مصطفى صلاح
مدير مركز شمس للاستشارات والبحوث الاستراتيجية
جاءت ذكرى تأسيس الولايات المتحدة الــ 250 لتسلط الضوء على مسار تطور اتجاهات الدولة على مختلف المستويات، ومن بينها السياسة الخارجية الأمريكية ومساراتها التي ارتكزت على رؤية الذات والغير؛ حيث قامت على أساس الاعتقاد الإلهي بإنه يقع على الولايات المتحدة إصلاح العالم، إلا إن السياسة الأمريكية في ظل فترة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب شهدت مجموعة من التغيرات الجذرية والتي أعادت تعريف هذه التوجهات القديمة.
أولًا: السياسة الأمريكية ومناطق النفوذ في النظام العالمي
لم يعد ينظر إلى النظام الدولي على إنه النظام الليبرالي ذو النزعة الأمريكية ولكن بات التعامل معه على إنه في طور مرحلة انتقالية للتحول إلى ظهور نظام دولي جديد يقوم على أساس نظام توازن القوى الذي شكل العلاقات الدولية في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر. وهو ما يظهر في التنافس الجيوسياسي بين الولايات المتحدة والصين وروسيا، ودخول قوى دولية جديدة تركز على مصالحها الوطنية.
ومن المفارقات أن الولايات المتحدة هي التي تقود التحول من نظام قائم على القواعد والمؤسسات إلى اعتماد النهج القائم على المعاملات الاقتصادية ومبدأ الربح والخسارة في السياسة الدولية. وكما ورد في استراتيجية الأمن القومي التي أعلن عنها الرئيس ترامب في ديسمبر 2025، فإن النظام العالمي الجديد سيقوم على أساس مناطق نفوذ القوى الكبرى؛ حيث ستمارس الولايات المتحدة هيمنتها في نصف الكرة الغربي، كما أظهر الإطاحة القسرية بالرئيس الفنزويلي بنيكولاس مادورو، كما ستوافق بصورة نسبية على قبول نفوذ الصين المماثل في شرق آسيا ونفوذ روسيا في القوقاز، وربما في أوروبا الشرقية، كما ستُترك مناطق العالم الأخرى للتفاعلات بين هذه القوى.
إن تقسيم العالم إلى مناطق نفوذ يتجاهل الأهمية الاستراتيجية للعمليات الاقتصادية المترابطة والمتكاملة، والمؤسسات السياسية الدولية، والقيم الأخلاقية، وهو ما ظهر مع التعريفات الجمركية التي أقرها ترامب والهجوم الأمريكي الإسرائيلي على إيران، بجانب ذلك، فإن الموافقة الضمنية على مجالي النفوذ الصيني والروسي سيعمل على تصاعد حدة التوترات واحتمالية نشوب صراع مع اليابان والهند وكوريا الجنوبية وأستراليا، فضلاً عن تهديد الحلفاء الأوروبيين.
وفي ضوء الافتراض القائم على اعتبار تفاعلات العلاقات الدولية تقع ضمن حدود مصالح القوى العظمى يعزز من مخاطر المواجهة بينهم، على سبيل المثال تسعى دول أمريكا اللاتينية إلى تعزيز علاقاتها مع الصين لتحقيق التوازن مع النفوذ الأمريكي؛ حيث تُعد الصين بالفعل الشريك التجاري الرئيسي للعديد من دول أمريكا الجنوبية، بما فيها البرازيل وتشيلي والأرجنتين، وقد انضمت أكثر من 20 دولة من دول أمريكا اللاتينية إلى مبادرة الحزام والطريق. ونظرًا لأن حجم التجارة السنوية بين الصين وأمريكا اللاتينية يتجاوز نصف تريليون دولار، فمن الصعوبة بمكان موافقة الصين على هيمنة الولايات المتحدة على نصف الكرة الغربي. كما لا يُمكن تصوّر أن تُقلّص الولايات المتحدة علاقاتها التجارية ونظامها الأمني القائم على المحاور والتحالفات مراعاةً للصين في منطقة المحيطين الهندي والهادئ. بالإضافة إلى ذلك، فإن محاولة تطبيق مفهوم مناطق النفوذ، الذي كان مطبقًا في القرن التاسع عشر عندما كانت هناك ست قوى عظمى يتجاهل انتشار الدول المتوسطة والصغيرة التي تسعى إلى تعزيز نفوذها الجيوسياسي والإقليمي.
ثانيًا: التحولات في موازين القوى الدولية
إن النظام الدولي القائم على القواعد المؤسسية الذي شكل العلاقات الدولية خلال العقد الأول من الألفية الثانية آخذ في التلاشي، وتتمثل أحد أسباب ذلك في عودة النزعة القومية التي تدفع بصعود القوى المتوسطة والدول النامية للتأثير في النظام الدولي والاتجاه نحو تعزيز نفوذها ومصالحها الوطنية، والاستحواذ على حصة من توزيع القوة العالمي في هذا النظام من خلال الاعتماد على المقاربات النفعية، فبعد تحررها من قيود الاستعمار وثنائية القطبية في الحرب الباردة، لم تعد الدول التي تشكلت رؤيتها للعالم بعد هذه التطورات متوافقة مع نظام عالمي تُهيمن عليه الولايات المتحدة وحدها.
ولعل هذه التطورات ساهمت في زيادة أعداد الدول التي كانت مترددة في السابق في تحدي سياسات الهيمنة الأمريكية، والبعد عن هذا الموقف والتخلي عن تحفظاتها. فبعد أن أثارت سياسات التقشف التي فرضتها الولايات المتحدة وصندوق النقد الدولي خلال الأزمة المالية الآسيوية في عام 1997 غضب ماليزيا التي فرضت قيودًا على حركة رؤوس الأموال وأوقفت تداول الرينجيت في التجارة الدولية. وفي عام 2010، عارضت البرازيل وتركيا سياسة العقوبات التي انتهجتها إدارة أوباما ضد إيران. كما واجهت الهند إدارة أوباما في عام 2014 بعرقلة اتفاقية تيسير التجارة لمنظمة التجارة العالمية، والتي تهدف إلى خفض الحواجز التجارية لفشلها في حماية مزارعيها. ومؤخرًا، ردت الهند على انتقادات ترامب، كما فعلت مع بايدن بشأن حقها في شراء النفط الروسي. كما انتقد الرئيس البرازيلي لويس إيناسيو لولا دا سيلفا هيمنة الدولار على النشاط الاقتصادي العالمي، ودعا في أبريل 2023 إلى إلغاء الدولار في التجارة الدولية. وقد لاقى هذا التوجه دعمًا كبيرًا في منطقة جنوب شرق آسيا لاعتمادها التجاري على الصين؛ حيث تتجه سنغافورة وماليزيا ودول أخرى في جنوب شرق آسيا بشكل متزايد إلى تسوية المدفوعات بالعملة الصينية.
وقد عارضت دول متوسطة القوة من بين حلفاء الولايات المتحدة في حلف الناتو سياسة واشنطن في بعض الملفات، كما فعلت تركيا في تأكيد حقها للحصول على منظومة الدفاع الصاروخية الروسية إس-400 على الرغم من تحذيرات الولايات المتحدة من أن تركيا ستفقد إمكانية الحصول على طائرات إف-35 الشبحية المقاتلة، وافق الرئيس رجب طيب أردوغان في عام 2017 على شراء منظومة الدفاع الصاروخي من روسيا، وفي الآونة الأخيرة، وافقت تركيا على انضمام السويد إلى الناتو بشرط أن تتمكن من شراء طائرات إف-16 من الولايات المتحدة.
بجانب ذلك تصاعدت انتقادات بعض حلفاء واشنطن للسياسات الأمريكية، وهو ما ظهر من خلال رفض فرنسا وألمانيا لسياسات دونالد ترامب في التجارة والأمن عبر الأطلسي. وقال المستشار الألماني فريدريش ميرز في مؤتمر ميونيخ للأمن إن الولايات المتحدة لا تكتفي بتدمير العلاقات عبر الأطلسي، بل تُهدر أيضًا مكانتها القيادية العالمية. كما أعلن رئيس الوزراء الكندي السابق مارك كارني، خلال المنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس، انتهاء النظام القائم على القواعد، والعمل على التنسيق بين القوى الاقتصادية المتوسطة في العالم، بجانب ذلك رفض الدول الأوروبية دعوة ترامب لإعادة فتح مضيق هرمز بالقوة خلال الحرب الأمريكية الإسرائيلية ضد إيران.
ثالثًا: اتجاهات النظام الدولي القائم على القواعد في عالم متعدد الأقطاب
برزت مؤشرات على إن تقسيم العالم من خلال تحديد مناطق النفوذ للقوى الكبرى لن يحقق الاستقرار الدولي؛ حيث لا تؤيد الدول المتوسطة والناشئة، ولا سيما في الجنوب العالمي، إيجاد نظام عالمي يدور حول الولايات المتحدة، وضمن إطار الحفاظ على المصالح في عالم متعدد الأقطاب وتقليل مخاطر الصراع العسكري، يمكن إن يكون هناك توافق حول القواعد لضمان تحقيق شرعيتها السياسية وشموليتها والامتثال لها. إلا إن لتنافس القوى العظمى والنهج التحوطي الذي تتبعه القوى المتوسطة في تحدي الهيمنة، ستزيد من صعوبات تطبيق ذلك.
ويمكن الإشارة هنا إلى إن التحولات في السلوك الدولي والقواعد المنظمة له ارتبطت بحدوث اضطرابات كبرى. فقد أرست معاهدة وستفاليا في عام 1648، التي أنهت ثلاثين عامًا من الحروب الدينية، سيادة الدولة وعدم التدخل في شئونها الداخلية. كما رسخ مؤتمر فيينا في عام 1815 نظام توازن القوى وأعاد الملكيات المحافظة بعد الحروب النابليونية.
في حين تشكل النظام الحالي، والقائم على التجارة الحرة والأمن الجماعي وحقوق الإنسان كأساس للاستقرار الدولي بعد الحرب العالمية الثانية. إلا إنه يواجه تحديات قد تنذر بإيجاد نظام دولي جديد بعد تصاعد التوسع الروسي في أوروبا، أو النزاع بين الولايات المتحدة والصين حول تايوان، أو اندلاع حرب عالمية ثالثة؛ حيث سيكون من الضرورة بمكان أن يضع المجتمع الدولي ضوابط قائمة على القواعد لمنع وقوع مثل هذه الكارثة.
رابعًا: المنافسة بين الولايات المتحدة والصين ومسار العودة إلى الثنائية القطبية
بالنظر إلى ما شهدته الصين خلال “قرن الإذلال” والخضوع للمعاهدات غير المتكافئة التي فرضها الغرب، تسعى الصين إلى استعادة مكانتها المهيمنة في منطقة المحيطين الهندي والهادئ، واستعادة موقعها كقوة عالمية، كما يُعد التدخل الروسي في أوكرانيا بمثابة أحد المحاولات الروسية التي تهدف إلى استعادة نفوذها في أوروبا الشرقية. من جانبها، تُصر الولايات المتحدة على الحفاظ على هيمنتها العالمية، سواء من خلال النزعة الأحادية الحالية والتي يُطلق عليه ستيفن والت “الهيمنة المفترسة” أو من خلال تفويضها المزعوم لإعادة تشكيل العالم وفقًا لرؤيتها. في غضون ذلك، ستكون الدول المتوسطة والصغيرة، سواء بشكل مستقل أو ضمن تكتلات إقليمية، مدفوعة للحصول على تنازلات يمكن إن تُعزز استقلالها الاستراتيجي ونفوذها في الشئون العالمية.
وبالنسبة لهذه الدول فإنها تنظر إلى الصين كبديل للنموذج الغربي للتنمية، الذي يركز على النمو الاقتصادي دون شروط سياسية، بالإضافة إلى ذلك، تهيمن الصين على صناعة العناصر الأرضية النادرة، فضلًا عن إنتاج بطاريات الليثيوم والألواح الشمسية، كما يُشكل تطور شركة DeepSeek الناشئة والزيادة المطردة في إنتاج الأدوية الجديدة تحديًا إضافيًا للريادة الأمريكية في مجال الذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا الحيوية.
وبالتالي، قد يؤدي التنافس الاقتصادي والتكنولوجي والعسكري بين الولايات المتحدة والصين إلى إحياء النظام العالمي ثنائي القطبية الذي ظهر في العلاقات الدولية بين عامي 1945 و1991 خاصة إنهما عملا على تشكيل تحالفات متنافسة؛ حيث تسعى كل من الصين والولايات المتحدة إلى توسيع نفوذهما في الجنوب العالمي من خلال مبادرات مثل مبادرة الحزام والطريق، وشراكة البنية التحتية والاستثمار العالميين، بالإضافة إلى منصات مثل منظمة شنغهاي للتعاون، والحوار الأمني الرباعي. علاوة على ذلك، لا تملك أي قوة أخرى الثقل الاقتصادي أو العسكري الكافي لمنافسة بكين وواشنطن.
وعلى الرغم من هذه التوجهات، إلا إن الظروف السائدة في البيئة الدولية للقرن الحادي والعشرين لا تُشجع على عودة ثنائية القطبية. فمن جهة، تربط الصين والولايات المتحدة علاقة اقتصادية وثيقة. ورغم أن الحروب التجارية قد خفضت حصة الصين من الصادرات إلى النصف بين عامي 2018 و2025، إلا أن الولايات المتحدة لا تزال سوقًا رئيسية للسلع الصينية. ومن جانبها، لا تزال الولايات المتحدة تعتمد على الصين في توفير المعادن الحيوية المستخدمة في الإلكترونيات والطاقة والتطبيقات الطبية والصناعات الدفاعية.
والأهم من ذلك، أن القوى المتوسطة تعمل على تطوير علاقات تجارية مع مناطق أخرى من العالم، وهو ما سيقلل اعتمادها على أي من القوتين العظميين ويخفف من آثار الاضطرابات التجارية الأحادية، مثل التعريفات الجمركية المتقلبة التي فرضها ترامب وتصاعد النشاط الصناعي الصيني وإغراق الأسواق بالمنتجات. كما إن الصين ليست القوة الصاعدة الوحيدة التي تتحدى الهيمنة الأمريكية. فمجموعة البريكس من خلال توسيع عضويتها وزيادة سيطرتها على احتياطيات العناصر الأرضية النادرة ومعادن أخرى كالكوبالت والنيكل، تسعى أيضًا إلى تعزيز نفوذ دول الجنوب في الشئون العالمية.
من ناحية أخرى وللإشارة إلى اتجاهات بعض الدول إلى تعزيز علاقاتها الخارجية بعيدًا عن ثنائية الصين والولايات المتحدة، فقد وافق الاتحاد الأوروبي على معاهدات تجارة حرة تاريخية مع السوق المشتركة لأمريكا الجنوبية (ميركوسور)، وعلى تحديث اتفاقيات التجارة مع كندا والمكسيك. كما وقعت الهند على اتفاقيات التجارة الثنائية مع البرازيل وفرنسا، وبدأت محادثات لإبرام اتفاقية تجارية شاملة مع كندا. وبالمثل، عززت كوريا الجنوبية علاقاتها التجارية مع جنوب شرق آسيا، كما عملت على توثيق علاقاتها مع الدول الغنية بالمعادن في أمريكا الجنوبية.
كما تسعى القوى المتوسطة أيضًا إلى إرساء قدر من الاستقلال الأمني بعيدًا على القوى الكبرى؛ حيث وقعت الهند واليابان وأستراليا، الأعضاء في التحالف الرباعي، إلى جانب كوريا الجنوبية، اتفاقيات دفاعية مع دول جنوب شرق آسيا لتعزيز وجودها الأمني في منطقة المحيطين الهندي والهادئ. كما عززت كندا نفوذها البحري في جنوب شرق آسيا، ووسعت علاقاتها الأمنية والدفاعية مع الاتحاد الأوروبي. وإلى جانب رفع مستوى الانفاق من جانب حلفاء الناتو الأوروبيين، اتجاه الاتحاد الأوروبي إلى تعزيز نفوذها الأمني من خلال اتفاقيات مع المملكة المتحدة والهند، كما أبرمت الهند أيضًا اتفاقيات مماثلة مع فرنسا وأستراليا.
في الختام: يمكن إن يستغرق التوصل إلى اتفاق بشأن قواعد النظام الدولي وقتًا طويلًا في ظل تقلبات الرسوم الجمركية والمواجهات العسكرية. وفي الوقت نفسه، قد تُحفز المخاوف بشأن تزايد عدم الاستقرار الجيوسياسي والركود العالمي الناجم عن ارتفاع أسعار الطاقة الاهتمام بالمحادثات الهادفة إلى تعزيز استقرار النظام العالمي. وتعمل القوى المتوسطة في أوروبا وآسيا على توسيع شراكاتها التجارية والدفاعية لتقليل اعتمادها على الولايات المتحدة والصين، ولخلق نظام عالمي متعدد الأقطاب.

