محمود سامح همام
باحث متخصص في الشئون الأفريقية
تُجسّد الحالة الصومالية واحدة من أكثر معضلات السياسة الخارجية الأمريكية تعقيدًا في القارة الأفريقية؛ إذ تجد واشنطن نفسها عالقة بين إدراكها لخطورة الانسحاب من ساحة مضطربة تُهدد أمن القرن الأفريقي وممرات البحر الأحمر، وبين سعيها لتقليص انخراطها في الحروب الممتدة التي أنهكتها منذ مطلع الألفية. فبرغم الجهود الأمريكية المستمرة لدعم الحكومة الفيدرالية الصومالية ومكافحة الإرهاب، ظل المشهد الداخلي منقسمًا في ظل عدم وجود مؤسسات قادرة على تحقيق الاستقلال الأمني والسياسي. وهذا التناقض بين رغبة واشنطن في الانسحاب ومخاوفها من تنامي الفراغٍ الأمنيٍ أفرز سياسة يمكن وصفها بالانتظار الممتد تتأرجح بين البقاء الرمزي والرحيل المؤجل، وهو ما جعل الصومال ساحة اختبار دائم لقدرة الولايات المتحدة على تحقيق توازن بين أهدافها المتعلقة بمكافحة الإرهاب ودعم بناء الدولة، وبين حماية المصالح الأمريكية وإدارة النفوذ في إقليمٍ يتقاطع فيه الأمن بالسياسة والجغرافيا بالاستراتيجية.
1. السياسة الأمريكية تجاه الصومال بين الانكفاء والتردد
يبدو أن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لم يُبدِ حماسة حقيقية للإبقاء على القوات الأمريكية في الصومال على الرغم من أنه لم يتخذ بعد القرار النهائي بسحبها. ففي خطابٍ ألقاه أمام كبار القادة العسكريين في 30 سبتمبر الماضي، أشار ترامب إلى الصومال بوصفها نموذجًا لاستخدام غير رشيد للقوة العسكرية الأمريكية في الخارج، مقترحًا أن تُوظَّف تلك القوات في مهام داخلية تخدم المصالح الأمريكية المباشرة.
ويعكس هذا التوجه ملامح السياسة الخارجية الانعزالية التي ميّزت إدارة ترامب، والتي سعت إلى تقليص الانخراط العسكري الأمريكي في مناطق النزاع الممتدة منذ أحداث 11 سبتمبر 2001. ومع ذلك، فإن التردد في الانسحاب الكامل من الصومال يُظهر إدراكًا داخل الإدارة بأن أي خروجٍ متسرع قد ينتج تداعيات استراتيجية غير مرغوب فيها، من بينها احتمال إعادة تنشيط حركة الشباب أو تراجع ثقة الشركاء الإقليميين في التزامات واشنطن الأمنية.
2. إرث الإدارات المتعاقبة وتعدد الاتجاهات الفكرية في واشنطن
لم تكن إدارة ترامب أول من واجه مأزق التعامل مع الملف الصومالي؛ فقد دعمت الإدارات الأمريكية المتعاقبة على مدار عقدين الحكومة الفيدرالية الصومالية الضعيفة في حربها الطويلة ضد حركة الشباب، في ظل تصاعد الإحباط من ضعف الأداء الحكومي وتعثّر مشروع بناء الدولة. وفي ضوء ذلك تتقاطع داخل دوائر صنع القرار الأمريكي ثلاث رؤى رئيسية فيما يتعلق باتجاهات التعامل مع الصومال وذلك على النحو الآتي:
أ. الدعوة إلى الانسحاب السريع وإنهاء هذه التدخلات العسكرية التي أنهكت قدرات الولايات المتحدة منذ 2001.
ب. تركيز السياسة الأمريكية نحو أرض الصومال باعتبارها كيانًا أكثر استقرارًا واستعدادًا للشراكة.
ج. تبني خيار الاستمرارية الحذرة، أي الحفاظ على الحد الأدنى من الانخراط لتجنّب انهيار الدولة، وهو النهج الذي واصله البيت الأبيض في عهد الرئيس السابق بايدن القائم على معادلة انخفاض التكلفة والمخاطر.
وعلى الرغم من تعدد هذه الاتجاهات إلا أن جميع هذه الخيارات لم تُحقّق نجاحًا ملموسًا. فالانسحاب يهدّد بإعادة تمكين المتمردين، والاعتراف بأرض الصومال يفتح باب الخلاف مع القوى الإقليمية، بينما الاستمرار بالنهج ذاته لا يُنتج سوى إدارة مؤقتة للأزمة دون حلول جذرية.
3. واشنطن وتجاوز حالة الانقسامات: مراجعة استراتيجية
أمام هذه المعادلة المعقدة، يتمثل النهج الأمثل أمام واشنطن في تجاوز منطق الاحتواء الأمني إلى مقاربة سياسية أكثر عمقًا تعمل على توظيف الحضور الأمريكي كأداة ضغط لإحداث تسويات داخلية صومالية حقيقية، وقد أظهرت بعض الاتجاهات إلى أن إدارة ترامب بصدد مراجعة شاملة للسياسة الأمريكية تجاه الصومال، وهو مسار كان يمكن أن يشكّل فرصة لإعادة توجيه الدعم الأمريكي نحو تحفيز الإصلاح السياسي بدل الاكتفاء بالمقاربات العسكرية. فالمطلوب ليس زيادة التدخل أو تقليصه، بل إعادة ترتيب أدواته بما يضمن توازنًا بين الأمن والتنمية والاستقرار السياسي وبناء الدولة.
وتأتي هذه التوجهات في ضوء الادراك بتراجع وتآكل الجدوى السياسية للانخراط العسكري، وأنالسياسة الأمريكية تواجه مأزقًا بنيويًا بين الرغبة في الانسحاب وحماية المصالح الأمنية في القرن الأفريقي. فبينما تُعدّ الكلفة المالية والسياسية للوجود الأمريكي محدودة نسبيًا، فإن استمرارها دون أفق سياسي واضح يجعلها استثمارًا غير منتج، كما إن الاكتفاء بسياسة إدارة المخاطر لا يقدّم بديلًا استراتيجيًا، بل يرسّخ حالة الجمود التي تُبقي الصومال عالقة في دائرة الهشاشة على مختلف المستويات دون تحقيق اختراق لهذه الملفات.
4. التدخل الأمريكي في الصومال: تورط ممتد وعائد محدود
منذ أن كانت إدارة جورج دبليو بوش (2001-2009) في البيت الأبيض، لم تنقطع الولايات المتحدة وسياساتها الخارجية عن التدخل في الملف الصومالي؛ إذ سعت الإدارات المتعاقبة إلى تحقيق هدفين رئيسيين وهما إضعاف حركة الشباب الموالية لتنظيم القاعدة، وإعادة بناء الدولة الصومالية لتصبح قادرة على الصمود دون دعم خارجي واسع. وضمن إطار تحقيق ذلك، دعمت واشنطن ودربت وحدة النخبة “الداناب” داخل الجيش الصومالي، وقدمت دعمًا جويًا واستخباراتيًا لعملياتها ضد الجماعات المتطرفة، بالتوازي مع ضخ مليارات الدولارات كمساعدات إنسانية وتنموية لدعم مؤسسات الدولة الفيدرالية التي ما زالت تُعيد بناء نفسها منذ انهيار نظام سياد بري في عام 1991. وعلى مدى سنوات، كانت الولايات المتحدة أكبر مانح للصومال، ساعية إلى تعزيز قدرته على الحكم وبسط سلطته. غير أن ثمار هذا الانخراط لم تكن بالمستوى المأمول. فبعد سنوات من الجهود والتكاليف المرتفعة، لا يزال مشروع بناء الدولة متعثرًا، ولا تزال حركة الشباب تشكل تهديدًا وجوديًا، فيما تعجز الحكومة عن تحقيق تقدم واختراق في هذه الملفات بما يمكن أن يساهم في اتجاه واشنطن نحو تقليص دعمها العسكري والمالي في المدى المنظور.
5. الانقسامات البنيوية كمصدر رئيسي لحالة الجمود السياسي
تكمن أزمة الصومال في مجموعة من العوامل من أهمها الانقسام الداخلي، فالنظام الفيدرالي، الذي يفترض أنه أداة لتقاسم السلطة، أصبح ساحة للصراع بين الحكومة المركزية والولايات الأعضاء حول الاستحواذ على النفوذ والموارد، وقد انعكست هذه الانقسامات بشكل مباشر على فعالية الحرب والمواجهة العسكرية ضد حركة الشباب. فبينما انشغلت الحكومة خلال عامي 2024 و2025 بخلافات انتخابية مستمرة، نجح المتمردون في شن هجمات مضادة واستعادة مناطق كانت القوات الحكومية قد حررتها في حملات عسكرية سابقة. كما أن تعليق بونتلاند تعاونها مع مقديشو في عام 2023 أضعف وحدة الصف الوطني، وأعاد للأذهان مشهد المواجهة الدامية في 2021 حينما حاول الرئيس السابق فرماجو تمديد ولايته بالقوة.
ولعل مأزق العلاقة المتأزمة بين السلطة المركزية الصومالية وأرض الصومال وتداعياته الإقليميةزادت المشهد تعقيدًا للخلاف التاريخي مع أرض الصومال، التي أعلنت استقلالها من طرف واحد في عام 1991 وطوّرت مؤسسات دولة فاعلة، بينما ترفض مقديشو الاعتراف بها. وقد تعمّق التوتر في 2025 بعد إعلان الحكومة الفيدرالية تأسيس ولاية اتحادية جديدة في مناطق متنازع عليها، وهو ما صعد التوتر مع هرجيسا وأثار قلق القوى الإقليمية، وبالرغم من المخاوف المشتركة المتعلقة بتمدد الجماعات المتطرفة في شمال البلاد واحتمال اتصالها بالحوثيين عبر خليج عدن، فإن انعدام الثقة بين الطرفين يُعطل أي تنسيق أمني فاعل، وهو ما يُضعف الجبهة الصومالية الداخلية ويقوّض الجهود الدولية نحو الاستقرار.
6. التدخل الدولي بين الجمود والاستنزاف
تجد واشنطن نفسها ومعها بعثة الاتحاد الأفريقي (AUSSOM) أمام معادلة صعبة ومتشابكة في محدداتها، فالتراجع في الدعم العسكري قد يُفضي إلى انهيار مكتسبات الأمن الهش بطبيعته، بينما الاستمرار في النهج الحالي لا يفضي إلا إلى استمرار حالة الركود. فالقوات الصومالية وقوات الاتحاد الأفريقي تملك القدرة على الصمود، لكنها تفتقر إلى القوة اللازمة للحسم، ومن دون الدعم الخارجي الواسع سواء الأمريكي أو الأفريقي ستواجه الحكومة الصومالية صعوبة في الحفاظ على توازنها الميداني، وهو ما يعني أن الصراع سيبقى في حالة جمود نسبي قائم على فرضية منع الدولة من الانهيار دون أن تتمكن من النهوض الكامل.
7. أزمة الثقة الشعبية وتآكل شرعية الدولة
يزداد المشهد الصومالي تعقيدًا مع تراجع الثقة الشعبية في الحكومة الفيدرالية. فالدولة لا تملك حضورًا فعليًا خارج مقديشو وبعض المدن الكبرى، بالإضافة إلى عدم قدرتها على القيام بوظائفها في تقديم الخدمات أو فرض القانون في معظم المناطق الريفية. وداخل هذا الفراغ الإداري، تبرز حركة الشباب كسلطة موازية تقدم شكلًا من الحوكمة القسرية القائمة على الجباية وتطبيق أحكامها الخاصة. وهكذا تُعيد الحركة إنتاج نموذج سلطوي موازٍ يُغذي فكرة أن الدولة المركزية عاجزة وغير شرعية، وهو ما يصعب من جهود إعادة بسط سلطتها.
8. معضلة واشنطن واتجاهات الدور الأمريكي في الصومال
غالبًا ما بدا شركاء مقديشو الأمنيون، وفي مقدمتهم الولايات المتحدة، أكثر حرصًا من الحكومة الفيدرالية على مواجهة حركة الشباب، وهو ما يعكس حالة التشتت السياسي داخل المؤسسات الصومالية نتيجة الصراعات الفئوية على السلطة والموارد. وبالنظر إلى أن مكافحة الإرهاب تمثل أولوية قصوى في الاستراتيجية الأمريكية، فإن النخب السياسية في مقديشو اعتادت افتراض استمرار تدفق المساعدات الأمريكية مهما بلغ مستوى الشلل السياسي أو ضعف أداء الجيش الوطني. وقد واجه كل رئيس أمريكي منذ جورج دبليو بوش هذه المعضلة ذاتها وغادر منصبه دون أن يجد حلًّا ناجزًا لها، وهو الأمر المستمر حتى الآن.
ويمكن القول إن ملامح المشهد الأمني في الصومال تعتمد بدرجة كبيرة على حجم وطبيعة الدور الأمريكي؛ إذ تمتلك واشنطن نفوذًا يفوق بكثير وزنها العددي أو اللوجستي في البلاد، نظرًا لقدرتها على توجيه سياسات القوى الغربية الأخرى وعلى رأسها الاتحاد الأوروبي والمملكة المتحدة التي غالبًا ما تحذو حذو الموقف الأمريكي. لذلك فإن أي انسحاب مفاجئ من جانب واشنطن لن يقتصر أثره على ميزان القوى الداخلي، بل سيمتد ليقوّض قدرة القوات الصومالية على مواصلة الضغط على المتمردين، وقد يدفع شركاء آخرين إلى مراجعة التزاماتهم المالية والعسكرية، وهو ما يفاقم أزمة التمويل التي تُعاني منها بعثة الاتحاد الأفريقي بالفعل. وفي ضوء هذا السياق، تنوعت خيارات واشنطن في التعامل مع الأزمة الصومالية بين سياسات الحسم العسكري وعوامل الإصلاح السياسي.
وعلى الرغم من إدراك الإدارة الأمريكية بعدم إمكانية الانسحاب الكامل، إلا أن استمرار النهج القائم لم يعد مجديًا. فواشنطن اليوم أمام خيارات محدودة تتمثل في تعزيز الدعم العسكري بهدف توجيه ضربة قاصمة لحركة الشباب، أو التحول نحو معالجة جذور الأزمة السياسية التي تعيق بناء الدولة واستقرارها. غير أن التجارب السابقة، خاصة في فترة ترامب الأولى، أثبتت فشل المقاربة العسكرية وحدها؛ إذ لم تُسفر زيادة الضربات الجوية عن نتائج حاسمة، بل استعادت الحركة السيطرة على أراضٍ جديدة في عام 2025 رغم التصعيد الأمريكي. كما أن أي تفوق ميداني مؤقت لا يعالج الانقسامات البنيوية في النظام السياسي الصومالي، وهو ما يجعل عودة الفوضى مسألة وقت فقط.
أ. تحقيق أقصى استفادة من الخيارات غير الكاملة: في ظل غياب الحلول السريعة والقادرة على حب الأزمة، تسعى إدارة ترامب الثانية إلى تحقيق أقصى استفادة من نفوذها السياسي والعسكري لدفع مسار الإصلاح في الصومال، بدلًا من الاكتفاء بالإدارة الأمنية للأزمة. ويُساعدها في ذلك إرث التجربة السابقة خلال ولايته الأولى؛ حين تراجع ترامب عن قراره بسحب القوات الأمريكية عام 2020 بعد ضغوط من البنتاجون، وهو ما أتاح لاحقًا إعادة نشر القوات في مناطق محددة داخل الصومال في عهد بايدن.
من ناحية أخرى، تُدرك القيادة الصومالية هذا التاريخ المتقلب، وتخشى تكرار ترامب لسيناريو الانسحاب المفاجئ، خاصة في ظل تزايد الأصوات داخل واشنطن الداعية لتقليص الانخراط الخارجي، ولعل هذه المخاوف دفعت الحكومة الصومالية إلى محاولات ضغط دبلوماسية مباشرة على الإدارة الأمريكية عبر شركات ضغط ورسائل رسمية تهدف لإقناع واشنطن بالإبقاء على وجودها العسكري، مع عرض تسهيلات استراتيجية في موانئ بربرة وبوساسو، رغم أن السيطرة الفعلية للحكومة الفيدرالية على هذه المناطق محدودة.
ب. إعادة ضبط العلاقة بين واشنطن ومقديشو: حتى كتابة هذه السطور، لم تُعلن إدارة ترامب بوضوح عن رؤيتها الشاملة تجاه الصومال؛ إذ تتسم تحركاتها بالتجزؤ بين قرارات متفرقة مثل خفض المساعدات، وتشديد في القيود الدبلوماسية، وزيادة في الضربات الجوية. ومع ذلك، فإن مراجعة السياسة الأمريكية الجارية تمثل فرصة لإعادة صياغة أولوياتها بما يُمكّنها من استثمار نفوذها لدفع الأطراف الصومالية إلى معالجة المعضلات الجوهرية.وينبغي لواشنطن أن تستخدم ثقلها السياسي في مجموعة من المسارات من أهمها:
- تسهيل حوار وطني شامل بين الحكومة والدول الأعضاء والمعارضة لتجنب تكرار أزمات ما قبل الانتخابات المقبلة عام 2026.
- دعم ترتيبات فيدرالية متوازنة تُخفف من حدة التوتر بين مقديشو وبونتلاند حول تقاسم السلطة والموارد.
- تشجيع تسوية مرحلية مع أرض الصومال لإعادة الثقة والتعاون في ملفات الأمن والمساعدات والمجال الجوي.
- فتح مسار تمهيدي للحوار مع حركة الشباب ضمن مقاربة واقعية تُقوّي فرص السلام وتُقلّل من الاعتماد المفرط على القوة العسكرية.
في الختام: لا يُتوقع أن تؤدي التحركات الأمريكية الحالية إلى حل شامل للأزمة الصومالية، لكنها قد تُسهم في تهيئة بيئة أكثر استقرارًا تسمح بتقليص الوجود العسكري الأمريكي على المدى الطويل دون تنامي المخاوف من انهيار الدولة، كما إن إعادة توجيه الدور الأمريكي من مقاربة عسكرية ضيقة إلى رؤية سياسية شاملة تُعدّ الخيار الأنجع لوقف دوامة الانتظار الدائم التي علق فيها التدخل الدولي في الصومال منذ عقدين، وضمان قدرٍ أكبر من التوازن بين مكافحة الإرهاب وإعادة بناء الدولة بمحددات جديدة.

