محمد عبدالحكيم
خبير التخطيط الاستراتيجي وتحليل الصراعات

يمثل التقاطع بين الذكاء الاصطناعي والقانون الدولي محورًا حديثًا يثير اهتمام الباحثين وصنّاع القرار، لاسيما في مجالات فض المنازعات الدولية وخاصة قضايا ترسيم الحدود البحرية، باعتباره المجال الذي بات يُبحث عن آليات مبتكرة لدعم المحاكم الدولية والتحكيم البحري بالأدوات الذكية، مثل فكرة إنشاء “غرفة خبرة رقمية” تجمع البيانات والخرائط القانونية لتقديم تحليل معزز.
وفي ضوء ذلك، يسعى التقرير إلى معالجة إمكانية دمج تقنيات الذكاء الاصطناعي في آلية رسم الحدود البحرية والتكييف مع القواعد القانونية الدولية، مستعرضًا مزاياها ومخاطرها. ومناقشة الإطار النظري للتكنولوجيا القانونية، ثم يحلل الجدلية بين دقة نتائج الذكاء الاصطناعي والتقدير القانوني البشري. كما يتضمن القسم العملي أمثلة تطبيقية على خلافات شرق المتوسط بعد اكتشافات الغاز (مثل اتفاق ترسيم مصر–اليونان، والنزاع التركي–اليوناني، وتسوية الحدود بين إسرائيل ولبنان). وتختتم الدراسة بتقديم مجموعة من التوصيات حول كيفية توظيف هذه الأدوات بشكل يحقق العدالة القانونية.
أولًا: القواعد المنظمة لترسيم الحدود في القانون الدولي
ينظم اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار (1982) آليات ترسيم المناطق البحرية بين الدول المشاطئة أو المقابلة، مع التركيز على مبادئ الإنصاف والتعاون بين الأطراف وتُعطى دول حواف الجرف القاري والمناطق الاقتصادية البحرية إمكانيات متساوية لاستغلال مواردها، شريطة السعي لبلوغ حل ودي بموجب قواعد القانون البحري الدولي. ومع ذلك، تسمح الاتفاقية (حسب المادة 38 من النظام الأساسي لمحكمة العدل الدولية) باستثناء خاص لتطبيق مفاهيم الانصاف في حال توافقت الأطراف على ذلك. وفي هذا الإطار، لاحظ باحثون معاصرون أن قرارات الذكاء الاصطناعي التوليدية في القضايا القانونية تميل إلى التشابه مع أحكام ex aequo et bono؛ فهي تنطلق من مقاربات إنصاف عامة دون الالتزام الصارم بالنصوص القانونية المحددة بعبارة أخرى، تصدر نظم الذكاء الاصطناعي الحالية حكما أقرب إلى تقدير يشبه ضمير المحكم دون مراجعة نصوص القانون بدقة، وهو ما يطرح أسئلة حول التنبؤية والدقة القانونية لهذه المخرجات.
وفي ذات الوقت، بدأت المحاكم والمؤسسات الدولية تدعم إجراءاتها بالمنصات الرقمية والأدوات التكنولوجية. فعلى سبيل المثال، طوّرت المحكمة الجنائية الدولية منصات تفاعلية لعرض الأدلة في القضايا الكبرى، وتم إنشاء فريق بحثي ومنصة تسمح للمشاركين بتصفّح نموذج ثلاثي الأبعاد للمدينة المتنازع عليها وربط الأدلة بمواقعها الجغرافية بدقة، وهذه الأدوات تعزز من فهم القضاة والسوابق محل النزاع بصورة مكانية وزمانية، غير أن التقنيات الحديثة تخلف في تحدياتها المحتملة، ففي العصر الرقمي تتدفق إلى المحاكم مجموعات هائلة من البيانات المتنوعة مثل الصور الفضائية، وبيانات GPS، وما يستلزم من توافر آليات صارمة للتحقق من صحتها ومصداقيتها فقد أظهرت دراسات أن المحاكم الدولية ليست مستعدة بصورة كاملة لتلك الوفرة من البيانات الرقمية، وتحتاج إلى معايير تعزيز تحقق رقمية لضمان سلامة الأدلة المصورة والمتعلقة بالنزاعات.
ثانيًا: فرص وقيود التحليل الرقمي للنزاعات الحدودية
تتيح أدوات الذكاء الاصطناعي فرصًا كبيرة لرفع كفاءة إجراءات التقاضي الدولي، فهي قادرة على أتمتة مهام روتينية (مراجعة الوثائق، وإدارة الأدلة، والترجمة، وتلخيص المستندات الطويلة) بما يختصر الوقت ويقلل النفقات المالية إلا أن هذه المنجزات ترافقها مخاطر ملموسة؛ إذ تشير الدراسات إلى أن النماذج الآلية تثير مخاوف بشأن الشفافية وسلامة الإجراءات القانونية. فعلى سبيل المثال فإن هذه النماذج مدربة على قواعد بيانات تاريخية قد تحتوي على تحيزات كامنة، وهو ما يزيد احتمال إعادة إنتاجها في القرارات وقد تبين في تجارب واقعية صدور مخرجات خاطئة من بعض الأنظمة (مثل توليد استشهادات قانونية زائفة بقضايا وهمية)، وهو ما يستدعي وجود نوع من أنواع الحذر في الاعتماد عليها دون إشراف. لذلك، لا يزال الإجماع المعاصر يرى أن الذكاء الاصطناعي لا يمكنه استبدال القضاة الطبيعيين تمامًا في الوقت الراهن، بل يمكن اعتباره أداة مساعدة تنجز السرعة والإجراءات التمهيدية.
من ناحية أخرى، تعتمد الميزة الفعلية لهذه التقنيات على تكاملها مع الحكمة البشرية. فكما تشير وثائق تنظيم التحكيم الدولية، يمتلك المحكمين صلاحيات تقديرية كبيرة تسمح لهم بالإبقاء على إشراف بشري كامل في إدارة الإجراءات، ومع ذلك ترى بعض الاتجاهات أنه من الممكن تطوير الذكاء الاصطناعي ليعمل ضمن إطار مؤسسي منظم وأن الذكاء الاصطناعي التوليدي قد يلبي احتياجات حل المنازعات البحرية، بشرط تطوره واستخدامه ضمن منظومة مناسبة بالتعاون مع الخبراء والمحكمين البشر وهذا يعني أن الأداة التكنولوجية ينبغي أن تبقى تحت رقابة بشرية وتكون مهمتها تحلل المعطيات وتقترح حلولًا أولية، لكن القرارات النهائية المتعلقة بالقوانين والإنصاف يبقيها للعنصر البشري.
ثالثًا: النماذج التطبيقية لاستخدام الذكاء الاصطناعي في ترسيم الحدود البحرية
1. اتفاق ترسيم الحدود بين مصر واليونان
اتفق الجانبان المصري واليوناني في أغسطس 2020 على ترسيم منطقتيهما الاقتصاديتين بالبحر الشرقي للمتوسط، معتبرين ذلك اتساقًا مع القانون الدولي ورغبة مشتركة في استغلال الموارد، ويمكن اعتبار هذا الاتفاق نموذجًا لتطبيق الأدوات الذكية: فعلى سبيل المثال، يمكن لنظام ذكاء اصطناعي تحليل خطوط الأساس الساحلية والإحداثيات البحرية لكل بلد ثم رسم خط متساوٍ (median line) مقترحًا يُوازن الأمتار البحرية لكل طرف. بعد ذلك، يقارن النظام الخط المقترح بالخط الفعلي في الاتفاق، موضحًا أي فروق في المساحات النسبية مع دولاب عدالة (equity) القانون البحري. ومع أن نتائج هذه الحسابات توفر تقييمًا موضوعيًا للبُعد الهندسي للاتفاق، إلا أنها لا تأخذ بعين الاعتبار العوامل السياسية والتاريخية، كوجود الدول المجاورة ورابطة الجزر مع الدول الساحلية. لذلك ينبغي أن يجري تدقيق المخرجات الآلية من قبل خبراء قانونيين لتقدير مدى انتظامها مع مبادئ قانون البحار وحفظ حقوق الدول وفق السياق السياسي.
2. النزاع البحري التركي–اليوناني
يمثل النزاع الحالي بين تركيا واليونان أحد أكثر القضايا تعقيدًا في شرق المتوسط، نتيجة تمسك كل طرف بوجهة نظر قانونية مختلفة. فبينما تؤكد اليونان تطبيق مبدأ حق الجزر في تحديد المساحات الاقتصادية، تعترض تركيا على ذلك وتُدّعي أن بعض الجزر الصغيرة لا تملك حق تأثيل كامل في ترسيم الحدود في هذا السياق يمكن للذكاء الاصطناعي أن يجري محاكاة لسيناريوهين رئيسيين: الأول يقوم على حساب الخط الفاصل باحتساب تأثير جميع الجزر، وآخر يفترض استبعاد بعضها (كما تطالب به تركيا في بعض الحالات). ثم يحلل اختلاف المساحات البحرية الناجمة عن كل سيناريو؛ حيث تقوم هذه التقنيات على مبادئ رياضية واضحة، لكنها لا تتضمن الحكم القانوني على مدى مشروعية كل سيناريو وفق المعاهدات الدولية وممارسات الدول. ولذلك، فإن دور الذكاء الاصطناعي في هذا النموذج يظل موكولًا إلى تقديم دعم فني ومرجعي، بينما تبقى المفاوضات النهائية مرتبطة بالتفاهمات السياسية والإقليمية بين الطرفين.
3. النزاع البحري بين إسرائيل ولبنان
تم تسوية الخلاف البحري بين إسرائيل ولبنان باتفاق تم توقيعه في أكتوبر 2022 يقوم على رسم الحدود عبر ما يُسمى “الخط 23” وقد توسعت مطالبة لبنان الجنوبية لتشمل نحو 1430 كم² إضافية من البحر أدت إلى تعديل الخط النهائي لتتطابق مع مطالبه، وقد كان هذا الإجراء جزءً من مساومة تشمل حقل الغاز الإسرائيلي “كاريش”، إلا أنه يُمثِّل نموذجًا عمليًا لعملية تسوية متفاوض عليها. وفي هذا السياق يمكن للذكاء الاصطناعي أن يساعد في هذا النموذج عن طريق تصميم خوارزمية تمزج بين الخطوط الوسيطة (مثل خط هوف) وتقسيم المساحة المتنازع عليها بالحسابات الجغرافية. كما يمكن دمج متغيرات اقتصادية (مثلًا نسبة كل طرف من عوائد استغلال الغاز في الحقول) داخل نموذج محاكاة شامل. وتهدف هذه المحاكاة إلى تقديم حلول عادلة ببيانات قابلة للقياس، لكنها تتطلب تدخلًا بشريًا لمراجعة الافتراضات السياسية والقانونية وضمان شفافية العملية.
رابعًا: نحو دور استباقي لمنتدى غاز شرق المتوسط
في ضوء التحديات القانونية والجيوسياسية المتصاعدة في شرق البحر المتوسط، بات من الضروري أن يتحول منتدى غاز شرق المتوسط من منصة تنسيقية إلى فاعل إقليمي قادر على صياغة قواعد ذكية لإدارة النزاعات الحدودية، فالاكتشافات المتتالية لمكامن الغاز، وتشابك المطالبات البحرية بين الدول الأعضاء وغير الأعضاء في هذه المنطقة، تفرض اعتماد أدوات جديدة توازن بين الحوكمة القانونية والتكامل التكنولوجي. ومن ثم أصبح توظيف الذكاء الاصطناعي شرطًا استباقيًا للحفاظ على الاستقرار وحُسن توزيع المنافع في المناطق البحرية المشتركة.
وبقدر ما تشكل المحاكم الدولية المرجعية القانونية العليا في قضايا الترسيم، فإن المنتديات الإقليمية مثل منتدى شرق المتوسط تمتلك الشرعية السياسية والتنفيذية لقيادة مبادرات تسوية، تجمع بين الشفافية، والخبرة الجغرافية، والدقة التقنية، ضمن إطار إقليمي متماسك.
وانطلاقًا من ذلك، يمكن تقديم التوصيات التالية لدعم صناع القرار والفاعلين الإقليميين في تبنّي نهج ذكي وعادل لتسوية النزاعات البحرية في شرق المتوسط على النحو الآتي:
1. تبني منظومة إقليمية للمساعدة التقنية في تسوية النزاعات البحرية
ينبغي على منتدى غاز شرق المتوسط أن يُطلق آلية إقليمية مستقلة تحت مظلته، تُعنى بتقديم المساعدة الفنية والقانونية في قضايا ترسيم الحدود البحرية. كما يمكن أن تضم هذه الآلية وحدات تحليلية تستخدم الذكاء الاصطناعي لمقارنة خطوط الترسيم المحتملة، مع عرض بدائل تحقق معادلة الإنصاف والاستقرار.
2. إدماج الذكاء الاصطناعي ضمن أدوات التحليل المسبق للمفاوضات البحرية
بدلًا من الاكتفاء بالمقاربات الجيوسياسية التقليدية، يُستحسن أن تعتمد الدول الأعضاء في المنتدى على نماذج تحليل حدودي ذكية (Boundary AI Simulations)قبل وأثناء التفاوض.
وهذه النماذج قادرة على رصد السيناريوهات الميدانية، وتقديم بيانات كمية تسهل اتخاذ القرار وتُقلل من احتمالات التصعيد أو الالتباس القانوني.
3. اعتماد ميثاق شفاف لمصادر البيانات في العمليات التفاوضية
على غرار ما ناقشه مجلس الأمن الدولي، فإن الاعتماد على الخوارزميات دون الإفصاح عن مصادرها يُعد خطرًا استراتيجيًا. لذلك، من الأجدر بالمنتدى أن يتبنى ميثاقًا شفافًا يُلزم كل الأطراف المتنازعة أو المتفاوضة بالكشف عن مصادر النماذج والخوارزميات المستخدمة في التحليل الحدودي، للحفاظ على النزاهة وتفادي التسييس الرقمي.
4. تدريب المفاوضين والقانونيين على أدوات الحوسبة الجغرافية والقانون البحري الذكي
ليس المطلوب استبدال الخبرات القانونية بالآلات، بل بناء جيل من المفاوضين والديبلوماسيين القانونيين القادرين على فهم تقاطعات القانون مع الذكاء الاصطناعي، كما يجب أن يُدرج هذا المحور في الدورات التدريبية التي يقدمها المنتدى بالتعاون مع مراكز أبحاث إقليمية.
5. إطلاق منصة حوار رقمي دائم للخبراء القانونيين والتقنيين
لا بد من خلق مساحة حوار متواصل بين خبراء القانون البحري وخبراء التكنولوجيا لتحديث الفهم الجماعي للحدود البحرية في زمن الذكاء الاصطناعي. كما يمكن للمنتدى أن يتبنى فكرة مؤتمر سنوي رقمي بعنوان الحدود البحرية الذكية في شرق المتوسط، يُعقد تحت رعاية المنتدى.
6. الاستعانة بخبرة المراكز البحثية الإقليمية لبناء خارطة إنصاف بحرية شاملة
ينبغي أن تكون هناك خريطة إنصاف بحرية مرجعية، قائمة على معايير تقنية وقانونية متفق عليها، تدمج الاعتبارات الاقتصادية والجغرافية والسيادية.
7. صياغة مبادرة إقليمية لوقف التضارب في التفسيرات القانونية البحرية
بسبب تضارب التفسيرات القانونية، تتفاقم النزاعات، خاصة بين تركيا واليونان، أو إسرائيل ولبنان. على المنتدى أن يقترح مبادرة لإعادة مواءمة الفقه القانوني البحري الإقليمي، تقوم على أساس الدمج بين الشروح التقليدية واجتهادات الذكاء الاصطناعي التحليلي، بحيث يتم تقليل هامش التأويل الأحادي للقوانين البحرية.
المراجع
- Mourad, M. & Fahmy, O. (2020). Egypt and Greece sign agreement on exclusive economic zone, Reuters (6 Aug 2020).
- Zeballos Rivero, M. (2023). Growing tension between Turkey and Greece over Mediterranean gas reserves, Global Affairs, Univ. Navarra (22 Mar 2023).
- Nakhle, C. (2023). Lebanon and Israel’s historic maritime border deal, GIS Reports (9 Feb 2023).
- SITU Research (2024). ICC Digital Platform and the Al Hassan Case (أُنشئت لـ ICC لتعزيز عرض الأدلة ثلاثية الأبعاد).
- Quilling, C. (2022). The Future of Digital Evidence Authentication at the International Criminal Court, Princeton Journal of Public & International Affairs.
- Mills, T. & Shanker, M. (2024). New frontiers: Regulating artificial intelligence in international arbitration, Norton Rose Fulbright (Sept 2024).
- Chan, K. (2023). A New Era of Maritime Arbitration: Ex Machina Determinations, Journal of International Arbitration 40(5).
- SVAMC (2023). Guidelines on the Use of Artificial Intelligence in Arbitration, Silicon Valley Arbitration and Mediation Center.
- United Nations (1982). United Nations Convention on the Law of the Sea (UNCLOS).

