د. سامح الجارحي
أكاديمي وخبير في العلاقات الدولية
على الرغم من التحولات والتطورات المُتسارعة في المشهد السياسي والعسكري والاقتصادي في منطقة الشرق الأوسط على خلفية الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، وتراجع حدة المواجهة بين الولايات المتحدة الأمريكية وإيران مع إعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب وقف إطلاق النار لمدة 15 يوم، إلا إن هذا الاختراق الذي تقوده وساطة باكستانية وبرعاية صينية، كان سببًا في تصاعد موجة ترحيب دولية وإقليمية واسعة رأت في الاتفاق فرصة لإنقاذ المنطقة من اندلاع صراع شامل، كما إن اتساع الفجوة بين مواقف الجانبين لا تزال كبيرة، وهو ما يتطلب بذل جهود كبيرة في المفاوضات لتقريبها في محاولة لقبول الطرفين بمناقشة مقترحات بعضهما البعض الذي يشكل خطوة أولى، لكنها لا تعني بالضرورة الوصول إلى اتفاق نهائي خاصةً في ظل غياب الضمانات الدولية أو الذاتية والتي سيتم صياغتها لاحقًا عبر آليات دولية، قد تشمل مجلس الأمن أو قوى كبرى مثل الصين، في حال تم التوصل إلى أرضية مشتركة حول إنهاء الحرب.
ويمكن الإشارة هنا إلى إن هناك تغير في أهداف الولايات المتحدة الأمريكية في الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، كما تغيرت أيضًا وجهة نظر الرئيس الأمريكي دونالد ترامب – الذي يبدو أنه أُرغِم على الحرب ضد إيران – وذلك بسبب صعوبة تنفيذ الأهداف على أرض الواقع في ظل المقاومة القوية من جانب القوات المسلحة الإيرانية والحرس الثوري الإيراني والشعب الإيراني للمخططات الأمريكية الإسرائيلية؛ حيث كانت أهداف الحرب تتمثل في إسقاط النظام الإيراني وهو الأمر الذي لم يتحقق على الرغم من اغتيال المرشد الأعلى للنظام الإيراني علي خامنئي وأكثر من 40 مسئول كبير في القيادة الإيرانية إلا أن الشعب الإيراني لم يقوم بالدور الذي كان يرغب فيه ترامب بالخروج على النظام في إيران، بل على العكس من ذلك أفضت الحرب إلى تعزيز الحرس الثوري قبضته على مقاليد الأمور في البلاد وسرعان ما تم انتخاب مجتبى خامنئي مرشدًا عامًا جديدًا في البلاد.
في حين كان الهدف الثاني يتمثل في القضاء على المشروع النووي الإيراني وإخراج 440 كيلوجرام من اليورانيوم المخصب بنسبة تفوق 60% إلا أن هذا الهدف أيضًا لم يتحقق ولم تستطع الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل تدمير القدرات النووية الإيرانية. كما كان الهدف الثالث هو القضاء على برنامج إيران للصواريخ الباليستية والطائرات المُسيرة وهو الأمر الذي لم يتحقق أيضًا وصمدت إيران في وجه الاستهداف الأمريكي الإسرائيلي عليها بل وكبدت الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل خسائر فادحة أدت إلى طلب واشنطن لهدنة مع إيران أكثر من 4 مرات قبل أن يقوم الرئيس الأمريكي بعد الرفض الإيراني بالتهديد بضرب الأهداف المدنية والبنية التحتية وبنية الطاقة الإيرانية الأمر الذي كان سيدفع المنطقة إلى حافة الهاوية، ولعل هذا التصعيد ساهم في تنامي جهود الوساطة والانخراط في مفاوضات شاملة بين الطرفين من أجل إنهاء الحرب وإقرار اتفاق مُلزم لكافة الأطراف على الرغم من المخاوف من تجدد الاشتباكات والحرب مرةً أخرى بسبب بعض الأطراف الأخرى وعلى رأسها إسرائيل التي لا تريد حكومتها بقيادة بنيامين نتنياهو التوصل إلى اتفاق بين الولايات المتحدة الأمريكية وإيران.
أولًا: الرؤية الأمريكية: الخروج الآمن أو الاستعداد للتصعيد
تتمثل الخطوط العريضة للمسودة الأمريكية الخاصة بالتفاوض مع إيران حول المقترحات التي قدمها دونالد ترامب إلى إيران والتي تشمل 15 بندًا من أجل إيقاف الحرب وإقرار اتفاق مُلزم لكافة الأطراف. يشمل البند الأول من هذه المسودة رفع جميع العقوبات الغربية والأمريكية المفروضة على إيران، والتي تعتبر أحد الحوافز التي يُقدمها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لإيران من أجل التخلي عن برنامجها النووي وتحييد برنامجها الصاروخي بالإضافة إلى ضمان حرية العمل في مضيق هرمز دون سيطرة إيران عليه أو الحصول على رسوم عبور من السفن العابرة للمضيق وفتح المضيق فورًا أمام السفن والملاحة البحرية وعدم تهديده من جانب إيران مرةً أخرى.
1. مساعدة الولايات المتحدة في تطوير المشروع النووي السلمي
في حال الاتفاق بين إيران والولايات المتحدة الأمريكية حول تفكيك البرنامج النووي الإيراني بصورةٍ أو بأخرى سواء كان على المستوى الكلي أو من خلال الإشراف والتحكم الأمريكي والعمل على نقل 440 كيلوجرام من اليورانيوم المُخَصَب بنسبة تتخطى 60% إلى دولة أخرى أو الوكالة الدولية للطاقة الذرية أو وضمان عدم امتلاك إيران سلاح نووي وتفكيك مفاعلات (آراك – فودرو – أصفهان – نطنز) ستتجه الولايات المتحدة الأمريكية إلى تقديم دعم فني وتقني إلى إيران من أجل المساعدة في البرنامج النووي السلمي لإيران لإنتاج الكهرباء بالإضافة إلى تطوير مفاعل (بوشهر) والذي تقوم روسيا بتطويره والإشراف عليه مع فريق من الخبراء الإيرانيين بهدف منع توسع إيران في تخصيب اليورانيوم وعدم التفكير في امتلاك أسلحة نووية على الإطلاق في المستقبل.
2. إزالة التهديد بإعادة فرض العقوبات
تسعى الولايات المتحدة الأمريكية لتقديم مجموعة من الحوافز الاقتصادية لإيران من أجل إقرار اتفاق مُلزم – حسب الرغبات الأمريكية – ومن بين أهم هذه الحوافز إزالة التهديد بإعادة فرض العقوبات الأمريكية على إيران والمعروفة باسم (سناب باك) وذلك من أجل تهدئة الأوضاع مع إيران ودفعها إلى قبول الشروط الأمريكية لوقف إطلاق النار طويل الأمد وإنهاء حالة الحرب والعداء بين الولايات المتحدة الأمريكية وإيران والممتدة منذ الثورة الإسلامية الإيرانية في عام 1979.
3. إيقاف البرنامج النووي الإيراني ضمن إطار محدد
تسعى الولايات المتحدة الأمريكية إلى العمل على وقف البرنامج النووي الإيراني وفق جدول زمني محدد ووفق إطار قانوني واتفاق سلام دائم محدد بين الجانبين؛ حيث تبدأ الخطوات باستخراج 440 كيلوجرام من اليورانيوم المُخَصَب بنسبة تتعدى 60% والمدفون في أحد المفاعلات النووية والمواقع النووية الإيرانية بين الجبال ثم إقرار آلية للتفتيش والإشراف من جانب الوكالة الدولية للطاقة النووية للمنشآت النووية الإيرانية ثم تقديم مشورات علمية وتقنية أمريكية للمنشآت النووية السلمية الإيرانية وعلى رأسها مفاعل بوشهر النووي الإيراني لضمان عدم امتلاك إيران لأية أسلحة نووية أو آليات لتطوير المشروع النووي الإيراني من مشروع سلمي إلى مشروع عسكري.
4. بقاء اليورانيوم المخصب، ولكن تحت إشراف وقيود متفق عليها
من ضمن الشروط الأمريكية المتعلقة بالنشاط النووي الإيراني تأتي خطوة الاتفاق حول إبقاء اليورانيوم المُخَصَب بنسبة تتخطى 60% داخل إيران ولكن وفق قيود صارمة من جانب الولايات المتحدة الأمريكية والمجتمع الدولي ومجلس الأمن والوكالة الدولية للطاقة النووية عن طريق إشراف كامل وتفتيش صارم من جانب الوكالة الدولية للطاقة الذرية على المشروع النووي الإيراني من أجل ضمان سلمية المشروع وعدم تفكير إيران أو تنفيذها لخطوات لتحويل البرنامج من السلمي إلى العسكري.
5. بحث البرنامج الصاروخي في مرحلة لاحقة، مع فرض قيود على الكمية والمدى
يعتبر البرنامج الصاروخي أو برنامج الصواريخ الباليستية الإيراني من بين بنود الاتفاق المرتقب بين الولايات المتحدة الأمريكية وإيران وضمن جولات المفاوضات المقررة في إسلام آباد؛ حيث ستركز الولايات المتحدة الأمريكية بصورة أكبر على البرنامج النووي الإيراني ومن الممكن ألا تتمسك الولايات المتحدة الأمريكية بخطوات أكثر فاعلية في البرنامج الصاروخي الإيراني وهو الأمر الذي يقلق حلفاء الولايات المتحدة الأمريكية في المنطقة وإسرائيل؛ حيث من المؤكد أن تسود حالة من الغضب من جانب حلفاء الولايات المتحدة الأمريكية في منطقة الخليج العربي وإسرائيل بسبب عدم التركيز المتوقع على برنامج الصواريخ الباليستية الإيرانية أو عدم اشتراك دول الجوار الإقليمي لإيران في المباحثات الأمريكية الإيرانية.
على الجانب الآخر، فإن عملية تحديد مدى وقدرة الصواريخ البالستية الإيرانية وتحول مداها إلى مدى دفاعي يعتبر خط أحمر بالنسبة للقيادة السياسية الإيرانية، وهو الأمر الذي من المتوقع أن تتغاضى عنه الولايات المتحدة الأمريكية في المفاوضات في مقابل مرونة أكثر من جانب إيران خاصةً فيما يتعلق بالملف النووي الإيراني.
6. حصر استخدام البرامج النووية في الأهداف السلمية
من المحتمل تنحصر المفاوضات والمباحثات الأمريكية الإيرانية المقررة في إسلام آباد حول البرنامج النووي الإيراني – من وجهة النظر الأمريكية – حيث تسعى الولايات المتحدة الأمريكية إلى ضمان سلمية البرنامج النووي الإيراني وعدم استغلال إيران للأنشطة النووية في تطوير أسلحة نووية وقدرات عسكرية أخرى؛ حيث ترغب واشنطن في حصر البرنامج في النواحي السلمية مقابل تقديم العديد من الحوافز الاقتصادية لإيران مقابل التخلي عن البرنامج النووي الإيراني وهو الأمر الذي يجعل من المباحثات صعبة للغاية وفق الشروط والقواعد الأمريكية في مقابل الشروط الإيرانية ولكن من الممكن حلحلة هذه الأمور إذا تمتع الجانبان بشيء من المرونة وتقديم تنازلات متبادلة من أجل تحقيق هذا الهدف.
7. إيقاف تطوير القدرات النووية الحالية
تعتمد الشروط الأمريكية في التفاوض مع الجانب الإيراني على إيقاف تطوير القدرات النووية الإيرانية في الوقت الحالي سواء القدرات والتقنيات السلمية أو غير السلمية وإعداد مشروع متكامل لتعزيز الأغراض السلمية للبرنامج النووي الإيراني وفق شروط صارمة وإشراف كامل من جانب الوكالة الدولية للطاقة النووية على الأنشطة النووية الإيرانية وسط مراقبة دولية وأمريكية تتعلق بمراقبة الأنشطة النووية الإيرانية والتأكد من عدم قدرتها على تطوير أنشطة نووية لأغراض عسكرية في المستقبل وفرض شروط مُلزمة بهذه الأمور.
8. عدم إجراء أي توسع إضافي في قدرات التخصيب
تسعى الولايات المتحدة الأمريكية إلى فرض شروط عدم إجراء إيران لأية توسعات أو تجارب نووية في الداخل الإيراني خلال الفترة المقبلة والتأكد من نية طهران في عدم التفكير في تطوير قدراتها النووية لإنتاج أنشطة عسكرية متنوعة خصوصًا فيما يتعلق بوقف تخصيب اليورانيوم داخل إيران وهو الهدف الأساسي للمفاوضين الأمريكيين في هذه الجولات التفاوضية؛ حيث تعتمد الاستراتيجية الأمريكية على وقف كافة الأنشطة النووية الإيرانية ووقف قدرات إيران على تخصيب اليورانيوم في الحال من أجل إقرار اتفاق مُلزم بين الجانبين يقضي بخضوع كافة المنشآت النووية الإيرانية للتفتيش من جانب الوكالة الدولية للطاقة النووية.
كما تسعى الولايات المتحدة الأمريكية إلى تحفيز إيران من أجل قبول عدم إنتاج مواد نووية بدرجة عسكرية في الداخل الإيراني وإنتاج مواد نووية للأغراض السلمية فقط وفق جدول زمني مُحدد ووفق تفتيش صارم من جانب الولايات المتحدة الأمريكية والوكالة الدولية للطاقة النووية وضمان عدم إجراء إيران أية تجارب لتطوير قدراتها النووية سواء بذاتها أو عن طريق أحد الحلفاء مثل روسيا والصين.
9. تسليم جميع المواد المخصبة إلى الوكالة الدولية للطاقة الذرية وفق جدول زمني متفق عليه
من بين أهداف الولايات المتحدة الأمريكية خلال المفاوضات الأمريكية الإيرانية المقررة خلال الأيام القليلة المقبلة في العاصمة الباكستانية إسلام آباد هو قيام إيران بتسليم المواد المخصبة إلى الوكالة الدولية للطاقة الذرية وفق جدول زمني متفق عليه وهو الأمر في غاية الصعوبة بسبب الرفض الإيراني المتوقع لهذا الإجراء حيث من الممكن أن تقوم إيران والوفد الإيراني المفاوض باقتراح نقل اليورانيوم المُخَصَب بنسبة تتعدى 60% من إيران إلى إحدى الدول الحليفة – روسيا أو الصين – وليس تسليمه إلى الوكالة الدولية للطاقة النووية إلا إذا نجحت الولايات المتحدة الأمريكية وباكستان وبعض الدول الحليفة لإيران في إقناعها بضرورة تسليم اليورانيوم إلى الوكالة الدولية للطاقة النووية والحصول على حوافز اقتصادية وحوافز سياسية مضاعفة من جانب الولايات المتحدة الأمريكية لإيران.
10. تنفيذ آليات رقابة وتحقق دولية
تتضمن الشروط الأمريكية لإقرار اتفاق وقف إطلاق النار بين الولايات المتحدة الأمريكية وإيران العمل على تشكيل آليات لرقابة وتنفيذ الاتفاق وفرق مراقبة دولية للاتفاق من الممكن أن تتشكل من جانب بعض الدول الحليفة لإيران وعلى رأسها – روسيا والصين – وبعض الدول العربية بالإضافة إلى باكستان وتركيا ومصر ودول الاتحاد الأوروبي وذلك في أعقاب التوصل إلى اتفاق يقضي بإنهاء حالة الحرب بين الولايات المتحدة الأمريكية وإيران وإقرار اتفاق شامل مُلزِم.
11. التنفيذ التدريجي للبرنامج مشروط بالالتزام بالاتفاق
تعتمد الاستراتيجية الأمريكية لتنفيذ اتفاق وقف إطلاق النار المتوقع مع إيران على تنفيذ تدريجي لبنود الاتفاق؛ حيث تتمثل المرحلة الأولى من الاتفاق حول البرنامج النووي الإيراني وضمان سلمية هذا البرنامج ثم تأتي المراحل الأخرى المتمثلة في رفع العقوبات الأمريكية والغربية المفروضة على إيران وبعدها إعادة إعمار المناطق المتضررة في إيران ودول الخليج العربي وإسرائيل والعراق والأردن ثم بعد ذلك محاولة التعاون الاقتصادي والاستثماري بين الولايات المتحدة الأمريكية وإيران وعلى رأسها قضية فتح مضيق هرمز أمام الملاحة البحرية الدولية وضمان عدم تهديد إيران للملاحة البحرية الدولية ومن ثم تعهُد الولايات المتحدة الأمريكية بعدم تكرار العدوان من جانب أمريكا وإسرائيل على إيران ودخول وكلاء إيران خصوصًا حزب الله والدولة اللبنانية في مفاوضات مع إسرائيل من أجل وقف دائم وشامل لإطلاق النار بين الجانبين برعاية أمريكية أو دولية أو رعاية أمريكية دولية مشتركة.
12. إقامة تفاهمات إقليمية وأمنية إضافية بين الأطراف
تتمثل التفاهمات الإقليمية والأمنية الإضافية بين الأطراف – من وجهة النظر الأمريكية – حول ضمان أمن دول الخليج العربي وإسرائيل في اتفاقات أو ملاحق أخرى للاتفاق بين الولايات المتحدة الأمريكية وإيران وهو الأمر الذي لا تهتم به الولايات المتحدة الأمريكية في المراحل الأولى من المفاوضات مع الجانب الإيراني. كما تشمل التفاهمات المستقبلية من جانب الولايات المتحدة الأمريكية الحوافز الاقتصادية الأمريكية لإيران بالإضافة إلى تفاهمات تتعلق بإدارة وتشغيل مضيق هرمز حيث من المتوقع سيطرة إيرانية عُمانية على مضيق هرمز بشكل أو بآخر وهو الذي ستوافق عليه الولايات المتحدة الأمريكية في الغرف المغلقة دون إعلان رسمي في النهاية؛ حيث من المحتما قيام إيران بإدارة غير رسمية لمضيق هرمز وضمان أمن الملاحة البحرية الدولية التي تمر عبره.
ثانيًا: الرؤية الإيرانية واتجاهات الحصول على مكاسب استراتيجية
على الرغم من قبول إيران لهدنة وقف إطلاق النار مع الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل برعاية عدد من الدول وعلى رأسها الصين وباكستان ومصر وتركيا وعُمان إلا أن الإيرانيين لا يثقون في الولايات المتحدة الأمريكية خصوصًا وإن الهجمات الأمريكية الإسرائيلية على إيران جاءت في وقت تفاوض إيران مع الولايات المتحدة الأمريكية في جنيف بسويسرا وذلك من أجل إضعاف إيران والتي اصطدمت بمقاومة إيران وتحقيقها العديد من المكاسب الاستراتيجية خلال الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران ومن أهمها استئناف تصدير النفط الإيراني خصوصًا للصين بالإضافة إلى عدم سقوط النظام الحاكم في البلاد بالإضافة إلى السيطرة المُطلقة للجيش الإيراني والحرس الثوري الإيراني على مضيق هرمز وإغلاقه في وجه السفن الأمريكية والأوروبية والإسرائيلية، وهو ما أصاب الاقتصاد العالمي بنوع من الاضطراب.
ووفق هذه التطورات، تُدرك القيادة السياسية والعسكرية في طهران إمكانية تجدُد الحرب والاشتباكات العسكرية خاصة أن هناك عدد من الأطراف التي تريد إفشال المفاوضات خصوصًا رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في حال إذا ما كان الاتفاق المتوقع لا يُلبي طموحاته في السيطرة على الشرق الأوسط ومد أمد الحرب من أجل محاولة ترميم الجبهة الداخلية في إسرائيل قبيل الانتخابات، بالإضافة إلى المعالجة النهائية لبرنامج الصواريخ الباليستية الإيرانية والبرنامج النووي الإيراني والسيطرة الإيرانية على مضيق هرمز وهي البنود التي تتضمن مجموعة من العقبات والتعقيدات التي من الممكن أن تؤدي إلى إفشال المفاوضات أو وصول الولايات المتحدة الأمريكية وإيران إلى نقاط اتفاق بعيدًا عن إسرائيل وحلفاء الولايات المتحدة الأمريكية في منطقة الخليج.
وفيما يتعلق ببنود الاتفاق، تصر إيران على العديد من المطالب المتعلقة بالعقوبات والبرنامج النووي الإيراني والسيطرة على مضيق هرمز بالإضافة إلى تعويضات عن العدوان الأمريكي الإسرائيلي على البلاد وتتوافق هذه البنود مع الرؤية العامة للقيادة السياسية الإيرانية بقيادة المرشد الأعلى للنظام مجتبى خامنئي بالإضافة إلى الحرس الثوري الإيراني الذي يتحكم في مقاليد الأمور السياسية والعسكرية في البلاد أثناء وبعد الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران.
1. ضمان عدم مهاجمة إيران مرة أخرى
تسعى إيران خلال المفاوضات المُباشرة مع الولايات المتحدة الأمريكية إلى إقرار اتفاق متكامل وشامل ومُلزم للولايات المتحدة الأمريكية باختلاف إداراتها وليس كالاتفاق الذي تم إقراره في عام 2015 مع إدارة الرئيس الأمريكي الأسبق باراك أوباما والذي انسحب منه دونالد ترامب الرئيس الأمريكي الحالي خلال فترة رئاسته الأولى. كما تسعى إيران إلى الحصول على ضمانات أمريكية ودولية من جانب الأمم المتحدة ومجلس الأمن والقوى الكبرى مثل الصين وروسيا والاتحاد الأوروبي بشأن عدم قيام الولايات المتحدة الأمريكية أو إسرائيل بمهاجمة إيران أو أي من وكلائها في الشرق الأوسط مرةً أخرى؛ حيث ترى إيران أن هذا البند لا خلاف عليه ويعتبر من أهم البنود من أجل إقرار اتفاق قانوني مُلزم لكافة الأطراف في المباحثات.
2. إنهاء دائم للحرب وليس مجرد وقف إطلاق النار
تسعى إيران خلال المفاوضات المُباشرة مع الولايات المتحدة الأمريكية على أن تكون المفاوضات مقدمة لإنهاء الحرب عليها وعلى كافة وكلائها وبالتحديد إنهاء الحرب الإسرائيلية على حزب الله ولبنان خاصة بعدما حاول بنيامين نتنياهو إفشال المفاوضات قبل أن تبدأ حيث انتهكت إسرائيل هدنة وقف إطلاق النار وقامت باستهداف عدد من المنشآت والأهداف في الداخل الإيراني وأهمها خطوط السكك الحديدية في كاشان، بالإضافة إلى انتهاك إسرائيل الهدنة وتكثيف هجماتها على لبنان، وهو الأمر الذي أدى إلى استهجان وغضب من جانب إيران لأن الهدنة تشمل كافة الأطراف المتحاربة وهو الأمر الذي سيؤدي إلى ممارسة دونالد ترامب الرئيس الأمريكي والولايات المتحدة الأمريكية ضغوط كبيرة على إسرائيل لإيقاف حربها ضد لبنان وحزب الله من أجل إنجاح المفاوضات المباشرة مع إيران بالإضافة إلى إصدار تعليمات من جانب الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لرئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو للدخول في مفاوضات وقف إطلاق النار مع الحكومة اللبنانية.
3. استمرار سيطرة إيران على مضيق هرمز
من بين البنود التي تحرص إيران على أن يتضمنها أي اتفاق مع الولايات المتحدة الأمريكية هو السيطرة الإيرانية على مضيق هرمز لضمان امتلاك ورقة ضغط قوية ضد الاستفزازات أو الإجراءات أحادية الجانب من الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل في المستقبل القريب أو البعيد بالإضافة إلى استثمار الرفض العالمي من جانب معظم التحالفات العسكرية الدولية في فتح مضيق هرمز بالقوة وهو الأمر الذي كان بمثابة ضربة قوية لدونالد ترامب والولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل، بالإضافة إلى ذلك، تريد إيران السيطرة على مضيق هرمز وتحصيل رسوم عبور من السفن العابرة وعلى رأسها سفن نقل النفط والغاز الإقليمية والدولية؛ حيث أشارت تقارير عن طلب إيران دولار واحد مقابل رسوم عبور كل برميل نفط ومتر مكعب غاز من مضيق هرمز كما تريد إيران التحكُم في هذا الممر الحيوي بالنسبة للعالم من أجل إعادة إعمار المناطق المتضررة نتيجة الحرب، ولكن من الصعب الحصول على موافقة أمريكية وعالمية؛ حيث في النهاية ستكون إيران مسيطرة بالفعل على مضيق هرمز ولكن بشكل غير رسمي مع عدم إمكانية تحصيل رسوم عبور من جانبها وستنتهي الأزمة بتدخل دبلوماسي من حلفاء إيران وحلفاء الولايات المتحدة الأمريكية من أجل إقناع إيران بالتخلي المُباشر والرسمي عن السيطرة على مضيق هرمز خلال الفترة القادمة.
4. رفع جميع العقوبات الأمريكية على إيران
من بين البنود التي تُصر عليها إيران خلال المفاوضات المُباشرة مع الولايات المتحدة الأمريكية رفع جميع العقوبات الغربية والأمريكية المفروضة على إيران بسبب البرنامج النووي الإيراني والبرنامج الصاروخي الإيراني وادعاء دعم الإرهاب الإقليمي والإرهاب العابر للقارات؛ حيث ترغب إيران من الولايات المتحدة الأمريكية في حال التوصل إلى اتفاق شامل لكافة الأزمات بين الجانبين رفع العقوبات المفروضة على إيران خصوصًا في مجال تصدير النفط الخام والغاز الطبيعي، إلا إنه من الممكن أن تستمر بعض العقوبات المتعلقة بالأنشطة العسكرية ودعم الإرهاب الإقليمي والعابر للقارات من أجل الضغط على إيران لتحسين هذين الملفين وهو الأمر غير المتوقع للتنفيذ من جانب إيران؛ حيث ترى أن من بين حقوقها دعم وكلائها في الشرق الأوسط بالإضافة إلى الحصول على تقنيات نووية سلمية وتقنيات خاصة ببرنامج الصواريخ الباليستية الإيرانية.
5. تخصيب اليورانيوم داخل إيران
يعتبر هذا البند هو أكثر البنود صعوبة في المفاوضات المُباشرة بين إيران والولايات المتحدة الأمريكية؛ حيث أن لكل طرف وجهة نظر صارمة في هذا الشأن فإيران تصر على الحصول على تكنولوجيا نووية سلمية من خلال البرنامج النووي الوطني وتنظر إلى هذا الملف على إنه غير قابل للتفاوض، كما ترى أن تخصيب اليورانيوم داخل إيران للحصول على تكنولوجيا نووية سلمية من بين الأهداف القومية للمشروع القومي الإيراني منذ أكثر من 30 عامًا وهو الأمر الذي تراه الولايات المتحدة الأمريكية خطرًا على الشرق الأوسط والولايات المتحدة الأمريكية نفسها وفق تصور إمكانية قيام إيران بتغيير هوية البرنامج النووي الإيراني إلى برنامج عسكري بسهولة مع وصول معدلات تخصيب اليورانيوم إلى أكثر من 60% ووجود أكثر من 440 كيلوجرام من اليورانيوم المخصب بنسبة تزيد على 60%، كما كان هذا الأمر أحد أهم أسباب الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران بعدما تصاعدت المخاوف من جانب إسرائيل من امتلاك إيران رؤوس نووية وتكنولوجيا نووية عسكرية ولكن في النهاية من الممكن التوصل إلى حل وسط في هذا الأمر في حال تم الاتفاق على نقل مخزون اليورانيوم الإيراني المخصب إلى الوكالة الدولية للطاقة النووية أو دولة أخرى – على الأرجح روسيا أو الصين – وإشراف كامل من جانب الوكالة الدولية للطاقة النووية على كافة الأنشطة النووية في إيران في الداخل بما يرضي جميع الأطراف.
6. دفع تعويضات لطهران عن الحرب الأمريكية الإسرائيلية
تمثل قضية دفع الولايات المتحدة الأمريكية تعويضات لإيران عن الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران أحد البنود الهامشية خلال المفاوضات وذلك على الرغم من الإصرار الإيراني على هذا البند إلا أنه سيواجه بعاصفة من الرفض الأمريكي أو المقايضة مع المطالبة بتعويضات خاصة تدفعها إيران لدول الخليج العربي عن الدمار الذي لحق بالبنية التحتية لهم، وهو الأمر الذي سترفضه إيران أيضًا كما أن من الممكن أن تقوم الولايات المتحدة برفع جزئي للعقوبات المفروضة على إيران في قطاع تصدير الطاقة مثلما يحدث الآن منذ أربعين يومًا من بدء الحرب وذلك من أجل تمويل إعادة الإعمار في البلاد وهو الأمر الذي سيناقشه المفاوضون الأمريكيون مع المفاوضين الإيرانيين.
7. انسحاب أو تقليل التواجد العسكري الأمريكي في المنطقة
يُعَد انسحاب القوات الأمريكية بالكامل من منطقة الشرق الأوسط وتفكيك القواعد العسكرية الأمريكية في الخليج العربي والعراق والأردن من البنود الخلافية خلال المفاوضات خاصة إن هذا الملف يخضع إلى مدى القبول الإقليمي من جانب الدول التي تستضيف القواعد العسكرية الأمريكية على أراضيها والتي تعتبر حلفاء لواشنطن، ومن الممكن التغاضي عن هذا البند بسبب صعوبة تنفيذه على الأقل في الوقت الحالي أو في المستقبل القريب في مقابل التوصل إلى اتفاق يشمل رفع العقوبات والاعتراف بالبرنامج النووي السلمي والسيطرة على مضيق هرمز بشكلٍ أو بآخر.
8. الإفراج عن الأصول الإيرانية المجمدة في الخارج
يعتبر الإفراج عن الأصول الإيرانية المُجَمَدَة في الخارج نقطة محورية في المفاوضات، ومن المتوقع الموافقة على هذا البند خلال المفاوضات إذا اتسمت المفاوضات بالمرونة من كافة الأطراف وتحقيق مكاسب وأرباح متبادلة.
9. وقف الحرب في جميع الجبهات بما فيها لبنان
تشترط إيران قبل إجراء المفاوضات وقف الحرب على جميع الجبهات وأهمها جبهة حزب الله من “أجل إجراء أية مفاوضات مع الولايات المتحدة الأمريكية لمعرفة إيران بنوايا إسرائيل بعرقلة المفاوضات ومحاولة إفشالها وإطالة أمد الحرب لتحقيق انتصارات سياسية داخلية لكل من دونالد ترامب وبنيامين نتنياهو خصوصًا مع اقتراب انتخابات التجديد النصفي للكونجرس الأمريكي وانتخابات الكنيست الإسرائيلي ومن المؤكد أن الولايات المتحدة الأمريكية ستمارس أقصى درجات الضغط على إسرائيل من أجل إنهاء الهجمات على حزب الله ولبنان بهدف إنجاح المفاوضات.
10. المرور عبر مضيق هرمز بالتنسيق مع إيران
تسعى إيران من خلال الحرب التي فُرِضَت عليها من جانب الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل أو من خلال المفاوضات الحصول على أكبر ضمانات دولية أو ضمانات عسكرية من أجل عدم الاعتداء وتجدد العدوان الأمريكي الإسرائيلي عليها مرة أخرى، وهو الأمر الذي تراه القيادة السياسية الإيرانية يتمثل في السيطرة على مضيق هرمز من خلال المرور بالتنسيق معها كأداة ضغط على الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل وحلفائهم لمنع تجدد الحرب على إيران مرة أخرى وهذا الملف يتسم بالمرونة بشكل أو بآخر عن طريق قبول واشنطن لمقترح إيراني بالتنسيق مع عُمان من أجل تنظيم حركة المرور والعبور في مضيق هرمز دون تحصيل رسوم عبور.
في الختام: تظل المفاوضات بين الولايات المتحدة الأمريكية وإيران عبارة عن مفاوضات استكشافية تمت بضغوط دولية مارستها العديد من القوى الإقليمية والدولية وعلى رأسها الصين وباكستان ومصر كما أنها تعتبر مفاوضات صعبة وشاقة بين الطرفين لوجود العديد من النقاط الخلافية الكبيرة والتي من الممكن أن تثمر عن اتفاق شامل متكامل ومُلزم لكافة الأطراف من أجل إنهاء شبح الحرب داخل أكثر مناطق العالم أهمية، على الجانب الآخر، فإن فشل المفاوضات قد يؤدي إلى إعادة الصراع والدخول في دوامة من الحرب بين كافة الأطراف.

