نشوى عبد النبي
رئيس وحدة دراسات اللوجستيات والطاقة
شهدت القارة الأفريقية في السنوات الأخيرة، تحولات جيوسياسية واقتصادية بارزة ساهمت في تعزيز انخراط القوى الإقليمية والدولية التي تتسابق لتعزيز نفوذها واستثمار إمكاناتها الواسعة. ومن بين هذه القوى، تبرز روسيا كأحد اللاعبين الأساسيين الذين يسعون لتكريس وجودهم وتعميق علاقاتهم مع الدول الأفريقية، ليس فقط عبر التعاون الأمني والسياسي، بل من خلال استراتيجية شاملة ترتكز على توسيع الشراكات الاقتصادية والتقنية.
كما جاءت هذه الاستراتيجية في وقت تتزايد فيه التوجهات الأفريقية إلى تنويع مصادر الطاقة، وتطوير البنية التحتية، وتعزيز قدرات الصناعات المحلية، وهو ما يفتح المجال أمام موسكو لتقديم عروض شاملة ومتنوعة تتراوح بين مشاريع الطاقة التقليدية والمتجددة، والبناء على علاقات تاريخية تتجاوز حقبة الحرب الباردة.
وفي إطار هذه الطموحات الواسعة، تتجلى رؤية روسيا في مجال اللوجستيات والطاقة من خلال مشاريع رائدة مثل بناء محطات للطاقة النووية في القارة، فبالإضافة إلى مصر، اتجهت روسيا إلى بناء هذه المشروعات في كل من بوركينا فاسو ومالي خاصة أن دول القارة الأفريقية لم تكن سابقًا على خارطة الدول التي تعتمد الطاقة النووية كمصدر رئيسي لتلبية احتياجاتها المتنامية من الكهرباء. كما يعكس هذا التوجه رغبة موسكو في إرساء شراكات طويلة الأمد تعتمد على نقل التكنولوجيا المتقدمة وبناء القدرات البشرية، فضلًا عن تطوير البنية التحتية اللوجستية التي تعد أساسًا لضمان نجاح هذه المشاريع الطموحة.
وبهذا التصور، ترسم روسيا ملامح حضور متجدد ومستدام في أفريقيا، يهدف إلى إعادة ترتيب موازين القوى الاقتصادية والجيوسياسية على مستوى القارة والعالم، ويؤكد على أن مستقبل أفريقيا سيكون جزءً من مستقبل نظام عالمي متعدد الأقطاب يعتمد في أحد ركائزه على تعاون دول جنوب – جنوب.
ثانيًا: منتدى سانت بطرسبرغ الاقتصادي الدولي واتجاهات تعزيز التعاون جنوب – جنوب
يعكس منتدى سانت بطرسبرغ الاقتصادي الدولي لعام2025 (SPIEF 2025) التوجه المتزايد نحو العالمية؛ حيث ينظر إليه باعتباره منصة مهمة لتعزيز التعاون بين دول الجنوب، وواحدًا من أبرز الفعاليات الاقتصادية على مستوى العالم والذي يُطلق عليه أحيانًا “دافوس الشرق”.
1. تعزيز قاعدة المشاركة: شهد المنتدى مشاركة واسعة من دول آسيا وأمريكا اللاتينية، بالإضافة إلى حضور قوي وبارز من جانب دول القارة الأفريقية التي أصبحت تلعب دورًا متناميًا على مختلف المستويات. ويؤكد هذا التنوع مشاركة روسيا الفاعلة في بناء شبكة علاقات جديدة، تتجاوز الحدود التقليدية وتحاكي ديناميكيات الاقتصاد العالمي المعاصر، مع إبراز أهمية القارات النامية كمحركات للنمو الاقتصادي والتحول الجيوسياسي العالمي.
2. تأمين مصالح روسيا في مواجهة الهيمنة الغربية: تسعى روسيا من خلال هذه المنصة إلى إعادة صياغة تحالفاتها التجارية والجيوسياسية، عبر إقامة شراكات تستند إلى المصالح والاحترام المتبادل، بعيدًا عن الهيمنة الغربية التي لطالما سيطرت على توجهات الاقتصاد العالمي. وتُعد أفريقيا اليوم أحد الميادين الرئيسية للتنافس بين القوى الكبرى، خاصة في مجالات حيوية مثل الطاقة والغذاء والبنية التحتية والتكنولوجيا؛ حيث تتنافس روسيا، بجانب الصين وأمريكا ودول أخرى، على توسيع نفوذها وضمان مصالحها الاقتصادية والسياسية، وهو ما يعكس الطابع الديناميكي للتغيرات الجيوسياسية الحالية، ويبرز أفريقيا كساحة حيوية لصياغة تحالفات جديدة ومستقبل متعدد الأقطاب.
3. تعزيز مستوى الشراكات: شهد منتدى سانت بطرسبرغ الاقتصادي الدولي لعام 2025 (SPIEF 2025) توقيع سلسلة من الاتفاقيات الثنائية المهمة التي تعكس تحولًا استراتيجيًا في نهج موسكو تجاه القارة الأفريقية. وقد تمثل هذا التحول في تعزيز الشراكات الاقتصادية والتقنية مع دول أفريقية رئيسية؛ حيث التقى نائب رئيس جنوب أفريقيا، بول ماشاتيل، برئيس الوزراء الروسي ميخائيل ميشوستين، واتفق الطرفان على مضاعفة حجم التبادل التجاري بين البلدين مع تركيز خاص على قطاعات الطاقة والزراعة، وهما مجالان حيويان لدعم التنمية المستدامة في جنوب أفريقيا وتوسيع نفوذ روسيا الاقتصادي في القارة، كما يعكس هذا اللقاء سعي موسكو إلى تنويع علاقاتها الاقتصادية بعيدًا عن الأسواق التقليدية، وبناء تحالفات جنوب-جنوب قائمة على المصالح المشتركة.
4. الاهتمام بقطاع اللوجستيات والطاقة: أبرمت شركة “روساتوم” الروسية اتفاقية تعاون نووي مع بوركينا فاسو، تشمل بناء محطة طاقة نووية، بالإضافة إلى تطوير البنية التحتية ذات الصلة بمجالات الإشعاع والطب والصناعة. وتعكس هذه الخطوة استراتيجية روسية أوسع تهدف إلى تأمين نفوذ اقتصادي وتقني مستدام في أفريقيا، خاصة في القطاعات التي توفر تقنيات متقدمة وأساسية لتحولات اقتصادية واجتماعية شاملة. تسعى موسكو من خلال هذه الاتفاقيات إلى تعزيز تحالفاتها مع دول الجنوب، والدفع بمبادرات تعزز استقلالية القارة الأفريقية في مجالات الطاقة والتقنية، في وقت تتزايد فيه المنافسة الدولية على النفوذ في أفريقيا بين القوى الكبرى، وهو ما يجعل روسيا لاعبًا رئيسيًا في إعادة رسم خريطة التحالفات الاقتصادية والسياسية في المنطقة.
ثالثًا: جنوب أفريقيا وروسيا: طموحات لوجستية وتوسيع الشراكة التجارية
في 19 يونيو 2025، شهدت العاصمة الروسية موسكو اجتماعًا هامًا بين نائب رئيس جنوب أفريقيا “بول ماشاتيل” ورئيس الوزراء الروسي “ميخائيل ميشوستين” على هامش فعاليات منتدى سانت بطرسبرغ الاقتصادي الدولي (SPIEF)؛ حيث تم التركيز على مضاعفة حجم التبادل التجاري بين البلدين خلال السنوات القادمة، مع اهتمام خاص بقطاعات حيوية مثل الطاقة والزراعة. ويأتي هذا اللقاء في إطار استراتيجية جنوب أفريقيا لتعزيز تعاونها الاقتصادي مع روسيا، التي تعد شريكًا مهمًا في مجموعة دول “بريكس”.
كما ركز الطرفان على أهمية تطوير البنية التحتية اللوجستية كعامل رئيسي لدعم هذه الطموحات التجارية؛ حيث تم التأكيد على ضرورة تحسين الموانئ وتوسيع شبكة السكك الحديدية لتعزيز انسياب السلع والخدمات بين جنوب أفريقيا وروسيا. وتعكس هذه المبادرة روح التعاون المتجدد بين البلدين، التي بدأت منذ تقارب علاقاتهما عام 1992، لكنها شهدت دفعًا جديدًا مع دخول جنوب أفريقيا في تحالف “بريكس” وازدياد التنسيق الاقتصادي والسياسي بين الطرفين، في ظل رغبة مشتركة في مواجهة تحديات النظام العالمي الأحادي القطب وبناء شراكات جنوب – جنوب أكثر توازنًا واستدامة.
رابعًا: روسيا وبوركينا فاسو: شراكة نووية واعدة
في تطور لافت يعكس التحولات الجيوسياسية في غرب أفريقيا، وقّعت بوركينا فاسو اتفاقية حكومية مع روسيا لإنشاء أول محطة طاقة نووية في البلاد، وذلك على هامش المنتدى الاقتصادي الدولي بمدينة سانت بطرسبرغ الروسية. الاتفاق تم بين وزير الطاقة والمعادن والمحاجر البوركيني “ياقوبا زابري غوبا”، والمدير العام لوكالة الطاقة النووية الروسية “روساتوم“، “ألكسي ليخاتشوف”، ويُنظر إليه كخطوة استراتيجية نحو تنويع مصادر الطاقة وتعزيز الاستقلال الطاقي لبوركينا فاسو، التي تعاني من عجز كبير في إنتاج الكهرباء، خاصة في المناطق الريفية. كما يأتي في ظل تقارب متزايد بين دول الساحل، التي يقودها عسكريون، وروسيا، التي تقدم نفسها كشريك بديل عن الغرب.
وصف الوزير البوركيني الاتفاقية بأنها “خطوة أساسية في المسار الإداري لبناء المحطة النووية“، موضحًا أن “روساتوم” ستقدم لاحقًا عرضًا تقنيًا وماليًا مفصلًا ستقوم الحكومة البوركينية بدراسته بدقة، تمهيدًا للدخول في مفاوضات فنية ومالية أكثر تعمقًا.
ومن المرجح أن يشمل المشروع بناء مفاعل نووي صغير أو متوسط الحجم لتوليد الكهرباء، مع احتمال تطوير البنية التحتية، وتدريب كوادر محلية. ويعكس هذا التعاون النووي الطابع الجديد للعلاقات بين روسيا ودول غرب أفريقيا؛ حيث لم تعد هذه الدول تكتفي بشراكات تقليدية في مجالات الأمن أو التعدين، بل أصبحت تسعى إلى نقل التكنولوجيا وبناء مشاريع تنموية استراتيجية، بعيدة عن شروط التمويل الغربية الصارمة أو الإرث الاستعماري الأوروبي.
وقد أعلنت شركة “روساتوم” الروسية عن قدرتها على إنشاء وحدة نووية متكاملة في بوركينا فاسو خلال خمس سنوات، وذلك بشرط استيفاء البلاد لمجموعة من المتطلبات الفنية والتنظيمية والبشرية الأساسية اللازمة لضمان نجاح المشروع. وأوضحت أن تنفيذ هذه الخطوة الطموحة يعتمد بشكل كبير على مدى جاهزية بوركينا فاسو في عدة مجالات حيوية، أبرزها تأهيل الموارد البشرية المتخصصة التي ستدير وتشغل المحطة النووية، بالإضافة إلى تطوير البنية التحتية اللازمة لدعم هذا المشروع التقني الكبير، مثل شبكات الكهرباء والمرافق اللوجستية.
وتشير هذه المتطلبات إلى التحديات الكبرى التي تواجه أي دولة ناشئة في مجال الطاقة النووية، خصوصًا تلك التي لم تمتلك خبرات سابقة في هذا القطاع، وهو ما يجعل التعاون الوثيق مع “روساتوم” والشركاء الروس ضروريًا لضمان انتقال آمن ومستدام للطاقة النووية. ويأتي هذا الإعلان في سياق خطة وطنية لبوركينا فاسو لتعزيز تنويع مصادر الطاقة وتخفيف الاعتماد على الوقود الأحفوري التقليدي، والتي أعلن عنها الرئيس “إبراهيم تراوري” في يوليو 2023، مؤكدًا أن التعاون مع روسيا لبناء محطة نووية سلمية يشكل جزءً رئيسيًا من هذه الاستراتيجية.
ويعكس هذا التوجه المتزايد نحو بناء شراكات استراتيجية مع روسيا، التي أصبحت شريكًا بارزًا في منطقة الساحل، خصوصًا بعد سلسلة الانقلابات التي شهدتها عدة دول في غرب أفريقيا، من جانب آخر، تهدف بوركينا فاسو من خلال هذا المشروع إلى تأمين إمدادات كهربائية مستقرة وطويلة الأمد، تدعم التنمية الاقتصادية والاجتماعية في البلاد، كما تسعى إلى تقليل الانبعاثات الكربونية لمواكبة للاتجاهات العالمية في الطاقة النظيفة. ومع ذلك، فإن نجاح هذه الخطة يرتبط ارتباطًا وثيقًا بمدى قدرة بوركينا فاسو على تلبية الشروط الفنية والإدارية التي تضمن سلامة وأمن المنشآت النووية.
خامسًا: روسيا ومالي والاستثمار في مشروعات الطاقة الشمسية
ثمة دلائل على اتجاه روسيا إلى تعزيز حضورها في أفريقيا بوتيرة متسارعة وفي مجالات عديدة؛ حيث لا تقتصر طموحاتها النووية والتقنية على بوركينا فاسو فقط، بل تشمل أيضًا دولة مالي التي تشهد تصاعدًا في علاقاتها الأمنية والتقنية مع موسكو. خلال منتدى سانت بطرسبرغ الاقتصادي الدولي، وقد كشفت روسيا عن اتفاق مماثل مع مالي لبناء محطة طاقة نووية، وهو ما يعكس سعي موسكو لتوطيد نفوذها في غرب أفريقيا عبر مشاريع استراتيجية تهدف إلى تنويع مصادر الطاقة وتعزيز التعاون التقني والاقتصادي. يُظهر هذا التوجه رغبة روسيا في توسيع رقعة تأثيرها لتشمل دولًا محورية في المنطقة، خاصة في ظل التحديات الأمنية التي تواجه مالي والتي تدفعها للبحث عن شركاء جدد يعززون قدراتها.
في سياق متصل، بدأت شركة NovaWind التابعة لـ”روساتوم” الروسية تنفيذ مشروع طاقة شمسية كبير في مالي بقيمة 217 مليون دولار، بطاقة إنتاجية تصل إلى 200 ميجاواط، تمثل حوالي 10% من إجمالي إنتاج الكهرباء في البلاد. ويُعد هذا المشروع واحدًا من أكبر مشاريع الطاقة الشمسية في غرب أفريقيا، ويؤكد التزام روسيا بالاستثمار طويل الأمد في البنية التحتية للطاقة المتجددة في القارة. كما يعكس المشروع استراتيجية روسية متكاملة تجمع بين تطوير مصادر الطاقة التقليدية مثل النووية والمتجددة كالطاقة الشمسية، مما يعزز مكانتها كشريك تقني واقتصادي رئيسي في أفريقيا ويسهم في دعم جهود الدول الأفريقية لتحقيق الأمن الطاقي والتنمية المستدامة.
في الختام: تشير التطورات الأخيرة إلى أن روسيا تعتمد استراتيجية متجددة للدبلوماسية الاقتصادية في أفريقيا، تستغل من خلالها حاجات دول القارة الملحة إلى التكنولوجيا المتقدمة ومصادر الطاقة الموثوقة والاستثمارات طويلة الأمد. من خلال توقيع اتفاقيات شراكة مع دول مهمة مثل جنوب أفريقيا وبوركينا فاسو؛ حيث تسعى موسكو إلى بناء علاقات اقتصادية مستدامة وعميقة ترتكز على التعاون التقني والمالي، ما يمنحها موطئ قدم قوي في القارة ويعزز حضورها الاستراتيجي بعيدًا عن الدور التقليدي الذي لعبته خلال حقبة الحرب الباردة.
في المقابل، ترى العديد من الدول الأفريقية في روسيا شريكًا أكثر مرونة واستعدادًا لتقديم الدعم التقني والاقتصادي دون فرض شروط سياسية معقدة أو قيود على السيادة الوطنية، مقارنة ببعض القوى الغربية. هذا التوجه الجديد يعكس تحولا واضحا في خريطة التحالفات الدولية، ويعزز فكرة قيام نظام عالمي متعدد الأقطاب قائم على التعاون بين دول الجنوب، حيث يتوزع النفوذ الاقتصادي والسياسي بين قوى متعددة بدلًا من هيمنة طرف واحد. وبهذا الشكل، قد تسهم الاستراتيجية الروسية في أفريقيا في إعادة تشكيل موازين القوى العالمية وفتح آفاق جديدة للتنمية والتعاون بعيدًا عن دائرة الهيمنة الغربية.

