عزالدين أبو المجد
باحث في وحدة الدراسات الدولية بمركز شمس للاستشارات والبحوث الاستراتيجية
تمثل الحرب الأمريكية – الإيرانية في عام 2026 تحولًا نوعيًا في بنية الصراع في الشرق الأوسط؛ إذ انتقلت العلاقة بين الطرفين من نمط الحرب غير المباشرة والحروب بالوكالة إلى مواجهة وحرب مفتوحة متعددة الأدوات والمجالات. ولم تعد الحرب مقتصرة على التبادل المباشر للضربات العسكرية، بل أصبحت ترتبط على نحو وثيق بأمن الممرات البحرية، واستقرار أسواق الطاقة، ومواقف دول الخليج، وحدود الدور الإسرائيلي، والتنافس بين القوى الكبرى، وفي مقدمتها الولايات المتحدة والصين. ومن ثم، فإن تحليل مستقبل هذه الحرب لا يقتصر على رصد التطورات الميدانية، بل يقتضي تفكيك المحددات السياسية والاقتصادية والاستراتيجية التي تحكم سلوك الفاعلين الرئيسيين، وتحديد السيناريوهات التي يمكن أن تتجه إليها الحرب خلال المرحلة المقبلة.
وفي ضوء ذلك، يهدف هذا التقرير لتحليل السيناريوهات، انطلاقًا من أن الحرب لا تتحرك في مسار ثابت، بل تتشكل من خلال تفاعل متغيرات متداخلة مثل مستوى التصعيد العسكري، هشاشة وقف إطلاق النار، طبيعة شروط التفاوض، دور الوسطاء، تأثير اضطراب مضيق هرمز على الاقتصاد العالمي، ومدى استعداد الولايات المتحدة وإيران لتحمل تكلفة الاستمرار في الصراع. وبهذا المعنى، لا يُنظر إلى المستقبل بوصفه امتدادًا مباشرًا للحاضر، بل بوصفه مجموعة من المسارات المرجحة التي تتفاوت وفق تغير المعطيات الميدانية وسلوك الأطراف.
كما ترتكز هذه القراءة على فرضية رئيسية مفادها أن الحرب لا تتجه، على الأرجح، إلى حسم عسكري كامل لصالح أي طرف، كما لا تبدو البيئة الحالية مهيأة لإنتاج اتفاق نهائي شامل يعالج جميع ملفات الخلاف دفعة واحدة. وعليه، فإن المسارين الأكثر احتمالًا يتمثلان في: حرب استنزاف ممتدة منخفضة الحدة، أو تسوية مرحلية غير مكتملة تُبقي جوهر الصراع قائمًا، لكنها تمنع انفجاره الكامل. كما ترتكز هذه الفرضية على إن الولايات المتحدة تمتلك تفوقًا عسكريًا واضحًا، لكنها تفتقر إلى تصور حول نهاية الحرب بتكلفة منخفضة، في حين تمتلك إيران قدرة على الصمود وفرض تكلفة أعلى للحرب مثل تعطيل الممرات الحيوية، لكنها في الوقت ذاته لا تملك القدرة على الاستمرار في خوض حرب مفتوحة بلا سقف زمني.
أولًا: السياق العام للحرب وتحولها من الردع غير المباشر إلى الصراع المفتوح
أعادت الحرب الجارية منذ أواخر فبراير 2026 تشكيل معادلات الأمن الإقليمي بصورة واضحة. فالصراع لم يعد مجرد امتداد تقليدي للأزمة النووية الإيرانية أو لسياسات الاحتواء الأمريكية، بل أصبح مواجهة متعددة الساحات تشمل إيران والخليج والعراق وسوريا ولبنان والبحر الأحمر، وتجمع بين الضربات الجوية، والهجمات الصاروخية، والحصار البحري، والضغط الاقتصادي، وتوسيع الجبهات عبر الفاعلين الإقليميين المتحالفين مع الطرفين. وفي هذا السياق، تبدو الحرب أقرب إلى “حرب إقليمية متعددة الأطراف والأدوات” وليس مجرد مواجهة ثنائية محصورة جغرافيًا.
وقد اعتمدت الولايات المتحدة في هذه الحرب على التفوق الجوي والتكنولوجي، من خلال استهداف البنية العسكرية الإيرانية، والقيادات العليا، ومحاولة تقليص القدرات الصاروخية والطائرات المسيرة، إلى جانب السعي لفرض السيطرة أو على الأقل تعزيز قدرات الردع في مضيق هرمز باعتباره مركز الثقل الرئيسي في الصراع. وفي المقابل، اتبعت إيران استراتيجية تقوم على الردع غير المتماثل، من خلال توسيع مجال الحرب، واستهداف القواعد الأمريكية والمصالح الخليجية، والضغط على سلاسل إمداد الطاقة والملاحة، بما يرفع من تكلفة الحرب على خصومها ويمنعهم من ترجمة تفوقهم العسكري إلى حسم سياسي نهائي.
وهنا تظهر نقطة تحليلية مركزية والمتمثلة في إن الحروب لا تُحسم فقط بميزان التدمير أو السيطرة الجوية، بل بقدرة الطرف المنتصر تكتيكيًا على فرض إرادته السياسية. وعلى الرغم من إن مجريات الحرب تشير بوضوح إلى أن الولايات المتحدة وإسرائيل حققتا نتائج عسكرية كبيرة، لكنهما لم يحققا الأهداف المعلنة، وعلى رأسها إسقاط النظام الإيراني أو نزع القدرة الإيرانية على رفع تكلفة الحرب إلى مستوى إقليمي ودولي. وفي المقابل، لم تنتصر إيران بالمعنى العسكري التقليدي، لكنها نجحت في إفشال خطة واشنطن وتل أبيب للحسم السريع، وفي تحويل مركز الثقل من الداخل الإيراني إلى هرمز والخليج والطاقة والتحالفات الدولية. لذلك، فإن الحرب الحالية أقرب إلى أزمة استراتيجية ممتدة منها إلى حرب تمهد لانتصار نهائي.
كما برز البعد البحري والمؤثر على سلاسل إمداد الطاقة والذي يمنح الحرب طابعها الدولي الأوسع. فإغلاق هرمز أو تعطيله أو إخضاعه لمنطق مرور انتقائي لا يؤثر على إيران أو الولايات المتحدة فحسب، بل يمتد إلى التأثير على آسيا وأوروبا والأسواق العالمية، وهو ما يجعل من الحرب حدثًا يتجاوز المجال الإقليمي إلى التأثير في بنية الاقتصاد الدولي وسلاسل الإمداد ومواقف الحلفاء. ولهذا، فإن مستقبل الحرب لا تحدده ساحة القصف وحدها، بل تحدده أيضًا قدرة الأطراف على إدارة هرمز والحد من آثاره أو استثماره كورقة ضغط.
ثانيًا: إيران والولايات المتحدة: اتجاهات الاستمرار في التفاوض
لا تبدو المفاوضات بين إيران والولايات المتحدة مرشحة للتوقف التام، لكنها في الوقت نفسه لا تبدو في طريقها إلى التحول إلى مسار تفاوضي منتظم ومستقر. فالتفاوض في هذه الأزمة لا يجري في ظروف تتسم بالثقة، بل في بيئة إكراه متبادل. فالولايات المتحدة تريد أن تتفاوض تحت ضغط الحصار والتهديد بالقوة، وإيران تريد أن تفاوض من دون أن تفقد أوراق الضغط الأساسية التي راكمتها خلال الحرب، وعلى رأسها موقعها في مضيق هرمز ومخزونها النووي وقدرتها على إبقاء التهديد قائمًا. ومن ثم، فإن استمرار التفاوض لا يعكس بالضرورة اقتراب التسوية، بل يعكس إدراك الطرفين أن كلفة القطيعة الكاملة أكبر من كلفة الإبقاء على قنوات اتصال غير مباشرة.
فاتساع الفجوة بين مواقف الجانبين لا يزال يمثل العقبة الأساسية. فمن جهة، ترى واشنطن أن أي تفاوض جاد يجب أن يقود إلى تحجيم البرنامج النووي الإيراني، وتحرير مضيق هرمز، وتقليص أدوات الردع الإيرانية. ومن جهة أخرى، ترى طهران أن أي تفاوض لا يتضمن ضمانات فعلية بعدم تجدد الحرب، وتخفيفًا ملموسًا للضغوط أو رفعها، وإقرار حقها في الحفاظ على برنامج نووي سلمي، ولذلك فإن أقصى ما يمكن توقعه في المرحلة الحالية هو تفاوض استكشافي أو مرحلي، لا تفاوض نهائي يمكن من خلاله تحقيق اختراق لهذه الملفات.
1. محددات الرؤية الأمريكية لمسار التفاوض
تكشف الرؤية الأمريكية عن منطق للتعامل مع الحرب وفي مسار مزدوج والمتمثل الخروج الآمن إذا أمكن، أو الاستعداد للتصعيد إذا تعثرت التسوية. ومن ثم تقوم هذه الرؤية على مجموعة من الأهداف الرئيسية، أهمها تحييد البرنامج النووي الإيراني، ومنع التخصيب العسكري، والتعامل مع اليورانيوم عالي التخصيب، وضمان حرية العمل في مضيق هرمز، إلى جانب إبقاء ملف الصواريخ الباليستية مطروحًا ولو في مرحلة لاحقة. كما تتضمن المسودة الأمريكية استخدام الحوافز الاقتصادية، مثل رفع بعض العقوبات أو تجميد التهديد بإعادة فرضها، وإمكانية تقديم دعم فني لبرنامج نووي سلمي خاضع للرقابة، مقابل قبول إيران بقيود صارمة على التخصيب والتفتيش والتنفيذ المرحلي للاتفاق.
لكن هذه الرؤية لا تنطلق من موقع تسوية متوازنة، بل من محاولة تحويل التفوق العسكري إلى مكسب تفاوضي. فالولايات المتحدة لا تتعامل مع التفاوض باعتباره تبادل تنازلات متكافئة، بل باعتباره وسيلة لتثبيت نتائج الحرب في الملف النووي والبحري تحديدًا، مع تأجيل الملفات التي قد تثير اعتراضات أكبر، مثل البرنامج الصاروخي أو الترتيبات الإقليمية الأخرى، إلى مراحل لاحقة. ويعني ذلك أن واشنطن تريد اتفاق يمكن أن يساهم في وقف الحرب، لكن على أسس تقيد إيران أكثر مما تقيدها هي.
2. محددات الرؤية الإيرانية لمسار التفاوض
تتمحور الرؤية الإيرانية حول تحويل الصمود العسكري إلى مكاسب سياسية واستراتيجية والتي تنطلق من فرضية أن الحرب لم تنجح في إسقاط النظام، ولا في تجريد إيران من قدرتها على الرد، ولا في منعها من استخدام هرمز كورقة استراتيجية. ولذلك لا ترى طهران نفسها في موقع المهزوم الذي يدخل التفاوض لتقديم تنازلات أحادية، بل في موقع الطرف الذي نجح في مواجهة الأهداف الأمريكية والإسرائيلية، والذي من حقه أن يفرض شروطه والمتمثلة في ضمان عدم مهاجمتها مجددًا، وتحويل وقف النار إلى نهاية دائمة للحرب، والحفاظ على دور إيراني فعلي في معادلة هرمز، ورفع العقوبات، واستمرار التخصيب داخل إيران ضمن إطار يحقق مصالحها، إلى جانب الإفراج عن الأصول المجمدة، والحصول على تعويضات أو على الأقل مكاسب اقتصادية تعوض جزءًا من تكلفة الحرب.
وتميل إيران كذلك إلى ربط أي اتفاق بوقف الحرب على جميع الجبهات، لا داخل إيران فقط، بل في لبنان أيضًا، بسبب قناعتها بأن إسرائيل قد تعمل على إفشال أي تفاهم أمريكي – إيراني لا يلبي أهدافها، ومن ثم، فإن التفاوض بالنسبة إلى طهران ليس مجرد ترتيب ثنائي مع واشنطن، بل جزء من معركة أوسع تتعلق بمنع إسرائيل من تحويل الهدنة إلى محطة تكتيكية تسبق جولة جديدة من القصف أو التوسع الإقليمي.
ثانيًا: السيناريوهات المحتملة للمسار التفاوضي
برزت مجموعة من السيناريوهات المتعلقة باتجاهات مسار التفاوض بين الولايات المتحدة وإيران خاصة بعد تمديد الهدنة وتصاعد أدوار الوساطة للوصول إلى تفاهمات مشتركة بين الجانبين، وفيما يلي أبرز هذه المسارات:
أ. السيناريو الأول: استمرار التفاوض غير المباشر والمتقطع
يفترض هذا السيناريو إبقاء القنوات الوسيطة مفتوحة عبر باكستان وعُمان وقطر وربما مصر وتركيا، مع تبادل الرسائل والمقترحات، دون أن يتحول ذلك إلى عملية تفاوضية مستقرة. ويغذي هذا السيناريو إدراك مشترك بأن البديل عن استمرار التفاوض هو العودة إلى تصعيد عسكري وحرب عالية التكلفة. وهذا المسار يتوافق مع الفرضية المتعلقة بإن التفاوض سيبقى جزءًا من إدارة الحرب وليس إنهائها.
ب. السيناريو الثاني: تجميد تفاوضي مؤقت مع بقاء الاتصالات الخلفية
في هذا السيناريو تتعطل الجولات العلنية أو تُلغى مؤقتًا، بينما تستمر الرسائل الخلفية والوساطات الهادئة. ويحدث ذلك إذا رأت طهران أن الانخراط العلني في المحادثات تحت الحصار يضر بموقفها، أو إذا رأت واشنطن أن التهديد بالتصعيد قد ينتج تنازلات أكبر قبل العودة إلى الطاولة. وهو سيناريو مرجح جزئيًا، لكنه لا يعني قطع الاتصالات بين الجانبين بل تغيير أدواتها فقط.
ج. السيناريو الثالث: انهيار المفاوضات وعودة التصعيد المباشر
يبقى هذا السيناريو قائمًا إذا تمسك كل طرف بسقفه الأعلى من المطالب، أو إذا تدخلت أطراف إقليمية بصورة تقوض فرص التسوية، أو إذا وقع احتكاك بحري أو عسكري كبير في هرمز أو لبنان أو الخليج. إلا أن هذا المسار، رغم جديته، لا يبدو الأكثر احتمالًا في المدى القصير، لأن تكلفته تتجاوز حدود إيران وتمتد إلى تهديد أمن الطاقة والاقتصاد العالمي.
ومن المرجح أن التفاوض سيستمر، لكنه سيظل تفاوضًا متقطعًا وغير مباشر ومحكومًا بمنطق القوة. فلا السلام قريب، ولا القطيعة التامة مرجحة. والأصح أن العلاقة بين الحرب والدبلوماسية دخلت طورًا تصبح فيه المفاوضات امتدادًا للصراع.
ثالثًا: الأهداف المتعارضة: محددات الاتفاق المحتمل
يكمن العائق الرئيسي أمام الاتفاق الشامل في اتساع الفجوة بين ما تعتبره الولايات المتحدة “حدًا أدنى مقبولًا” وما تعتبره إيران “خطوطًا حمراء سيادية”. فواشنطن تريد تحجيم البرنامج النووي الإيراني إلى أقصى حد ممكن، ووقف عمليات التخصيب، ونزع فعالية هرمز كورقة ضغط، وربما إبقاء الملف الصاروخي مطروحًا لاحقًا. في المقابل، تريد طهران اتفاقًا يضمن بقاء النظام، ويمنع تجدد الحرب، ويحفظ حقها في التخصيب داخل إيران، ويمنحها مكاسب اقتصادية ملموسة، ويعترف لها بدور فعلي في معادلة هرمز. وهذه الفجوة تجعل الاتفاق النهائي الشامل بعيد المنال في الظروف الحالية.
ويمكن الإشارة هنا إلى إن الأقرب إلى الواقع هو إمكانية عقد اتفاق مرحلي متعدد المراحل، لا صفقة نهائية. ويقوم هذا الاتفاق على معادلة التجميد مقابل التخفيف؛ بمعنى أن تقبل إيران بخطوات جزئية تتعلق بالتخصيب أو بإدارة اليورانيوم عالي التخصيب أو بترتيبات الملاحة في هرمز، مقابل تمديد الهدنة، وتخفيف بعض أشكال الضغط البحري أو العقوبات، والحصول على ضمانات سياسية محدودة بعدم استئناف الحرب فورًا. ولا يُنتظر من هذا الاتفاق أن يحل كل القضايا، بل أنه يمكن إن يساهم في منع الانفجار الكامل والعودة للحرب ويمنح الطرفين وقتًا إضافيًا لإدارة خلافاتهما في إطار أقل خطورة. ومن المرجح أن تكون بنية هذا الاتفاق على مرحلتين:
* المرحلة الأولى: تثبيت وقف النار واحتواء التصعيد البحري، مع إجراءات بناء ثقة محدودة في الملف النووي.
* المرحلة الثانية: التفاوض على القضايا الأكثر أهمية، مثل التخصيب طويل الأمد، والعقوبات، والضمانات الأمنية والسياسية، والتفاهمات الإقليمية.
وهذه الصيغة تمنح كل طرف فرصة للادعاء بأنه لم يتنازل عن جوهر موقفه، وفي الوقت ذاته تجنب الطرفين السقوط الفوري في جولة حرب جديدة.
أ. الشروط الأمريكية المرجحة
يمكن تلخيص الشروط الأمريكية في خمسة محاور رئيسية:
- وقف أو تجميد البرنامج النووي الإيراني ضمن إطار زمني محدد، بما يشمل التعامل مع اليورانيوم عالي التخصيب وإخضاع المنشآت النووية لرقابة صارمة.
- حصر الاستخدامات النووية في الأغراض السلمية، مع دعم تقني وفني محتمل إذا قبلت إيران بقيود مشددة.
- منع أي توسع إضافي في قدرات التخصيب، وربط التنفيذ بالتفتيش الدولي والتدرج في رفع بعض الضغوط.
- تأجيل بحث البرنامج الصاروخي إلى مرحلة لاحقة أو التعامل معه بصورة جزئية، مع بقاء هدف الحد من الكمية والمدى حاضرًا في الرؤية الأمريكية.
- ضمان حرية الملاحة في مضيق هرمز ومنع تحوله إلى أداة ابتزاز استراتيجي مستمرة ضد الولايات المتحدة وحلفائها.
وتكشف هذه الشروط أن الهدف الأمريكي لم يعد إسقاط النظام بوصفه أولوية حصرية، بل تحقيق مخرج آمن من الحرب يثبّت مكاسبها ويمنع إيران من تحويل صمودها العسكري إلى انتصار سياسي كامل. وهذا التحول نفسه ينظر إليه على إنه مؤشر على أن الحرب لم تمنح واشنطن ما كانت تطمح إليه في بدايتها.
ب. الشروط الإيرانية المرجحة
في المقابل، تتمحور الشروط الإيرانية حول حماية البقاء وتحويل الصمود إلى مكسب:
- ضمان عدم مهاجمة إيران مرة أخرى عبر ترتيبات أو ضمانات أمريكية – دولية أوسع من ضمانات اتفاق عام 2015.
- إنهاء دائم للحرب وليس مجرد وقف إطلاق نار مؤقت، بما يشمل الضغط لوقف الجبهات المرتبطة، وخصوصًا لبنان.
- استمرار دور إيراني فعلي في إدارة مضيق هرمز، ولو بصيغة غير معلنة أو بالتنسيق مع عُمان.
- رفع العقوبات الأمريكية والغربية، أو على الأقل فتح مسار واضح لتخفيفها، خاصة في قطاع الطاقة.
- الاحتفاظ بحق التخصيب داخل إيران ضمن صيغة يمكن تسويقها داخليًا بوصفها حماية للمشروع القومي النووي.
- الإفراج عن الأصول الإيرانية المجمدة، وطرح ملف التعويضات أو إعادة الإعمار في شكل ما، وإن كان بصورة غير مباشرة.
وبالتالي، فإن السيناريو الأكثر احتمالًا هو إمكانية اتفاق مرحلي محدود لا ينهي أصل النزاع، لكنه يضبط أخطر عناصره. وهو اتفاق يسمح للولايات المتحدة بالقول إنها قيدت البرنامج النووي وأعادت التحكم في مضيق هرمز، كما سيسمح لإيران بالقول إنها فرضت وقفًا للحرب وانتزعت اعترافًا ضمنيًا بقدرتها على الصمود. أما الاتفاق الشامل، فيظل أقل احتمالًا، لأنه يحتاج إلى تنازلات بنيوية لم تُظهر الوقائع حتى الآن استعدادًا متبادلًا لتقديمها.
رابعًا: محفزات الاتفاق والخلاف والسيناريوهات المحتملة
تكشف المعطيات أن الولايات المتحدة قادرة على إيقاع مزيد من الضرر بإيران، لكنها لا تستطيع أن تضمن أن مزيدًا من القصف سيقود إلى نهاية سياسية للحرب وتحقيق أهدافها. كما تكشف أن إيران قادرة على رفع التكلفة للحرب، لكنها لا تستطيع تتحمل حرب مفتوحة بلا سقف من دون مواجهة آثار اقتصادية ومجتمعية وهيكلية. لذلك، فإن الحرب الحالية محكومة بحدود مزدوجة تتمثل في استراتيجية الحسم بالنسبة إلى الولايات المتحدة، والاحتمال بالنسبة إلى إيران.
وتشير بعض التقديرات إلى أن الولايات المتحدة تريد تجنب الانزلاق إلى حرب برية واسعة، وأن التكلفة السياسية والعسكرية لهذا الإجراء مرتفعة، في حين أن إيران تواجه بدورها قيودًا اقتصادية داخلية تجعل من الحرب المفتوحة الطويلة مخاطرة وجودية إذا استمرت بالوتيرة نفسها. وهذا ما يدفع الطرفين معًا نحو نمط من حرب الاستنزاف، بدلًا من حسم الحرب بالكامل. وفيما يلي السيناريوهات المرجحة لمآل الحرب:
السيناريو الأول: حرب استنزاف ممتدة منخفضة الحدة
ينظر إليه باعتباره السيناريو الأكثر ترجيحًا. وفيه تستمر الضربات الجوية والضغوط البحرية والعمليات السيبرانية والتوترات الإقليمية، لكن من دون التحول إلى حرب برية أمريكية شاملة أو انهيار إيراني كامل. وتبقى الجبهات المرتبطة – لبنان، العراق، البحر الأحمر، الخليج – عناصر ضغط قابلة للتفعيل بدرجات مختلفة. ويتميز هذا السيناريو بأنه يسمح لواشنطن بمواصلة الاحتواء دون التورط الكامل، ويمنح إيران القدرة على البقاء ورفع التكلفة للحرب دون الانهيار. وقد اعتُبر هذا السيناريو في أكثر من تحليل هو المسار الأكثر احتمالية خلال الفترة المقبلة.
السيناريو الثاني: احتواء مرحلي وتسوية ناقصة
يقوم هذا السيناريو على ترسيخ هدنة غير مستقرة أو شبه معلنة، مع تراجع نسبي في العمليات العسكرية وعودة أوسع إلى قنوات التفاوض عبر الوسطاء. ويغذي هذا المسار الضغط المتزايد من أسواق الطاقة، والخوف الأمريكي من توسيع الحرب، ورغبة إيران في الحفاظ على النظام وتجنب حرب مدمرة طويلة. والنتيجة ليست سلامًا كاملًا، بل توازن ردع جديدًا وصراعًا أبرد نسبيًا. وهذا السيناريو أقل ترجيحًا من حرب الاستنزاف الممتدة، لكنه يظل قريبًا منه وقد يتعايش معه.
السيناريو الثالث: تصعيد إقليمي واسع
يتحقق هذا إذا انهارت الهدنة تمامًا، واتسعت الحرب إلى لبنان والعراق واليمن، وتصاعد الضغط على مضيق هرمز والبحر الأحمر معًا، بما يهدد الطاقة العالمية ويزيد احتمال التورط الخارجي غير المباشر. وتزيد احتمالات هذا المسار إذا تدخلت إسرائيل لإفشال أي تفاهم، أو إذا وقع خطأ تقدير كبير في البحر أو الخليج. لكنه، رغم خطورته، ليس السيناريو الأرجح، لأن تكلفته على الاقتصاد العالمي والأسواق والتحالفات مرتفعة جدًا.
السيناريو الرابع: حملة أمريكية أوسع لفرض الحسم
يفترض هذا المسار أن تعتبر واشنطن أن الحرب المحدودة أو الهدنة المؤقتة غير كافيتين، وهو ما قد يدفعها إلى توسيع نطاق العمليات وربما إلى عمليات خاصة أو محدودة برية أو ساحلية لضبط المواد النووية أو تحييد بعض مراكز القوة الرئيسية. إلا أن هذا السيناريو يظل أقل احتمالًا سياسيًا، لأنه يحمل خطر “الانزلاق التدريجي” إلى حرب أوسع، كما أنه لا يضمن أن الحسم العسكري سيترجم إلى مخرجات سياسية مستقرة.
وفيما يتعلق بمدى قدرة الطرفان على مواصلة الحرب، يمكن القول إنهما قادران على مواصلة الحرب لأسابيع وربما لأشهر محدودة، لكن ليس بلا سقف سياسي واقتصادي. فالولايات المتحدة تملك القدرة المادية على الاستمرار أكثر من إيران، لكن استمرار الحرب يستهلك من رصيدها الاستراتيجي ويضع ضغوطًا على تحالفاتها وجاهزيتها في مسارح عمليات أخرى. أما إيران فتستطيع مواصلة الحرب غير المتماثلة، وفرض الاضطراب في هرمز والخليج، لكنها لا تستطيع خوض حرب مفتوحة طويلة بذات الكثافة من دون التأثير على أوضاعها الداخلية. لذلك، فإن الاستمرار المرجح ليس استمرار الحرب في صورتها العليا، بل استمرارها في صورة منخفضة الكثافة وطويلة المدى.
كما إن النهاية الأكثر احتمالًا للحرب ليست معاهدة سلام، ولا انهيارًا سريعًا للنظام الإيراني، بل هدنة ممتدة أو تسوية ناقصة بعد مرحلة من الاستنزاف المتبادل. وهذا ينسجم مع نمط الصراعات التي لا يملك فيها أحد الطرفين قدرة على فرض إرادته كاملة، بينما يملك كل طرف ما يكفي لمنع الطرف الآخر من تحقيق النصر الكامل.
خامسًا: كيف تنعكس الحرب على الصين؟
لا تمثل الصين طرفًا مباشرًا في الحرب، لكنها تُعد من أكثر القوى الكبرى تأثرًا بمخرجاتها، لأن أمن الطاقة الصيني يرتبط على نحو وثيق بالخليج ومضيق هرمز، ولأن أي اضطراب طويل الأمد قد ينعكس على التجارة والصناعة والتكاليف اللوجستية والنمو العالمي. ولذلك، فإن أثر الحرب على الصين لا يُقاس فقط بمستوى علاقتها بإيران، بل أيضًا بمدى استمرار تدفقات الطاقة، وقدرة بكين على الاستفادة من إنهاك واشنطن دون أن تتحمل تكلفة أعلى.
وفي ضوء ذلك، يتمثل الأثر المباشر على مصالح الصين في مجال إمداد الطاقة. فكلما استمر اضطراب الملاحة في مضيق هرمز، ارتفعت تكلفة تأمين واردات النفط والغاز، واضطرت الصين إلى إعادة ترتيب شبكة الموردين بشكل أقل كفاءة وأعلى تكلفة. كما يتمثل الأثر الثاني في التجارة والصناعة؛ إذ تؤدي صدمة الطاقة والشحن والتأمين إلى ضغط مباشر على الاقتصاد الصناعي الصيني وعلى سلاسل الإمداد والتصدير. أما الأثر الثالث فيتمثل في النمو العالمي، لأن الحرب الممتدة ترفع احتمالات تباطؤ الاقتصاد الدولي، وهو ما ينعكس بالضرورة على الصين بوصفها اقتصادًا كبيرًا ومتشابكًا مع الأسواق العالمية.
ومع ذلك، تظل هناك بعض الفرص الجيوسياسية المحتملة؛ حيث يمكن إنتخلق الحرب بعض الفرص النسبية للصين. فكلما بدا أن الولايات المتحدة عاجزة عن تحويل تفوقها العسكري إلى تسوية مستقرة، زادت قدرة بكين على تقديم نفسها كفاعل أكثر هدوءً، وأقل اندفاعًا نحو الدخول في الحروب أو فرض العقوبات. كما أن استمرار إنهاك واشنطن في الخليج قد يمنح الصين هامشًا أكبر في التنافس الأوسع معها، سواء في المجال الاقتصادي أو في مسارح عمليات أخرى. كذلك، يمكن للصين أن تعمق حضورها الاقتصادي في إيران الضعيفة والمعاقبة، وأن تستفيد من الفرص التي تتيحها إعادة ترتيب سلاسل الطاقة والتمويل البديلة.
لكن هذه المكاسب ليست مطلقة. فالصين لا تستفيد من فوضى طويلة وغير مضبوطة في هرمز، بل من استنزاف الولايات المتحدة وبما لا يدمر انسياب سلاسل الطاقة والتجارة. ولهذا، فإن مصلحتها الأقرب تتمثل في تسوية تمنع الهيمنة الأمريكية الكاملة على مخرجات الحرب، ولكنها أيضًا لا تدفع المنطقة إلى انهيار واسع. وفيما يلي أبرز السيناريوهات المرجحة:
السيناريو الأول: الصين وسياسة المراقبة والانتظار
وفي هذا السيناريو تبقى بكين حذرة وغير راغبة في الانخراط المباشر، لكنها تستفيد تدريجيًا من هشاشة الموقف الأمريكي ومن تعميق روابطها الاقتصادية مع إيران. ويكون المكسب الصيني هنا نسبيًا ومحدودًا، لا استراتيجيًا حاسمًا في التأثير على مجريات الأوضاع بل ستكون في موضع الانتظار والترقب للتفاعلات بينهما.
السيناريو الثاني: مكسب استراتيجي أكبر لبكين
يتحقق ذلك إذا طالت الحرب وتعثر التفاوض واستمر الاضطراب في مضيق هرمز، بما يؤدي إلى تآكل تماسك التحالفات الأمريكية وفتح المجال أمام الصين لتعزيز دورها الاقتصادي والسياسي بصورة أكبر. وفي هذه الحالة، تتحول الحرب إلى استنزاف استراتيجي للولايات المتحدة أكثر من كونها أزمة إقليمية فحسب، وبما يهدد الدور العالمي المستقبلي للولايات المتحدة.
السيناريو الثالث: ضرر صيني واسع بسبب اضطراب هرمز
إذا تحول تعطيل هرمز إلى أزمة بنيوية ممتدة، فإن الضرر على الصين سيتجاوز المكاسب الجيوسياسية. إذ سترتفع تكلفة الطاقة والنقل، ويتعمق التباطؤ العالمي، وتصبح الصين من أكبر المتضررين من الحرب، لا من المستفيدين.
السيناريو الرابع: انخراط صيني أكثر فاعلية وتحول الحرب إلى نقطة انعطاف دولية
وهو أخطر السيناريوهات. وفيه لا تكتفي الصين بالمراقبة والاستفادة الاقتصادية، بل تقدم دعمًا أوسع لإيران أو تستغل إنهاك الولايات المتحدة لتشديد الضغط عليها في مناطق أخرى. عندئذٍ تتحول الحرب من أزمة شرق أوسطية إلى نقطة انعطاف في التنافس بين القوى الكبرى. لكن هذا السيناريو يبقى الأقل احتمالًا في المدى القريب، لأن بكين ما تزال تميل إلى الحذر، ولأن الانخراط الأعمق يحمل لها مخاطر أعلى من مكاسبه الفورية.
المحصلة الأرجح هي أن الصين ستتحمل تكلفة اقتصادية مباشرة في الأجل القصير، لكنها قد تحقق مكاسب جيوسياسية نسبية في الأجل المتوسط إذا استمرت الحرب في إنهاك الولايات المتحدة دون أن تتحول إلى فوضى في سلاسل إمداد الطاقة والتجارة. ومن ثم، فإن الصين ليست الرابح الصافي من الحرب، لكنها قد تكون المستفيد النسبي من فشل واشنطن في تحويل تفوقها العسكري إلى تسوية سياسية مستقرة.
في الختام: يتضح من مجمل المؤشرات أن مستقبل الحرب الأمريكية – الإيرانية في عام 2026 لا يتجه، على الأرجح، إلى سلام سريع أو إلى نصر حاسم ونهائي لأي طرف، بل إلى تفاوض تحت الضغوط، وهدن هشة، وتسويات مرحلية، واستنزاف ممتد منخفض الحدة. وتبقى المفاوضات مرشحة للاستمرار، لكن بوصفها امتدادًا للصراع لا نقيضًا له؛ إذ يحاول كل طرف أن يستخدمها لتثبيت مكاسب الحرب أو لمنع خسائره من التحول إلى هزيمة سياسية كاملة.
كما أن الاتفاق الأكثر احتمالًا ليس اتفاقًا شاملًا، بل صيغة مؤقتة متعددة المراحل تقوم على تجميد بعض العناصر الأخطر في الملف النووي والبحري مقابل تخفيف جزئي للضغط وفتح نافذة أوسع للتفاوض. وستظل هذه الصيغة ناقصة بطبيعتها، لأنها لا تمس جذور التناقض البنيوي بين الرؤيتين الأمريكية والإيرانية، لكنها قد تنجح في منع الانفجار الشامل وإبقاء الصراع داخل حدود قابلة للإدارة.
أما نهاية الحرب، فهي مرشحة لأن تأتي عبر هدنة ممتدة أو سلام غير حاسم، لا عبر انهيار النظام الإيراني أو توقيع معاهدة سلام شاملة. ومن ثم، فإن الحرب ستنتهي على الأرجح بإعادة تنظيم الصراع، لا بإنهائه. وسيتحدد مسارها النهائي بقدرة الأطراف على إدارة هرمز، واحتواء الجبهات المرتبطة، ومنع الطاقة العالمية من التحول إلى عامل تسريع لانفجار أكبر.
وفيما يتعلق بالصين، فإن الحرب تمثل في آن واحد مصدر تهديد وفرصة استراتيجية. فهي تهدد أمن الطاقة وسلاسل الإمداد والنمو العالمي، لكنها قد تمنح بكين مكاسب نسبية إذا استمر مسار إنهاك الولايات المتحدة وتراجعت قدرة واشنطن على تحويل تفوقها العسكري إلى تسوية سياسية مستقرة. غير أن هذه المكاسب تظل مشروطة بألا يتحول اضطراب هرمز إلى فوضى ممتدة تضر بالصين أكثر مما تفيدها. وعليه، فإن المصلحة الصينية الأقرب ليست في حرب طويلة مفتوحة، ولا في نصر أمريكي كامل، بل في تسوية تكبح الهيمنة الأمريكية دون أن تدمر النظام التجاري والطاقي العالمي.

