ليديا أمير عدلي
باحثة في العلوم السياسية
في أثناء تصاعد التوترات العسكرية بين إسرائيل وإيران، تحولت قبرص إلى واحدة من أهم القنوات الإقليمية لإنقاذ الإسرائيليين وإجلائهم من مناطق الاستهداف، وقد تجلّت أهمية هذا الدور في السياق الجيوسياسي بعد الضربة الإسرائيلية ضد أهداف إيرانية وتصاعد الهجمات الإيرانية للرد، وما تبعها من حالة شلل شبه تام في حركة الطيران المدني في المنطقة، وهو ما دفع الآلاف من الإسرائيليين العالقين في الداخل والخارج إلى البحث عن معابر وطرق بديلة.
ومن هنا، برزت قبرص كمحطة مركزية وذات طبيعة حيوية في مجريات هذه الحرب بالنسبة لإسرائيل، لا لشيء سوى لكونها الأقرب جغرافيًا إليها ضمن دول الاتحاد الأوروبي، بالإضافة إلى ارتباطها التاريخي بالمجال الجوي والتجاري الإسرائيلي، وهو ما منحها أهمية كبيرة في وقت تصاعد تهديدات الحرب الإيرانية – الإسرائيلية.
أولًا: العلاقات الإسرائيلية – القبرصية قبل اندلاع الحرب الإيرانية – الإسرائيلية
شهدت العلاقات بين إسرائيل وقبرص تطورًا تدريجيًا خلال العقود الأخيرة، تحولت فيها من الحذر الدبلوماسي إلى شراكة استراتيجية متعددة الأبعاد؛ حيث توترت العلاقات في الثمانينيات والتسعينيات بين البلدين؛ بسبب عدد من القضايا من بينها علاقة إسرائيل الوثيقة بتركيا والصراع العربي الإسرائيلي، وفي ذلك الوقت وقفت قبرص إلى جانب الدول العربية ودعمت إقامة دولة فلسطينية.
كما تعززت العلاقات مرة أخرى بينهما في أواخر التسعينيات والعقد الأول من القرن الحادي والعشرين بعدما اتجهت إسرائيل نحو شرق البحر المتوسط لإقامة شراكات اقتصادية خاصة بعد اكتشاف الثروات النفطية، كما تعززت هذه العلاقات استنادًا على قاعدة إن إسرائيل وقبرص يمكنهما إقامة شراكة ثنائية قادرة على إحباط التهديدات الإقليمية؛ خاصة تلك القادمة من جهة تركيا والجماعات المرتبطة بإيران.
إلا أن نقطة التحول الرئيسية جاءت عقب حادثة سفينة مرمرة في عام 2010، التي تسببت في توتر غير مسبوق بين إسرائيل وتركيا، ومنذ ذلك الوقت اتجهت إسرائيل إلى تعزيز علاقاتها مع خصوم أنقرة في شرق المتوسط وفي مقدمتهم قبرص واليونان. وهو الأمر الذي تزامن مع الاكتشافات الكبرى للغاز في منطقة شرق المتوسط، والتي دفعت الدولتين إلى توقيع اتفاقية لترسيم الحدود الاقتصادية الخالصة في عام 2010، وهو ما فتح الباب أمام تعاون في التنقيب ومشاريع الطاقة، مثل مشروع خط أنابيب(إيست ميد) المدعوم أوروبيًا.
بالإضافة إلى ذلك، تعززت الشراكة الأمنية بين الجانبين بعدما حصلت قبرص على أول أجزاء منظومة القبة الحديدية من إسرائيل في إطار تعزيز قدراتها في مجال الدفاعات الجوية، كما بدأت الدولتان في تنفيذ تدريبات عسكرية مشتركة على الأراضي القبرصية منذ عام 2013، وبلغت ذروتها بمناورات واسعة مثل “أغابينور 2022” متعددة التخصصات كجزء من برنامج التعاون الدفاعي الثنائي الذي يشير إلى تنامي العلاقات الوثيقة بين البلدين في مجال في الدفاع والأمن والاستخبارات.
وضمن السياق ذاته، أصبحت قبرص قناة دبلوماسية حيوية لإسرائيل داخل الاتحاد الأوروبي، بينما تمثل إسرائيل بوابة قبرص نحو الشرق الأوسط وشريكًا مهمًا في ملفات الأمن والطاقة. ولعل هذا الإطار التعاوني، الذي سبق اندلاع المواجهة العسكرية مع إيران في يونيو 2025، ساهم في تعزيز العلاقات بينهما التي ينظر إليها في الوقت الحالي باعتبارها تحالف مرن قائم على المصالح المشتركة وليس مجرد تقارب عابر مرتبط بالأزمات.
ثانيًا: محددات الدور القبرصي في الحرب الإيرانية – الإسرائيلية
منذ اندلاع المواجهة العسكرية بين إسرائيل وإيران، واتجاه السلطات الإسرائيلية إلى إغلاق المجال الجوي بشكل كامل كإجراء وقائي، وهو ما تزامن مع نقل سري لعدد كبير من الطائرات المدنية إلى خارج البلاد، وقد أدى الإغلاق المفاجئ إلى تعطيل حركة الملاحة الجوية، وترك مئات الآلاف من الإسرائيليين عالقين في الداخل والخارج، بينما كانت المدن الإسرائيلية تواجه دفعات من الصواريخ الإيرانية التي خلفت خسائر بشرية ومادية ملموسة.
وفي ضوء هذه التطورات، برزت قبرص كملاذ استراتيجي آمن؛ حيث استقبلت على أراضيها الأعداد الأكبر من العالقين وساهمت في تخفيف الضغط على الداخل الإسرائيلي عبر توفير نقطة عبور جوية ولوجستية حيوية.
ومن الناحية الجغرافية، تتميز قبرص بموقعها الاستراتيجي؛ حيث لا تبعد سوى خمسين دقيقة جوًا عن تل أبيب، وهو ما يجعلها أقرب نقطة أوروبية إلى الداخل الإسرائيلي، وهذه الميزة لم تكن رمزية فقط، بل تجسدت عمليًا عندما منحت الحكومة القبرصية إذنًا فوريًا لشركات الطيران الإسرائيلية وعلى رأسها “إلعال” و”أركيا” و”يسرائير” لتسيير رحلات إنقاذ خاصة من مطار لارنكا إلى تل أبيب، ومنه إلى مدن أوروبية مثل أثينا، روما، وباريس. وقد كانت الرحلة الأولى التي شغلتها “إلعال” من لارنكا إلى تل أبيب في 18 يونيو2025، إيذانًا ببدء ما وصفته الصحافة العبرية بـ”الجسر الجوي الاستثنائي”.
بالتزامن مع ذلك، أعلنت شركات الطيران الإسرائيلية الأخرى، مثل “يسرائير” و”أركيا”، عن خطط مماثلة لتشغيل رحلات خاصة من مطارات قبرصية لإعادة الإسرائيليين. كما أعلنت “أركيا” عن استعدادها للعمل في أي وقت توافق عليه السلطات الأمنية، بما في ذلك خلال أيام الجمعة والسبت، بما يؤكد أن المسألة اتخذت بعدًا سياديًا يتجاوز الأبعاد السياحية أو التجارية. ففي غضون أقل من ساعة ونصف على فتح بوابة إلكترونية للتسجيل على رحلات العودة، انضم أكثر من 60 ألف إسرائيلي إلى قائمة الانتظار، وهو ما يعكس حجم الطلب وضغط الأزمة الناتجة عن الحرب، وقد قدرت وزارة النقل الإسرائيلية أن عدد الإسرائيليين العالقين في الخارج يصل إلى 150 ألف شخص، من بينهم 50 ألفًا يسعون فعليًا إلى العودة.
من ناحية أخرى، لم يقتصر الدور القبرصي على النقل الجوي فحسب، بل امتد أيضًا إلى المجال البحري. فقد أعلنت شركة “مانو ماريتايم” عن تشغيل الرحلات البحرية وتسيير سفينتها “كراون إيريس”، التي تتسع لحوالي 2000 راكب، في رحلتين مباشرتين من ميناء قبرص إلى ميناء حيفا الإسرائيلي، وهو ما شكّل خيارًا بديلًا للعائلات التي لم تستطع السفر جوًا أو تبحث عن ممرات أكثر أمانًا، وهذا التنوع في وسائل الإجلاء يعكس التنسيق العميق بين الجانبين الإسرائيلي والقبرصي، وخصوصًا في ظل إغلاق المجال الجوي في أجزاء واسعة من الشرق الأوسط نتيجة التوترات العسكرية.
وعلى الرغم من أن هذه التحركات كانت مؤقتة ومرتبطة بحدث طارئ، فإنها تعكس مدى التداخل العميق بين إسرائيل وقبرص على المستوى اللوجستي والاستراتيجي. فمن جهة، تؤدي قبرص دورًا إنسانيًا ودبلوماسيًا بارزًا، ومن جهة أخرى، ترسّخ حضورها كحليف مباشر لإسرائيل في أوقات الأزمات، ليس فقط من خلال التعاون العسكري أو في مجالات الطاقة، ولكن أيضًا بوصفها نقطة ارتكاز حيوية في إدارة الأزمات العابرة للحدود. ولعل هذا الدور في إدارة “أزمة العودة” يعيد التذكير بدور قبرص كقناة سياسية ولوجستية لا غنى عنها في التفاعلات الإسرائيلية – الأوروبية.
في خلفية هذا التنسيق المعقد برز مركز التنسيق القبرصي للإنقاذ والبحث التابع لوزارة الدفاع القبرصية باعتباره الجهة المؤسسية المسئولة عن تنظيم عمليات الطوارئ والإنقاذ في المياه والمجال الجوي القبرصي، والذي لعب دورًا لوجستيًا حاسمًا في دعم جهود الإجلاء الإسرائيلي من خلال تنسيق سلامة الملاحة الجوية والبحرية، وتوفير معلومات الحركة الجوية، واستيعاب الضغط المتزايد على مطار لارنكا، كما عمل المركز بشكل وثيق مع الطيران المدني القبرصي ووزارة النقل الإسرائيلية وشركات الطيران الوطنية، لتسهيل الإذن بتشغيل “الجسر الجوي” من وإلى لارنكا.
ثالثًا: الانعكاسات والتداعيات المحتملة للتقارب القبرصي – الإسرائيلي
ثمة مجموعة من التداعيات التي لا يقتصر مداها على مسار التقارب الثنائي بين قبرص وإسرائيل بل تمتد في تداعياتها على مستويات أشمل، وذلك على النحو الآتي:
1. التحول في نمط العلاقات: شهدت العلاقة بين قبرص وإسرائيل تحولًا نوعيًا خلال الأزمة الأخيرة؛ حيث انتقلت قبرص من موقع “الحياد النسبي” إلى موقع “الشريك الإقليمي الفعلي” في حالات الطوارئ، كما ساهم استقبال قبرص لعشرات الآلاف من الإسرائيليين العالقين بعد إغلاق المجال الجوي بسبب الضربة الإسرائيلية لإيران في ترسيخ صورة جديدة للدور القبرصي كمنفذ لوجستي وملاذ إقليمي آمن لإسرائيل، وهو ما أفضى إلى انخراط قبرص في علاقات ذات طبيعة استراتيجية بسبب الأزمة الطارئة وليست مجرد تعاون محدود.
2. توترات إقليمية: قد ينتج الانخراط العملي توترات دبلوماسية لقبرص مع إيران أو تصاعد إمكانية استهدافها من جانب وكلائها، كما قد يُقيد من قدرتها على الحفاظ على سياسة التوازن التقليدية التي حاولت الالتزام بها منذ عقود. ويُعد ذلك بالغ الخطورة بالنسبة لنيقوسيا، لا سيّما في ملفات حساسة مثل العلاقات مع سوريا ولبنان، وكذلك في ظل استمرار النزاع المزمن مع تركيا حول شمال الجزيرة.
3. الاستهداف المحتمل: حذّرت صحيفة “هاَرتس” الإسرائيلية من أن هذا الوضع الناشئ والجديد لقبرص قد يُعرضها لمخاطر أمنية وسياسية متزايدة، يمكن أن تتفاقم إلى مستويات أعلى في حال تصاعدت التوترات العسكرية في المنطقة أو استُهدفت المصالح الإسرائيلية من داخل الأراضي القبرصية أو عبرها.
4. تراجع المكانة: بالنسبة لإسرائيل، فإن اللجوء الطارئ إلى دولة خارج حدودها في لحظة نزاع يكشف عن تحدٍ أمني واستراتيجي بالغ الخطورة ساهم في تراجع صورة إسرائيل الدولية كدولة قادرة على حماية مواطنيها في أي وقت ومكان، وإن اعتمادها المتزايد على دولة صغيرة كقبرص في إدارة الأزمات يعكس هشاشة الجبهة الداخلية، فضلًا عن كونه يفتح الباب لتصعيد الضغوط على تل أبيب دوليًا وإقليميًا بسبب استمرار موجات الخروج.
5. الاختلالات السكانية والهجرة: إلى جانب ذلك، فإن موجة النزوح المؤقت –وربما الممتد– لآلاف الإسرائيليين، خصوصًا من الكفاءات المتخصصة كالأطباء والمهندسين وروّاد الأعمال، سيضع إسرائيل أمام خطر حقيقي على مستوى “نزيف العقول”، كما تمثل هذه الظاهرة تحديًا مزدوجًا، فهي من جهة تُضعف القوة البشرية المنتجة داخل إسرائيل، ومن جهة أخرى قد تُحدث اضطرابًا سكانيًا مؤقتًا في الدول المستضيفة كقبرص، وهو ما يستدعي إدارتها بعناية بالغة. ومن المنظور الأوسع، فإن موجة الهجرة والنزوح الناتجة عن التوترات بين إسرائيل وإيران لا تؤثر على البلدين فقط، بل تمتد تداعياتها لتشمل الدول الوسيطة، وعلى رأسها قبرص، التي باتت تتحمل عبئًا جيوسياسيًا كبيرًا.
في الختام: أعادت الحرب الإسرائيلية رسم ملامح العلاقة بين إسرائيل وقبرص، فلم تعد العلاقات بينهما مجرد شراكة اقتصادية أو تنسيق في مجال الطاقة، بل دخلت مرحلة جديدة من “التضامن في الأزمات”، وهو ما قد يحمل فوائد استراتيجية آنية، إلا أنها قد تفرض في نفس الوقت تحديات متراكمة على المديين المتوسط والبعيد، قد يصعب احتواؤها في حال استمرار الأزمات أو توسعها إقليميًا.

