مصطفى صلاح
مدير مركز شمس للاستشارات والبحوث الاستراتيجية
برزت في الفترة الأخيرة مجموعة من الاتجاهات التي يعمل عليها الرئيس التركي رجب طيب أردوغان لتمهيد الطريق أمام خليفته المحتمل، وتحييد المؤسسات التي قد تعرقل ذلك، ولعل ما شهدته تركيا في 11 فبراير 2026 من اشتباك بالأيدي بين بعض النواب في قاعة البرلمان بسبب قرار الرئيس أردوغان تعيين وزيرين جديدين لوزارتي العدل والداخلية أحد الملامح البارزة في هذا الاتجاه.
ويمكن الإشارة هنا إلى إن هذه التعديلات الوزارية يُنظر إليها في تركيا باعتبارها إجراءً روتينيًا في الظروف العادية؛ حيث تُستخدم كآلية للتخلص من المسئولين غير الموالين للرئيس واستبدالهم بشخصيات أخرى قادرة على تنفيذ أهدافه. ولعل التعديل الأخير يحمل مجموعة من هذه الدلالات المختلفة؛ إذ يبدو أنه يعكس استراتيجية أردوغان لتسهيل انتقال السلطة لابنه بلال أردوغان خاصة إن السجلات المهنية للوزراء المعينين حديثًا تشير إلى أن اختيارهم لم يكن لكفاءتهم، بل لاستعدادهم لتوظيف مؤسسات الدولة في مواجهة خصوم أردوغان الابن المحتملين، وعلى رأسهم قادة حزب الشعب الجمهوري(حزب المعارضة الرئيسي).
فمن خلال إحكام السيطرة على وزارتي العدل والداخلية، يمكن لأردوغان التحكم في الآليات التي تنظم العملية الانتخابية والإجراءات القضائية المتعلقة بها والتي ستعمل على تهيئة الظروف لتصعيد خليفته. إلا أن هذا التغيير يأتي في ظل تساؤلات حول إمكانية إجراء تعديلات دستورية وانتخابات مبكرة وإن هذا التغيير الوزاري يمهد الطريق أمام خطة أردوغان لتنصيب خليفته. وفيما يلي أبرز المؤشرات:
1. حصار المعارضة: يمكن الإشارة هنا إلى اختيارات أردوغان الوزارية الجديدة؛ حيث يبرز وزير العدل أكين جورليك باعتباره التهديد الأكبر للمعارضة في تركيا خاصة إنه يتم وصفه من جانب حزب الشعب الجمهوري بـ”المقصلة المتنقلة” نظرًا لسمعته في إصدار أحكام بحق السياسيين والصحفيين المعارضين لأردوغان. كما إنه قبل توليه منصبه الحالي، بدأ جورليك فترة ولايته التي استمرت 18 شهرًا كمدعي عام في إسطنبول، وفي مارس 2025، ألقت النيابة العامة التابعة له القبض على رئيس بلدية إسطنبول، أكرم إمام أوغلو، المنتمي لحزب الشعب الجمهوري المرشح المحتمل لحزب الشعب الجمهوري للرئاسة والذي يمثل أكبر تهديد لأردوغان وخليفته.
ومع توسع صلاحياته وسيطرته على النظام القضائي التركي، لم تعد حرب جورليك ضد حزب الشعب الجمهوري مقتصرة على إسطنبول؛ حيث يرأس وزير العدل التركي الآن مجلس القضاة والمدعين العامين، وهو أعلى هيئة مسئولة عن تعيين وتكليف وترقية وإيقاف القضاة والمدعين العامين في تركيا. باختصار، يملك جورليك زمام الأمور، ويضمن بذلك أن يكون القضاء في أنقرة، الذي يعاني أصلًا من الفساد، مليئًا بموالين لأردوغان وأتباعه.
2. التمهيد للوريث: منذ نهاية عام 2025، برز بلال أردوغان في المشهد العام باعتباره المرشح الأوفر حظًا لخلافة أردوغان ويبدو أنه يحظى بثقة الرئيس أكثر من غيره من الخلفاء المحتملين. ومع تزايد احتمالية وصول بلال إلى زعامة حزب العدالة والتنمية وترشحه للرئاسة، ومن ثم يصبح التعديل الوزاري الذي أجراه أردوغان أكثر دلالة لما له من أهمية في منح بلال التحكم في القضاء والشرطة، لا سيما إذا ما خلف والده في زعامة حزب العدالة والتنمية.
ومن ثم، يُشير تعيين جورليك على رأس وزارة العدل إلى رغبة الرئيس في دعم ابنه بمجموعة من الشخصيات الداعمة لهذا التوجه؛ حيث يُعد استبدال وزير العدل السابق يلماز تونج، الذي يُزعم أن قيادة حزب العدالة والتنمية اعتبرته ضعيفًا، برجل أردوغان السياسي المقرب، بمثابة تكتيك يصب في مصلحة بلال؛ إذ يمنحه حليفًا يتمتع بحصانة قانونية لمواجهة معارضيه.
وضمن السياق ذاته، يُضفي تعيين مصطفى جفتجي، محافظ أرضروم السابق، وزيرًا للداخلية، طابعًا أكثر سلطوية على الجهاز المسئول عن الشرطة والأمن الداخلي في ظل ارتباط جفتجي بمؤسسة الشباب التركي (TUGVA)، وهي منظمة غير حكومية إسلامية تضم في مجلس إدارتها أعضاءً ذوي نفوذ سياسي، من بينهم بلال أردوغان. ونتيجةً لذلك، وصفته وسائل الإعلام التركية بأنه أحد أذرع بلال في دعم طموحاته للوصول إلى السلطة.
3. مواجهة الأصوات المعارضة داخل الحزب الحاكم: من المعروف عن وزير العدل الجديد إنه يستهدف شخصيات نافذة في حزب العدالة والتنمية، وفي حال تصاعد التوترات داخل حزب العدالة والتنمية، أو ظهور منافسين رئاسيين، مثل وزير الخارجية هاكان فيدان، بما قد يشكل تهديدًا، فإن بلال أردوغان يستطيع الاعتماد على قضاء موالٍ له لاستهداف خصومه وحلفائهم، بغض النظر عن انتماءاتهم الحزبية.
4. إدارة التوازنات الداخلية: تشير هذه الخطوات إلى اتجاه أردوغان لاعتماد استراتيجية تتماشى مع متطلبات هذه الفترة التي سيعتمد فيها على سلطات وصلاحيات وزيري العدل والداخلية المعينين حديثًا لإضعاف قوى المعارضة وتحييدها قبل الشروع في دخول المنافسة الانتخابية. كما من شأن هذا النهج أن يمنح الوقت لتعزيز مكانة بلال القيادية، وتوطيد الولاء المؤسسي، وتهيئة بيئة سياسية أكثر ملاءمة. ففي حال تولى بلال رسميًا منصبًا قياديًا رفيعًا في حزب العدالة والتنمية بحلول أواخر عام 2026 بالتوازي مع الضغط على شخصيات المعارضة، فبإمكان أردوغان حينها تهيئة الظروف الانتخابية التي تُمكّنه من تحقيق انتقال مُحكم للسلطة. في الختام وعلى الرغم من هذه التوجهات، إلا إن النتيجة المحتملة لهذه الإجراءات تتوقف على توقيت إجراء الانتخابات. ففوز بلال بالرئاسة أو خسارته سيتوقف على موعد الانتخابات المقبلة، لا سيما إذا سعى أردوغان إلى الدعوة لانتخابات مبكرة قبل موعدها المقرر في مايو 2028. ففي الوقت الراهن، لا يبدو أن أردوغان ولا ائتلافه الحاكم يميلان إلى إجراء انتخابات مبكرة في ظل الغضب الشعبي الناجم في معظمه عن تدهور الأوضاع الاقتصادية والذي أدى إلى تراجع شعبية أردوغان، وهو ما يجعل إجراء انتخابات مبكرة محفوفًا بالمخاطر السياسية.

