عزالدين ابوالمجد
باحث في العلوم السياسية

تكررت في عدد من الكتابات الاستشراقية والليبرالية المعاصرة تهمة جوهرها أن بعض تيارات الفكر الإسلامي الإصلاحي في القرن التاسع عشر قدّمت، عن وعي أو لا وعي، تأصيلاً فكريًا لما يُعرف في الأدبيات السياسية الحديثة بمفهوم “المستبد العادل”. ويُستدعى في هذا السياق رموز بارزة كجمال الدين الأفغاني ومحمد عبده، باعتبارهما من أبرز من أعادوا الاعتبار لفكرة الحاكم القوي، القادر على فرض الإصلاح، حتى ولو تم ذلك على حساب المشاركة الشعبية أو إرادة الأمة.
وقد تعززت هذه الأطروحة مع تنامي سرديات تُحمل التيارات الإسلامية الإصلاحية مسؤولية إخفاقات التحول الديمقراطي في العالم الإسلامي، من خلال ما يُفترض أنه انخراط – نظري أو عملي – في تبرير السلطوية تحت شعار التحديث والنهضة. وهكذا تحوّل الاتهام إلى “مسلمة تحليلية” شائعة تُوظّف لتفسير هشاشة النظم التمثيلية وغياب التعددية في التجارب السياسية ذات الخلفية الإسلامية.
إلا أن هذه الفرضية، على شيوعها، تطرح إشكالات معرفية ومنهجية عميقة، في مقدمتها السؤال التالي: هل فعلاً تبنّى الفكر الإصلاحي الإسلامي مفهوم “المستبد العادل” بصيغته المعروفة في أدبيات الحداثة الغربية؟ ثم، هل يصح علميًا وأخلاقيًا إسقاط مفاهيم نُحتت ضمن بيئات فكرية وسياسية أوروبية، على مفكرين إسلاميين اشتبكوا مع أسئلة الإصلاح في سياقات استعمارية مختلفة جذريًا من حيث البنية والدلالة؟
في هذا السياق، يصبح من الضروري مساءلة السلطة المعرفية التي تُعيد إنتاج هذا المفهوم، والتساؤل: من يمتلك الحق في تأطير مفاهيم الماضي؟ وهل في إعادة توصيف مشروع الأفغاني أو عبده كامتداد للاستبداد “التقدمي” نوعٌ من “الاستشراق الجديد” الذي يُفرغ مشروعهما من أبعاده النقدية والمقاوِمة، ليُعاد إدراجه ضمن سردية ليبرالية تُدين الإسلام السياسي حتى في أكثر تجلياته اعتدالاً وتدرّجًا؟
لذا، فإن إعادة النظر في هذا المفهوم لا تكتسب أهميتها فقط بوصفها محاولة لفهم تحولات الفكر الإصلاحي الإسلامي، بل أيضًا من حيث هي مراجعة نقدية لمصطلح تحليلي يعاني من التباس معرفي شديد، حين يُستخدم لتوصيف مواقف وأفكار نشأت في فضاءات تاريخية مغايرة تمامًا عن الفضاء الأوروبي الحديث الذي أنتج هذا المفهوم، وراح لاحقًا يُخضعه هو ذاته لنقد جذري.
وقد انتشرت فكرة “المستبد العادل” ونسبت في البداية إلى السيد جمال الدين الأفغاني. فتزعم الباحثة الأمريكية نيكي كيدي (Nikki R. Keddie) أن الأفغاني كان يؤمن بأن النظام الجمهوري والدستور هما أفضل أشكال الحكم، وكان هو من طرح فكرة “المستبد المستنير” أو “المستبد العادل”[1]. وقد كان الأفغاني يرى أن سبب تخلف البلاد الإسلامية يكمن في التعصب والاستبداد، ودعا إلى مقاومة الاستبداد. وازدادت شهرة هذه الفكرة مع الإمام محمد عبده، الذي كتب مقالًا في مجلة “الجامعة العثمانية” بعنوان “إنما ينهض بالشرق مستبد عادل”. في هذا المقال، دعم عبده فكرة “المستبد المستنير”، مشيرًا إلى أن نهضة الشرق تحتاج إلى حاكم عادل قادر على تحقيق الإصلاحات الضرورية دون الخضوع للضغوط والتعصبات التي تعيق التقدم.
1. الاستبداد: جدل التعريف والمنطلقات
لا بد من التنبيه أولًا إلى الفرق بين مفهوم الاستبداد في مرجعيتنا التراثية العربية ومفهومه في اصطلاحنا اليوم المستقى من المرجعية الأوربية. لم يكن لكلمة “الاستبداد” في المرجعية العربية القديمة ذلك المضمون السلبي الذي لها اليوم. لقد كان “الاستبداد” يعني الحزم وعدم التردد في اتخاذ القرار وتنفيذه. ومن هنا تلك العبارة الشهيرة: “إنما العاجز من لا يستبد”[2]. ومن ثم يشير مصطلح الاستبداد في المرجعية العربية إلى الاقتران بـ “العدل”. فالعدل يفقد مضمونه مع العجز عن تطبيقه. أما الاستبداد بدون عدل فكان له اسم آخر في المرجعية العربية وهو “الطغيان” (“اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى”)[3]. أما مفهوم “المستبد العادل”، كنموذج للحكم الصالح، فيحيل إلى السيرة التي عرفت عن الخليفة عمر بالخطاب في الحكم، والمتميزة بـ “الحزم” والعدل”.
لغويًا، فالاستبداد في اللغة يعني الانفراد بالتحكم، ويقال: استبد به أي انفرد به، واستبد الأمر بفلان أي غلبه فلم يقدر على ضبطه. وعندما يُقال استبد بأمره، يعني أنه غلب على أمره فلا يسمع إلا منه. وفي حديث علي: “كنا نرى في هذا الأمر حقا فاستبددتم به”. وإذا استبد الأمير بالسلطة، يعني أنه أخذها لنفسه دون مشاركة أو استشارة الآخرين، فهو مستبد. وفي اللغات الأجنبية، كلمة “المستبد” Despot مشتقة من الكلمة اليونانية Despotis التي تعني “رب الأسرة” أو “سيد المنزل” أو “السيد على عبيده”.[4] ومع مرور الوقت، انتقلت هذه الكلمة من نطاق الأسرة إلى عالم السياسة، لتشير إلى نمط من الحكم الملكي المطلق؛ حيث تكون سلطة الملك على رعاياه مشابهة لسلطة الأب على أبنائه في الأسرة أو السيد على عبيده. ويتشابه لفظ الاستبداد مع العديد من الألفاظ في المعنى، مثل: الطغيان، التجبر، الظلم، التحكم، الاستحواذ، الاستئثار، الجور، الجبروت، التسلط، الاضطهاد، الديكتاتورية، والشمولية.
2. الاستبداد: الاصطلاح والسياقات والدلالات
كان مفهوم الاستبداد يستخدم في الخبرة التاريخية الإسلامية كمفهوم محايد يصف حالة من القدرة على فرض سيطرة الدولة على مختلف أرجائها، وقدرتها على القضاء على الخارجين عليها. فهو يحمل معنى القدرة على التحكم بصرف النظر عن طريقة التحكم ونتائجه والقيم المحيطة به.
إن مصطلحات الاستبداد المختلفة (Despotism, Despotic, Despot) ظهرت لأول مرة في التاريخ الأوروبي في القاموس الفرنسي عام 1720؛ حيث صيغ هذا المصطلح في أواخر القرن السابع عشر. مع ظهور مونتسكيو وكتابه “روح القوانين” الذي ألفه عام 1748م، وُصف فيه نظم الحكم الشرقية.[5] أصبح هذا المصطلح جزءً أساسيًا من الفكر السياسي الأوروبي، وبدأ استخدامه على نطاق واسع من قبل العديد من المفكرين مثل “آدم سميث” و”بنتام” و”بيرك”، وغيرهم الذين عارضوا فكرة بناء الإمبراطوريات التي بدأت تظهر في أوروبا على حساب شعوب أخرى، تحت دعاوى أخلاقية ظاهرية تخفي أعلى درجات النفاق في جوهرها. قامت هذه الإمبراطوريات على أساس تحقيق الديمقراطية داخل أوروبا وممارسة الاستبداد في الخارج.
وفي القرن التاسع عشر، ظهر في الولايات المتحدة الأمريكية مصطلح “الاستبداد الديمقراطي” من قبل “أليكسي دو توكفيل” في كتابه “الديمقراطية في أمريكا” 1840.[6] حيث استخدمه لوصف الأخطار التي قد تهدد الحريات في المجتمع الديمقراطي. وأشار توكفيل إلى “الاستبداد الديمقراطي والتشريعي” بالإضافة إلى “طغيان الأكثرية”، مسلطًا الضوء على كيفية استغلال النظام الديمقراطي لفرض إرادة الأغلبية على الأقليات، وهو ما قد يؤدي إلى نوع جديد من الاستبداد تحت غطاء الديمقراطية.
وفي الوقت المعاصر، يُستخدم مصطلح “الديكتاتورية” للإشارة إلى “حالة سياسية معينة تكون فيها جميع السلطات بيد شخص واحد يمارسها وفق تصوره”. كما عبر البعض عن الاستبداد بمفهوم “التسلطية “، الذي نشأ مع الدولة الحديثة وامتداداتها البيروقراطية؛ حيث تخترق هذه الدولة المجتمع المدني بالكامل، وتجعل منه امتدادًا لسلطتها، محققة بذلك الاحتكار الفعال لمصادر القوة والسلطة في المجتمع. ومن المصطلحات المعاصرة التي تعبر عن معنى الاستبداد أيضا مصطلح “الشمولية“.
مع تزايد الحضور الخارجي في الواقع الفكري والثقافي واللغوي العربي أصبح معنى الاستبداد هو المعنى الغربي وليس المعنى العربي، لذلك حدث نوع من القطيعة المعرفية مع الدلالة العربية للمفهوم، وأصبح الباحث المعاصر ينتقد محمد عبده وأبا حامد الغزالي على أساس أن أفكارهما تعاني الانفصام وجمع المتناقضات، من دون أن يفهم الدلالات التاريخية للمفاهيم التي استخدماها، بل أسقط المعنى الغربي المعاصر على اللفظ العربي التاريخي”.
3. الاستبداد والمرجعية الغربية
يشير الاستبداد إلى استئثار فرد أو جماعة بالسلطة دون الخضوع لأي قانون أو قاعدة، ودون الالتفات إلى آراء المحكومين. هذه السلطة المستبدة تمارس الحكم دون أن تكون خاضعة للقانون الذي يُعتبر، في نظر هذه السلطة، قيدًا على المحكومين فقط، وليس عليها. وبالتالي، تستطيع اتخاذ أي إجراءات ترغب فيها تجاه الأفراد، بما في ذلك مصادرة حرياتهم وممتلكاتهم. ويشير أفلاطون إلى المستبد بوصفه “الذي يسيطر على السلطة بالقوة ويمارسها بالعنف، ليكون الموجه الوحيد والحاكم بالعنف”. ويرى الباحث نصر محمد عارف أن الاستبداد في جوهره مشكلة معرفية؛ حيث يتمثل في احتكار المعرفة وادعاء امتلاك الحقيقة المطلقة. فالمستبد يرى نفسه كاملًا ومطلقًا، بينما يعتبر الآخرين ناقصين ونسبيين، وهو ما يجعله وصيًا على من يعتبرهم محجورين فكريًا. ويرى أن الاستبداد مشكلة نفسية؛ إذ تنبع نظرة المستبد لنفسه وللآخرين من النفس وأمراضها، وليس من العقل وشذوذه. الدليل على ذلك أن المستبد، حتى لو عرف الحق واقتنع بأنه مخطئ، لن يعود إلى الصواب والرشد، حتى لو أدى ذلك إلى فناء المحكومين. ولو كانت المشكلة معرفية، لكان العقل قد عاد إلى رشده بمجرد إزالة الالتباس الذي وقع فيه.
4. أنواع الاستبداد في الفكر السياسي الغربي
تعددت صنوف وأنواع الاستبداد في التصورات الغربية وفيما يلي أبرز هذه الأنواع:
أ. الاستبداد الديني: يُعد الاستبداد باسم الدين من أخطر أنواع الاستبداد، وقد اقترن تاريخيًا بحكام يدّعون أنهم آلهة أو أنصاف آلهة، أو أنهم متحدثون باسم الإله، أو يملكون ح ق الإله، أو مُعيَّنون من قبله. هذا التأله ليس مرتبطًا بالدين السماوي، بل إن الأديان الأرضية التي وضع البشر المستبدون مرجعيتها هي الأكثر خطورة. ومن ثم، كانت الأيديولوجيات السياسية التي ادعت امتلاك الحقيقة المطلقة أكثر استبدادًا وخطورة على البشرية، مثل الأيديولوجيات الاشتراكية أو القومية المتطرفة.
ب. الاستبداد الشرقي: يُطلق على حكم البيروقراطية الزراعية أو الإدارية التي تملك السلطات الفعلية في غياب مؤسسات دستورية أو اجتماعية قوية تعبير “الاستبداد الشرقي”. هذا النظام يرتبط بالمجتمعات النهرية؛ حيث يتعلم الناس الطاعة من خلال توزيع مياه الري، وهو ما يؤدي إلى بنيان بيروقراطي هرمي ومركزية حادة للسلطة. كما يستخدم هذا التعبير عادة لوصف المجتمعات الآسيوية في الشرق الأقصى أو الأدنى، التي ارتبطت بهذا الشكل من الحكم، رغم انتشاره في مناطق أخرى من العالم؛ حيث توجد ديمقراطيات زائفة أو “حق الصراخ” دون حق الفعل. فالمستشرق الإنجليزي “توماس أرنولد”، فقد اتهم الخلافة الإسلامية بالاستبداد، قائلًا: “إن الخلافة المعروفة كانت استبدادية؛ حيث منحت سلطة غير محدودة للحاكم وطلبت طاعة غير مشروطة من الرعايا “
ج. الاستبدادية المطلقة: يشير هذا الوصف في الأصل إلى نظم الحكم الملكية التي سادت في أوروبا في القرنين السابع عشر والثامن عشر، والتي كانت تقوم على الحكم المطلق والانفراد بكل مظاهر السيادة والسلطان، دون الاعتبار للقوانين القائمة أو الحدود المتعارف عليها. يعود مفهوم المطلقية إلى “حق الملك الإلهي”، الذي يبرر سلطة رئيس الدولة بإرادة سماوية أو دينية، وهو ما يعفيه من المسؤولية أمام أي هيئة أو قانون. يمكن أن يكون شكل الحكم استبدادي ا أو قانونيا، لكن الحاكم لا يخضع للمحاسبة أو للقانون. كما أن الاستبدادية المطلقة قد تكون فردية أو جماعية، وهي مشابهة في معناها للديكتاتورية والأوتوقراطية، رغم اختلاف خلفياتها وتبريراتها.
د. الاستبداد السياسي: الاستبداد السياسي هو الانفراد بإدارة شئون المجتمع السياسي من قبل فرد أو مجموعة أفراد دون بقية المواطنين فالاستبداد السياسي يفترض وجود علاقة بين طرفين متساويين في الحقوق والواجبات العامة، ينفرد أحدهما بها دون الآخر. فالمستبد يستولي على الشيء دون وجه حق فهو في المقام الأول تقويض لمبدأ المساواة التي لا تقوم حياة اجتماعية سياسية سليمة من دونه.
5. الاستبداد في الغرب كمرادف للطغيان في الشرق
يشير الاستبداد إلى التفرد بالسلطة والتحكم الكامل في المجتمع، بينما الطغيان هو أحد أقدم المفاهيم المرتبطة بالاستبداد، ويشير إلى الاستخدام المفرط للقوة في السيطرة السياسية من قبل حاكم فرد. وكلا المصطلحين يعبران عن أنماط حكم تعارض الحرية السياسية والحكم الدستوري.
ولكن الفرق بين الاستبداد والطغيان يظهر في كيفية التحكم؛ فالطغيان ينطوي على قهر وجبر، بينما الاستبداد قد لا يشمل هذه الجوانب بالضرورة. في حين يعكس الاستبداد إرادة الحاكم وقد يأتي بمصلحة الشعب على الرغم من الاستئثار بالسلطة، لكنه قد يتجاوز العدالة في استعمال سلطته. أما الطاغية، فيستبد بطبع هو يميل إلى الظلم والإفراط في القسوة، قد يستخدم القوانين كوسيلة لتحقيق أهدافه الظالمة والاستبدادية. وبهذه الطريقة، يتبين أن الاستبداد يشمل السيطرة الكاملة وقد يكون له بعض النيات الصالحة، بينم الطغيان يتصف بالسعي وراء الأذى والتعسف بدافع الاستعلاء وتجاهل العدالة.
وبالتالي يتبين أن الاستبداد في أصله لا يعني الطغيان بقدر ما يعني التفرد والاستئثار بالسلطة والحكم, والمستبد يدير شئون الأمة على ما يقضي هواه مع ابتغائه مصلحة الشعب وخيره، لكنه قد يقسو عليه كما يقسو الأب على أبنائه وهو يريد لهم الخير، وقد يتجاوز حدود سلطته وحدود الخير فيتعسف في استعمال السلطة فيخرج بذلك عن حدود العدل والإنصاف لكن الطاغية مع اشتراكه مع المستبد في الانفراد بالحكم وتسييره على غير مشورة من الرعية، فلا يبتغي خير الأمة ولا صلاحها، ولكنه يريد أن يسومها سوء العذاب، انطلاقًا من عقدة التعالي واستخفاف عقول الرعية، فتطيعه أو تخرج عليه .
6. قراء في مفهوم محمد عبده للاستبداد
يأتي محمد عبده في صدارة المتهمين بالقول بالاستبداد وتكريسه في الثقافة العربية المعاصرة بعد نشر مقال له بعنوان “إنما ينهض بالشرق مستبد عادل”. ويصف محمد عبده هذا المستبد “بأنه مستبد يُكره المتناكرين على التعارف ويلجئ الأهل إلى التراحم وتقهر الجيران على التناصف. ويحمل الناس على رأيه في منافعهم بالرهبة. إن لم يحملوا أنفسهم على ما فيه سعادتهم بالرغبة. عادل لا يخطو خطوة إلا ونظراته الأولى إلى شعبه الذي يحكمه”. هكذا يحكم هذا الحاكم المستبد شعبه القاصر عن تولي أموره بنفسه، لأنه لم يستعد بعد للخوض في عباب السياسة والحكم الدستوري الشورى، ويجب عليه أول ما يجب أن يُهيئ نفسه بالتربية والتدرج فيها، “حتى إذا عرفت الأفكار مجاريها بالتعريف وانصرفت إلى ما أعدت إليه بالتصريف وصح الشعور بالتعليل واستقامت الأهواء بالتعديل أباح لهم أي الحاكم المستبد غذاء الحرية ما يستطيع ضعيف السن قصمه والناقة من المرض هضمه”.
وقد أثار المقال كثيرًا من ردود الأفعال حول موقف الإسلام عمومًا من الاستبداد، وحول موقف محمد عبده على الخصوص، فذهب كثير من الدارسين إلى أنه قد دعا إلى الاستبداد وكرسه من خلال الدعوة إلى فكرة المستبد العادل”، ومن ثم يكون عبده قد تراجع بفكره إلى الوراء متخلفًا عن فكر المدرسة الإصلاحية وعلى رأسها جمال الدين الأفغاني فهل هذه هي حقيقة محمد عبده؟ وما معنى مصطلح الاستبداد الوارد في المقال الأنف؟
يذهب محمد عبده كغيره من علماء الأمة إلى القول بضرورة الشورى وتكريس دور الأمة في حياتها السياسية، ويظهر ذلك واضحًا في صياغته لمواد الحزب الوطني المصري، حينما يلمز الاستبداد في المادة الثامنة منه، وينعى على المصريين صمهم عنه قائلًا “والمصريون يعلمون أن الصمت على حقوقهم لا يخولهم أي الأجانب الحرية في بلاد ألف حكامها الاستبداد وكرهوا الحربة”. ويعد إطلاق الحرية السياسية حياة الأمة المصرية، وخليفة المسلمين عنده ليس معصومًا وليس من حقه احتكار فهم الكتاب والسنة، وهو مطاع مادام على الطريقة، فإذا انحرف أو زاغ أزيغ به وعدل به عنه إلى غيره. بل أكثر من ذلك نجده يرفض وجود الأنظمة المستبدة، ويطمح إلى أن تكون الدول حرة مستقلة، ويرى حاكمها منصاعًا إلى القانون لا إلى هواه أو هوى حاشيته.
وإيمانا منه بضرورة الحكم الدستوري الشورى وبدور الأمة السياسي، ينادي محمد عبده بضرورة أن يكون قانون الدولة هو القانون الذي تنشئه الأمة “إن القانون الصادر عن الرأي العام هو الحقيق باسم القانون المقصود بالبيان ليس إلا، والرأي العام عنده هم نواب الأمة في المجلس الشعبي، والنائب لسان المنوب عنه، أي نائب عن الأمة، فيكون القانون من وضعها على الحقيقة.
هكذا يبدو موقف محمد عبده من الحكم الدستوري المبني على الشورى، وهوما يعني مناهضته للاستبداد بالمعنى المتعارف عليه، ويبقى أن معنى المستبد الذي ذكره في مقاله ليس المتعسف، وإنما “أن يرجع الأمر في تنفيذ الشريعة إلى فرد واحد فهو غير ممنوع في الشرع ولا في العقل لكن تقييد الحاكم بالشريعة غير كاف؛ إذ لا بد من طائفة تتحقق بمعاني الشريعة، فيقومونه عند انحرافه.
وهذا ما يعني استعمال محمد عبده للمفهوم العربي للاستبداد، الذي يعني الانفراد وكذا الحزم في اتخاذ القرارات، وأنه لم يستعمله إلا بهذا المعنى، ولذلك قال في نهاية مقاله: “هل يعدم الشرق مستبدًا من أهله عادلًا في قومه فيتمكن به العدل أن يصنع في خمس عشرة سنة ما لا يصنعه العقل وحده في خمسة عشر قرنًا”. وكأنه بذلك يشير إلى عجز حكام الشرق الواقعين تحت سلطان المستعمر الأجنبي وجيوشه المدججة بالسلاح.
فلم يكن محمد عبده إذا – داعية إلى الاستبداد والديكتاتورية وإنما كان داعية إلى الإصلاح السياسي الذي لا يقدر عليه إلا حكام يمتلكون مقاليد الأمور، يحكمون بالعدل لا بالهوى والغرض، وفق خطة محكمة ينفذونها في وقت معدود، وحديثه عن “المستبد العادل هو نفسه حديث الأفغاني عن “القوي العادل، غير أن عبده ينتهج التدرج للوصول إلى الهدف المنشود. فيكون المستبد الذي ينشده هو الشخص الحازم العادل الذي يضع الأمور الموكلة إليه في حزم وعدل وقوة، من دون تردد في اتخاذ القرار.
[1] Enayat H. Sayyid Jamāl ad-Dīn “al-Afghāni,” A Political Biography. By Nikki R. Keddie Berkeley and Los Angeles: University of California Press, 1972. 496pp. Iranian Studies. 1973;6(4):246-255. doi:10.1080/00210867308701449
[2] عمر بن أبي ربيعة. 2025. “ليت هندا أنجزتنا ما تعد – عمر بن أبي ربيعة – الديوان.” الديوان. 2025. https://www.aldiwan.net/poem42576.html.
[3] القرآن الكريم – تفسير الطبري – تفسير سورة النازعات – الآية 17 https://quran.ksu.edu.sa/tafseer/tabary/sura79-aya17.html
[4] Etymology of “despotism” by etymonline. https://www.etymonline.com/word/despotism
[5] The Complete Works of M. de Montesquieu (London: T. Evans, 1777), 4 vols. Vol. 1.
[6] Aydiner, D. (2022, December 22). Democratic Despotism and Democracy’s Drift: Tocqueville’s validity today. Retrieved from https://behorizon.org/democratic-despotism/

