شيار خليل
كاتب وباحث سياسي
في لحظة إقليمية تتسم بعدم اليقين السياسي، وتراجع قدرة الشعارات الكبرى على إنتاج استقرار فعلي، جاءت زيارة رئيس حكومة إقليم كردستان، مسرور بارزاني، إلى القاهرة لتكسر إيقاع التوقعات التقليدية، وتعيد فتح ملف ظلّ حاضرًا في الذاكرة السياسية دون أن يُستثمر بعمق كافٍ، وهو ملف العلاقة المصرية – الكردية، بما تحمله من أبعاد تاريخية، وسياسية، ورمزية تتجاوز حدود اللحظة الراهنة.
فالزيارة، بما رافقها من لقاء مع الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، وبحضور قيادات أمنية رفيعة من الجانبين، لا يمكن قراءتها بوصفها مجرد محطة بروتوكولية في سياق العلاقات الثنائية، بل باعتبارها مؤشرًا على إعادة ترتيب الكثير من الملفات تسعى فيها القاهرة إلى تثبيت دورها كفاعل إقليمي مؤثر وقادر على مخاطبة والتعامل مع تعقيدات المشهد العراقي والتعامل مع إقليم كردستان بوصفه شريكًا سياسيًا واقتصاديًا وأمنيًا.
ويحمل توقيت الزيارة دلالته الخاصة؛ حيث يشهد العراق مرحلة دقيقة من إعادة تعريف العلاقة بين المركز والأطراف، في ظل أزمات مالية متكررة، وتوترات سياسية، وضغوط إقليمية متقاطعة. وفي المقابل، تبدو مصر في مسار استعادة حضورها الإقليمي من بوابة الاستقرار من خلال انتهاج سياسة خارجية تميل إلى دعم هذه التوجهات في معالجة الملفات الإقليمية والبعد عن الانخراط في صراعات المحاور. ومن هنا، فإن استقبال مسرور بارزاني في القاهرة يشي برغبة مصرية في لعب دور الوسيط المتزن، الذي يحافظ على خطاب ثابت حول وحدة العراق، دون أن يغلق الباب أمام خصوصية إقليم كردستان ومصالحه.
وخلال الزيارة لم يكن الجانب الأمني تفصيلًا ثانويًا؛ حيث شهدت المباحثات مشاركة رئيس المخابرات العامة المصرية، إلى جانب رئيس جهاز مخابرات إقليم كردستان ووزير داخليته، وهو ما يعكس إدراكًا مشتركًا لطبيعة التحديات الأمنية التي لم تعد محصورة داخل الحدود. فالتجربة الكردية في مواجهة تنظيم داعش، وما راكمته من خبرة ميدانية واستخباراتية، تلتقي مع التجربة المصرية الطويلة في مكافحة التنظيمات المتطرفة، وهذا التقاطع لا يؤسس لتحالف أمني صريح بقدر ما يفتح باب تنسيق عملي، قائم على تبادل الخبرات، بعيدًا عن الاستعراض السياسي، وبما يخدم استقرار الإقليم ككل.
من ناحية أخرى، فقد كان البعد الاقتصادي الملف الأكثر وضوحًا في الرسائل المتبادلة من خلال دعوة القاهرة لإشراك الشركات المصرية في مشاريع البنية التحتية والطاقة داخل العراق، بما في ذلك إقليم كردستان، كما أنها تكشف عن مقاربة مصرية قائمة على الشراكة الاقتصادية كأداة سياسية بعيدًا عن تعقيدات المشهد العراقي. فمصر، التي راكمت خبرات واسعة في تنفيذ المشاريع الكبرى، تبحث عن أسواق مستقرة نسبيًا، فيما يسعى إقليم كردستان إلى تنويع شراكاته الاقتصادية، بعيدًا عن الارتهان لفاعلين إقليميين ذوي أجندات ضاغطة. وفي ضوء هذا التقاطع، تتحول المصالح الاقتصادية إلى قاعدة لشراكة طويلة الأمد، لا إلى تفاهمات مرحلية أو مؤقتة.
إن قراءة الزيارة تظل ناقصة إن لم تُربط بجذورها التاريخية، فجولة مسرور بارزاني في قلعة صلاح الدين الأيوبي بالقاهرة ليست تفصيلًا سياحيًا، بل استدعاء واعٍ لرمزية عميقة، باعتبار أن القائد الكردي صلاح الدين الذي حكم مصر وبنى القلعة على جبل المقطم، لم يكن مجرد حاكم عابر، بل مؤسس لمرحلة شكّلت جزءً من الهوية السياسية لمصر في العصور الوسطى، كما إن استحضار هذا الإرث في سياق الزيارة يعيد التذكير بأن الأكراد لم يكونوا يومًا بعيدًا عن التاريخ المصري.
وإذا انتقلنا من الذاكرة الوسيطة إلى التاريخ الحديث، تتضح صورة أكثر ثراءً للعلاقات المصرية – الكردية. فمنذ أواخر القرن التاسع عشر، تحولت القاهرة إلى فضاء سياسي وثقافي مفتوح أمام نخب كردية وجدت فيها ملاذًا أكثر انفتاحًا مقارنة بعواصم الإمبراطوريات المتداعية آنذاك. فقد استقر عدد من أبناء عائلة بدرخان الكردية في القاهرة بعد نفيهم من قبل الدولة العثمانية، وانخرطوا في العمل الفكري والصحفي، مستفيدين من مناخ مصري أقل عداءً للتعبيرات القومية غير العربية، وأكثر استعدادًا لاحتضان النقاش السياسي.
وفي خمسينيات القرن الماضي، ومع صعود القاهرة الناصرية كعاصمة لحركات التحرر، لم يكن الحضور الكردي غائبًا عن هذا المشهد. فقد شهدت تلك المرحلة نشاط شخصيات كردية سياسية وإعلامية بارزة، من بينها كاميران بدرخان، الذي اتخذ من القاهرة مركزًا لنشاطه، وأسهم في إطلاق القسم الكردي في إذاعة القاهرة في عام 1957؛ حيث لم يكن هذا القرار تقنيًا أو عابرًا، بل عكس مقاربة مصرية واعية للقضية الكردية، قامت على الاعتراف الثقافي والسياسي غير المعلن، والاحتواء بدل الإقصاء، في وقت كانت فيه معظم العواصم الإقليمية تتعامل مع المسألة الكردية باعتبارها تهديدًا أمنيًا بحتًا.
كما شكّلت القاهرة، في تلك المرحلة، محطة إقامة طويلة لصحفيين ومثقفين أكراد من العراق وسوريا، وشارك بعضهم في الصحافة المصرية، وكتبوا في قضايا فكرية عامة، دون أن يُطلب منهم التخلي عن هويتهم أو الانخراط في خطاب عدائي تجاه قضاياهم القومية. وهذا المناخ منح العلاقات المصرية الكردية طابعًا مختلفًا، قائمًا على قواعد سياسية متوازنة وليس الاستغلال.
من هنا، يمكن فهم الزيارة الحالية بوصفها امتدادًا طبيعيًا لهذا المسار التاريخي، لا قفزة في الفراغ. فإقليم كردستان، المحاط بدول إقليمية ذات حساسيات تاريخية تجاه القضية الكردية، يدرك أهمية توسيع شبكة علاقاته العربية، خصوصًا مع دولة مركزية في المنطقة مثل مصر، بما يمنحه هامش مناورة سياسيًا واقتصاديًا. وفي المقابل، تجد القاهرة في هذا الانفتاح فرصة لتعزيز دورها كجسر للتوازن وتحقيق الاستقرار.
في الخلاصة، لا تحمل زيارة مسرور بارزاني إلى القاهرة إعلان تحالف، ولا تعكس انقلابًا على معادلات قائمة، لكنها تمثل خطوة محسوبة في اتجاه إعادة تعريف العلاقات المصرية الكردية، بوصفها علاقة شراكة هادئة، قوامها الذاكرة المشتركة والاعتراف المتبادل بالمصالح في إقليم أنهكته الصراعات الصاخبة؛ حيث تمثل هذه الخطوات أكثر قدرة على إنتاج استقرار حقيقي، لأنها تُبنى على التاريخ بقدر ما تُبنى على السياسة.

