مصطفى محمد عبدالعظيم
باحث ماجستير في العلوم السياسية
شهدت قمة رابطة دول جنوب شرق آسيا (آسيان) لعام 2025 مشاركة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب وذلك خلال زيارته إلى كوالالمبور، ضمن جولة آسيوية شملت ماليزيا وتايلاند وفيتنام وكمبوديا، واختتمت في كوريا الجنوبية بلقاء قمة تاريخي مع الرئيس الصيني شي جين بينج في مدينة بوسان، وجاءت هذه الجولة في مرحلة تمر فيها العلاقات الأمريكية الصينية بنوع من التهدئة عقب مرحلة من تصاعد التوترات التجارية والتكنولوجية المتصاعدة؛ حيث سعت واشنطن إلى تعزيز تحالفاتها الاقتصادية في آسيا وتنويع سلاسل الإمداد، في وقت تحاول فيه بكين إعادة ضبط مسار علاقتها بالولايات المتحدة لتخفيف الضغوط المالية والاقتصادية المتفاقمة.1
وعلى هامش هذه الجولة، توصل الرئيسان ترامب وشي في 30 أكتوبر 2025 إلى اتفاق بوسان الإطاري التجاري والاقتصادي، فيما وقعت واشنطن سلسلة اتفاقيات واسعة مع كل من ماليزيا وتايلاند وفيتنام وكمبوديا، شملت تعزيز التعاون في قطاع المعادن الحرجة وسلاسل الإمداد، إلى جانب توقيع حزمة من اتفاقيات التبادل التجاري والاستثمار في الطاقة والبنية التحتية والتكنولوجيا، وقد حظي ملف المعادن النادرة بأولوية كبرى لأهميته الاستراتيجية؛ إذ تهيمن الصين على 48.8% من الاحتياطي العالمي لهذه المعادن، مقابل 21% فقط للولايات المتحدة، فضلًا عن سيطرتها على أكثر من 90% من عمليات المعالجة عالميًا، ومع اعتماد الولايات المتحدة على الواردات بنسبة تصل إلى 80%، بينها 56% من الصين وحدها، باتت ضرورة تأمين سلاسل الإمداد وتنويع مصادرها هدفًا استراتيجيًا. 2
وفي هذا الإطار، وقعت الشركات الأمريكية مذكرات تفاهم مع دول آسيان لتطوير واستكشاف ومعالجة المعادن النادرة، بما يرسخ الحضور الاقتصادي لواشنطن في جنوب شرق آسيا ويقلل من الاعتماد على الصين في الحصول على هذه الموارد الحيوية، ومن ثم، تكشف الاتفاقيات عن مستوى تحول آسيان إلى محور مركزي في إعادة تشكيل ملامح النظام الاقتصادي العالمي خلال المرحلة المقبلة، بما يجعل قمة كوالالمبور 2025 محطة مفصلية في إعادة ترتيب التوازنات الاقتصادية الإقليمية والدولية.
أولًا: اتفاقيات الولايات المتحدة مع دول جنوب شرق آسيا
يتناول هذا المحور مجموعة الاتفاقيات التي تم توقيعها خلال أعمال القمة وتوضيح المجالات التي مثلت أولوية في هذه اللقاءات وذلك على النحو الآتي:
1. الاتفاقات الأمريكية – الماليزية: شراكات متعددة
شهدت قمة كوالالمبور 2025 توقيع مجموعة واسعة من الاتفاقات بين الولايات المتحدة وماليزيا؛ حيث جاءت في مقدمتها مذكرة تفاهم للتعاون في مجالات المعادن وسلاسل الإمداد والعناصر الأرضية النادرة، بالإضافة إلى تبادل المعلومات والخبرات الفنية في إدارة قطاع التعدين، كما تم الاتفاق على عقد اجتماعات ربع سنوية لمتابعة المشاريع المشتركة، إلى جانب التزام ماليزيا بعدم فرض قيود على تصدير المعادن النادرة إلى الولايات المتحدة، كما تضمنت الاتفاقيات وضع آليات لتشجيع الشركات الأمريكية على الاستثمار في عمليات استخراج ومعالجة المعادن داخل ماليزيا، بما يعزز قدرة البلدين على مواجهة الاختلالات في سلاسل الإمداد العالمية.
وفي الجانب التجاري والاستثماري، تم توقيع اتفاقية تجارة متبادلة شاملة لفتح الأسواق بين الطرفين؛ إذ تضمنت إلغاء أو خفض واسع للرسوم الجمركية على العديد من السلع الصناعية والزراعية، وفتح الأسواق الماليزية أمام الصادرات الأمريكية في قطاعات الكيماويات والآلات والسيارات والزراعة والمشروبات، وشملت الاتفاقية أيضًا إزالة الحواجز غير الجمركية، مع استمرار الولايات المتحدة في تطبيق تعريفة تفضيلية بنسبة 19% على السلع الماليزية، ومنح إعفاء جمركي كامل لعدد من المنتجات ضمن إطاراتفاق الشركاء المتوافقين.3
وفيما يتعلق بقطاع الطاقة والاستثمار، فقد أعلن الجانبان عن حزمة صفقات كبرى، شملت شراء 30 طائرة مع خيار شراء 30 أخرى، بالإضافة إلى توقيع عقود تبلغ قيمتها 150 مليار دولار في مجالات أشباه الموصلات والطيران ومراكز البيانات، كما اتفق الطرفان على توريد 5 ملايين طن من الغاز الطبيعي المسال سنويًا بقيمة 3.4 مليارات دولار، إلى جانب استثمارات ماليزية بقيمة 70 مليار دولار داخل الولايات المتحدة، وفي إطار تعزيز الاستقرار المالي، بدأت وزارة الخزانة الأمريكية وبنك نيجارا الماليزي مشاورات لوضع تفاهم مشترك بشأن سياسة العملة، بما يضمن التوازن والعدالة في العلاقات المالية بين البلدين.
2. الاتفاق الأمريكي – الكمبودي: محفزات وتطلعات واعدة
يمثل الاتفاق الأمريكي– الكمبودي خطوة تاريخية في مسار العلاقات الثنائية؛ إذ يعد الأول من نوعه منذ توقيع اتفاق إطار التجارة والاستثمار في عام 2006، وتضمن مجالات متعددة مثل التجارة والعمل والبيئة والتكنولوجيا والطاقة، وقد نص الاتفاق على قيام كمبوديا بإلغاء كامل الرسوم الجمركية المفروضة على السلع الصناعية والزراعية الأمريكية بنسبة 100%، في حين أبقت الولايات المتحدة على تعريفة متبادلة بنسبة 19% على السلع الكمبودية، مع منح إعفاءات جمركية كاملة لعدد من المنتجات، كما شمل الاتفاق إزالة العوائق غير الجمركية وتسهيل إجراءات الاستيراد والتراخيص، وفتح السوق الكمبودي أمام المنتجات الزراعية الأمريكية وفق المعايير الصحية الأمريكية المعتمدة.4
وعلى صعيد التعاون التكنولوجي، اتفق الطرفان على التعاون في مجالات التجارة الرقمية، وفتح المجال أمام الاستثمارات الأمريكية في المعادن الحرجة والطاقة والبنية التحتية، بدعم من مؤسسات التمويل الأمريكية مثل بنك التصدير والاستيراد (EXIM Bank) ومؤسسة تمويل التنمية(DFC)، كما تضمن الاتفاق تنسيقًا في قضايا الأمن الاقتصادي وسلاسل الإمداد ومكافحة التهرب الجمركي، إلى جانب صفقة بين شركتي Air Cambodia وBoeing لتطوير قطاع الطيران الكمبودي.5 ومن المقرر أن ينفذ الاتفاق رسميًا عقب استكمال الإجراءات الداخلية المطلوبة خلال الفترة المقبلة، بما يمهد لمرحلة جديدة من التكامل الاقتصادي بين البلدين.
3. الاتفاق الأمريكي – التايلاندي: سلاسل الإمداد حجر الزاوية
شهدت العلاقات الأمريكية – التايلاندية توقيع اتفاقية تجارة متبادلة شاملة تهدف إلى تعزيز التعاون الاقتصادي والتجاري بين الطرفين، وتنص الاتفاقية على قيام تايلاند بإلغاء الرسوم الجمركية على نحو 99% من السلع الأمريكية، بما يشمل المنتجات الصناعية والغذائية والزراعية، في المقابل أبقت الولايات المتحدة على رسوم متبادلة بنسبة 19% على السلع التايلاندية، مع منح بعض المنتجات معدل صفر ضمن إطار التوأمة، كما التزمت تايلاند بقبول المركبات المصنعة وفق معايير السلامة والانبعاثات الأمريكية، والاعتراف بشهادات إدارة الغذاء والدواء الأمريكية (FDA) للأجهزة الطبية والأدوية، إلى جانب تعديل قوانين الجمارك وتخفيف القيود على الملكية الأمريكية في قطاع الاتصالات.6
وفي مجال الطاقة والاستثمار، تضمنت الاتفاقية صفقات تجارية مرتقبة بقيمة 26.8 مليار دولار تشمل قطاعات الزراعة والطاقة، بالإضافة إلى شراء 80 طائرة أمريكية، كما تم توقيع مذكرة تفاهم بشأن المعادن النادرة، تنص على إعطاء أولوية للاستثمار الأمريكي، ونقل التكنولوجيا، وتبسيط إجراءات الترخيص في هذا المجال، بما يعزز قدرة الطرفين على تنويع سلاسل الإمداد وتقليل الاعتماد على المنافسين الإقليميين، وتأكيد دور تايلاند كشريك استراتيجي للولايات المتحدة.
4. الاتفاق الأمريكي – الفيتنامي: تعزيز التجارة الحرة
في سياق تعزيز التعاون الاقتصادي، أبرمت الولايات المتحدة وفيتنام اتفاقية تجارة متبادلة توفر للصادرات الأمريكية الصناعية والزراعية وصولًا إلى الأسواق الفيتنامية، في حين أبقت الولايات المتحدة على رسوم جمركية بنسبة 20% على السلع الفيتنامية، مع إمكانية تخفيضها ضمن برامج التوأمة، كما اتفقت الدولتان على معالجة الحواجز غير الجمركية التي تواجه المنتجات الزراعية الأمريكية، مع الاعتراف بالشهادات التنظيمية الأمريكية لضمان تسهيل التبادل التجاري.7 وعلى صعيد الاستثمارات والصفقات الاقتصادية، تضمنت الاتفاقية إعلان صفقة ضخمة لشراء 50 طائرة من شركة بوينج بقيمة تزيد عن 8 مليارات دولار، إلى جانب توقيع عشرين مذكرة تفاهم بقيمة 2.9 مليار دولار لشراء سلع زراعية أمريكية، ومن المتوقع أن تستكمل الإجراءات المحلية لتوقيع الاتفاقية رسميًا خلال المرحلة المقبلة، بما يمهد لمرحلة جديدة من التكامل التجاري بين الولايات المتحدة وفيتنام، ويعزز دور الأخيرة كشريك اقتصادي استراتيجي في منطقة جنوب شرق آسيا.8
5. الاتفاقات الاستراتيجية الأمريكية – اليابانية: تأكيد التحالفات
شهدت القمة التي عقدت في 27 أكتوبر 2025 توقيع الولايات المتحدة واليابان سلسلة واسعة من الاتفاقات الاستراتيجية التي شملت مجالات متعددة، كان أبرزها التعاون في المعادن والعناصر الأرضية النادرة، كما اتفق الجانبان على ضمان إمدادات مستقرة لتلك المعادن الحيوية لصناعات التكنولوجيا المتقدمة مثل البطاريات وأشباه الموصلات والطاقة النظيفة، مع العمل على تطوير سلاسل توريد متعددة لتقليل الاعتماد على الصين. بالإضافة إلى ذلك، شمل التعاون تعبئة التمويل الحكومي والخاص للمشروعات التعدينية والمعالجة، وإطلاق آليات تمويل جديدة خلال عام، إلى جانب التعاون في رسم الخرائط الجيولوجية وتسريع منح تراخيص التعدين، كما أعلن الطرفان عن استثمارات صناعية مشتركة بقيمة 5 مليارات دولار لبناء منشآت لتصنيع الأسمدة ومعالجة النحاس، وتأسيس مجموعة استجابة سريعة لمتابعة اضطرابات سلاسل الإمداد، تشمل إعادة التدوير والتخزين وضمان المنافسة العادلة، مع عقد اجتماع وزاري خلال 180 يومًا للتنسيق.9
وفي مجال العلوم والتكنولوجيا، شملت الاتفاقيات توقيع مذكرة تعاون تتناول أطر وسياسات الابتكار، والاستخدام الآمن للذكاء الاصطناعي، والأبحاث المشتركة في مجالات الصحة والتعليم والتكنولوجيا الحيوية، كما تضمنت تطوير البنية التحتية للحوسبة عالية الأداء والحوسبة الكمية وأشباه الموصلات، مع حماية الأبحاث من التجسس، وتعزيز شبكات الاتصالات المفتوحة وحماية الملكية الفكرية، إضافة إلى التعاون في مجالات الطاقة الكمية والفضاء. وعلى المستوى الاقتصادي، التزمت اليابان بتوسيع استثماراتها في الولايات المتحدة لتصل إلى 550 مليار دولار، لدعم القاعدة الصناعية والبنية التحتية التكنولوجية والطاقية، بما يشمل استثمارات ضخمة في الطاقة الحيوية، والذكاء الاصطناعي، وسلاسل الإمداد الإلكترونية، والمعادن الحرجة، والتصنيع والخدمات اللوجستية، في إطار جهود لتعزيز التكامل الاقتصادي الاستراتيجي بين الطرفين وضمان استقرار سلاسل الإمداد العالمية.10
6. العلاقات الأمريكية – الصينية: تهدئة مشروطة
جاءت قمة بوسان بين الولايات المتحدة والصين في أكتوبر 2025 كمرحلة محورية في إدارة التوترات الاقتصادية بين أكبر اقتصادين عالميين؛ حيث هدفت إلى تهدئة النزاعات التجارية وتعزيز التعاون المحدود في الملفات الاستراتيجية الحيوية؛ حيث توصل الرئيس الأمريكي دونالد ترامب والرئيس الصيني شي جين بينج خلال لقائهما في كوريا الجنوبية إلى اتفاق تجاري واقتصادي تاريخي، شمل سلسلة من الإجراءات المتبادلة لتعزيز الاستقرار الاقتصادي وتقليل التوترات التجارية، فقد تعهدت الصين بتعليق القيود على تصدير العناصر الأرضية النادرة، واتخاذ إجراءات صارمة لوقف تدفق الفنتانيل إلى الولايات المتحدة، بالإضافة إلى تعليق الرسوم الجمركية الانتقامية التي فرضت منذ مارس 2025، ورفع القيود غير الجمركية، واستئناف شراء المنتجات الزراعية الأمريكية مثل الصويا والذرة الرفيعة والأخشاب، واتخاذ إجراءات لرفع القيود على منشآت Nexperia وإلغاء التحقيقات ضد الشركات الأمريكية.11
في المقابل، أعلنت الولايات المتحدة خفض الرسوم الجمركية على الواردات الصينية المرتبطة بقضايا الفنتانيل، وتوسيع الاستثناءات على الرسوم المفروضة بموجب المادة 301 حتى عام 2026، بجانب تعليق تنفيذ بعض القواعد التنظيمية والإجراءات العقابية لمدة عام، مع فتح المجال للتفاوض مع الصين حول مجموعة من القضايا العالقة، بالتوازي مع التعاون مع كوريا الجنوبية واليابان لتعزيز صناعة بناء السفن الأمريكية، ويشكل هذا الاتفاق علامة بارزة في مسار التهدئة الاقتصادية بين القوتين، ويُعد خطوة استراتيجية لإعادة استقرار العلاقات التجارية الدولية في منطقة آسيا والمحيط الهادئ.12
وعلى الرغم من ذلك، يظل هذا الاتفاق ذو طابع مرحلي؛ إذ أن معظم بنوده محددة الإطار الزمني بعام واحد فقط، سواء فيما يتعلق بتعليق قيود تصدير المعادن النادرة، أو تخفيض الرسوم الجمركية، أو تعليق القيود الأمريكية على الشركات الصينية، إلا أن هذا الاتفاق يعكس رغبة الطرفين في كسب الوقت وتجنب الالتزام الاستراتيجي طويل المدى، وهو ما يجعل الاتفاق أقرب إلى تجميد مؤقت للأزمة الاقتصادية بدلًا من تقديم حل مستدام للأزمة التجارية.13
ثانيًا: الاتفاقيات والشراكات الأمريكية مع دول آسيا: الانعكاسات المحتملة
هدفت واشنطن إلى تعزيز حضورها في آسيا لمواجهة النفوذ الصيني المتنامي، عبر توقيع اتفاقيات استراتيجية وتجارية مع اليابان وكوريا الجنوبية ودول آسيان أعادت تعريف الدور الأمريكي هناك، فالاتجاه نحو تعزيز التعاون الاقتصادي متعدد الأطراف تعكس محاولة بناء شراكات اقتصادية بديلة تقلل من هيمنة الصين على شبكات التجارة والاستثمار في المنطقة.
وعلى مستوى الداخل الأمريكي، حملت الجولة رسائل سياسية داخلية؛ حيث جاءت قبل إجراء الانتخابات النصفية الأمريكية 2026، وهو ما منح الرئيس ترامب فرصة لعرض إنجازاته الاقتصادية أمام الرأي العام الأمريكي والترويج لنجاحاته في السياسة الخارجية. وعلى المستوى العالمي، فقد حققت هذه الجولة نوع من أنواع الاستقرار المرحلي للنظام التجاري الدولي؛ حيث ساهم اتفاق “إطار بوسان” في تهدئة التوتر الجمركي بين الولايات المتحدة والصين، وهو ما أعاد بعض الهدوء إلى الأسواق العالمية، رغم أن الاتفاق يمثل حلًا مؤقتًا لا يعالج الأسباب البنيوية للصراعات الاقتصادية، ويضمن فقط تجنب الانهيار الكامل في العلاقات التجارية على المدى القصير. 14 وفيما يلي أبرز التداعيات:
1. تعزيز النفوذ الأمريكي في آسيا والمحيط الهادئ
أتاحت الاتفاقيات مع دول آسيان واليابان للولايات المتحدة تعزيز حضورها الاقتصادي والسياسي في منطقة استراتيجية، وهو ما سيعزز قدرة واشنطن على تحقيق التوازن في مواجهة الصعود الصيني، ويجعلها فاعلًا رئيسيًا في صياغة سياسات الاستثمار والتجارة الإقليمية وعودة دورها كقوة اقتصادية وسياسية مؤثرة.15
2. إعادة تشكيل سلاسل الإمداد العالمية
ركزت الاتفاقيات على المعادن النادرة، وتأمين مصادر الطاقة، والتكنولوجيا المتقدمة، وهو ما يمكن أن يساهم في تنويع مصادر الإمداد وتقليل الاعتماد العالمي على الصين، ومن ناحية أخرى، يعزز قدرة الاقتصادات على إدارة المخاطر المرتبطة بالاعتماد المفرط على مورد واحد، ويسهم في استقرار الأسواق العالمية للمواد الحيوية والتقنيات الأساسية.
3. الاستقرار الجزئي للنظام التجاري الدولي
سيعمل اتفاق “إطار بوسان” بين الولايات المتحدة والصين على وقف التصعيد الجمركي مؤقتًا، وهو ما يقلل من اضطرابات التجارة العالمية ويمنح الأسواق فرصة للتنفس، ومع أن هذا التهدئة مرحلية، فإنها تساعد على تفادي صدمات اقتصادية قصيرة المدى وتمنح الحكومات والمستثمرين فرصة للتخطيط ضمن بيئة أكثر استقرارًا بصورة نسبية.16
ومن من المتوقع أن تؤدي الاتفاقيات إلى زيادة التدفقات الاستثمارية، وتوسيع فرص الوصول إلى الأسواق، وتقليل المخاطر المرتبطة بالاعتماد على قوة واحدة، كما تساعد على خلق استقرار نسبي للأسواق المالية والتجارية، مع إبقاء احتمالات التوتر محدودة على المدى المتوسط، وهو ما يعزز قدرة الاقتصاد العالمي على الصمود أمام أي أزمات تجارية أو جيوسياسية.
4. التأثير على التحالفات الاقتصادية الإقليمية
ستعمل هذه الاتفاقيات على تمكين الشركاء الآسيويين مثل ماليزيا، تايلاند، فيتنام، واليابان من الاستفادة من الاستثمارات الأمريكية، كما ستعزز قدرتهم على الموازنة بين النفوذ الأمريكي والصيني، وهو ما يعزز من اتجاهات حركة الدول الإقليمية في صنع السياسات الاقتصادية ويمنحها هامش مناورة أكبر في إدارة تفاعلاتها داخل الأطر الإقليمية والدولية.
5. تشجيع الاستثمار في مجالي الابتكار والتكنولوجيا
تتضمن الاتفاقيات برامج مشتركة في مجالات الذكاء الاصطناعي، والحوسبة الكمية، والطاقة النظيفة، وأشباه الموصلات، وهو ما يدعم تطوير البنية التحتية التكنولوجية العالمية، وتعزيز قدرة الدول المشاركة على المنافسة في الصناعات المتقدمة ويعطي دفعة للابتكار، مع حماية الملكية الفكرية وتقليل مخاطر التجسس.
6. إشارات سياسية واستراتيجية دولية
يشكل التنافس بين الولايات المتحدة والصين محور السياسة الاقتصادية والجيوسياسية في منطقة آسيا–المحيط الهادئ، حيث تتصارع القوتان على النفوذ في المجالات التجارية والتكنولوجية والعسكرية، فقد سعت الولايات المتحدة من خلال جولتها الآسيوية واتفاقياتها مع دول آسيان واليابان إلى تعزيز تحالفاتها وتقليل الاعتماد على الصين في سلاسل الإمداد الحيوية، بما في ذلك المعادن الحرجة والطاقة والتكنولوجيا المتقدمة، وبالمقابل، عملت الصين على تأمين مصالحها الاقتصادية من خلال مبادراتها الاستثمارية مثل “حزام واحد طريق واحد” وتعزيز موقعها كمزود رئيسي للموارد والتقنيات الأساسية، وهو ما يجعل التوازن بين النفوذين تحديًا مستمرًا لدول المنطقة ويستدعي سياسات آسيوية حذرة قائمة على الحياد والمصالح المتبادلة.19
وفي ضوء ذلك، ترسل الاتفاقيات رسالة واضحة للعالم حول عودة الولايات المتحدة كفاعل مؤثر في منطقة آسيا، وتؤكد على أهمية الشراكات متعددة الأطراف في إدارة التنافس الأمريكي – الصيني، كما تعكس التزام واشنطن بالتحالفات الاستراتيجية والاقتصادية، وهو ما يعزز مصداقيتها أمام الشركاء الإقليميين والدوليين.
ثالثًا: السيناريوهات المستقبلية للشراكة الأمريكية الآسيوية
تؤكد الجولة الأمريكية في آسيا وقمة بوسان على الدور الاستراتيجي للولايات المتحدة في المنطقة وحرصها على إعادة بناء شبكات النفوذ الاقتصادي، مع المحافظة على تحقيق استقرار جزئي للنظام التجاري العالمي، ورغم ما تم تحقيقه من اتفاقيات وتفاهمات مرحلية، يبقى التنافس الأمريكي – الصيني عاملًا مهمًا في صياغة سياسات المنطقة، وهو ما يشير إلى استمرار حالة من عدم اليقين في مسار العلاقات الاقتصادية الدولية.20
وفي ضوء الافتراضات المتعددة، يظل دور دول آسيان واليابان حاسمًا في إعادة التوازن الإقليمي، وإدارة التنافس الاقتصادي– التكنولوجي بين القوتين العظميين، بما يضمن الاستقرار النسبي للنظام الدولي ويحد من المخاطر الاقتصادية والسياسية المستقبلية. ومن منظور استشرافي، يمكن تصور عدة سيناريوهات محتملة لهذا التنافس على النحو الآتي:
1. سيناريو الاستقرار الجزئي: يفترض هذا السيناريو يستمر الطرفان في التهدئة الاقتصادية المرحلية، مع إدارة التنافس عبر اتفاقيات محددة الأجل، وهو ما يتيح للدول الآسيوية تنويع تحالفاتها الاقتصادية والحفاظ على التوازن بين القوتين دون الدخول في صدام مباشر.
2. سيناريو التصعيد المحدود: يقوم هذا المسار على تصاعد التوترات بين الولايات المتحدة والصين بسبب التنافس في القضايا التكنولوجية أو الموارد الحيوية، وهو ما قد يؤدي إلى فرض رسوم جمركية إضافية، وتعطيل بعض سلاسل الإمداد، مع تباطؤ النمو الاقتصادي في المنطقة.
3. سيناريو الشراكة الاستراتيجية الجزئية: يقوم على افتراض إمكانية التوصل إلى تفاهمات طويلة الأجل في مجالات محددة مثل الطاقة النظيفة والمعادن الحرجة، وهو ما يفتح المجال لتعاون مشترك مع الحفاظ على المنافسة في القطاعات الاستراتيجية الأخرى.
4. سيناريو الصدام الشامل: على الرغم من احتماله المنخفض، إلا أن التنافس المتصاعد يمكن أن يؤدي إلى صدام اقتصادي أو تقني أوسع، يؤثر على الاستقرار الإقليمي والعالمي ويجبر دول المنطقة على اتخاذ خيارات استراتيجية صارمة بين القوتين.
المراجع
- عبد الحليم، آخرون. قراءة في المخرجات الجيوسياسية والاقتصادية لجولة ترامب الآسيوية. المركز المصري للفكر والدراسات الاستراتيجية، (2025). https://ecss.com.eg/55583/
- شلش، مصطفي.” ترمب في قمة آسيان: دلالات الصراع الأمريكي-الصيني”. مركز الدراسات العربية الأوراسية. (2025). https://2u.pw/sVzCbQ
- الكوشي، أحمد مصطفى.” جولة ترامب الآسيوية: مخرجات الجولة والدلالات السياسية لتحركات واشنطن في الشرق الآسيوي” . مركز ترو للدراسات. (2025). https://truestudies.org/3376/
- حلال، أمينة.” إعادة التوازن الاستراتيجية الأمريكية في جنوب شرق آسيا” . مركز المتوسط للدراسات الاستراتيجية.(2023). https://mediterraneancss.uk/2023/10/19/america-south-asia/
- عوضين، نوران. مؤشرات كاشفة: كيف ترسخ الصين موقعها في النظام الدولي؟. المركز المصري للفكر والدراسات الاستراتيجية.(2025). https://ecss.com.eg/55301/
- ستراتيجيكس. التوازن الضروري: صعود الصين والسيطرة الأمريكية. (2022). https://2u.pw/HEOmP4
- Poling, G.B. “Southeast Asia Navigates Trump’s Return: Quick Deals, Lasting Dread.” October 6, CSIS. 2025. https://www.csis.org/analysis/southeast-asia-navigates-trumps-return-quick-deals-lasting-dread
- Baskaran, Gracelin, and Meredith Schwartz. “Ahead of APEC, Trump Signs Flurry of Bilateral Minerals Agreements on Asia Tour.” October 31, 2025. Center for Strategic & International Studies. https://www.csis.org/analysis/ahead-apec-trump-signs-flurry-bilateral-minerals-agreements-asia-tour
- Capistrano, Andrew, and Paul Nadeau. ” The Real Significance of Trump’s Asia Trip.” November 14, 2025. Institute of Geoeconomics. https://instituteofgeoeconomics.org/en/research/the-real-significance-of-trumps-asia-trip
- ISEAS – Yusof Ishak Institute. “As Trump Disrupts International Trade, Southeast Asia Must Look to Europe.” November 2025. ISEAS Perspective. https://www.iseas.edu.sg/articles-commentaries/iseas-perspective/2025-94-as-trump-disrupts-international-trade-southeast-asia-must-look-to-europe-by-stephen-olson
- Patton, Susannah, and Robert Walker. 2025. “Trump Tariffs Tilt Southeast Asia towards China.” September 23, 2025. East Asia Forum. https://eastasiaforum.org/2025/09/23/trump-tariffs-tilt-southeast-asia-towards-china
- Trump strikes deals on trade, critical minerals in Southeast Asia”, Reuters. 27 October 2025, last access in: 7″ November 2025:
- Trump signals US will make defense cost-sharing part of talks for ‘package’ deal on trade, other issues”,” The Korea Times, 10 April 2025, last access in: 7 November 2025:
- David Smith, “Trump’s foreign policy is not so unusual for the US he just drops the facade of moral [39] leadership”, The Guardian, 26 may 2025, 8 November 2025:
- David Dodwell, “Trump’s Asia tour made US distaste for multilateralism obvious”, myNEWS, 31 October 2025, last access in: 8 November 2025:
- LYNN KUOK, “America Is Losing Southeast Asia, Why U.S. Allies in the Region Are Turning Toward China”, FOREIGN AFFAIRS, 3 September 2024, last access in: 5 November 2025:
- Trump presides over ‘historic’ peace deal between Thailand and Cambodia”, euro news, 26 October 2025,” last access in: 7 November 2025:
- Sophie Wieviorka, “Trump’s Asian Tour: The Art of the Deal Returns”, GROUPE CREDIT AGRICOLE, 4 November 2025, last access in: 7 November 2025:
- Elliot Silverberg, “Recalibrating Euro-Atlantic Security Priorities in the Indo-Pacific Decade”, FOREIGN POLICY RESEARCH INSTITUTE, 8 July 2024, last access in: 5 November 2025:

