفريقيا، استخدمت الأنظمة العسكرية وحدات شبه نظامية كقوات دفاع محلية لمحاربة التمردات الجهادية، ثم تحولت هذه القوات لاحقًا إلى سلطة موازية. وهو الأمر ذاته الذي يتكرر في السودان؛ حيث أن نشأة الدعم السريع كقوة أمن داخلي تحت مظلة الدولة، أصبحت كيانًا عسكريًا – اقتصاديًا له شرعية ميدانية، يتفاوض باسم الإقليم أكثر مما يتحدث باسم الدولة، وهذه البنية المزدوجة للسلطة تُحاكي تمامًا ما حدث في واغادوغو؛ حيث أصبحت القوات العسكرية المساندة ركنًا من أركان الحكم وليس مجرد أداة بداخله.
3. السودان ونموذج النيجر: التحول إلى سيادة منفصلة
في النيجر، عقب الانقلاب الأخير، ظهر نمط جديد في علاقات الدولة بالمنطقة يتمثل في إعادة توجيه التحالفات الخارجية (من الغرب إلى الشركاء الإقليميين مثل روسيا)، مع خطاب وطني جديد يربط الاستقلال الوطني بالقطيعة مع النظم القديمة، والسودان اليوم يسير بخطى مشابهة؛ حيث ركز خطاب الجيش السوداني الرسمي يحمل مضامين التحرر من التدخلات وصون السيادة، بينما تبني قوات الدعم السريع رواية مقابلة عن تمثيل الأقاليم المهمشة واستعادة توازن السلطة. ولعل هذه الازدواجية في محددات الخطاب والرؤية المتعلقة بالسيادة تحاكي بدقة النموذج النيجري؛ حيث تتعدد مراكز الشرعية بين سلطة عسكرية وطنية وسلطة اجتماعية إقليمية تدّعي تمثيل الفئات المحرومة.
ثالثًا: التدخلات الخارجية واتجاهات التأثير في مجريات الأزمة
تحول الصراع في السودان من نزاع داخلي إلى حرب إقليمية متعددة الأبعاد بفعل التدخلات الخارجية، التي لعبت دورًا كبيرًا في تعميق الأزمة وتعطيل أي مسار سياسي للتسوية؛ حيث لم يعد الأمر مقتصرًا على الصراع بين الجيش السوداني والفصائل المسلحة بل أصبح مسرحًا لتصفية مصالح إقليمية ودولية بعدما اتخذت بعض القوى من الدعم العسكري المباشر وغير المباشر وسيلة لتكريس نفوذها في المنطقة. على سبيل المثال، تلقت بعض الفصائل المسلحة أسلحة متطورة وطائرات مسيّرة من خلال قنوات لوجستية عابرة للحدود، وهو ما مكّنها من توسيع عملياتها العسكرية في المدن الكبرى مثل الخرطوم وأم درمان، وأدى إلى تصاعد الاشتباكات وتدمير الأحياء السكنية. كما شمل هذا التدخل تجهيز هذه الفصائل بموارد استخباراتية، وتقديم تدريب لوجستي ميداني، وهو ما عزز من قدرتها على المقاومة وأطال أمد النزاع، وجعل أي هدنة أو اتفاق مؤقت ضعيف الفاعلية.
ولم تقتصر التدخلات على الدعم العسكري المباشر، بل شملت أيضًا التأثير على الديناميات الداخلية للسودان، حيث عملت بعض الدول على تمكين طرف ضد آخر، وهو ما أدى إلى تسعير الصراع بين الجيش السوداني والفصائل المسلحة. كما اتجهت بعضًا من هذه الدول إلى استخدام دول الجوار كمعبر لتسهيل مرور الأسلحة والموارد، من خلال مطارات ومراكز لوجستية في دول مجاورة، الأمر الذي ساهم في تمدد النزاع إلى خارج الحدود السودانية، وهدد استقرار مناطق واسعة في تشاد وإثيوبيا. ولعل هذه الخطوات ساهمت في تحويل النزاع المحلي إلى صراع إقليمي؛ حيث أصبح للمدى الجغرافي والحدود المجاورة أثر مباشر على استمرار الحرب وتصاعد العنف ضد المدنيين، وهو ما أدى إلى تفاقم الأزمات الإنسانية.
على الصعيد السياسي، جعلت التدخلات الخارجية أي جهود للوساطة أو الحل السلمي شبه مستحيلة؛ إذ إن دعم أطراف متحاربة من الخارج أضعف أي محاولة لإنشاء قنوات تفاوضية موثوقة. كما أن تسليح هذه الفصائل ورفع قدراتها على القتال أدى إلى تفكيك البنية المجتمعية بشكل ممنهج، وتدمير المؤسسات التعليمية والصحية، وهو ما عزز من معاناة المدنيين وأعاق أي محاولة لإعادة الاستقرار. ومن ثم لم يعد النزاع في السودان مجرد مسألة محلية، بل أصبح اختبارًا لقدرة المجتمع الدولي والإقليمي على ضبط التدخلات الخارجية، ومنع استخدام الأزمة السودانية منصة لتصفية المصالح الإقليمية، وهو ما يتطلب رؤية شاملة لوقف الدعم الخارجي للأطراف المتحاربة وإعادة توجيه الجهود نحو حماية المدنيين وبناء مؤسسات الدولة.
رابعًا: المسارات المحتملة لتطورات الأزمة السودانية
برزت مجموعة من السيناريوهات المحتملة بعد تصاعد العمليات العسكرية لقوات الدعم السريع وسيطرتها على مدينة الفاشر، وهو الأمر الذي قوبل بتصاعد الاستهداف العسكري من جانب الجيش السوداني، وفي ضوء هذا التصعيد الميداني، ظهرت اتجاهات حول ما يمكن أن تكون عليه المرحلة القادمة في مسار الأزمة السودانية وذلك على النحو الآتي:
1. العودة لاتفاق جدة
يشكّل اتفاق جدة محاولة جادة لإعادة توجيه الصراع السوداني نحو حماية المدنيين وفتح المعابر الإنسانية، كما هو يوفر أرضية محتملة لوقف جزئي للأعمال القتالية وتقليل الخسائر البشرية، خاصة أن الاتفاق يهدف إلى فرض إطار قانوني وإنساني على الحرب، لكنه يواجه تحديات جوهرية، أبرزها ضعف آليات التنفيذ، غياب عناصر المراقبة الفعلية، وإصرار الأطراف على تحقيق المكاسب الميدانية قبل الالتزام الكامل بالاتفاق. في حال تمّ تطبيق بنوده فعليًا، فقد يسهم الاتفاق في كسر دورة العنف، وتوفير مناطق آمنة للمدنيين، لكن وحده لا يمكن أن يكون حلًا شاملًا للأزمة؛ إذ أن استمرار الدعم الخارجي للفصائل المسلحة يهدد استقرار أي تهدئة مؤقتة.
وضمن السياق ذاته، تعمل الآلية الرباعية التي تضم السعودية ومصر والإمارات والولايات المتحدة، من أجل وقف إطلاق النار في السودان، وسبق وأن عقدت اجتماعاً على المستوى الوزاري بواشنطن، في سبتمبر الماضي، وأكدت على ضرورة بذل كل الجهود لتسوية النزاع المسلح في السودان، إلى جانب الضغط على جميع الأطراف لحماية المدنيين والبنية التحتية، وضمان وصول المساعدات الإنسانية إلى المحتاجين.
أما على صعيد الحل السياسي طويل الأمد، فيمكن أن يشكّل الاتفاق قاعدة لانطلاق مفاوضات أوسع تشمل إصلاح مؤسسات الدولة وإعادة دمج الفصائل المسلحة في إطار مؤسسي. ومع ذلك، فإن هذا المسار يتطلب إرادة حقيقية من الأطراف السودانية، وضغطًا إقليميًا ودوليًا مكثفًا، بالإضافة إلى بناء ثقة متبادلة بين الأطراف المتحاربة. في حين لو فشلت هذه الشروط، فإن الاتفاقية قد تتحول إلى إعلان رمزي لا يغير الواقع على الأرض، ويبقى مسار استمرار الحرب مفتوحًا، وهو ما يعني مزيدًا من العنف والانتهاكات الإنسانية وتدمير البنية الأساسية للدولة.
2. اتجاهات التقسيم والانفصال
في سياق الحرب المستمرة بين الجيش الوطني السوداني وقوات الدعم السريع، صار سيناريو تقسيم السودان أحد المسارات المحتملة المطروحة؛ إذ لم يعد الصراع مقتصرًا على السيطرة العسكرية بل أصبح يحمل بعدًا سياسيًا وجغرافيًا لتأسيس سلطات موازية. فالسيطرة الفعلية لقوات الدعم السريع على أجزاء واسعة من غرب السودان، خصوصًا دارفور وكردفان، مقابل تمركز الجيش الوطني في الشمال والشرق، يفتح الباب أمام فكرة قيام إدارات موازية أو حتى دولتين منفصلتين داخل إطار السودان. وتكشف هذه التطورات عن مسار نحو تفكك الدولة؛ إذ تتزايد محاولات كل طرف لترسيخ نفوذه على الأرض وتحويل مناطق سيطرته إلى سلطات شبه مستقلة، بما يجعل فكرة التقسيم خيارًا عمليًا إذا لم يتم حل الأزمة سياسيًا.
وتكشف المجازر التي ارتكبتها قوات الدعم السريع في مدينة الفاشر عن أبعاد نوايا التقسيم؛ إذ تم استهداف السكان الأصليين بتطهير عرقي واستبدالهم بسكان موالين لهذه القوات. إضافة إلى ذلك، فإن غرب السودان الذي تسعى القوات للسيطرة عليه غني بمناجم الذهب والموارد الطبيعية الثمينة، وهو ما يزيد من أهمية هذه المنطقة الاستراتيجية ويجعلها هدفًا رئيسيًا لتأسيس سلطات محلية قائمة على ولاءات محددة. ولا يقتصر هذا السلوك على استخدام العنف العسكري، بل يمتد إلى إعادة تشكيل التركيبة السكانية والاقتصادية في المناطق الواقعة تحت سيطرة قوات الدعم السريع، وهو مؤشر واضح على أن الصراع يتجاوز الصراع على السلطة إلى محاولة تأسيس كيانات محلية قائمة على الموارد والثروات، بما يزيد من مخاطر تفكك الدولة وزيادة الانقسامات السياسية والاجتماعية على المدى الطويل، ويجعل سيناريو التقسيم واقعًا مرجحًا ما لم تتدخل قوى إقليمية ودولية لإجبار الأطراف على حل سياسي شامل يحفظ وحدة الأراضي السودانية.
3. مسارات متداخلة
وفقًا لما سبق ذكره، فإن الحرب المستمرة بين الجيش الوطني السوداني وقوات الدعم السريع قد تتجه نحو عدة مسارات محتملة، تتراوح بين التهدئة عبر وسائل سياسية، أو التدخل الإقليمي والدولي، أو الانتصار العسكري لأحد الطرفين، أو استمرار الصراع في شكل حالة تجميد تؤدي إلى انقسام مؤسسي أو فوضى شاملة.
ولعل أحد السيناريوهات الممكنة هو التوصل إلى اتفاق لوقف إطلاق النار ودخول الأطراف المتحاربة في عملية سياسية وحوار شامل لإعادة بناء المرحلة الانتقالية، وهو مسار يتطلب إرادة سياسية جدية من الطرفين وضغطًا إقليميًا ودوليًا وإضعافًا نسبيًا لإحدى القوى حتى تقبل بالتسوية. أما السيناريو الثاني، فيتعلق بحدوث انتصار عسكري للجيش الوطني يتيح له استعادة السيطرة على العاصمة والمناطق التي سيطرت عليها قوات الدعم السريع، وهو ما يفتح الطريق لإعادة بناء الدولة من الأعلى. بالمقابل، قد تحقق قوات الدعم السريع سيطرة واسعة على غرب ووسط السودان، وهو ما قد يؤدي عمليًا إلى إقامة وضع موازٍ للدولة أو سيطرة شبه دائمة على هذه المناطق. وأخيرًا، هناك احتمال آخر يتعلق باستمرار الوضع الراهن؛ حيث يسيطر كل طرف على مناطق معينة ويظل النزاع متجمدًا، أو أن يؤدي ذلك إلى فوضى كاملة مع ظهور تشكيلات مسلحة جديدة، وهو ما يعرض السودان لحالة مشابهة للدول الفاشلة.
في الختام: يقف السودان في هذه المرحلة عند مفترق طرق حاسم؛ حيث تتشابك الاعتبارات العسكرية والسياسية والإنسانية في إعادة تشكيل الدولة وبنيتها المؤسساتية. كما أن نجاح أي مسار للتسوية يتطلب إعادة التوازن بين القوى المتصارعة على الأرض، وتفعيل دور إقليمي ودولي ضاغط، وبناء الثقة بين الأطراف، مع إعادة تأسيس مؤسسات الدولة بشكل حيادي يضمن مشاركة شعبية واسعة. وفي غياب هذه الشروط، ستظل البلاد عالقة في دائرة عنف مفتوحة، معرضة للتفكك السياسي والاجتماعي، ومهددة بانهيار مؤسساتها الأساسية، وهو ما سيؤدي إلى تكريس أزمة إنسانية وأمنية عميقة لا تقتصر آثارها على السودان وحده، بل تمتد لتشكل تهديدًا للاستقرار الإقليمي والعالمي.

